تحقيق استقصائى الأهرام فى «تورا بورا الصحراء » ترصد قوافل المخدرات »2» 

عصابات التكفير والمخدرات تمرح فى الصحراء برعاية أمريكية ــ فرنسية

 

◙ سكان الحدود لايعرفون الدولة المركزية ويوفرون الحواضن الآمنة والمعلومات للعصابات

◙ ظهور مافيات قبلية صغيرة وميليشيات «اقتصادية» كغطاء لحركة الإرهاب

◙ البابا والعمو والبيدجا أحدث مهربى المخدرات والبشر والسلاح فى ليبيا

الاهرام: ايمن السيسي

 

مندوب الأهرام فى أحد الدروب الصحراوية

الداه ولد أحمد أحد المهربين سخر من القول بأن القوات الفرنسية وقوات «إيكواس» أنهتا وجود الإرهاب والتهريب فى شمال مالي، فسيطرة التنظيمات التكفيرية تمتد على مساحات شاسعة من مثلث «تورا بورا العرب»، مرورا بصحراء أزواد ثم «تساليت» والصحراء الليبية حتى أقصى الشمال الغربى للسودان ويتشارك السيطرة فيها قدامى التكفيريين فى الصحراء مثل «بلعور – مختار بلمختار» مع أحدثهم فى الظهور من قيادات داعش وأنصار الشريعة فى ليبيا وتونس كجزء من استراتيجية التمدد والانتشار والتعويض لخسارة داعش فى العراق وسوريا، وبسط نفوذهم التأمينى لحركة تهريب البشر والسلاح والمخدرات، وتفعيل حركة الإرهاب فى منهج محدد ضمن استراتيجية شاملة ومعقدة للبقاء أساسها نشر الرعب باسم »التنظيمات التكفيرية فى هذه الصحراء، ساعد على تنظيمها واستغلالها أجهزة استخبارات دولية بنفس الرعاية والدعم الاستخباراتى لتمويل صفقات أسلحة لتنظيم القاعدة، منها نقل المقاتلين من سوريا والعراق إلى ليبيا، والإنفاق على الميلشيات فى ليبيا، وهو ما تم أخيرا، بمضاعفة رحلات التهريب وزيادة وتيرتها الحصار الذى فرضته الدول الأربع، مصر، والبحرين، والإمارات، والسعودية على قطر وكشف فضائحها فى دعم الإرهاب وما أدى إليه من تجفيف منابع الدعم فألجأ الجماعات الإرهابية لزيادة عملها ومنها جماعات مثل »أنصار الدين« التى رفضت فى السابق هذه النوعية من التهريب. الآن ولجت مضماره خصوصاً بعد تحالفها مع كيانات أخرى فى »نصرة الإسلام والمسلمين«.

إحدى قوافل الصحراء عند التوقف للاستراحة بجوار آبار المياه

السؤال هل يمرح المهربون وعصابات التكفير فى الصحراء الكبرى دون علم أو رعاية أمريكا وفرنسا؟ وجودهما العسكرى والاستخبارى يؤكدان رعايتهما لهذا النشاط، وإلا فما جدوى الإنفاقات العسكرية الضخمة للبلدين فى دول الساحل والصحراء.

ديفيد رود ريجيز قائد القيادة الوسطى فى الجيش الأمريكى »أفريكوم« أعلن تضاعف عدد مقاتلى داعش فى ليبيا خلال العام ونصف الأخيرين ليصبح ما بين 4 و6 آلاف مقاتل، وهو ما يؤكد رؤيتهم ورصدهم لكل التحركات فى المنطقة عبر الأقمار الصناعية وطائرات التجسس بدون طيار التى تنطلق من قاعدتها العسكرية فى مدينة »أجاديس« فى النيجر.

ولفرنسا قواعد عسكرية فى بوركينا فاسو وتشاد ومالي. كما ترعى قوة عسكرية مؤلفة من 5 آلاف جندى من دول الغرب الإفريقى لمحاربة التطرف وعصابات التهريب فى الصحراء الكبري.

أما الجزائر فقد أسست مع بوركينا فاسو وموريتانيا والنيجر ونيجيريا وتشاد وحدة »الدمج والاتصال« بهدف تبادل المعلومات الاستخبارية والأمنية، فضلا عن جواسيسهم فى الصحراء داخل كيانات التطرف والتهريب. فهل يمكن بعد ذلك القول إنهم لا يرون ولا يشعرون؟.

الجزائر اعتبرت حدودها مع مالى (1370كم)، وموريتانيا (460كم)، وليبيا (980كم)، مناطق عسكرية يحظر التنقل فيها إلا بترخيص أمني، وأنشأت نقاطا ثابتة للمراقبة ومنع التسلل والتهريب فى الصحراء. وموريتانيا أغلقت حدودها مع الجزائر، وأعلن وزير دفاعها فى يوليو الماضى غلق الحدود مع الجزائر للحد من التهريب واستحداث نقاط عسكرية ثابتة على أطراف أراضيها، وتبذل جهودًا كبيرة لمكافحة التهريب، إلا أن أغلب هذه الجهود تذروها الرياح بسبب التشابك المعقد لتحالفات التهريب مع أفرع للسلطات المحلية فى هذه الدول، ووضعت نقاطا أيضا للمراقبة، ولكنها لم تمنع التهريب أو تحد من تحركات الإرهابيين، فأعلن وزير الدفاع الموريتانى أن الحدود مناطق عسكرية ممنوع الاقتراب منها فى يوليو الماضي، رغم أن موريتانيا تقوم بجهود جبارة لمواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات لكنها تبقى جهودا غير مثمرة لخبرة العصابات فى التحرك السريع ووجود حواضن شعبية من أهل الصحراء ينعدم إحساسها بالدولة، لا يعلمون عنها شيئا فى موريتانيا ومالى النيجير،

 

المحرر مع قيادات «مانيلا» فى ليرا بمالى

وفى أحاديثى مع سكان الحدود تجلت الحياة فى الصحراء بكل براءتها وغيبتهم عن العالم وعدم معرفة إلا من يساعدهم وتمنحه عصابات التهريب والتكفير لهم مقابل تأمين وإخفاء عناصرها ومداواتهم بأدوية الصحراء العشبية كما حدث فى »إنيانبك«،حيث أمضى هشام بلال، عضو التوحيد والجهاد السابق، والحازمى الجديد سبعة عشر يوما حتى برأ من إصابته فحملته قافلة مخدرات إلى »الخليل«، وبعد ساعات كان فى »ككلة« فى ليبيا (140كم) من حدود الجزائر، سألت شيخ »الدشرة« لماذا تساعدونهم؟ فقال: لأنهم يساعدوننا بما نحتاج من وقود وزيت وسكر ودقيق وإطارات سيارات جديدة وبعض أدوية العظام ودهاناتها، بل أن أحدهم أهدى إلينا بعض أقراص تعمل على تنقية مياه الآبار وتصفيتها جيدا للشرب ولا يؤذوننا وهو ما دأب عليه »مستر مارلبورو«، يقصد مختار بلمختار، أمير كتيبة الرابطون وهكذا، فإن سكان الصحراء رضوا بهؤلاء بديلا عن الدولة الغائبة.

آبار المياه

وتلك إشكالية المعادلة الأمنية فى الصحراء بين حواضن شعبية لا تعترف بحدود الدول التى صنعها الاستعمار وعلى جانبيها وامتدادها تنتشر القبائل التى سقطت كما قال لى شيخ «الدشرة» من حسابات الدول، فبقيت مناطقهم فقيرة مهمشة تتبرأ منها ويستولى موظفوها المحليون على فتات المخصصات الهزيلة لتعبيد بعض الطرق أو رعاية رءوس الماشية بيطريا وحفر أو توسعة آبار. كما يستولى بعض الضباط وصغار كبار الموظفين على المخصصات الأمنية والأجهزة التى توفر لمراقبة القوافل فوق الرمال فتتضاءل قدرة الدول على ملاحقة الإرهاب والتهريب. ويستمر السكان فى مرابع و«دشرات« وخيام الصحراء فى مشاهدة تحركاتهم يخفون عناصرهم ولا يشهدون عليهم، ويمثل التنوع العرقى للمهربين والتكفيريين المارين عبر مثلث ساحلستان فى الصحراء، وتنوع جنسياتهم ولغاتهم فرصة لتوسيع دوائر تحركهم وقدرتهم على تأمين القوافل وسهولة الاختباء عند الضرورة فى مسارب ودروب الصحراء والممرات الجبلية الوعرة.

سألت الشيخ أكلود عن نسبة متعاطى المخدرات بينهم فامتعض من السؤال وأكد عدم تعاطى أى فرد فيهم المخدرات، وقبل أن يغط السائق المزعج »ولد سيدي« فى نومه رشف بعض الأتاى وقال: حتى السجائر لا يدخنونها، وليس بينهم من يتعاطى المخدرات، ولكن من بينهم من كون مافيا صغيرة ذات طابع قبلى أو دينى لتجارة المخدرات كشركاء بأنصبة، معتمدين على خبراتهم فى معرفة الدروب وقدراتهم وامتداد قبائلهم على مساحات كبيرة تساعدهم على تأمين حركة القوافل فى الصحراء، وتسهم أرباحها فى رشوة حراس الحدود والقفز فوق الأنظمة الأمنية الهشة لهذه الدول. ومن لا يعمل من رجالها فى التهريب يكتفى بفرض جباية على القوافل المارة فى نطاقها ولها عيونها من مافيا النقل من سائقى الصحراء المحترفين، خصوصا التبو والطوارق والكانميين والليبيين، وهؤلاء لهم علاقات جيدة مع كل الميليشيات القبلية والتكفيرية ويعملون أحيانا كوسطاء بين أصحاب البضاعة. والميليشيات.. زميلى الصحفى عثمان أج محمد عثمان المتخصص فى أخبار الساحل والصحراء، يرى أن الطوارق والعرب فى مالى ليسوا سوى مجرد ناقلين أرهقهم الفقر والتهميش الممارس عليهم من قبل الحكومات المتعاقبة فى غياب لأى نوع من التنمية، وهو نفس ما يراه »اليانو تينيري« من طوارق النيجر. صحيح أنهم أصبحوا حلقة الوصل بين الغرب المنتج والشرق المستهلك لكنهم ليسوا سوى ناقلين فقراء، أما بعض رءوس العصابات فهى فى ليبيا إما من قادة داعش أو القاعدة أو وكلاء عن أجهزة مخابرات دولية يواصلون تهريب المخدرات لتوفير الدعم للميليشيات المسلحة.

آخر صفقة وصلت إلى ليبيا من الحشيش حملت 20 طنا استغرقت أسبوعين فى الطريق من ممر قندهار (شمال غرب موريتانيا) حتى الخليل مرورا بـ«أكشاش» وتخص أحمدو أج محمد أزوادى مقيم بالدار البيضاء وأحمد الدباش الليبى الملقب بـ«العمو«، وهو شاب فى العشرين استغل تهريب المهاجرين غير الشرعيين والنفط غطاء لتهريب المخدرات والمقاتلين لحساب أمراء الليبية المقاتلة، ومعه عبد الرحمن ميلاد من الزاوية 45كم غرب طرابلس والمعروف بـ«البيدجا« الذى ورد ذكره فى أحد تقارير الأمم المتحدة كطرف أساسى فى عمليات تهريب البشر. وبرغم شيوع ذكرهما كملكى للتهريب فى ليبيا والصحراء الكبرى فقد حصلا على 15 مليون يورو من الحكومة الإيطالية، ضمن اتفاقية التوطين ومكافحة التهريب ومساعدات لوجيستية أخرى بحجة وقف الهجرة غير الشرعية خصوصا أن للبيدجا منصبا رسميا فى الغرب الليبى كرئيس لخفر السواحل مواليد 1990 ولهما عدة مخازن للمخدرات والمقاتلين فى المنطقة الممتدة من »الخمس القربولي« شرقا وحتى صبراتة غربا، أما المشرف على نقل قوافل المخدرات من الخليل إلى حدود ليبيا الشرقية فهو نور الدين هدية بابا أحد منتسبى أنصار الشريعة فى ليبيا ويوزع نشاطه بينهما وأما فهمى سليم موسى بن خليفة من زواره والذى ظهر مؤخرا كأحد رءوس التهريب فى الصحراء الكبرى يراه البعض الأذكى بين المهربين الجدد لعدم احتفاظه بأموال سائلة أو ممتلكات فى ليبيا إلا ما ينفقه حاليا على إنشاء مدينة سياحية فى زواره. وأغلب أمواله اشترى بها عقارات فى تركيا ومالطا، وكون هؤلاء وغيرهم ميليشيات صغيرة يمتد نشاطها على خطوط سير قوافل المخدرات ضمن تحالف مع المكونات الإرهابية فى ليبيا والصحراء، آخر أيام شهر نوفمبر الماضى مرت عبر الخليل قافلة عالى ولد حسان من الأمهار حاملة 640كم كوكايين وصلت جنوب ككلة ثم انطلقت بقيادة إدريس الدوعلى ويوربا المغيلى جنوبا اعترضتها قافلة مسلحة لـ«الليبية المقاتلة« 50كم جنوب غرب مرزق، ومعها ضابط برتبة نقيب عمل سابقا فى كتيبة المغاوير لاستخراج حاوية تحمل طنين من ذهب القذافى دفن فى الصحراء مستدلا بإحداثيات المكان، وقبل أن يبدأ الحفر مرت القافلة فى رغب رجال المقاتلة الاستيلاء عليها وقتل حاملوها انتقاما من ضياع عدة أطنان من الحشيش تمت مصادرتها فى »ترهونة«، وكانت تخص الدواعش فى إطار التنافس والحرب بينه وبين القاعدة وتدخل سفيان القومة بالاتصالات وفض المعركة وإرجاء الصلح إلى حين اللقاء فى «ودان« وهو ما دفع يوربا للاتجاه جنوبا أكثر من 70كم وهى المسافة التى يستحيل رؤيتهم عن بعد فى الجو الصحو بعد أن استخدموا طريقة البريدة، وهى الدوران فى دائرة نصف قطرها 40كم عدة دورات لتضليل المتتبع ودفن الشحنة وتحديد إحداثياتها بالـG.P.S. تفاديا للوقوع فى أيدى المتربصين، وهى الطريقة المتعارف عليها للتخزين أو تصبير المخدرات والوقود بدفنها فى الصحراء، الصفقة الأخرى التى مرت منها ثلاث سيارات عليها 8 أطنان جنوب الكفرة قرب الحدود المصرية والباقى 18 طن حشيش، انتقلت شمالا من الصحراء الليبية إلى منطقة برقة على متن سيارات دفع رباعى بتعاون جماعة »أنصار الشريعة« الليبية، وتم تفريغها ونقلها على ظهور الإبل إلى الجبل الأخضر، ومنها إلى »عين غزالة« بالقرب من »التميمي« ثم حملت على أكتاف الرجال الذين كانوا يبدون من بعيد كـ«سرب نمل« إلى ساحل البحر المتوسط، لينقل عبر قوارب مطاطية صغيرة إلى جزيرتى »الحيطة الحمراء« و«البردعة« ومنها إلى مركب خشبى متوسط 18-20 متراً حملت 10 أطنان »تتخذ طريقها فى البحر بالتعاون مع عصابات ألمافيا فى إيطاليا، وبعضه يتجه شرقاً إلى السواحل المصرية.

ولا يقتصر التهريب فى هذه المنطقة على الحشيش والكوكايين، فأحيانا يتم تغطيتهما بالترامادول لدفع أقل جياية لقطاع الطرق وعصابات التبو ولضباط الحدود الذين قد يصادفونهم على طول الطريق. هذا فضلا عن تهريب الترامادول التى تخصصت فيه عصابتين من العصابات الليبية مع شركائهم فى النيجر، والأخطر أنه يتم تصنيعه فى مصنع بدأ نشاطه فى النيجر بالقرب من »أريلت« تنطلق منه حاويتان كل أسبوع بكل منها 600 كرتونة، بكل كرتونة ما بين 5-8 آلاف شريط، وتؤكد مصادرنا أن المصنع يتبع لأحد زعماء التبو فى »ربيانة« ويختص بالتوريد لتجار مصريين عبر جنوب منفذ السلوم، وآخر قريبا من الجغبوب.

ولتأكيد التحالف المعقد بين الإرهاب والمخدرات فى ليبيا، تم تأسيس عدد من الميليشيات المسلحة استفادة من غياب الدولة ونزاعات الحرب الأهلية فيها، تضم خليطا من تجار المخدرات وصُنَّاع الحرب يقودهم أمراء الإرهاب لمحاولات التضليل على نشاطهم التكفيرى ولهذا استغلت عمليات تهريب البشر و«النفط« كغطاء لتهريب المخدرات وتنقل الإرهابيين وهو ما بدأ مع ابراهيم الجفران عضو الجماعة الليبية المقاتلة واللص السابق الذى استحل حسب فتوى الجماعة ـ سرقة أموال وسيارات الدولة الكافرة والذى أصبح فجأة المتحكم فى المنشآت النفطية وعمل فى تهريب النفط كغطاء لتهريب البشر والسلاح والمخدرات ومعه أشقاؤه السبعة عبر محطات قد يتربص لهما فيها الميليشيات السياسية المسلحة أو كتائب جيش الغرب أو الجيش الوطنى الليبى فى الشرق والجنوب. على خط تهريب المهاجرين غير الشرعيين والذى بدأ قبل 10 أعوام من الصومال وجنوب السودان إلى تشاد وليبيا ثم الجزائر ومالى حتى موريتانيا بتهريب السلاح والمقاتلين إلى جنوب الجزائر دعما للجماعة السلفية للدعوة والقتال فى الجزائر ثم للطوارق فى إقليم أزواد شمال مالى خصوصا بعد نزوح »القاعدة« إليه، عكست خط السير حاليا لتهريب السلاح إلى مصر مع الإبقاء على قوافل المهاجرين وضمنهم إرهابيون.

ولتأمين هذه الطرق قواعد حاكمة منها التخلص من العسكريين الوطنيين المخلصين من ضباط الجيش الليبى المعارضين لوجود الإرهاب فى ليبيا كما حدث مع العقيد على محمد مفتاح المراكبى الذى ساهم طوال سنوات بعد أحداث «17 فبراير» فى منع عمليات تهريب كبرى لمقاتلين ومخدرات تخص أنصار الشريعة و«الليبية المقاتلة«، فاغتالوه مع والده وأحد أشقائه مثلما اغتالوا أكثر من 500 ضابط 2014 فى بنغازى وحدها لتظل ليبيا تتآرجح بين ولاءات متغيرة لحراس الحدود وبين عصابات الطرق وميليشيات التكفير. فالصفاء الذى حكم علاقات التبو والطوارق حراس الدروب عامى 2012 – 2013 اختفى الأن ليحل العداء بينهما انعكاساً لتغيير التحالفات السياسية. حيث يدعم التبو الآن حكومة الشرق ويتعاونون مع الجيش الوطنى الليبى بقيادة خليفة حفتر، وكتيبة »فرسان الصحراء« مما دفع بعض العصابات الموالية للتنظيمات التكفيرية وتجار المخدرات لاتخاذ طرقً بديلة على الحافة الشمالية لحدود دولة النيجر، وعلى بعد ما يقرب من 50كم شمال »آرليت«، وهناك تتناثر جثث وبقايا جثث تحللت تحت شمس صحراء النيجر، معظمها لنساء وأطفال، كما تدل البقايا والملابس ينتشرون على مساحة تقرب من 10 كيلومترات. قال دليل الصحراء عمر مخلوف وهو يشير إلى الشمال بعضهم هناك، يبدو أن كل جماعة منهم اتجهت إلى ناحية بحثا عن ماء أو ظل، بينهم جثة طفل تحتضنه أمه، وعلى بعد خطوات طفل آخر خمسة رجال فقط، وصلوا إلى «آرليت»، هلاك المهاجرين فى هذه الصحراء عطشا أمر عاديا، ظلت ليلتنا التى أدفأها »الأتاي« شاى الصحراء الأخضر وزادتها مشاهد الموتى ظلمة وأبشعتها كثير من حكايات المهربين وسائقيهم، أحدهم عثر على أكثر من 40 جثة لأطفال لم يتعد عمرهم 5 سنوات قبيل خط الحدود الجزائرية المالية.

وإن كانت أكثرها خطورة مثل ممر «سلفادور» الذى يربط حدود النيجر وليبيا والجزائر للوصول إلى «أدرار بوس» شمال غرب النيجر، خصوصا بعد سيطرة التبو على طرق أوبارى وإنهاء سيطرة الطوارق عليها فى ظل صراع تاريخى لإثبات أقدمية الوجود فى هذه المدينة، وبالتالى السيطرة على دروب المهربين بين ليبيا والنيجر والجزائر.

وتسلك قوافل المخدرات طرقها عبر وادى «زوراك» الفاصل بين مالى والنيجر وما بينهما وبين بلاطو جادو تضطر القافلة للمرور على منطقة «أحمدو» وجماعته المسلحة التى تسيطر على الهضبة المطلة على «كانم» شمال تشاد ويحصل على نصف مليون دولار من كل قافلة لتأمين مرورها إلى الحدود عبر الممرات الجبلية الوعرة فى هضبة «تبستي»، ومن «باريداي» فى «تشاد» تنطلق إلى شمال غرب دارفور.

لم يستغرق الوصول إلى «المثلث الحدودي» لمصر، وليبيا، والسودان أكثر من ثلاث أيام وخيمت القافلة جنوب شرق «الكفرة»، للراحة فى جبال «كلينجي» قريبا من إحدى آبار الماء، قال السائق المزعج إذا تأخرت فى السير نتيجة نشاط الطيران الحربى المصري، فيتم دفن »فناطيس« و«براميل» بنزين فى الرمال، أما الماء فإن نفذ فى آخر مراحل الرحلة، فيحصلون على الماء من بئر «أركنو» قبل حدود مصر بـ40كم عند خط عرض 24.5، وبئر الكفرة قبل خط الحدود بـ80كم، أما وسط بحر الرمال قبل الحدود بـ30كم، فبئر «وادى القبة» وجنوبه بئر «الحمرا»، بعدها تعبر «القوافل» الحدود المصرية عبر ممرين الأول جنوب «أبو منقار» والثانى شمال «عين داله» قريبا من واحة «الفرافرة» ثم إلى الفيوم وبعدها «المنيا» إلى البحر الأحمر، وطريق آخر يبدأ من جنوب جغبوب إلى «سيوة» حتى «الواحات البحرية» فى مصر، ومنها تتفرع إما إلى الجنوب مخترقة محافظة الوادى الجديد جنوب الواحات الداخلة، ثم باتجاه الشرق إلى قنا ومنها إلى سفاجا لتعبر البحر الأحمر، والأخرى إلى صحراء الجيزة ثم سيناء. الجزء الأكبر يتم تهريبه إلى مصر مخترقاً الحدود الشمالية التشادية بالقرب من «بير كوران» و«وادى الناموس» فى «تيبستي» إلى مثلث الحدود السودانية الليبية المصرية عند جبل العوينات.

ويتم التسليم إلى مندوبى التجار الليبيين فى منطقة «وانيني» فى تشاد. وفى هذه المرحلة يصل الإنفاق على الرحلة إلى نحو 3 ملايين دولار تدفع لشيوخ القبائل والعصابات المسلحة وبعض الإرهابيين المنشقين من أمثال التشادى «زويدى جادو» الذى رأى أن مرحه فى الصحراء وقطع القوافل أفضل له من إنشاء دولة الخلافة المزعومة.

By