12:00 مساءً - الإثنين 18 ديسمبر 2017

تقارير

تقارير

العربية.نت – محمد العربي

لا تزال منطقة الجنوب الليبي سيما الجنوب الغربي منها وحتى مشارف وسط الجنوب التي تنتهي عندها صحراء #ليبيا شمالا مسرحاً لتنقلات التنظيمات الإرهابية وشبكات عصابات تهريب المهاجرين والمخدرات والأسلحة بعيداً عن سلطة أي من حكومتي ليبيا وقواتهما المنشغلتين بالصراع على السلطة في الشمال.

وبالرغم من القضاء على تنظيم #داعش أخطر التنظيمات الإرهابية في ليبيا وطرده من معقله الرئيس في #سرت العام الماضي على يد قوات البنيان المرصوص التابعة لحكومة الوفاق المدعومة من الأمم المتحدة، إلا أن شبح التنظيم لا يزال يطل على المنطقة المحيطة بسرت بين الفينة والأخرى.

المثلث الحدودي منطقة خصبة

وبحسب علي الصيج، خبير أمني وعقيد متقاعد بجهاز الأمن الليبي، فإن المنطقة الليبية المحاذية للجزائر والنيجر أو ما يعرف بالمثلث الحدودي الذي لا يخضع لسيطرة أي من تلك الدول يشكل منطقة خصبة لتنقل عصابات التهريب والتنظيمات الإرهابية موضحاً في حديث لــ”العربية.نت” أنه “عبر منفذ التوم الذي لا يخضع لأي سلطة ليبية أو نيجيرية وصولا إلى أوباري جنوب البلاد ومنها إلى محيط مزدة وتحديدا منطقة قرزة التي تشكل منفذا آمنا للجبال الوعرة التي تربط منطقة بين وليد بجنوب سرت ومناطق وسط ليبيا يمكن لداعش التنقل بحرية”.

وتؤكد تصريحات سابقة لقادة البنيان المرصوص ما قاله الصيد، فقد أكدت أن فرق للاستطلاع الجوي رصدت تنقلا لأرتال داعش في قرزة وصولا إلى النوفلية وهراوة شرق سرت حيث دخلت سيارات للتنظيم لهذه المناطق للتبضع والحصول على المؤن، كما أن الطيران الأميركي نفذ ضربات جوية في أغسطس الماضي على تمركزين للتنظيم في أودية “حقف الطير والحصان” الواقعة بين سرت وبني وليد.

معسكرات للتنظيم في الأودية

وفي تفاصيل أكثر قال الصيد بأن “تقارير أمنية أثبتت وجود معسكرات للتنظيم في أودية سوف السجين ونفد وأم العجرم وام الخراب وميمون”، مشيرا إلى أنها أودية يمتد بعضها إلى الجزائر والجنوب الليبي سيما فروع وادي البي الكبير وفروع بونجيم.

وذكر أن “التنظيم يستفيد من سلاسل الجبال الممتدة بين بني وليد وحتى جنوب طرابلس في ترهونة وكلها تتآلف لتشكل مع الصحراء طرقا آمنة لتنقل داعش وغيرها بحرية حيث تمثل لها غطاء طبيعيا للحماية”.

عصابات التهريب

وعن دور قوات البنيان المرصوص والجيش الليبي التابع لمجلس النواب في كبح جماح توسع التنظيم قال الصيد إنه “لا يوجد تنسيق بينهما بكل تأكيد تبعا للوضع السياسي لكن عمل كل منها على انفراد لا يزيد عن التمركز داخل المدن الهامة في هذه المنطقة كسرت والجفرة مثلا أو دوريات لحماية حقول النفط بالهلال النفطي وجنوبه وليس لديها مهام لمطاردة وملاحقة أرتال داعش”، مشيرا إلى أن عصابات التهريب التي تمر جهارا نهارا بجانب هذه المناطق لا يمكن التفريق بينها وبين دوريات داعش المتنقلة.

وكشف تقرير للبعثة الأممية لدى ليبيا في أغسطس الماضي عن استمرار نشاط التنظيم جنوب سرت وفي الجنوب الغربي من البلاد، وهو ما أكده أيضاً مسؤول عسكري من البنيان المرصوص التي لا تزال متمركزة في سرت بالقول “داعش فقد قوته المعلنة في سرت وسط البلاد وفي صبراتة غربها لكن خطر عودته مرجح فهو يعيد ترتيب صفوفه في الخفاء بعيدا عن الأعين وما نعرفه عنه لا يمثل 10% على الأكثر فهناك معسكرات بعيدة في الصحراء يتواجد فيها التنظيم ويرتب فيها صفوفه للعودة”.

خلايا متنقلة

وأشار إلى أنه من المعلوم أن خلاياه المتنقلة لا يزيد عددها عن 200 مقاتل لكنه يقول إن الرقم ترجيحي لا يقوم على معلومات استخباراتية موثقة.

وعن إمكانية تسرب مقاتلين من الخارج لدعم تواجد التنظيم قال المصدر “هذا مؤكد والمنطقة الجنوبية المرتبطة بالنيجر الأكثر ترجيحاً لتسربه إلى جنوب ليبيا ولدينا ما يؤكد أنه كان يعد لعمليات نوعية ضد مواقع النفط أحبطها الطيران الأميركي في غارتين في أكتوبر الماضي بمنطقة الفقهاء بالجنوب وهو مؤشر على تنامي قوته بسبب وصول مقاتلين أجانب إليه”.

ورفض المصدر الأمني الحديث عن إمكانية مساعدة جماعات إسلامية بليبيا، كالجماعة الإسلامية المقاتلة المرتبطة بتنظيم القاعدة في تسهيل وصول مقاتلي داعش إلى ليبيا، قائلا “ليس لدينا ما يؤكد ولكننا لا نستبعد شيئاً في ظل عدم تفاهم السياسيين في البلاد واستمرار الفوضى”.

يعزى تنامي المجموعات المسلحة والجهادية، المنتشرة في إفريقيا، إلى ميراثٍ تاريخيٍّ قديمٍ، يعود إلى الاستعمار بتنوع هوياته، منذ مطلع القرن الخامس عشر وحتى نهايات القرن التاسع عشر، وتوغّله في السواحل الإفريقية، وقد شكّلت ممارساته العدوانية بحقّ شعوب القارة، من الناحية السياسية والعسكرية، تراكماً ثقيلاً في الذاكرة الوجدانية لهم، فأصبحت تئنّ بمشاعر الظلم والاضطهاد، والشعور بتهديد وجودهم الاجتماعي، وخصوصياتهم الثقافية، المحلية والإنسانية، فتمثّلت أعماله العدوانية في المجازر، وأعمال السلب والنهب، والعبودية. كما ساهم في ترسيخ تلك الصورة استمرار استنزاف مواردهم، الذي لم تتوقف فصوله، حتى بعد حصول تلك الدول على استقلالها، بأنماط ثقافية واقتصادية غير تقليدية، وتهيئتها لتكون سوقاً مفتوحاً للغرب لتأميم مصالحه الاقتصادية، وتعزيز مناطق نفوذه، وسط قوى إقليمية ودولية تسعى إلى ذلك، وتهييج الصراعات الطائفية، والعرقية، والإثنية، والقومية.

الفساد والجريمة المنظمة

إذاً، ترك الاستعمار بيئةً تتّسم بعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتعاني من الفساد والجريمة المنظمة، فأضحت في حالة مخاضٍ، ينذر طوال الوقت بولادات مستمرّة لتنظيماتٍ مسلحةٍ جديدةٍ؛ تقوم على الولاءات، والارتباطات القبلية والعشائرية، والتحالفات البدوية؛ التي تعدّ العمود الفقري الذي تنتصب عليه أفكار التشدد القائم على العشيرة والعرق، ومرجعياته. ومن ثم، الدخول في صراعاتٍ وحروبٍ أهلية حول توزيع الملكية والحدود، سواء فيما بينهم، أو مع الجيش النظامي للدولة، ورفضهم تسليم السلاح لها.

وينتشر الطوارق على مساحةٍ واسعةٍ في تخوم الصحراء الإفريقية الكبرى، تضمّ دول المغرب العربي، وأربع دولٍ إفريقيةٍ أخرى، هي؛ مالي، والنيجر، وبوركينا فاسو، وتشاد، إلّا أنّ الغالبية منهم تتمركز، أساساً، في جمهوريتي، مالي والنيجر، وفي الجزائر وليبيا.

وعبر تاريخهم، كانت البداوة، وحياة الرعي والترحال، السمة المميزة التي درج عليها مجتمع الطوارق، دون أن تحدّهم حدودٌ سياسيةٌ أو جغرافيةٌ، في هذا النطاق الجغرافي الممتد من أعماق الصحراء إلى حدود نهر النيجر وبحيرة تشاد.

تعدّ حركة “أنصار الدين” إحدى أكبر الحركات المهيمنة في إقليم أزواد، وتتبع السلفية الجهادية المسلحة

يتميّز الطوارق بمجموعة من العادات والخصوصية الثقافية، وحتى تعاطيهم مع الدين الإسلامي، الذي يختلف عن تجلياته الأصولية، وذلك منذ استوطنت قبائلهم الصحراء الإفريقية، ومن تلك العادات؛ وضع اللثام على وجه الرجل، لتغطيته، كي لا يظهر منه سوى العينين، رغم تحرّر نسائهم من تغطية الوجه.

تعدّد الزوجات ممنوعٌ لدى الطوارق

تحظى المرأة بمكانةٍ خاصةٍ داخل مجتمع الطوارق، ولها مركزية في القبيلة، تتمثّل في حرية اختيار شريك الحياة، ومسؤوليتها عن رعاية شؤون المنزل، وتعدّد الزوجات ممنوعٌ لديهم، فيما لا يعدّ الطلاق لدى المرأة هناك وصمةَ عارٍ، ولا يقلّل من شأنها، ويخفض شيئاً من إنسانيتها، وتسمّى بعده (أحسيس) أي الحرّة من أيّ التزام.

ويمكن القول إنّ الظاهرة الإرهابية توغلت في غرب إفريقيا؛ حيث انتشرت الحوادث الإرهابية العديدة، ضدّ القوات الدولية، وقوات الجيش المالي، مع مطلع الألفية الجديدة، في منطقة الساحل الإفريقي عامّة، ومنطقة أزواد خاصّة، التي تقطن فيها عدّة مكونات قبلية، واستفادت تلك التنظيمات من هذه التركيبة، المجتمعية والسكانية، لفرض سيطرتها، وللتمدّد عبر الحدود الجغرافية والعرقية المتاخمة لدول الجوار مع مالي.

وتعدّ حركة “التوحيد والجهاد” إحدى أبرز الحركات الإسلامية المسلحة، التي تنشط بالمناطق الشمالية، وتمثّل التيار السلفي الجهادي للمجموعات العربية بأزواد، وكان قد أُعلن عنها في أكتوبر 2011، وهي منبثقة عن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ويقودها سلطان ولد بادي؛ حيث انضمّ للحركة عشرات المقاتلين من أبناء القبائل العربية في شمال مالي.

تحظى المرأة بمكانةٍ خاصةٍ في مجتمع الطوارق، ولها مركزية في القبيلة، تتمثّل في حرية اختيار شريك الحياة

كما تعدّ حركة “أنصار الدين” إحدى أكبر الحركات المهيمنة في إقليم أزواد، وتتبع السلفية الجهادية المسلحة، تأسّست في ديسمبر 2011، في كيدال، بزعامة إياد آغا غالي، المنتمي إلى قبيلة إفوغاس الطارقية، التي خاض أفرادها القتال ضدّ حكومة مالي، في تسعينيات القرن الماضي، ضمن صفوف “الحركة الشعبية لتحرير أزواد”.

تعود جذور تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي إلى “الجماعة السلفية للدعوة والقتال” الجزائرية، التي أعلنت، في 24  يناير عام 2007، تغيير اسمها، ليصبح “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، ويقود التنظيم حالياً عبد المالك دروكدال، المكنَّى “أبو مصعب عبد الودود”، حيث انخرط في صفوف “الجماعة الإسلامية المسلحة” عام 1993، وتمتلك الجماعة مؤسّسة “الأندلس”؛ التي تنشر إصدارات التنظيم، وتعدّ الذراع الإعلامي والدعائي له.

حركة “التوحيد والجهاد”

برزت حركة “التوحيد والجهاد” في غرب إفريقيا، عبر تبنيها عملية اختطاف ثلاثة من عمال الإغاثة، من مخيمات اللاجئين الصحراويين، جنوب غرب الجزائر، ويتكوّن جناحها العسكري من أربع سرايا، هي: سرية عبد الله عزام، سرية أبو مصعب الزرقاوي، سرية أبو الليث الليبي، وسرية الاستشهاديين. فضلاً عن تشكيلٍ آخرَ يُعرف بـ “كتيبة أسامة بن لادن”، بقيادة عضو مجلس شورى الجماعة، أحمد ولد عامر المعروف بأحمد التلمسي.

ومن أبرز عمليات الجماعة؛ اختطاف سبعة دبلوماسيين جزائريين من قنصلية بلادهم بمدينة غاو، في الخامس من  أبريل عام 2012، كما تبنّت الجماعة الهجوم الذي استهدف مقراً للدرك الوطني في مدينة ورقلة الجزائرية، في أواخر شهر يونيو عام 2012.

تمثّل كتيبة “الملثّمين” أحد الكتائب العسكرية التابعة لـ “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، وتتبع إمارة الصحراء في البنية الهيكلية للتنظيم، بقيادة أمير منطقة الصحراء، يحيى أبو الهمام. وقد تولّى إمارة الكتيبة قبله، مختار بلمختار، لكن تصدّعت علاقته مع القاعدة، ما أدّى إلى عزله عام 2012، فقام بتأسيس كتيبة جديدة أطلق عليها اسم “الموقّعون بالدماء”.

تأسّست جماعة “المرابطون”، في 22  أغسطس عام 2013، بعد التحاق كتيبة “الموقِّعون بالدماء”، و”حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا”؛ حيث صدر بيان عن “المرابطون” بتاريخ 17  يوليو، نأت فيه هذه الجماعة بنفسها، من جديد، عن تنظيم “داعش”، وأعلنت ولاءها للقاعدة، ووقّعت بيانها باسم “المرابطون- قاعدة الجهاد في غرب إفريقيا”.

أوّل بيعة لتنظيم “داعش”

برزت أوّل بيعة لتنظيم “داعش” من التنظيمات الجهادية الناشطة شمال مالي، من طرف جماعة “المرابطون”؛ حيث أعلنت الجماعة، في مايو عام 2015، مبايعتها للبغدادي، وعُيِّن أميرٌ جديدٌ للتنظيم، هو عدنان أبو الوليد الصحراوي، فيما يعدّ أول وجودٍ فعليٍّ لتنظيم “داعش” في منطقة أزواد. لكن سرعان ما أخفقت؛ حيث اتّفق مجلس شورى الكتيبة على مبايعة مختار بلمختار، وتنظيم القاعدة، وعزل أبو الوليد، وإلغاء بيعته لتنظيم داعش.

ثمّة حالة من التوتر المستمرة تعيشها دول المغرب العربي، خاصة في مناطق ونقاط التّماس مع الدول الإفريقية، جنوب الصحراء، بسبب الصراعات المتكررة بين حركات التمرد، وثورات الطوارق ضدّ النظم الحكومية في مالي والنيجر، وهو الأمر الذي لم تستطع تجميده، لتهدئة أوضاع الاتفاقات المعنية بحلّ النزاع، في ظلّ عدم التزام كلّ الأطراف الموقِّعة ببنود السلام.

 

د. فتحي بولعراس
ينتاب المشهد السياسي الجزائري مع مرض الرئيس “عبدالعزيز بوتفليقة” غموض حول من سيخلفه، الأمر الذي أوجد حالة من التنافس الحاد بين الأجنحة المدنية والأمنية الحاكمة في هذا البلد، بل إن ذلك الأمر دفع البعض، مثل “معهد أمريكان إنتربرايز”، إلى الحديث عن احتمال أن يدخل الجزائر في غمار موجة ثانية متوقعة من ثورات “الربيع العربي” بعد أن كانت قد تجنبت الموجة الأولى في عام 2011.
ويربط هذا الاحتمال معضلة الخلافة في الجزائر بجملة من العوامل الأخرى المضافة، مثل: الأزمات المالية التي يمر بها هذا البلد نتيجة انهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية، وتراجع قيمة العملة الوطنية؛ ما يعني تآكل الطبقة الوسطى، واتساع نسبة الفقراء في الدولة. أضف إلى ذلك، الحديث عن سيناريوهات محتملة لخلافة بوتفليقة، بما فيها سيناريو توريث الحكم لشقيقه ومستشاره الخاص “سعيد بوتفليقة”. فعلى الرغم من أن ذلك الأخير لا يشغل أي منصب دستوري، إلا أنه معيّن بمرسوم رئاسي غير منشور في الجريدة الرسمية للجمهورية، وبات يُمثل ثقلا أساسيًّا في مركز القرار الرئاسي مستغلا مرض شقيقه.
ومنذ مرض الرئيس بوتفليقة في عام 2013 وخضوعه للعلاج في فرنسا، بدأت المعارضة تتحدث عن شغور منصب الرئيس، وعن تسيير شؤون الدولة بالوكالة من قبل شقيقه، ولذا تطالب بضرورة تفعيل المادة 88 من الدستور التي تنص على إعلان شغور منصب الرئيس؛ لوجود مانع صحي يحول دون أن يمارس الرئيس صلاحياته الدستورية.
ويثير الحديث عن خلافة بوتفليقة إشكالية تتعلق بمدى قدرة الرئيس القادم على الحفاظ على التوازنات الوطنية، وإدارة كل التناقضات بين جماعات المصالح في أعلى هرم السلطة. فالرهان الحقيقي بالنسبة للقوى الحاكمة هو إيجاد الرجل القادر على الحفاظ على مصالحها بعد أن يغادر الرئيس بوتفليقة الحكم.
وهنا، تظل التساؤلات مطروحة حول من هم الفاعلون السياسيون المتنافسون حول خلافة بوتفليقة، وهل بالفعل يمكن أن يقود ذلك الجزائر إلى الدخول في الموجة الثانية المحتملة للثورات في المنطقة، وماذا عن دور الجيش كمؤسسة لها ثقل أساسي في التغييرات السياسية التي شهدتها البلاد منذ استقلالها؟.
الفاعلون الأساسيون:
عرف النظام السياسي الجزائري منذ عام 1999 تحولات عديدة سمحت بتنامي دور جماعات المصالح بشكل لافت، حيث يهمين اليوم على الجزائر ثلاث جماعات مصالح استولت على الدولة ومقدراتها الاقتصادية، وتتنافس فيما بينها على النفوذ والتأثير وفرض المعايير، وهي:
الجماعة الأولى: ذات طابع حزبي؛ تتكون من أكبر حزبين في البلاد، وهما جبهة التحرير الوطني (حزب الرئيس)، والتجمع الوطني الديمقراطي الذي يتزعمه أحمد أويحيى الوزير الاول. وكل حزب يطمح للسيطرة على الدولة ومؤسساتها الرسمية والجمعيات الأهلية في الدولة (النقابات، المنظمات الطلابية، والنوادي الرياضية).
الجماعة الثانية: هي الأقوى على الإطلاق، وتمثلها المؤسسة العسكرية التي تمثل العمود الفقري للنظام السياسي الجزائري، ويتزعمها الفريق أحمد قايد صالح رئيس الأركان ونائب وزير الدفاع الوطني.
الجماعة الثالثة: يمثلها رجال الأعمال الذين استثمروا أموالا طائلة في تمويل الحملات الانتخابية، ومن أبرزهم رجل الأعمال “علي حداد” و”كريم كونيناف”، اللذان يطمحان في قبض ثمن ما أنفقاه والمتمثل في لعب الأدوار الأولى في المشهد السياسي.
المرشحون المحتملون:
مع تصاعد الحديث داخل الأوساط السياسية الجزائرية عن شغور منصب الرئاسة، بدأت التكهنات داخل الأوساط الجزائرية عن مجموعة من المرشحين المفترضين لخلافة الرئيس بوتفليقة، ممن سبق لهم أن شغلوا مناصب عليا في الدولة، ومنهم من لا يزال في منصبه.
أولا- المرشحون من داخل النظام:
هناك عدد من المرشحين المحتملين من داخل النظام السياسي الحالي، ومنهم:
1- أحمد أويحيى (64 عامًا): يشغل منصب الوزير الاول و مدير ديوان رئيس الجمهورية والأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي، والمقرب من جهاز الاستخبارات.
2- عبدالمالك سلال (68 عامًا): رئيس الوزراء السابق، غير أن بعض الجزائرين ينظرون إليه باعتباره بيروقراطيًّا لا يناسب منصب رئيس دولة. ويحظى بعلاقات جيدة مع رئاسة أركان الجيش.
3- سعيد بوتفليقة (58 عامًا): الشقيق الأصغر للرئيس بوتفليقة ومستشاره الخاص.
4- أحمد قايد صالح (76 عامًا): رئيس الأركان ونائب وزير الدفاع الوطني. ويعتبر من أبرز المرشحين لخلافة بوتفليقة. ويرى أن تجربة الرئيس المصري “عبدالفتاح السيسي” في مصر تُعد بمثابة محفز له على خوض تجربة العمل السياسي بغض النظر عن عامل السن، وأن الطريق نحو قصر الرئاسة بات معبّدا له بعد إحالة الفريق محمد مدين ( رئيس الاستخبارات الجزائرية السابق) إلى التقاعد.
ربما تصب التطورات السياسية والاقتصادية التي شهدتها الجزائر في السنوات الأخيرة في اتجاه الطرح القائل بأن سعيد بوتفليقة مرشح قوي لخلافة شقيقه في سدة الحكم. فتعيين رجل الأعمال علي حداد في منصب رئيس “منتدى رؤساء المؤسسات”، والنشاط السياسي الدوؤب لرئيس منظمة رجال الأعمال، يؤشر -لدى البعض- على النوايا الحقيقية للفريق الرئاسي في مرحلة ما بعد بوتفليقة، سواء بتعيين أحد رجاله الموثوق فيهم، أو توريث الحكم لشقيق الرئيس.
بيد أن سعيد بوتفليقة في حاجة إلى جهاز انتخابي يضمن له العبور إلى “قصر المرادية”، وهو ما بدأ يتحقق على أرض الواقع، حيث كشفت بعض التقارير عن استعداد جمعية خيرية يطلق عليها “فخر” للتحول إلى حزب سياسي. وقد بلغ عدد أعضائها 150 ألفًا، أغلبهم من التجار ورجال الأعمال، كما تضم في صفوفها 30 وزيرًا، لتكون الظهير الحزبي لسعيد بوتفليقة.
ويتوقع محللون أن يستغل شقيق الرئيس حالة الأزمات الداخلية التي تعصف بالحزبين الرئيسيين؛ جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، لمصلحته. كما أن تورط كوادر الحزبين في قضايا فساد ونهب للمال العام يصب أيضًا في مصلحة سعيد بوتفليقة.
ثانيا- المرشحون من خارج النظام:
وفي المقابل تُطرح عدد من الأسماء من خارج النظام الرئاسي لخلافة بوتفليقة، ومنها:
1- علي بن فليس (72 عامًا): مدير حملة الرئيس بوتفليقة في عام 1999، ثم رئيس للحكومة في عام 2001، ومرشح للانتخابات الرئاسية في عام 2004.
2- مولود حمروش (73 عامًا): رئيس حكومة أسبق في عام 1999، ثم مرشح للانتخابات الرئاسية في عام 1999.
3- شكيب خليل (77 عامًا): وزير الطاقة الأسبق (1999-2010) وصديق طفولة الرئيس. ترأس منظمة الدول المصدرة للبترول مرتين على التوالي في 2001 و2008. ويُتَّهم بتلقي رشاوى وعمولات في قضية سوناطراك، وصدرت في حقه مذكرة توقيف دولية، وهو ما جعله يُغادر الجزائر باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2013، ليعود منتصف مارس 2016، بعد إلغاء ملاحقته بسبب خطأ شكلي. وقد عملت الطرق الصوفية على تحسين صورته، حيث جرى تكريمه من قبل شيوخها وسط استغراب الرأي العام، وهو ما أعطى الانطباع بأن الرجل يجري تحضيره لخلافة الرئيس بوتفليقة.
دور العامل الخارجي:
تنظر القوى الخارجية، وتحديدًا الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، بقلق بالغ إلى تطورات الوضع السياسي في الجزائر في ظل مرض الرئيس بوتفليقة. ومرد ذلك وجود مصالح سياسية، اقتصادية وجيوسياسية لباريس وواشطن في الجزائر. أضف إلى ذلك أن قضايا الإرهاب والنفط، في المغرب العربي، في نظر البلدين، تتطلب شريكًا مستقرًّا دستوريًّا وذا مصداقية.
لم تعد منطقة المغرب العربي “ميدانًا محجوزًا” لفرنسا باعتبارها المستعمر التقليدي للمنطقة، فقط باتت المنطقة محّل تنافس شديد بين باريس وواشنطن. كما أضحت الأخيرة أكثر انخراطًا في الشئون السياسية والاقتصادية لدول المنطقة.
وفي هذا الإطار، أعلنت واشنطن ضمنيًّا عن دعمها لوزير الطاقة الأسبق شكيب خليل المرشح المحتمل لخلافة الرئيس بوتفليقة، حيث رفضت الاستجابة للأصوات المطالبة بتسليمه إلى الجزائر لإحالته إلى القضاء لمحاكته بتهمة الفساد. وتشير بعض التقارير الإعلامية إلى وجود اتفاق ضمني بين الولايات المتحدة ودوائر في السلطة يقضي بتحضير شكيب لخلافة الرئيس بوتفليقة بعد تحسين صورته لدى الرأي العام الجزائري باعتباره من أكفأ الكوادر الجزائرية التي شوهت صورتهم المخابرات، على حد تعبير عمار سعداني الأمين العام لجبهة التحرير سابقًا.
أما فرنسا، في ظل حكم الرئيس السابق فرانسوا هولاند، فتربطها علاقات وطيدة بالفريق الرئاسي. وقد تجلى ذلك بوضوح حين كان الرئيس بوتفليقة في مستشفى “فال دو غراس” العسكري يتلقى العلاج في ربيع عام 2013، حيث منعت باريس تفعيل المادة 88 من الدستور التي تنصُّ على إعلان حالة شغور منصب الرئيس لوجود مانع صحي يحول دون أن يمارس الرئيس صلاحياته الدستورية.
ويرى بعض المقربين من الدور الفرنسي في الجزائر وجود صفقة بين الاشتراكيين الفرنسيين والفريق الرئاسي الجزائري، تقضي بتقديم دعم سياسي ودبلوماسي لجماعة الرئاسة، في مقابل حصول فرنسا المنهكة جراء الأزمة الاقتصادية والاجتماعية على مزايا اقتصادية ومالية في السوق الجزائرية. فقد بلغ حجم الاستثمارات الفرنسية في الجزائر، حسب أرقام السفارة الفرنسية، 2.5 مليار دولار خلال عام 2016، كما يبلغ عدد الشركات الفرنسية في الجزائر 180 شركة. بيد ان سقوط المعسكر الاشتراكي في فرنسا ، شكّل صدمة للفريق الرئاسي وأخلط حساباته.
الجيش ومستقبل الجزائر:
يرتبط مستقبل الدولة الجزائرية بإيجاد حل لإشكاليتين رئيسيتين يواجههما النظام السياسي مؤخرًا. ترتبط الإشكالية الأولى بالغموض السياسي حول من سيخلف الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة بعد تصاعد الحديث عن شغول منصب الرئيس. أما الإشكالية الثانية فترتبط بما ذهبت إليه تقارير عن احتمالات أن تشهد الدولة موجة ثانية من ثورات الربيع العربي في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الدولة.
في ظل استمرار معركة خلافة الرئيس الحالي التي لم تحسم بعد، تتجه أنظار الجزائريين إلى “أهل الحل والعقد” من نخبة المؤسسة العسكرية لاستقراء موقفهم من تطورات الوضع السياسي في البلاد. ويرى “أهل الحل والعقد” أن الرئيس المقبل للجزائر لن يكون شقيق الرئيس ولا رئيس ديوانه أحمد أويحيى بسبب قربه من جهاز المخابرات السابق، ولا قائد جهاز الشرطة اللواء عبدالغني الهامل الذي يحاول الفريق الرئاسي تعيينه في منصب نائب وزير الدفاع الوطني في مكان رئيس أركان الجيش في إطار ترتيبات خلافة بوتفليقة.
وتجدر الإشارة إلى أن رئيس الجمهورية، منذ وفاة الرئيس الراحل هواري بومدين، ليست له أية سلطة فعلية، فكل ما يملكه سلطة شكلية وامتيازات. والجيش في الجزائر لاعتبارات تاريخية ليس في حاجة إلى رئيس يمارس صلاحياته الدستورية. ولذا، فإن كلمة الفصل في الجزائر حول من سيخلف الرئيس بوتفليقة ستعود للجيش وليس لأية جهة أخرى. فإذا كانت بقية دول العالم لها جيوش، ففي الجزائر فإن الجيش له دولته، فوجوده سابق على وجود الدولة وهو الذي بناها عام 1962.
وتوقعت العديد من الدراسات والأبحاث حول الدول الريعية اتساع رقعة الاحتجاجات في الجزائر، وعجز النظام عن احتوائها بسبب شح الموارد المالية، وإفلاس سياسة شراء السلم الاجتماعي. فإذا كانت الجزائر قد أفلتت من موجة “الربيع العربي” التي بدأت في تونس مع نهاية عام 2010، فإن بعض السيناريوهات المتشائمة تؤكد أن الجزائر على موعد مع الموجة الثانية من “الربيع العربي” بعد نفاد احتياطي النقد من العملة الصعبة.
لكن هناك صعوبات في أن تشهد الجزائر الموجة الثانية من الربيع العربي؛ لأن من منع امتداد موجات “الربيع العربي” إلى الجزائر في عام 2010 و2011 ليس حنكة السلطات الجزائرية، بل وعي الجزائريين وإدراكهم خطورة المؤامرات التي تحاك ضد المنطقة وتحديدًا بلادهم. ومن ثم فإن أي دعوة نحو المجهول لن تجد لها صدى في الجزائر. وتكفي جولة في مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر) للتأكد من مدى التفاف الجماهير حول المؤسسة العسكرية وقيادة الأركان، وهذا ربما ما جعل عميد السياسيين الجزائريين الراحل عبدالحميد مهري أثناء ندوة الوفاق الوطني عام 1993 يقول: “يجب علينا أن نبحث عن تفسير لماذا يشعر الجزائري بارتياح بالغ حين يشاهد الدبابة في الشارع؟. وذلك في أعقاب خروج الجيش في 1992 وإلغاء العملية الديمقراطية”

تحتضن موريتانيا منذ العام 2012 عشرات الآلاف من اللاجئين الماليين، الذين فروا من الصراع المحتدم في مناطقهم بين الحكومة المركزية وجماعات متشددة في إقليم أزواد شمال البلاد، ورغم مرور سنوات عدة لا يزال هؤلاء اللاجئون ينتظرون حلم العودة إلى ديارهم ووضع حد لمعاناتهم القاسية، ولكن هذا الحلم يبدو أنه ما زال بعيد المنال.

أزمة شمال مالي واحدة من الأزمات المزمنة في القارة الأفريقية، وشهدت نزاعات عدة وحروب في السابق بين سكان إقليم أزواد الذين يشكل الطوارق غالبيتهم وبين الحكومة المركزية في باماكو، ويعزى الصراع بالأساس لأسباب سياسية وعرقية، حيث يطالب الطوارق بالانفصال عن مالي وتأسيس دولة مستقلة خاصة بهم في أزواد، وهو إقليم صحراوي شاسع تبلغ مساحته 822 ألف كيلو متر مربع، أي ما يعادل 66 في المئة من مساحة مالي.

ويشكو الطوارق وغيرهم من العرقيات في الإقليم، مثل العرب والفلان والسونغاي، من التهميش والحرمان وغياب الخدمات ومشاريع التنمية. ومع فشل الحكومة المالية في احتواء أزمة الإقليم المستمرة لعقود، أعلن في فاتح نوفمبر 2010 في مدينة تيمبكتو، إحدى أكبر مدن أزواد وأهمها، عن تأسيس الحركة الوطنية لتحرير أزواد، وجاء في بيانها التأسيسي أنها «تنظيم سياسي أزوادي يمثل النهج السلمي للوصول إلي الأهداف المشروعة واسترجاع كل الحقوق التاريخية المغتصبة».

انقلاب عسكري

وفي 22 مارس 2012، شهدت مالي انقلاباً عسكرياً أطاح الرئيس توماني تورى، وسرعان ما استغلت حركة تحرير أزواد الحدث لتنقض على تمركزات الجيش المالي في الإقليم فتزحف عسكرياً وتسيطر عليه بشكل كامل، وتعلن عن ميلاد دولة أزواد المستقلة في 6 أبريل 2012، وقد وجدت الحركة دعماً كبيراً من جماعات عرقية ومتشددة تنشط في أزواد أهمها حركة أنصار الدين وحركة التوحيد والجهاد والحركة العربية لتحرير أزواد.

ولكن لم يبث هذا التحالف طويلاً نظراً لاختلاف التوجهات والمبادئ بين مكوناته، وسرعان ما انقلبت أنصار الدين الأقوى عسكرياً على حركة تحرير أزواد وهزمتها وسيطرة على جل مناطق أزواد وأصبحت تهدد بالسيطرة على بقية الأراضي المالية بما فيها العاصمة باماكو، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى تدخل فرنسا والاتحاد الأفريقي عسكرياً لقتال المتشددين ووقف زحفهم دون أن يتمكنوا حتى الآن من القضاء عليهم بصفة نهائية.

مخيم أمبرة

هذه الحروب الطاحنة دفعت ما يناهز 60 ألفاً من سكان أزواد أغلبهم من الطوارق إلى اللجوء للشرق الموريتاني والإقامة بمخيم خاص أقامته الحكومة الموريتانية لهم قرب مدينة باسكنو الحدودية، عرف المخيم في ما بعد بمخيم أمبرة، ووجد اللاجئون ترحيباً من الحكومة الموريتانية التي أكدت على لسان وزير داخليتها حينذاك أنها «لن تدخر جهداً في خدمة ضيوفها ولن تقصر في حقهم سواء تعلق الأمر بتوفير الأمن وغيره من ظروف الحياة الكريمة». وأن نزلاء المخيم ستتم معاملتهم مثل المواطنين الموريتانيين.لم تدخر موريتانيا والمنظمات الإنسانية ما أمكن من جهد لتوفير مستلزمات الحياة لهؤلاء اللاجئين.

ومع الوقت نما المخيم بشكل كبير وتناثرت مئات الخيم فوق رمال تلك الصحراء اللامتناهية في الشرق الموريتاني، ظن ساكنو المخيم أن المقام هناك لن يطول بهم قبل أن تتاح لهم فرصة العودة مجدداً إلى منازلهم وقراهم التي غادروها خوفاً على أرواحهم، إلا أن الصراع الدائر كانت له كلمة أخرى.

فالاقتتال بين أطراف النزاع استمر في الأعوام 2013 و2014، بوتيرة أشد بعد تدخل القوات الفرنسية وظهور العديد من الحركات الإرهابية المتشددة إضافة إلى تدفق هائل للسلاح من ليبيا بعد الإطاحة بنظام معمر القذافي، حيث أصبحت مخازن السلاح التي نهبت بعد سقوط النظام مغذياً رئيساً للحرب في شمال مالي، كما وجد الإرهابيون قاعدة خلفية في جنوب وغرب ليبيا حيث تسيطر جماعات إرهابية بين ليبيا ومالي عبر الصحراء المفتوحة.

 

العرب الجديد عثمان لحياني

لفت تزايد منسوب الاحتجاجات في مدن الجنوب الجزائري وبلداته، على نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة التي جرت يوم الخميس الماضي، أنظار المراقبين، وأثار تساؤلات حول حالة الرفض المتزايد في الجنوب لقرارات المؤسسة الرسمية. فقد شهدت ولايات واليزي وورقلة وبشار والنعامة وتمنراست وأدرار، كبرى ولايات الجنوب، حالة احتقان متواصل، احتجاجاً على ما اعتبره السكان “تزويراً لنتائج الانتخابات”، و”محاولة فرض ممثلين في البلديات خارج إرادتهم الشعبية”.

مختلفاً كان المشهد والمآلات هذه المرة في تندوف، وهي مدينة ذات موقع حساس، لاحتضانها قوة عسكرية كبيرة بسبب متاخمتها للحدود بين الجزائر ومنطقة الصحراء الغربية المتنازع عليها بين جبهة البوليساريو والمغرب، واحتضانها لمخيمات اللاجئين الصحراويين. وشهدت المدينة غضباً شعبياً ضد نتائج الانتخابات، وصبّت غضبها للمرة الأولى في تاريخها ضد الجيش. والاحتجاج كان ضد ما اعتبره السكان “تدخل الجيش وقياداته العسكرية في فرض نتيجة الانتخابات البلدية”. وعُدّ هذا التطور مؤشراً جدياً على تحولات عميقة في الجنوب، إذ ظلّ لفترة طويلة المنطقة الأكثر استكانة للسلطة، وأكثر المناطق هدوءاً وتفاعلاً مع المشهد السياسي. ونادراً ما شهدت هذه المنطقة حراكاً احتجاجياً ومدنياً، بفعل تحكم السلطة فيها بواسطة مؤسسات عرفية واجتماعية وبالزوايا الدينية، كانت تفرض تمثيلياتها على السكان وتتحدث باسمهم مع السلطة وتتواطأ معها لصالحها. لكن هذه المنطقة تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى منطقة احتجاجات مستمرة تحت عناوين مختلفة.

في هذا السياق، رصد الباحث المتخصص في الحركات الاحتجاجية، نور الدين بكيس، تطوّر مستوى الحراك الاحتجاجي في الجنوب ومنسوبه، معتبراً في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، أنه “يتزايد منذ سنوات لينتقل من الاحتجاج السوسيواقتصادي إلى السياسي”. وأرجع ذلك إلى “ظهور نخب شبابية محلية تزخر بمستويات جامعية عالية تريد تمرير رسالة للجميع بأن التعاطي حول قضايا الجنوب لن يمر عبر وسطاء من الشمال بل الممثل الوحيد هم أبناء المنطقة”.
وأبدى بكيس اعتقاده بأن “ثمة تحولات عميقة في بنية مدن الجنوب، التي كانت تديرها السلطة بالتواطؤ مع المؤسسات العرفية والاجتماعية، وهو ما لم يسمح سابقاً بظهور قوى حية في المجتمع الجنوبي”، مشيراً إلى أن “الاحتجاجات في حدّ ذاتها رسالة للبنى التقليدية التي تمثل المنطقة، وعلى رأسها الأعيان والمرجعيات التقليدية، بأنهم لم يعودوا قادرين على تمثيل وضبط المنطقة بسبب فشلهم في تحقيق المطالب الأساسية للسكان والدفاع عن مصالحهم، خصوصاً أن الكثير من الشباب يعتقد أن السلطة تلاعبت بهم لعقود من الزمن. وشعور شباب الجنوب بنشوة النصر جراء النجاح النسبي لحركاتهم الاحتجاجية السابقة حول معارضة استخراج الغاز الصخري، طرح إشكالية تهميش شباب الجنوب من خلال حركات الجنوب”.

كما أن السلطة في الجزائر اعتمدت لفترة طويلة على مؤسسات عرفية واجتماعية ودينية، للتحكم في المجتمعات الصغيرة في مدن الجنوب الجزائري، وتسييرها لصالح خيارات السلطة السياسية والاجتماعية، أكثر من اعتمادها على المؤسسات الرسمية ومؤسسات الحكم المحلي، على غرار “أمنوكال الطوارق”، أي عقلاء الطوارق، وهم قادة قبائل الطوارق في مدن الجنوب، فضلاً عن الأعيان، وهم مجموعة من الشخصيات الممثلة للسكان لدى المؤسسات الرسمية ومشايخ الطرق والزوايا الدينية التي داهنت السلطة طويلاً. لكن السنوات الأخيرة شهدت تمرداً اجتماعياً وشبابياً لافتاً على هذه المؤسسات العرفية التي انكسرت سطوتها.

في هذا الإطار، اعتبر الباحث في علم الاجتماع زبير عروس، في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، أن “منطقة الجنوب تشهد بالفعل بروز جيل جديد فك الارتباط بقيم الطاعة وحكمة المؤسسات التقليدية الناظمة للحياة المجتمعية في مناطق الجنوب، رافضاً أن تتحدث باسمه، بدليل عجز المؤسسات العرفية نفسها عن وقف أحداث العنف في منطقة غرداية في مارس 2014، ووقف احتجاجات الغاز الصخري في عين أميناس في صيف 2015”.
وتوافقت رؤية الباحث الشيخ ناصر بلحاج، مع هذا الطرح، فأكد أن “تزايد الحراك الاحتجاجي في الجنوب وبروزه هذه المرة على خلفية الانتخابات البلدية الأخيرة، لكون مدن الجنوب والداخل تولي أهمية كبرى لهذه الانتخابات، فإن هناك عاملاً بارزاً يتعلق بتراجع تأثير وسلطة رموز المجتمع التقليدي التي كانت لها حظوتها على صعيد التأثير”.

ولفت إلى أن “السلطة استغلت لفترة الأعيان والمشايخ والزعامات المحلية والزوايا الدينية، وتعاملت معهم في الشأن المحلي للسكان أكثر من تعاطيها مع مؤسسات الحكم المحلي المنتخبة، لكن انتشار الوعي السياسي والحقوقي، والتمدن إلى درجة ما في مدن الداخل والجنوب، وانتشار التعليم العالي ووسائل التواصل الاجتماعي، وظهور موجة الربيع العربي، جعلت السلطة المطلقة، والهامش الممنوح للأعيان والزوايا والمشايخ يتراجع. أضف إليه عجز تلك الأطراف العرفية عن إثبات قدرتها على مواكبة تطلعات الشباب والمواطن عموماً، الذي نتج عن تخلي السلطة عن الوفاء بالوعود لتلك الهيئات العرفية”.

وأضاف أن “ظهور أعيان المؤسسات العرفية والاجتماعية والزوايا الدينية، التي لها مصالح ونفوذ، جعلت من العموم ينتفض من شبه الزواج المصلحي الذي كان يجمع السلطة بتلك الهيئات العرفية”. ولفت بلحاج إلى أن “تزوير الانتخابات كان يتم بشكل عادي في مناسبات سابقة، إلا أن نمو الوعي السياسي والمدني في مدن الجنوب وسع من الرفض للواقع. وإذا جازت لنا المقارنة بين حالة الرفض في مدن الشمال مع مدن الجنوب، فلأن مواطن الشمال يستفيد من امتيازات معيشية، بخلاف المواطن في الجنوب الذي يرى أنه مسؤول عن الدفاع عن مؤسسة الحكم المحلي لاكتساب هذه الامتيازات”.

واللافت أن بلدات الجنوب في الجزائر عاشت لفترة في عزلة إعلامية وقطيعة مع مدن الشمال، كوصول الصحف إلى مدن الجنوب متأخرة بأيام، والنقص في المراسلين الصحافيين من هذه المدن، ما يضعف التفاعل الاجتماعي مع أية تطورات، أو نقل انشغالات الجنوبيين إلى السلطة المركزية في الشمال، غير أن وسائط التواصل الاجتماعي كسرت هذا الحاجز الزمني، وبات التفاعل الآني مع أوضاع الجنوب أكثر سرعة من ذي قبل. وظهر لك بوضوح في حجم الحشد الشعبي والسياسي والإعلامي للاحتجاجات التي شهدتها منطقة عين أميناس في صيف عام 2015، والنقل المباشر لها على مواقع التواصل الاجتماعي، ما شكّل حالة بارزة لإمكانية تحقيق اختراق كبير لجدار السيطرة الذي كانت تفرضه السلطة.
بدوره، رأى الأستاذ بجامعة خميس مليانة، بولاية عين الدفلى، غرب الجزائر، حاج تيطاوني، أن “لوسائط التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً أزاح الكثير من الأدوار التي كانت تؤديها وسائل الإعلام التقليدية في صناعة الرأي العام. فشبكات التواصل الاجتماعي أصبحت هي الإعلام البديل بامتياز، الذي يتيح لكل فئات المجتمع التعبير عن مواقفها بعيداً عن إرادة وتوجهات أي سلطة”.

من جهته، أكد الإعلامي علي بن جدو، العامل في منطقة ورقلة عاصمة النفط، جنوبي الجزائر، في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، أن “وسائل التواصل الاجتماعي الطارئة أدت دوراً فاعلاً وكانت من بين العوامل التي ساهمت في نمو الوعي لدى الجنوب. لكني أعتقد أن الاحتجاجات الأخيرة ذات البعد السياسي بشأن رفض نتائج الانتخابات، هي رد فعل عفوي على الإحساس بالظلم والتزوير، وإعلان قطيعة مع صورة المواطن الجنوبي الذي يقبل بأية خيارات تحدد باسمه”.

وأشار مراقبون إلى أن “توسع هامش الفضاءات العامة خارج الفضاءات التي كانت تحصرها السلطة على الصعيد الإعلامي، أخرج احتجاجات الجنوب في الفترة الأخيرة إلى البعد الوطني والدولي حتى. وأصبح التفاعل الشعبي والسياسي من المركز مع مطالب وانشغالات الجنوبيين أكثر من أي وقت سابق”.

كما أبدى الباحث حمزة هواري اعتقاده بأن “النظام كان يعامل منطقة الجنوب على أنها الهامش في مقابل الشمال الذي دائماً ما مثل المركز. وامتعاض سكان الجنوب من سياسات التهميش ليس وليد اليوم، لكن الجديد هو توفر فضاء عام للاحتجاج منفلت من رقابة السلطة والمتمثل في مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما ابتلعت الدولة كل فضاءات التعبير من وسائل إعلام تقليدية وفضاءات النقاش العامة. فمواقع التواصل الاجتماعي بما تطرحه من مضامين فتحت عيون شباب الجنوب على حقيقة التفاوت في التنمية بين الجنوب والشمال، وبالتالي عززت من الشعور العام بضرورة استعادة موقعهم بما يعكس أهمية المنطقة. وأعتقد أن مواقع التواصل الاجتماعي زادت بالفعل من وعي شباب الجنوب، فالجيل الجديد يحاول جاهداً إثبات نفسه ويريد أن يقول إننا لسنا أقل شأناً من الشمال. واحتجاجات العاطلين من العمل في ورقلة ومناهضي الغاز الصخري في عين أميناس، دليل على ذلك. وكلها بدأت بالحشد والتعبئة على الإنترنت وانتقلت إلى الميدان”.

وتوقع ناشطون أن “تتفاقم حالة الرفض والتمرد والمطالبة بالمشاركة في القرار المحلي في بلدات الجنوب ومدنه، مع تحوّل في بنية المجتمع وتطور في الوعي المدني وفهم أكبر للتناقضات الحاصلة في الجنوب، الغني بالنفط من جهة والمفتقد للبنية التحتية التي توازي هذا الغنى النفطي من جهة أخرى”.

وقال الناشط المدني في الحرك المجتمعي الرافض للغاز الصخري، محاد قاسمي، لـ”العربي الجديد”، إن “هناك جيلاً يرفض الواقع المعيشي في كل ولايات الجنوب، وجيلاً جديداً يرفض استمرار المجموعات التي استثمرت في التواطؤ مع السلطة، أو بقاء نفوذ الأشخاص والجهات التي تستخدم أجهزة السلطة. وهذا الجيل عمره يبدأ من 15 سنة، ما يعني أن مستوى الرفض للخيارات الجاهزة وقرارات السلطة، سيزداد خلال الفترة المقبلة أكثر من أي وقت سابق”.

وأضاف قاسمي أنه “لا يعرف إلى أي مدى ستقرأ السلطةوالمؤسسات السياسية والأمنية هذه الرسائل الاحتجاجية الآتية من منطقة لم تكن تعرف هذا النوع من الحراك المجتمعي والرفض المدني والاحتجاج السياسي، وإلى أي مدى ستراكم هذه الاحتجاجات تجربة إعادة الهيكلة المجتمعية في بلدات الجنوب”. لكنه أبدى اعتقاده بأن “السلطة ما زالت تمسك بإمكانية احتواء هذا التمرد على قرار المؤسسة الرسمية”. وأضاف أن “تقييم ارتفاع منسوب الحراك الاحتجاجي في الجنوب لا يجب أن يهمل عوائق مهمة قد تكون محددة للمستقبل، كنقص التجربة وعدم وجود تراكم للتجارب الاحتجاجية وقدرة السلطة على التحكم في الهوامش التي تستنزف طاقة الفعل الاحتجاجي. وأحسن دليل على ذلك هو ما آلت إليه غالبية الحركات الاحتجاجية في أكبر المدن الجزائرية والشمال الجزائري عموماً رغم كل ما توفر لها من موارد مادية ومعنوية لم تمنع السلطة من احتوائها على الأقل في سقف محدود”.

ومنذ فترة دق باحثون ومراقبون جرس الإنذار بشأن توسع هامش الرفض الجنوبي لقرارات المركز وخيارات الدولة في المركز واستعادة سكان الجنوب لزمام المبادرة في الدفاع عن مطالبهم الاجتماعية، لكن السلطة في الجزائر لا تبدو أقرب إلى فهم الرسائل السياسية الآتية من مدن الجنوب، وما زال تفكيرها متوقفاً عند حدود العصا الأمنية والحل القمعي.

يأتي ذكر الطوارق دائمًا مع التوترات التي تشهدها عادة الدول الصحراوية في شمال إفريقيا وشعب الطوارق يتواجدون في دول عدة مثل المغرب وليبيا والجزائر وموريتانيا.

قناة (BBC) العربية أعدت مؤخرًا تقريراً يتناول حياة وتاريخ شعب الطوارق الذي يسكن الصحراء.

فمن هم الطوارق؟

تعود أصولهم الي الأمازيغ وهم من الرحل يعيشون بمساحة شاسعة من صحراء القارة الإفريقية من موريتانيا في الغرب الى تشاد شرقا وليبيا والجزائر والنيجر ومالي وبوركينا فاسو ومالي.

ويلقب الطوارق احيانا بـ “الشعب الأزرق”، نظرا للباسهم التقليدي المصبوغ باللون الأزرق الذي اعتادوا ارتدائه.

اعتاد الطوارق الترحال بقوافلهم التي تضم قطعان الإبل بالصحراء الافريقية الشاسعة ودول الساحل الافريقي دون أي اعتبار الحدود بين هذه الدول.

واستخدم الطوارق قديما قوافل الإبل في التجارة ، إذ كانوا ينقلون البضائع وأهمها الذهب والملح عبر الصحراء الكبرى. وأثر تحول طريق التجارة للمحيط الأطلنطي وعلي حياتهم سلبًا بشكل كبير بعد.

وعرف عن الطوارق تاريخيا مقاتلون جيدو التسليح. فلا ينتقلون بدون الخناجر والسكاكين والسيوف والرماح.

وحديثا انتفض الطوارق على حكومات تشاد ومالي والنيجر وغيرها مطالبين بإنهاء التهميش الذي يمارس يحقهم وبنصيب أكبر من عوائد بيع المعادن الثمينة التي تزخر بها دول المنطقة كاليورانيوم وغيره.

مالي

نظرا لمستوى التسليح الذي يتمتع به المتمردون هناك، اختلف عصيان الطوارق في مالي عن حركات التمرد التي وقعت في السابق فالعديد منهم كانوا عائدين من ليبيا حيث شاركوا في القتال في صفوف القذافي وصفوف الثوار الليبيين.

وعاد هؤلاء إلى مالي محملين بكميات من الأسلحة المتطورة مما أضفى خطورة على العصيان المشتعل أصلا في تلك البلاد.

ويقاتل الطوارق من أجل إنشاء دولة خاصة بهم تحمل اسم “ازاود.

ورفع المتمردون الطوارق علم هذه الدولة على مدن تمبكتو التاريخية وغاو وكيدال.


تمبكتو

تعتبر تمبكتو، أبرز مدن الطوارق، وهي مدينة تاريخة يتجاوز عمرها الألف سنة تقع إلى الشمال من نهر النيجر على حافة الصحراء الأفريقية وتشتهر بمساجدها المشيدة من الطين.

واهتم المؤرخون والكتاب القدامى بالمدينة وسحرها، حيث وصف المؤرخ المغربي حسن ابن محمد الوزان الفاسي الثراء الذي كانت تتمتع هذه المدينة به بقوله “إن بعض المقتنيات الذهبية التي كان ملكها يحتفظ بها كانت تزن مئات الكيلوجرامات”.

وذكر المؤرخ المغاربي ان نساء تمبكتو كن علي قدر من الجمال بحيث كان لابد للزائر أن يقع في حب واحدة منهن فور وصوله ويتزوجها.

واحتلت تمبكتو مركزا تجاريا بارزا، إذ كانت تقصدها قوافل الملح الثمين من الصحراء، كما ازدهرت فيها تجارة العاج والرقيق.

ويعرف عن تمبكتو أنها كانت مركزاً ثقافياً، وقبلة للعلوم الاسلامية، إذ تزخر مكتباتها الـ 60 بسبع مائة مخطوطة تاريخية على الأقل.

غير أن تمبكتو الحالية مختلفة عما كانت عليه في عصرها الذهبي، حيث يغلب عليها طابع الفقر وهي مهددة بالتصحر.

(الزمان التركية)

أثار تكتم المغرب حول إطلاقه قمرا اصطناعيا عالي التقنية قبل اسبوعين، قلق الجزائر وإسبانيا، ما سيدفعهما إلى أخذ المزيد من الحيطة والحذر، خصوصاً وأن مصادر قالت أن له أغراضا عسكرية وليست فقط مدنية، بحسب ما ذكرت صحيفة «لوموند» الفرنسية.

وكانت شركة «أريانسبايس» في غوايانا الفرنسية اعلنت في 8 الشهر الجاري أن صاروخا من نوع «فيغا» اطلق من مركز «كورو» الفضائي في غوايانا، وضع «قمر محمد السادس أ» في المدار لمراقبة الأرض.

وأفادت «لوموند» بأن شركتي «آرباص» الفرنسية والفرنسية – الإيطالية «تاليس ايلينيا سبايس» صنعتا القمر البالغة كلفته 500 مليون يورو»، ووقع المغرب العقد «سراً لدى زيارة الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند إلى المغرب في 2013».

وأضافت أن القمر «قادر على التقاط صور عالية الجودة يصل مداها إلى 70 سنتيمتراً من أي مكان على سطح الكرة الأرضية، وإرسالها إلى محطة التحكم في أقل من 24 ساعة، ليصبح المغرب بذلك البلد الإفريقي الأول الذي يمتلك قمراً اصطناعيا قادرا على الرصد والاستطلاع بدقة وجودة عاليتين، وإذا كانت المعلومات الرسمية القليلة المتوافرة تؤكد على استخدام مدني فحسب، فإن القمر المغربي يتمتع في الواقع بتطبيقات عسكرية».

ونقلت «لوموند» عن «المركز الوطني الفرنسي للفضاء» قوله إن «مثل هذه الصور يمكن أن تستخدم في تحديد مواقع المنشآت العسكرية للبلدان العدوة بغية التخطيط لتدخل عسكري فيها، وباستطاعة الخبراء عبر القمر متابعة ما يجري على شبكات الطرق والسكك الحديد، فهذا يعني إمكان استخدامه بالفعل في جمع المعلومات الاستخبارية».

وسيطلق المغرب العام المقبل قمراً آخر يوضع في مدار على بعد 694 كيلومتر من الأرض، ما سيمكنه إلى جانب القمر الأول بعد تنشيطهما من إرسال 500 صورة يوميا يتولى فريق في الرباط فرزها.

الحياة اللندنية

شكا قائد أركان الجيوش الموريتانية الفريق محمد ولد الغزواني تدني المستويات التعليمية، مشيرا إلى أن شخصا واحدا هو من ينجح من بين خمسة ممن يتم ترشحيهم لرخصة طيار.

 

وأضاف ولد الغزواني في تصريحات لصحيفة جون أفريك، أن الأربعة الآخرين يضطرون لأن يصبحوا ميكانيكيين، أو ينخرطوا في سلك الإرسال، “وهذا ليس جيدا”، بحسب تعبيره.

 

جاء حديث قائد أركان الجيش ضمن حديثه للصحيفة عن حاجات الجيش الموريتاني، حيث أكد على ضرورة رفع مستوى التعليم حتى يتمكن الجنود من التكوين والتدريب على التكنولوجيا الحديثة.

 

كما أشار ولد الغزواني إلى أن الجيش الموريتاني بحاجة إلى غرفة عمليات حديثة مزودة بالمعلوماتية، تتم عبرها مواكبة العمليات الجارية، معتبر أن “خرائطنا الحالية لم تعد توافق التضاريس الميدانية”.

 

وهذا نص التقرير :

 

موريتانيا: إعادة ميلاد جيش

 

بعد معاناة مريرة للقوات العسكرية الموريتانية، جراء الهزائم التي تجرعتها على أيدي الجهاديين، بدأت إصلاحات، وعبئت موارد، فما هي النتائج؟

 

بين قوات مجموعة دول الساحل لمحاربة الجهادية والتي تضم بوركينافاسو، ومالي، وموريتانيا، والنيجر، واتشاد، يبرز جيشان بشكل مائز، وهما الجيش التشادي، والجيش الموريتاني، حديث النشأة، إذ يعود رفع مستوى جاهزيته وقدراته إلى أقل من 10 سنوات.

 

وقد تم ذلك بإرادة من الرئيس، الذي قدم الوسائل، وتحت قيادة قائد الأركان محمد ولد الشيخ محمد أحمد المعروف بولد الغزواني، وأصبح الجيش محل إشادة ودعم من طرف الأمريكيين والفرنسيين.

 

لقد عرف الجيش الموريتاني هزائم خلال بدايات تأسيسه، فحينما تقاسم الرئيس الأسبق المختار ولد داداه الصحراء  مع ملك المغرب عام 1975، كانت هناك أقل من 5000 جندي في مواجهة مقاتلي جبهة البوليساريو، حيث تم إرسالهم إلى القتال دون تدريب أو إمداد بعتاد، فقتل منهم 2000 جندي.

 

جنود موريتانيون

لقد تسببت الهزائم والصراعات في شل الاقتصاد الوطني الموريتاني، وأوقفت تصدير الحديد، وأطاح الجنرالات في العام 1978 بالرئيس، ووقعوا في العام 1979 اتفاق سلام مع جبهة البوليساريو.

 

وبعد ربع قرن من الزمن، سيتضح أن هذه القوات المكونة من 15 ألف رجل، ليست بوزن مجابهة الجهاديين، والتصدي لهم، واقع يلخصه مراقب في القول “ليس لديهم ما يكفي من الوقود لرعاية قطيع ماعز قائدهم”.

 

وقد هاجمت الجماعة السلفية للدعوة والقتال، القادمة من مالي، والتي يقودها مختار بلمختار، في 04 يونيو 2005 قاعدة لمغيطي الواقعة في أقصى الشمال الموريتاني. هجوم باغت الحامية التي كانت تغط في النوم، ولم يكن بمقدورها أن تقاوم، فقتل منها 15 شخصا، وحصل المهاجمون بالإضافة على بعض الأسرى، على مركبات وأسلحة.

 

الأمن في البلاد

لقد اعتبرت هذه أول هزيمة للقوات الموريتانية في مواجهة خصم متنقل ونشط، وشجعت تلك العملية لاحقا على مقتل سياح فرنسيين وأمريكيين، ومن ثم اختطاف إسبانيين، ولم يعد بإمكان “رالي باريس ـ داكار” المرور بموريتانيا، بل إنه تخلى عن المرور بإفريقيا بسبب انعدام الأمن، وبدا أن الجيش ليس قادرا على سوى تنظيم الانقلابات.

 

وفي 14 سبتمبر 2008، سيكون الموعد مع مجزرة تورين، فطفح الكيل، فقرر الجنرال محمد ولد عبد العزيز الذي تولى السلطة، فقط قبل شهر من ذلك، رفقة الجنرال ولد الغزواني إصلاح جيش، بائس الواقع، ضعيف الروح المعنوية، منخفض الأجور “عشرات اليوروهات للشهر بالنسبة للعقيد”، فبدأ الوضع يتحسن شيئا فشيئا، حيث تطور السكن والنظام الصحي العسكري، وتضاعفت الميزانيات.

 

ويقول محمد ولد الغزواني إنه “على عكس المدنيين، لا يمكن لرجالنا أن يكملوا أجورهم عبر نشاطات خارجية، وعليهم بالتالي أن يتقاضوا ما يكفي للعيش بشكل مريح، وأن لا يقلقوا على عائلاتهم، عندما يعملون على بعد أكثر من 1000 كلم عنهم”، مضيفا أنه “تقرر تجاهل سلم التراتبية، رغم أنه يطرح مشاكل من قبيل الغيرة لدى العقداء النشطين”.

 

تهديدات إرهابية

وقال الجنرال “لقد شكلنا مجموعات تدخل خاصة، يقودها نقباء شباب، غير مرتبطين أسريا، بهدف خلق ثقافة هجومية، موجهة نحو تلك الحركات”، وفي ذات الوقت، يضيف، عززنا مكتبنا الثاني الخاص بالحصول على معلومات موثقة حول تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. كل ذلك من أجل الجاهزية دون النظر إلى الحساسيات.

 

ويضيف ولد الغزواني “عند ما كانوا يقولون لي إن كتيبة الأمن الرئاسي تطالب بأن نعطيهم رشاشات، كنت أجيب بأننا لن نعطيهم ذلك، إلا حينما يكون عندنا فائض، واليوم الوضع يختلف، وعلى اعتبار أن كتيبة الأمن الرئاسي كان يقودها الرئيس الحالي، وكانت مدللة ، فإن ذلك يؤشر على أن قائد الأركان كانت لديه صلاحيات اتخاذ القرارات في القضايا التي يرى أنها تخدم البلاد”.

 

وقد تدخلت مجموعة التدخل الخاصة في مالي باتفاق مع باماكو، وحققت القوات الموريتانية انتصارا كبيرا على تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ما أسفر عن مقتل 15 شخصا في غابة واغا بمالي في 24 يونيو عام 2011.

 

وحينما حاول تنظيم القاعدة الانتقام عبر مهاجمة حامية على الحدود الموريتانية مني بالهزيمة.

 

قوات متعددة الجنسية

“كنا ننتظرهم! يقول الجنرال مبتسما، حيث فقدوا أميرهم الذي جلبوا من الجزائر ليأتمروا به، ولأول مرة أجبروا على ترك قتلاهم على الأرض، وقد حصلنا على معلومات هامة بشأن مخبأ الأسلحة الخاصة بهم” ومن يومها لم يحاول تنظيم القاعدة مهاجمة موريتانيا. لكن هل كان الانتصار مكتملا؟

 

ليس بالضبط، لأنه إذا كانت القوات الموريتانية والمالية، مدعومة من طرف القوات الفرنسية “براخان” تقوم بعمليات تمشيط بطريقة منسقة على الحدود، فإن الجهاديين أعادوا الانتظام في غابة واغادو، حيث يهاجمون بعض القرى المالية، مستغلين بذلك ضعف وسائل وحماية الجيش المالي.

 

وعندما نشير إلى أن الجيش الموريتاني أصبح أداة قتال حقيقية تحت مسؤوليته، فإن الجنرال ولد الغزواني يطلب منا أن لا نرمي بالحجر سابقيه، الذين لم تكن لديهم الوسائل، ويقول بتواضع “لقد أحرزنا تقدما بفضل القبطان والقادة والعقداء والجنرالات، وقبل كل الشيء بفضل الرئيس الذي منحنا الوسائل، لكننا بعيدون من الوصول إلى الكمال”.

 

وليس لدى ولد الغزواني شك في فاعلية وأهمية العمل العسكري، “إن العمل العسكري ليس كاف وحده، إذ لا بد من التنمية، ومحاربة التطرف، والفقر المدقع لدى السكان، الذين ليس لديهم ماء ولا طعام، ولا دواء، بفعل نقص المراكز الصحية. وبقدر المتاح، وفر رجالنا من خلال التدخل بعض الخدمات والمؤن، فلا يمكن أن يكون هناك جيش غني، وساكنة فقيرة”.

مشكلة أعمق

 

إن القوات الموريتانية اليوم لديها طائرات من نوع “سوبر توكانو” وتتوفر على دعم تكتيكي على الأرض، يتلقى تدريبات في أطار من طرف الفرنسيين. وقدم لها الأمريكيون معدات هامة، كما لديها مدافع رشاشة، وذخائر، ووقود، وسيارات عابرة للحدود خاصة بقوات التدخل الخاصة، ذات المعنويات المرتفعة. وتوجد اليوم 20 ألف رجل تنتشر في 7 مناطق عسكرية، تضم كل منها كتيبتين.

 

فأي تحسينات تسعون إليها؟

“نحن بحاجة إلى غرفة عمليات حديثة، مزودة بالمعلوماتية، تتم عبرها مواكبة العمليات الجارية، كما يجب أن نتوفر على خريطة جديدة، لأن خرائطنا الحالية لم تعد توافق التضاريس الميدانية، ويجب كذلك رفع مستوى التعليم لدينا ليتمكن الجنود من التكوين والتدريب على التكنولوجيا الحديثة، بالطبع لدينا مدارس ثانوية، ومدارس للامتياز، ومدارس عليا متعددة التقنيات، ولكن عندما نقدم 5 مترشحين لرخصة طيار، فإنه ينجح واحد فقط، ويضطر الآخرون لأن يصبحوا ميكانيكيين، أو ينخرطوا في سلك الإرسال، وهذا ليس جيدا”.

 

ويعبر ولد الغزواني عن أمله ورغبته في “تأنيث الجيش، ففي الواقع أرى أنه من خلال بعثاتنا الموجودة تحت راية الأمم المتحدة في جمهورية وسط إفريقيا مثلا، فإنه كان المواطنون سيكونون أكثر ثقة في التعاطي معهم لو كانوا نساء، لكن المشكلة أن النساء لدينا يفضلن العاصمة، كما هو الحال تماما لدى الجيش الفرنسي، حيث لا تفضل النساء الميدان، لكننا نفكر في كيفية معالجة ذلك”.

 

وهو أمر غير مستغرب، حينما نعلم أن الجنرال ابن زعيم قبيلة “إديبوسات”، التي تنسب للزوايا، حيث الانفتاح والتحرر.

 

مجرزة تورين: صدمة كهربية

في مساء 14 و15 سبتمبر 2008، تعرضت دورية مكونة من 6 سيارات من الجيش من الجيش الموريتاني لكمين في تورين، بمنطقة صحراوية تبعد 800 كلم جنوب مدينة المعادن، ازويرات.

 

وقد تبنى الهجوم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، الذي اختطف 12 شخصا، وأخذ 3 سيارات عابرة للحدود، وقد تم العثور على الجنود 11 ودليلهم مقطعي الرؤوس، ونتيجة لعدم وجود قناة اتصال جديرة بهذا الإسم، فقد عملت قيادة الأركان متأخرة بالكارثة التي حصلت.

 

ولأن القادة المعنيين بالدورية المهاجمة، عاجزون تماما، إذ ليست لدى الجيش الوسائل اللازمة لإرسال التعزيزات اللازمة، تم التوجه إلى رجال الأعمال الموريتانيين من أجل المساعدة على استعادة الجيش لقدمه في الشمال، حيث وفر أحدهم سيارة من نوع “ابيك آب”، وقدم آخر بعض الإمدادات اللازمة، كما قدمت الاتحادية الموريتانية للنقل بعض الحاميات المعزولة.

 

لقد كانت المأساة هائلة في عموم البلاد، وتم بتلك المناسبة اكتشاف أن الجيش ليس وحيدا.

 

نقلا عن “جون آفريك” ترجمة الأخبار الموريتانية

 

حمل الكثير من رعاة الماشية السلاح على حدود النيجر وهم من عرقية الفولاني بدافع حماية ماشيتهم.
وأول من حمل السلاح هو دوندو تشيفو، ولم يكن يحمل أي ضغينة تجاه جمهورية النيجر ولا الولايات المتحدة وإنما كان خلافه مع الطوارق الذين يغيرون على الماشية.
ولكن في الرابع من أكتوبر قاد تشيفو عشرات المتشددين المتحالفين مع تنظيم “داعش” في هجوم دام ضد قوات من الولايات المتحدة والنيجر مما أسفر عن مقتل أربعة جنود، كما أوضح الهجوم مدى خطورة مهمة الغرب في منطقة الساحل الأفريقي.
وأثارت الواقعة دعوات في واشنطن لعقد جلسات لبحث وجود القوات الأمريكية. ومن المقرر أن تختتم وزارة الدفاع الأمريكية تحقيقا حول الأمر في يناير.
وقال وزير دفاع النيجر، كالا مونتاري، لـ”رويترز” من مكتبه في نيامي عاصمة النيجر هذا الشهر “إنه إرهابي ورجل عصابات وشخص يريد إلحاق الضرر بالنيجر.
“نتعقبه ونتفقد أثره وإذا وطأت قدمه النيجر ثانية فسيجري تحييده”.

 

ويمثل تحول تشيفو وأمثاله من رعاة يحرسون أبقارهم إلى مقاتلين متشددين قادرين على شن هجمات معقدة قصة تحظى باهتمام القوى الغربية مع سقوط حربها على التشدد العنيف في غرب أفريقيا في براثن الصراعات العرقية والقبلية.
يقول محللون إن التنظيم المحلي التابع لـ”داعش” ما زال صغيرا وعدد أعضائه أقل من 80 مقاتلا ولكن كانت هذه هي طبيعة الحال في بداية الأمر مع الفصائل المرتبطة بتنظيم القاعدة قبل أن تستغل الشكاوى المحلية لتوسيع نفوذها في مالي عام 2012.
ونشرت الأمم المتحدة الأسبوع الجاري تقريرا يوضح كيف زاد عدد أعضاء تنظيم “داعش” في الصومال إلى نحو 200 مقاتل بعد أن كانوا بضع عشرات العام الماضي.
وعزز الجيش الأمريكي وجوده في النيجر ودول أخرى مجاورة في السنوات الأخيرة إذا يخشى أن يدفع الفقر والفساد والدول الضعيفة إلى انتشار الجماعات المتشددة في المنطقة.
عاش الطوارق والفولاني لقرون كبدو رحل يرعون الماشية ويتاجرون. وتركز أغلب الطوارق في مناطق الكثبان الرملية والواحات في الصحراء فيما عاش أغلب الفولاني في الساحل، وهي مساحة شاسعة من أراض شبه قاحلة تمتد من السنغال إلى السودان.
وتمكن بعضهم من جمع ثروة نسبية بزيادة عدد رؤوس قطيعه لكنهم ظلوا منفصلين عن الدول الحديثة التي تأسست حولهم.
وعلى الرغم من أن الفريقين تعايشا بشكل سلمي في أغلب الأحيان إلا أن خلافات نشبت بين الحين والآخر وكانت في العادة بسبب مصادر المياه الشحيحة. وجعلت الزيادة المطردة في انتشار الأسلحة الآلية عبر السنوات تلك الخصومة أكثر دموية.
وكانت نقطة التحول هي الإطاحة بمعمر القذافي في ليبيا بدعم غربي في 2011 إذ عاد بسقوطه الكثير من المرتزقة الذين عملوا لحسابه من الطوارق إلى ديارهم ومعهم ما نهب من ترسانة الأسلحة الليبية.
وشن بعض العائدين تمردا في مالي سعيا لإقامة دولة منشقة للطوارق في صحراء شمال البلاد وهي حركة سرعان ما اقتنصها متشددون مرتبطون بتنظيم القاعدة ينشطون في مالي منذ سنين.
وحتى ذلك الحين كان الإسلاميون المتشددون في مالي يجندون المقاتلين ويجمعون الأموال عن طريق الخطف. وفي 2012 اجتاحوا شمال مالي وسيطروا على بلدات رئيسية مما دفع فرنسا للتدخل لإجبارهم على التقهقر في 2013.
ووسط العنف والفوضى وجه بعض الطوارق أسلحتهم إلى خصومهم من جماعات عرقية أخرى مثل الفولاني الذين لجأوا في ذلك الوقت للمتشددين لتسليحهم وتدريبهم.
يسترجع أبو بكر ديالو، وهو رئيس رابطة لرعاة الماشية الفولاني على طول حدود مالي ويعيش حاليا في نيامي، ما حدث في نوفمبر 2013 عندما نشب خلاف بين شاب نيجيري من الفولاني وقائد من قادة الطوارق بسبب المال إذ قام القائد بجلد الشاب وطرده.
وعاد الشاب مسلحا ببندقية كلاشنيكوف وقتل القائد وأصاب زوجته ثم هرب. وتصادف أن ذلك القتيل عم لأحد أمراء الحرب النافذين في مالي.
وعلى مدى الأسبوع الذي تلا هذه الواقعة ذبح طوارق مدججون بالسلاح 46 من الفولاني في هجمات انتقامية على الحدود بين مالي والنيجر.
وكانت الواقعة هي الأكثر دموية في تاريخ المنطقة حسب وصف ديالو الذي وثق وقوع عشرات الهجمات التي شنها مغيرون من الطوارق وقتل فيها المئات وأدت لسرقة آلاف الأبقار ومئات الجمال.
وقال ديالو الذي يمثل الفولاني في محادثات تهدف لتهدئة التوتر في المنطقة “كانت تلك هي النقطة التي أدرك عندها الفولاني في المنطقة أنهم بحاجة إلى مزيد من الأسلحة للدفاع عن أنفسهم”.
واعترف مسؤول في جهة إنفاذ للقانون في نيامي ومطلع على الأحداث بأن الشرطة لم تحقق قط تقريبا في هذه الجرائم.
وقال محمد بازوم وزير الداخلية في النيجر لرويترز “كان الطوارق مسلحين وينهبون ماشية الفولاني…شعر الفولاني بأنهم مجبرون على تسليح أنفسهم”.
وقضى جاندو زكريا، وهو باحث في مزيج التراث الثقافي بين الطوارق والفولاني في كلية الحقوق بجامعة نيامي، سنوات وهو يدرس سبب تحول الشبان للتشدد.
وقال لـ”رويترز” “كانت المعتقدات الدينية في ذيل قائمة اهتماماتهم”. وبدلا من ذلك كانت المظالم المحلية هي الدافع الأساسي وراء الأمر.
وفيما كان الطوارق في مالي والنيجر يحلمون بإقامة دولة مستقلة ويحاربون أحيانا من أجلها كان أكثر ما يقلق الفولاني بشكل عام هو مخاوفهم على أمن مجتمعهم وقطعانهم التي يعتمدون عليها.
وقال زكريا “بالنسبة للفولاني كان الأمر يتعلق بالظلم والاستبعاد والتمييز وبالحاجة إلى الدفاع عن النفس”.
وقالت عدة مصادر في جهات لإنفاذ القانون إن هناك متشددا أثبت على وجه الخصوص براعته في اللعب على وتر السخط ويدعى عدنان أبو وليد الصحراوي وهو من شمال أفريقيا ويتحدث اللغة العربية.
وجند الصحراوي عشرات من الفولاني في صفوف حركة الوحدة والجهاد في غرب أفريقيا التي كانت موالية للقاعدة في المنطقة وسيطرت على جاو والمنطقة المحاذية لحدود النيجر في 2012.
وبعد أن فرقت القوات الفرنسية في 2013 صفوف إسلاميين متشددين في بلدات مالية سيطروا عليها، تحالف الصحراوي لفترة وجيزة مع مختار بلمختار وهو قيادي مخضرم في تنظيم القاعدة.
واليوم الصحراوي هو واجهة تنظيم الدولة الإسلامية في المنطقة.
وقال مسؤول حكومي في النيجر عن الصحراوي “كان هناك في خطابه ما يهم الشبان ويروق لإحساسهم بالظلم.

وقال مصدران دبلوماسيان إن هناك إشارات على أن الصحراوي تلقى دعما ماليا من تنظيم “داعش” في العراق وسوريا.
ولم يتضح كيف انتهى المطاف بتشيفو كأحد مساعدي الصحراوي المعدودين. وقال المصدر الحكومي إن من أتى به إلى الصحراوي كان ضابطا كبيرا من الفولاني أيضا ويدعى بوتي تشابوري.
وقال المسؤول الحكومي إن تشيفو، مثله في ذلك مثل الكثير من الشبان الفولاني الذين صقلتهم الحياة في منطقة الساحل، دخل إلى السجن وخرج عدة مرات باتهامات مثل حيازة السلاح أو التورط في أعمال عنف محلية كانت تنتهي باتفاقات بين المجتمعات المتناحرة.
لكن ديالو الذي التقى بتشيفو عدة مرات قال إنه كان “هادئا جدا ووديعا جدا. لقد اندهشت عندما أصبح قياديا للمتشددين”.
وتختلف روايات مصادر من الولايات المتحدة والنيجر حول طبيعة المهمة التي نفذت في الرابع من أكتوبر. وتقول المصادر من النيجر، إن الهدف منها كان ملاحقة تشيفو في حين قال مسؤولون أمريكيون إنها كانت مهمة استطلاعية.
وذكرت وسائل إعلام أمريكية، أن أحد المركبات التي خسرتها القوات الأمريكية في الهجوم الدامي ذلك اليوم كانت تابعة لوكالة المخابرات المركزية “سي.آي.إيه” ومجهزة بمعدات مراقبة. ونقلت طائرة مراقبة دون طيار المعركة في بث حي.
وكان الرجال من الفولاني على دراجات نارية ومسلحين بنفس البنادق التي حصلوا عليها في البداية للدفاع عن أبقارهم.

 

 

© AFP 2017/ DELIL SOUL

تعد المخرجة سيسيل أليغرا وثائقيا عن الاغتصاب في ليبيا منذ الثورة في ليبيا لقناة Arteالفرنسية الألمانية.
لوموند تنشر نتائج تحقيقها

Le Monde
في تونس، التقيت بحفنة من نشطاء حقوق الإنسان على استعداد للقتال لمعرفة مدى الانتهاكات. هؤلاء الناشطون – حوالي عشرين شخصا في المجموع – كانت لديهم الشجاعة ليشكلوا، في تونس وليبيا، شبكة تهدف إلى جمع الأدلة عن الاعتداء الجنسي: من شهادات وملفات طبية وصور … هم لا يسعون إلى لتجريم هذا المعسكر أو ذاك، ولكن لتوثيق الجرائم.
عندما تعرفت على شبكة المحققين في خريف عام 2016، لم يكن أعضاؤها سوى في بداية تحقيقاتهم. لكن الخطوط العريضة لسيناريو رهيب بدأت ترتسم، وهو عبارة عن دورة جهنمية، بدأت في عام 2011، في بداية الثورة. وبعد بضعة أشهر، عندما سقط القذافي أخيرا، تم عكس الأدوار: مصراتة تنتقم بمطاردة القذافيين وحلفائهم التاورغا. ضحايا الأمس تحولوا إلى جناة.
هذه الدورة المعقدة هي ما تسعى شبكة المحققين جاهدة لفك شفرتها وتوثيقها. ومن بين هؤلاء المسؤولين رمضان، وهو مدع عام سابق في بنغازي (شرق ليبيا)، وصديقه عماد، التاورغي ، يبلغ من العمر 34 عاما. في يناير عام 2017، عندما وصلت أبحاثهما إلى طريق مسدود، استنجدا بمحققة جنائية دولية، سيلين بارديه، فرنسية تبلغ 46، مؤسِّسَة منظمة “نحن ليسنا أسلحة حرب” (WWOW)، وهي منظمة غير حكومية تحارب العنف الجنسي. وستساعدهما على جمع الأدلة لتكوين عريضة اتهام أمام المحكمة الجنائية الدولية. ومنذ فصل الربيع، دخل تحقيقهما بالتالي مرحلة حاسمة.
أبريل 2017
عماد أحد المحققين، يستعد للمغادرة إلى ليبيا لجمع عناصر جديدة. يدرك المخاطر التي سيواجهها في السفر إلى بلده الأصلي. يقول ، “إذا اعتقلتني الميليشيات ، فإن أول شيء سوف أعاني منه الاغتصاب كي أصمت إلى الأبد وأتخلى عن القضية”. وفي الوقت نفسه، يتساءل كيف تمكنت ليبيا من الانحدار في مثل هذه الفوضى.
في تونس، يطرح أحد مواطنيه السؤال نفسه. اسمه ربيع داهان، ويعرف باسم “ريو”، وهو من “قدامى المحاربين” في الثورة على للقذافي. بحلول يناير 2011، انضم مع أشقائه الأربعة إلى صفوف المتمردين. لكن اشمئزازه من العنف، جعله يستقر في تونس، حيث أصبح منتج أفلام للرسوم المتحركة على الشبكات الاجتماعية.
إنتاجه المقبل سيخصص لموضوع الاغتصاب كسلاح من أسلحة الحرب. ويقول : “نحن جميعا نميل إلى القول إن ذلك في أفضل الأحوال أسطورة، وفي أسوئها من الأضرار الجانبية للصراع. الحديث عن الاغتصاب عندنا هو قبول وصمة عار. ومع ذلك، يجب علينا أن نبدأ بالخروج من الظلال”.
ووفقا له، فإن العنف الليبي متأصل في “ثقافة الاغتصاب” التي أسسها النظام القديم. “الاغتصاب يستدعي الانتقام، ويخلق دورة من الردود”.
“لقد ارتُكِب في كل مكان، ومن قبل جميع الأطراف في جميع أنحاء البلاد، حتى من قبل الثوار!.. إن اغتصاب النساء في الصراع أمر فظيع، ولكنه متوقع. ولكن عندما يَستهدف الاغتصاب الرجال، منهجيا، فإن هذا لا علاقة له بالدافع الجنسي. الرجل المغتصب لم يعد رجلا، فهو خاضع. ويهدف هذا النظام إلى تغيير الموازين السياسية، وعملية ممارسة السلطة، فإنه إنه يدمر البلاد. كيف نعيد بناءه، إذا واصلنا تجاهل هذا الواقع؟ ”
وكما للرد على نداء الاستغاثة هذا، قررت فتو بنسودة، النائبة العامة للمحكمة الجنائية الدولية، والمعروفة بالتزامها ببحث العنف الجنسي في الصراعات، اتخاذ إجراءات. في 24 أبريل ، رفعت السرية عن ملف التهامي خالد، المدير السابق للأمن الداخلي للقذافي. خلال الثورة، هذا الرجل، الذي يعتبر “الشرطي الأول” في البلاد، أمر بغارات في المدن الرئيسية – بنغازي، مصراتة، سرت، طرابلس، تاجوراء وتاورغا. ولدى نشرها هذه القضية الساخنة، كشفت فاتو بنسودة عن صك الاتهام ضد خالد: إلى جانب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، اتهم خالد بارتكاب جرائم اغتصاب منهجية.
تدرك شبكة تونس أن المحكمة الجنائية الدولية أمام عمليات اغتصاب جماعي واسع. ولا تزال هناك حاجة إلى جمع أدلة، وإثبات انتشار الاغتصاب كسلاح حرب في جميع أنحاء ليبيا واستخدامه من قبل الميليشيات من مختلف الانتماءات القبلية أو السياسية أو الدينية. الوقت يمر. وللمضي قدما، ليس هناك خيار: عماد يجب أن يذهب على الفور، في محاولة لاستكمال ملفاته.
مايو2017
وافق عماد أن أتبعه في بحثه. ولأسباب تتعلق بالسلامة، ركبنا طائراتين مختلفتين. في طرابلس، التقيته في مخرج المطار. كان يرافقه أحد أعضاء الشبكة الداخلية: محمد، وهو طبيب سابق في جراحة العظام، تحول لناشط في مجال حقوق الإنسان. جلسنا في سيارته وذهب بأقصى سرعة على طريق الشط. صفوف من أشجار النخيل وملاعب للأطفال ومطاعم … المدينة تعالج وضعها الطبيعي ظاهريا، لكنها لا تزال خطرة. بالأمس في حرب، واليوم مغمورة بهدوء خادع، تؤطره عشرات الميليشيات. في الممرات الجانبية تصطف عربات همفيز وبطاريات مضادة للطائرات، على استعداد للتدخل لإقامة حواجز.
يتسلل محمد ، وعيناه لا تغادران المرايا الجانبية، باتجاه الجنوب، من خلال طرق ثانوية لتجنب الحواجز. توقفنا في مكتب لأحد أصدقائه، حيث تنتظر منى، وهي ناشطة من منطقة زوارة. هذه هي المرة الأولى التي ترى فيها عماد، الرجل الذي جاء من تونس. وباعتبار دوره كقائد للتحقيق، فإنه يذهب مباشرة إلى الموضوع: “هل فكرت في حماية المستندات الخاصة بك؟ ”
“نعم، أرسلت كل شيء إلى مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في شمال أفريقيا”، لكنها تشكو من أنها لم تتلق أي رد حتى الآن. عماد يواسيها، ويسعى لمعرفة عدد الحالات التي تمكنت من توثيقها، ترد: “العشرات، وربما حتى مائة”. وتحكي له منى قصة جندي سابق من أنصار القذافي، اختطف، وألقي في السجن، واغتصب مرارا وتكرارا. يقاطعها عماد : “بعصا مكنسة مثبتة في الجدار؟”. وهو ما تؤكده منى. في فبراير، تحدث شاهد آخر في تونس عن هذا الأسلوب في التعذيب.
ووفقا لما ذكرته منى، فإن أقارب الجندي السابق الموالي للقذافي ناشدوها التوقف عن الاهتمام بقضيته لأنهم تلقوا تهديدات بالقتل. وتختتم الشابة بالحديث عن الممارسة المنهجية والمتمثلة في اغتصاب الرجال في سجون الميليشيات السرية. “إن اغتصاب النساء أقل”، كما تقول،” لكنه مستمر، بشكل عشوائي. وفي الآونة الأخيرة، وافقت على متابعة حالة مراهقة يبلغ من العمر 15 عاما اختطفتها ميليشيا في طريقها إلى المدرسة. وبما أن الأب لم يدفع الفدية، فقد خُطف أيضا شقيقاها الصغيران”.
“ومنذ ذلك الحين، لم نسمع عنهم”. عماد يسجل الأسماء والتواريخ. “لدي أيضا عدة حالات لاختطاف أمهات واغتصابهن في وضح النهار، قبل إطلاق سراحهن. والأسوأ هو أننا كثيرا ما نعرف المغتصب وأن الضحية مجبر على التقاطع معه كل يوم”. في آخر مرة حاولت منى مغادرة البلاد لإخراج هذه الأدلة، اعترضها ثلاثة رجال في زقاق، ووضعوا سكينا تحت حلقها. وقال أحدهم لها: “أيتها الكلبة، تشوهين بلدك بألاعيبك!” ثم مزقوا جواز سفرها. يطمئنها عماد: “سوف يستغرق الأمر وقتا طويلا، ولكننا سوف نساعدك. سوف نخرج المستندات الخاصة بك، وسوف نستمر في العمل.”
انطلقنا بالسيارة إلى جنوب طرابلس، بالقرب من أبو سليم، السجن المعروف بالإجراءات الأمنية المشددة حيث أخفى القذافي معارضيه. يدفع عماد بابا حديديا، ويتجه نحو أحد المباني الجاهزة. تستقبله ثلاث نساء ورجلان. على مدى ست سنوات، تكافح هذه المجموعة الصغيرة لتأسيس جرد بعمليات الخطف والسجن والاختفاء. زعيمهم، محجوب، يفتح خزانة. بداخلها: 650 ملفا مرتبة حسب الترتيب الأبجدي. ليس هناك وقت لتضييعه. يجلس عماد، ويبدأ في تصفح قائمة الأشخاص المفقودين، المصنفة حسب الفئة: المختطفون، وأولئك الذين لم تصل لأقاربهم أي أخبار منذ سجنهم …
وتتعلق وثائق أخرى بسجناء سابقين. “عمل عظيم “، يفرح عماد. ولكن انظر إلى هذا الملف، وهو لسجين سابق في سجن تومينا السري. هناك، بالتأكيد، تعرض للاغتصاب. هل يوجد شيء بشأن ذلك؟ يدافع محجوب عن نفسه: “بالنسبة للسجناء السابقين، الحاجة الملحة هي تسجيلهم. بالنسبة للبقية يحتاج الأمر وقتا طويلا. ضمنيا: الوقت لقول ما لايقال”.
مع وجود 650 ملفا يجب إدارتها، المهمة هائلة. “من المستحيل أن نتذكر كل شيء”. يقترح عماد على المجموعة طريقة بسيطة: إذا شعر محجوب أن محاوره تعرض لاغتصاب وأنه لا يجرؤ على البوح بذلك ، فليضف رمزا في أسفل الصفحة. وهكذا عندما نأتي لرؤية هذا الشخص مرة أخرى، سوف نعرف أن علينا أن نحفر هذا الجانب. يتنهد محجوب. اجتماعه مع المعتقل السابق في تومينا جعله مضطربا بشدة. “ما فعله فيه سجانوه”، كما يعترف، ” لا ترغب في أن يتعرض له حتى ألد أعدائك. ”
في نهاية هذا اليوم الأول، جمع عماد كتلة كبيرة من العناصر التي سيتم تقطيعها. التواريخ والأماكن والأسماء الدقيقة. وغالبية القضايا الجديدة تهم تاورغا، القبيلة الليبية التي ينحدر منها هو نفسه. محتقرون لأن بشرتهم سوداء، كانوا دائما مواطنين من الدرجة الثانية. متهمين بدعم القذافي والتورط في العديد من عمليات الاغتصاب في مصراتة، أصبحوا كبش الفداء الرئيسي لدائرة العنف. دُمرت مدينتهم (تاورغاء)، وتشرد 35 ألف منهم في عدة مخيمات في بنغازي وطرابلس.
وصلنا إلى أحد هذه المخيمات، فلاح، جنوب العاصمة. حوالي 2500 تاورغي يعيشون هنا. يجلس عماد ، وفي يده دفتر، على مكتب متواضع. أول شخص يريد أن يجتمع به علي، الرجل الذي رآه محجوب بعد الإفراج عنه من سجن تومينا.
مَن دَخَل الغرفة كتلة من الألم: في سن الـ 39، يبدو وكأنه بعمر 65 ويتحرك معتمدا على قصبة. مقابلا لعماد، يسرد أسماء رفاقه الذين قتلوا أمامه، وجلسات التعذيب بالكلاب، والصدمات الكهربائية على الأعضاء التناسلية … يحاول عماد أن يمنحه الثقة: “يمكنك أن تقول لي كل شيء”. يواصل علي: “قالوا لنا، موتوا يا كلاب تاورغا!” بعضنا كانوا محبوسين عراة داخل غرفة ، ليلة كاملة، مع مجموعات من المهاجرين. ولم يكن الحراس يطلقون سراحهم إلا بعد تبادلهم الاغتصاب. لحسن الحظ، لم أتعرض لذلك، أنا كان نصيبي التعذيب بالعصا والإطار”.
يرفع عماد رأسه. ويؤكد علي ، “لعشرات المرات”. الآن يعاني من مشاكل صحية. يلاحظ عماد هنا نوعا آخر من التعذيب فصّله علي: إطار معلق إلى السقف، حيث يجب أن ينزلق السجين عاريا، مطويا على نصفين، لتسهيل عمل السجانين. وتؤكد شهادة علي من جميع النواحي ما قاله شاهدا آخر تم الاستماع إليه في تونس: أساليب متطابقة، واستخدام قسري للمهاجرين لارتكاب الاغتصاب … ينضاف إلى ذلك، استهداف تاورغا.
في اليوم التالي، يركز عماد أبحاثه على هذه القبيلة. وهكذا يعثر على سيدة عرفها لفترة طويلة، تعيش في مخيم آخر للنازحين في جنوب المدينة. اسمها فتحية، تبلغ من العمر 43 عاما. حتى الآن، لم تكن تريد أن تتكلم. بصوت متردد، خرجت من صمتها: “في البداية، اعتدوا على زوجي، الذي يعاني من الشلل. ثم قبضوا ابنتي التي كانت تبلغ من العمر 11 عاما في ذلك الوقت، وحاول أحد الرجال اغتصابها.
كان هذا الشخص أحد جيراننا في طرابلس، وكان لديه طفل من نفس العمر، وكنت قد رأيته يكبر. حاصروني في غرفة في المنزل واغتصبوني مرتين. صرخت: “ولكن أنا جارتك.. منذ عشرين عاما ونحن نعيش جنبا إلى جنب!” “توقف عماد عند اسم المغتصب، فضلا عن اسم الحي. تواصل فتحية: “جروني إلى الشارع، أمام الجميع، وهم يقولون:” أنتم اغتصبتم بناتنا. سنفعل الشيء نفسه لكم”. “ومع ذلك، لم يكن هناك فقط مصراتيون!” تأخذ فتحية نفسا عميقا ، وتواصل في همس. “أسوأ شيء قاموا به لي ، هو اغتصابهم لي أمام ابني البكر … ومنذ ذلك الحين، لم يعد يتحدث معي”.
فتحية لم تعد تحتفظ بدموعها. يسلمها عماد منديلا ، ويرجوها التوقف. لا. إنها تريد أن تتكلم، لتحرير نفسها: “في اليوم الثاني، جاء رجل قوي البنية. لم أكن أعرف من أين جاء، ولا إن كان مصراتيا، أوليبيا، أو سوريا … جاء للاغتصاب”. يشخص بصر عماد لفترة ويسألها إن كان هناك أي سجينات أخريات معها ، تهز فتحية رأسها ، “لم أكن أسمع سوى أصوات الرجال”. وتضيف: “ما لم أكن أعرفه، هو أنه في هذه الأثناء كانوا قد اختطفوا ابني الثالث، البالغ من العمر 14 عاما. ”
تعَوَّد عماد على سماع الأهوال. لكن هذه المرة، بدا متأثرا. تواصل فتحية قصتها، لا شيء يمكن أن يمنعها. احتجز ابنها لمدة ثلاث سنوات في سجن بالقرب من تومينا. وبعد ذلك، في صباح أحد الأيام، بأعجوبة، اتصل بها: “أمي، سأخرج في خمسة أيام”. رتبت فتحية أشياءه، وأعدت سريره، وطبقه المفضل.
أخذت سيارتها، وعبرت المنطقة تحت السيطرة المصراتية، ووقفت على أبواب السجن. “عندما وصلت، ألقوا حقيبة سوداء على قدمي وقالوا:” خذي هذا ابنك، أيها الكلبة!” . فتحية تنفجر بكاء: “فتحت الحقيبة، كان هناك صغيري، هزيلا جدا، بخدين محفورين، وجسمه مرصعا بالندوب …”. تسلم صورة. ينفلت القلم من يد عماد وينهار.
يونيو 2017
في تونس، يلتقي عماد سيلين بارديت، المحامية الدولية التي تستشيرها الشبكة. يضعها في صورة نتائج تحقيقه الليبي: الملفات الـ650، الاجتماعات الجديدة التي تؤكد ممارسة الاغتصاب في جميع السجون في غرب البلاد، ولا سيما استهداف تاورغا، قبيلته. وقال لها “لقد وصل الأمرالى مرحلة مبالغ فيها ، أي مواطن عادي له الحق في صيد تاورغي، أو اغتصابه، أو تعذيبه، بات هذا أمرا طبيعيا. بل إن البعض يعتقد أن ذلك واجب وطني”. تطلب منه سيلين بارديت منها تقدير عدد الضحايا. يرد : “ما بين 3000 و 5000″، قبل أن يضيف بغضب: “كيف يمكن تنبيه المجتمع الدولي؟ لماذا لا تفعل المحكمة الجنائية الدولية أي شيء؟ ”
وقت العدالة يبدو دائما وقتا طويلا بالنسبة للمحققين الميدانيين.
ولكن، في الواقع، قامت المحكمة الجنائية الدولية بإعادة إطلاق القضية الليبية، أولا سرا ومن ثم علنا. وفي خريف عام 2016، طالبت المدعية العامة فاتو بنسودة بمزيد من الأموال من مجلس الأمن الدولي لتعزيز وتوسيع نطاق تحقيقاتها. وتعرف رئيس المحكمة الجنائية الدولية أن هذا الملف قنبلة سياسية. فتح تحقيق حول ليبيا هو إعادة بناء التسلسل الزمني الدقيق للحقائق، لتحديد سلسلة من المسؤوليات. مهمة جسيمة. ولاية المحكمة تتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
ومع ذلك، لم يكن هذا البلد رسميا في حالة حرب منذ عام 2011، إلا في معارك محددة (بنغازي في عام 2014، سرت في الآونة الأخيرة). ومن أجل التمكن من التعامل مع القضايا الليبية، يجب على المحكمة الجنائية الدولية أن تشرع في عمل واسع لترتيب القضايا المعروضة عليها من قبل المحققين الليبيين. ولكن أي الحالات يجب البدء بها؟ العنف الذي تعرض له المصراتيون في عام 2011 أو ذلك الذي نسب إلى ميليشيات مدينتهم في السنوات التالية؟ أم اغتصاب التاورغيين أو اغتصاب البنغازيين؟
وفي هذه الحرب الأهلية التي لا ترحم، ارتكبت جميع الأطراف المعنية انتهاكات. ومن ثم فإن مسؤولية المحكمة الجنائية الدولية هي مسألة ساحقة: فمن حيث المبدأ، ينبغي عليها أن تشكل ملفات تجرم جميع الفصائل لتجنب تعريض نفسها لاتهامات التحيز. ولكن الأمر سيستغرق سنوات لفرق التحقيق في لاهاي (هولندا) لتحليل كتلة الوثائق المنبثقة عن ست سنوات من الفوضى في ليبيا.
في الواقع، تحتاج المحكمة الجنائية الدولية إلى مساعدة. و سيلين بارديت، التي بدأت أولى معاركها في لاهاي، تعرف ذلك. عمل عماد بشأن الانتهاكات التي يعاني منها تاورغا يقدم مسارا ممكنا للتحقيق. إذا كان الملف مكتوبا وموثقا بشكل جيد، فإنه سيكون وسيلة لتسريع عمل العدالة. تقاطع سيلين: “في البوسنة، خلال النزاع بين 1992 و 1995، كانت هناك جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ولكن في سريبرينيتسا، التي كانت تعد حوالي 000 8 نسمة، سميت هذه الجريمة إبادة جماعية، لأن الهدف كان هو إبادة السكان عن آخرهم. هنا، علينا أن نجد عناصر النوايا، لأننا قد تكون قريبة من الإبادة الجماعية على سكان تاورغا. ”
أغسطس2017
في حين تواصل الشبكة بناء قضيتها في تونس ، تضرب المحكمة الجنائية الدولية ضربة جديدة. في 15 أغسطس ، أطلقت مذكرة توقيف دولية ضد الرائد محمود الورفلي المتهم بارتكاب جرائم حرب. الورفلي الذي يقود لواء الصاعقة، حليف للجنرال خليفة حفتر، الرجل الذي يسيطر على الشرق الليبي لسنوات. وللمرة الأولى، تقبل المحكمة الجنائية الدولية كدليل أشرطة فيديو منشورة على شبكة الإنترنت وتظهر عمليات إعدام جماعي يرتكبها الورفلي. ضمنيا، يحيط الشك بمسؤولية المشير حفتر. يعرف المحققون الآن أن مقاطع الفيديو التي تم جمعها صالحة من الناحية القانونية. وهذه الضربة من قبل المحكمة الجنائية الدولية تسمح لهم بالنظر في ضحايا جدد – العديد من الشهود المحتملين – هذه المرة، من سجون سرية في شرق ليبيا.
جرائم الحرب، وجرائم ضد الإنسانية، وربما إبادة الجماعية على جزء من السكان السود … التحقيقات لم تنته بعد. وتحذر سيلين بارديت مؤسسة منظمة WWOWالحقوقية : “يبقى قياس مدى هذه الانتهاكات. لقد بدأنا نحصل على عناصر، ولكن الأمر سيستغرق بعض الوقت “. وبمساعدة شبكة المحققين الليبيين، فإنها تستعد لإصدار تقرير من شأنه أن يروي الرعب الذي شهده هذا البلد منذ عام 2011.
• ترجمة بوابة افريقيا الإخبارية