قراءة في المشهد “الطوارقي ” في منطقة الساحل

ما ان تذكر قبائل الطوارق اليوم، إلا وتبادل إلى الذهن كلمات من قبيل ” التمرد” و”الفوضى ” وغياب الاستقرار في منطقة الساحل، الإرتزاق في مليشيات القذافي، تهريب الأسلحة، اضف الى ذلك الخلط بينهم وبين الجماعات الإرهابية في المنطقة.
بالأمس كان الإسم مرتبط أساسا بالحرية والشجاعة والتسامح وبالمميزات الحضارية المتميزة، وبالامتداد التاريخي للمنطقة، الطوارق هم القبائل التي تسمى نفسها ” كل تماشقت أو تماهقت أو تماجغت” بحسب لكنها المنطقة الصحراوية الفاصلة بين شمال أفريقيا وجنوبها و الممتدة من حدود تشاد في إلى ضفاف المحيط الأطلسي غربا، ومن نهر النيجر جنوبل إلى ورقلة شمالا.
ولكل هذه المناطق أسماء أصلية يطلقها أهلها عليها من قبيل أزواغ وأزواد وفزان وأهكار….. وغيرها، ويتميز النظام الاجتماعي الطوارق والترابط القبلي الوثيق ،ولهذا والترابط علاقة بقانون التعاملات مع الآخر وأيضا التعاملات البينية بين المكونات القبلية، يستبق الانتماء الثقافي والقبلي بقية الانتماءات الهوياتية، فالطارقي هو” اغ تماشقت” قبل ان يكون من قبيلة معينة او بلد معين بعد التقسيم الاستعماري، الهوية الطارقي أو التماشقية دون فصلها عن ابعادها المتعددة لها الأولوية.
على مر العصور ظل هذا المعطى، جانبا مغيبة لدى الآخر،ممن غزو المنطقة أو من تحولوا الاستيلاء عليها وعلى أهلها وتوجيهم، مما جعلهم يصطدمون بجدار صلب لم يدركوا كيفية تجاوزه للوصول إلى مبتغاه ومرادهم.
من جانب الطوارق خلال تاريخهم الطويل، لم يستطيعوا استثمار هذا الترابط الوثيق بينهم وامتدادهم وحسمهم في هويتهم وكينونتهم والتي يعتبر الدفاع عنها هو المحرك لهم ضد الغازي لهم،لتحويلها لوحدة ونظام قوي لتحقيق مطالبهم والدفاع عن مصالحهم وفرض ذاتهم على أنظمة المنطقة، بينما استطاع الأخر استثمار التنافس القبلي بين مدوناتهم لتحقيق “بعضا” مصالحه واستراتيجيات.
الكثير من الطوارق يدركون ويعووون ولم الحقيقة، ويفسرون الأمر بغياب القائد القادر على جمع القبائل ” الامة” على كلمة سواء حول حقوقهم المهضومة في بلدان خمس تجعل منهم مجرد هوامش ومجرد محررين ويستعملونهم ضد بعضهم البعض لتحقيق مآربهم ومعارضة سياسات دول الجوار.
جزء آخر يرى أن الطابع القبلي هو المعرقل وسبب الداء البغيض، الذي شتت الجهود وأفشل الثورات وفرق الشمل، ولا بد من التخلص منهم، دون أن يوازي بين إيجابيات هذا النظام القبلي وسلبياته، هل يمكن استثماره في توطيد نظام تضامني قوي وتوطيد عرى الوحدة بين مكونات القبيلة ومكونات القبائل المكونة الطوارق وتوزيع المهام بينها والتوصل لأليات حديثة لحل الخلافات البسيطة بين تلك المكونات،بإستغلال الاحترام الكبير الذي يكون الطارقي لنظام القبلي،والذي يبقى املأ وأخبر أحد المميزات الهواياتية للطوارق ككل.
على امتداد منطقة الطوارق اليوم، نشهد معضلات كبيرة جدا تهدد وجود هذه المكونات القبلية على كافة المستويات، كإنسان هجرات مختلفة، صراع بيني ومع الآخر، غزو مكونات أخرى لاحتلال الأرض ونهب الثروات، جهوية حضارية ولغوية وتقاليد إنسانية عريقة.
في ليبيا التي تعيش أزمة هوية وتتقاذفها الخيارات والأزمات المختلفة، يجد الطوارق أنفسهم دون سند حقيقي من بقية المكونات الليبية المختلفة، حرب اباري والمجزرة التي ارتكابها جيش حفتر خير دليل.
طوارق ليبيا اليوم يتسولون الاعتراف بهم في أرضهم ولا مجيب، قبل أيام رحل رئيس مجلسهم الأعلى مولاي قديدي، نحو مدينة طبرق للقاء رئيس مجلس النواب التابع لحفتر،عقيلة صالح لاطلاعه حسب وسائل الاعلام” على بعض المشاكل التب تعترض الطوارق في ليبيا”

وقال قديدي “أنه ناقش مع رئيس مجلس النواب الإستحقاقات في الانتخابات القادمة وإمكانية حشد كل الإمكانات لإنجاح التوجه لكل الليبيين كمرحلة أولى نحو الانتخابات الرئاسية والبرلمانية” وهنأ أتساءل مع الكثيرين هل تم حل مشكلة الرقم الوطني الذي يتيح المشاركة في الموعد الانتخابي؟.

وفي هذا الإطار لم ينس رئيس مجلس الطوارق التأكيد على كون الطوارق هم جزء من هذا المجتمع عليهم ما على الليبيين من إستحقاقات وطنية تجاه ليبيا .
اجتماعات أخرى، يعقدها ممثلو الطوارق مع حكومة السراج ، لمناقشة الأوضاع الاقتصادية والإنسانية التي يعيشها الطوارق في الجنوب، دينامية ديبلوماسية جيدة، ينقصها بالذات تقوية الترابط البيني وتوحيد استراتيجية موحدة بين مكونات الطوارق في الجنوب والاستفادة من امتدادتها في النيجر ومالي والجزائر، ولم لا “القول ” الإستقواء بها لنيل الحقوق السياسية والاقتصادية بدلا من استجداء تلك المطالب، على أن ذلك لا يمنع التنسيق مع الفعاليات القبلية في الجنوب وتقاسم الاستراتيجيات معها.
في مالي، يسير المشهد العام في الشمال إلى انقسام واضح بين الحركات المسلحة ذات الطابع القبلي ” نسبيا”،حركات اختار قادتها ومن وراءهم مدوناتهم القبلية، دعم الحكومة المركزية ومن خلالها الاستراتيجية الفرنسية في المنطقة، وحركات أخرى أبقت الباب مفتوحا بين الولاء لتطبيق إتفاق السلم والمصالحة من جهة وعرقلة تنفيذه من جهة اخرى،بحثا عن انتزاع مصالح لها ومكوناتها القبلية، وخدمة الأجندة دولية قد تقاسم فرنسا استراتيجيتها،دون إغفال حرصها على حرمان كل المكونات الآخرى،قيادية وقبيلة التي خرجت من تحت عباءتها من أية استفادة تنتج عن تطبيق اتفاق السلم المصالحة وعلى رأسها شرعية الوجود والتمثيل مكوناتها القبلية والمجالية، وتلك اهم مكاسب العدو المشترك…….
في النيجر يبدو أن استراتيجية الرئيس محمود يوسفو نجحت في تفادي انتقال التمرد في “شمال مالي” الى أزواغ،كما هو معتاد في المشاهد التمردية السابقة، بفضل إدماج عدد من القيادات والأطر الطوارقية في الحكم ودعم دولي وإقليمي حال دون تمدد الصراع.
لكن ذلك لا يعني بتاتا ،بأن النيجر في منحى عن عاصفة الاستقرار لأسباب عدة من أهمها عدم إيلاء الحكومة بوجودها التنموية في الشمال، وتعارض الإستراتيجيات الأمريكوفرنسية في المنطقة، رغم محاولات يوسفو التوازن بين منح الأفريكوم مساحة كبيرة في النيجر للإقامة قواعدها العسكرية والانخراط في الاستراتيجية الفرنسية لقضاء على ” الإرهاب” في الساحل والتي تبقى مجرد مبررات فرنسية لإعادة استعمار والوقوف ضد التمدد الصيني الأمريكي في فضاء تعتبره فرنسي استراتيجي لها اقتصاديا وسياسيا وإستخبارتيا.
في الجزائر،يبقى حال الطوارق على ماهو عليه ،منذ خروج المستعمر إلى اليوم، لم يستفيدوا من الثروات المعدنية المستخرج من أرضيهم في تنموية منطقتهم ،وهم أبعد ما يكونوا عن تحقيق مطالبهم السياسية والتطلع إلى غد أفضل بسبب التحكم الذي تمارسه القوى الحاكمة عليهم .
يبقى الأمل في بروز جيل طارقي جديد مثقف، قادر على استنهاض القوى الغاضبة وإعادة تشكيل المشهد في الجنوب وربطه بإمتدادته من أجل تغيير واقع يأبى أن ينجلي.

علي الانصاري

ينبع

0 comments

By