12:07 مساءً - الإثنين 18 ديسمبر 2017

“ليلة النار” لإريك شميت:الصحراء بما تمتلك من فائض حرية

عندما سألته صحافية في أحد الحوارات:

ـ هل ستعود إلى هناك؟

رد عليها: مرة واحدة تكفي. بعد أن نلتقي بالحب اللامرئي نتدبر أمرنا بهذه الهدية.

المكان المقصود هو صحراء تمنراست في الجزائر، والهدية لم تكن غير “ليلة النار”، أو لحظة تجلي الإيمان، اللحظة السرية التي عرف فيها الكاتب إريك إيمانويل شميت الله في تجربة صوفية فريدة عاشها في تلك الليلة في صحراء تمنراست، على أعلى قمة من جبل هقار، حيث ما فتئت تلك الليلة تشكّل جسده وروحه وحياته كما يقول، هي ليلة على الأرض “جعلتني أستشعر الأبدية”.

“ليلة النار”، رواية سيرية للكاتب الفرنسي إريك إيمانويل شميت، صادرة حديثًا عن دار مسكيلياني بترجمة أنيقة للمترجمة السورية لينا بدر.

الرحلة بالنسبة إلى إريك شميت وجيرار، صديقه المخرج، هي من أجل الوقوف على أطلال المكان الذي عاش فيه شارل دو فوكو في بداية القرن الماضي، ذلك الضابط الفرنسي الذي عاش حياة مترعة بالأفعال المشينة، لكنه تلقى النور ذات مرة على يد راهب في كنيسة باريسية ثم ارتحل إلى الصحراء ليعيش بين الطوارق، أولئك الناس المهملين المنسيين، ونذر نفسه لهم، واطلع على أشعارهم وأساطيرهم وقوانينهم وأول قاموس للغتهم، وبنى صومعته، أو كنيسته هناك، عندما كانت تمنراست لا تعدو أن تكون قرية يسكنها أربعون فردًا فقط. وذلك من أجل الفيلم الذي يتعاونان على إنتاجه. كانت رحلة حج إلى المكان ترافقهما فيها مجموعة من الأشخاص، بين طبيبة عيون وعالمة رياضيات وجيولوجي وعالم فلك وغيرهم. وهناك يعيش إريك إيمانويل شميت تجربة روحية خاصة مدته بها الصحراء بما تمتلك من أمداء شاسعة عامرة بالحرية.

تشكل الصحراء بجغرافيتها وطبيعتها وعالمها الحيوي بطولة الرواية، وبطلها الشخصية التي رسمها إريك شميت ببراعة: أبايغور الطارقي المرافق للرحلة سليل عائلة أرستقراطية من جبال الهقار، ومن خلالهما يتعرف الراوي/ الكاتب على أسرار الصحراء وبصمتها في تشكيل البنيان البشري.

صحراء الطوارق

لا يمكن للقارئ أثناء قراءة هذا العمل إلاّ استدعاء رواية الكاتب المالي، موسى حج أساريد، “صحراء الطوارق… في المدينة”، الصادرة عن دار الحوار في عام 2015، فهناك العديد من التقاطعات بين العملين، أولها الانشغال بصحراء الطوارق، وبكون العملين ينتميان إلى الرواية السيرية، والمقابلة بين مكانين، بين منظومتين بشريتين، أو مجالين حيويين، صحراء الطوارق من جهة، والمجتمع الفرنسي المعاصر من جهة أخرى. ولعل هاتين المنظومتين، بكل ما تحتوي الواحدة منهما من نشاط بشري وعلاقات وملامح حياة، تشكلان البطولة في شكل جلي بالنسبة إلى سردية صحراء الطوارق، إنما تبدو الأرجحية للصحراء في رواية “ليلة النار”، بل تبدو السرديتان كمركبتين تسيران في الطريق نفسه إنما باتجاهين متقابلين، الطارقي موسى حج أساريد منطلقًا من صحرائه حاطًا رحاله في فرنسا لتحقيق حلم الكشف والاستكشاف والتحصيل العلمي منفتحًا على حضارة وصفها بالمادية الغربية، لكنه مسكون بأحكام قيمة رسختها تجربته في فرنسا، بينما إريك شميت ينطلق من فرنسا بلد ولادته الأولى، إذ يعتبر نفسه ولد مرتين، المرة الثانية كانت في ليلة التجلي في صحراء الطوارق في رحلة استدرجت إليه ومضة داهمته في عمر الخامسة عندما بدأ بوعي ذاته.

تجربة الصحراء بكل قسوتها ووحشيتها، بين ليلها ونهارها، كانت معينًا كبيرًا للكاتب كي تصل به إلى نقطة الذروة في القلق الوجودي والسؤال عن الله، السؤال الذي ناقشه في السرد بطريقة حوارية بينه وبين سيغولين رفيقته في الرحلة، وبينه وبين نفسه بالتداعي أو الاسترجاع. لم تؤثر تلك الأفكار على سرده المميز بأسلوب سلس ولغة بسيطة كثيفة المعنى في الوقت نفسه، وهو الذي تمّت مواجهته بسؤال أكثر من مرة حول حضور القضايا الفكرية والفلسفية في أعماله الإبداعية على نحو يبدو أقرب إلى المباشرة في بعض الأحيان، وما إذا كان ذلك الأمر ينال من شروط الفن، قال شميت: الفن وعاء يتسع لكافة القضايا، والمهم هو كيفية التناول. فلغة الإبداع ليست جدليات ذهنية ولا معادلات رياضية مغلقة، لكنها مشحونة بالعاطفة في الأساس. وهو بتصريحه هذا يؤكد طريقته الصوفية في التفاعل مع العالم أيضًا، إضافة إلى ما حمّل السرد من مواقف نقدية إن كان لجهة المسؤولية الأخلاقية للموهبة التي تعبر عن نفسها، أو لجهة الفهم الواسع والممارسة السامية للدين، من دون أن يخلو من موقف واضح تجاه النظرة الاستعمارية الاستعلائية من قبل فرنسا تجاه الشعوب التي استعمرتها، فهو يقول عندما يتأمل أبايغور وهو يمارس صلاته على الطريقة الإسلامية ويتأثر بخشوعه: بوسع أبايغور أن يمارس أي ديانة كانت، سيكون هذا ملائمًا بالنسبة إليه، هذا ما تظنه عقولنا الإيجابية! لمَ تنوير ابن البلد؟ ما المنفعة إذا اقتلعناه من جذوره حين نقدم له الإلحاد؟ ما الذي سينفعه في هذه البيئة العدائية؟ في الواقع، برأيهم إن الحكم على أفريقي شيء طبيعي، ولكن أن يفعل هذا إنسان أوروبي فهذا مزعج، لأنهم يعتبرون الأوروبي يفوق الأفريقي.

لم يكن موقفه المسبق مبنيًا على عصبية قَبْلية، ولم يكن يسعى إلى إثبات هوية مهددة بالفقدان، كما موسى حج أساريد في سرديته عن صحرائهم، صحراء الطوارق، بل كان يتشبث بكل قرينة يلتقطها مما تظهره الصحراء في تخلّقها أمامه، “إنها قوة البطء”، وكانت الصحراء تدلّه على “عيوبه، واحدًا تلو الآخر” كما يقول.

قد يكون “التسامح” بكل أشكاله، خاصة التسامح الديني، الذي عرف به إريك إيمانويل شميت، والتسامح الثقافي، أسهل على الفرد المنتمي إلى وطن قوي راسخ حقق تجربته التاريخية وكرس نفسه لمنظومة قيم ومعارف، من فرد ينتمي إلى مجتمعات وشعوب وجغرافيا مهددة في هويتها ووجودها كما الطوارق، فيبدو من الطبيعي القبول بتمسك هوياتي قوي وواضح لدى موسى حج أساريد، الذي عاش تجربة انفتاح على الحضارة الغربية، لكنه لم يعش تجربة الحرية التي كانت الصحراء قد كرستها في داخله بطريقة أخرى، الحرية التي من خلالها التقط شميت لحظة التجلي العميقة. فنرى موسى حج أساريد يقول: هؤلاء البدو الذين يدافعون عن خصوصيتهم وثقافتهم على الرغم مما يتعرضون له من أفعال التهميش والتغريب، فلا عجب أن يقوموا بحركات تمرد كل حين للدفاع عن كينونتهم، لهم فلسفتهم الوجودية الخاصة، ولهم فهمهم الخاص للدين الإسلامي الذي اعتنقوه متأخرين، لكنهم تمسكوا بالاجتهاد وبأن تكون لهم تجربتهم الدينية الخاصة. “إنها لقيمة لا تقدر بثمن أن تكبر في كون يهرب إلى الزمن، وأن تكتشف بالتالي حضارات تبعد الواحدة منها كل البعد عن الأخرى، كل هذه الفوارق تزيد الحياة غنًى، غير أننا نحن البدو، الرجال الأحرار الذين لا عمر لهم، نجد أن الزمن يهددنا، تصعب معرفة كم من السنوات ستمضي ويكون بمقدورنا أن نبقى أحياء على هذه الأرض العطشى حيث ما عادت تمطر. اختار أجدادنا الصحراء ليكونوا أحرارًا، مع أنهم في هذه الأيام يدفعون ثمن هذه الحرية”. ويفسر الحضارة المادية الغربية وابتعادها عن الروحانيات بابتعادها عن الإيمان.

الإيمان والبرهان

بعد انتهاء الرحلة/ الرواية التي كتبها إريك إيمانويل شميت كسردية سيرية تحت اسم “ليلة النار”، يعقب في فصل خاص استكمالًا أو تلخيصًا لما تريد الرواية أن تقول في تجربة الإيمان، التجربة الروحية التي قادته إلى الله، عارضًا السجالات التي كانت تدور في خلده خلال مسيرة حياته، واضعًا النقاط على الحروف في فلسفته، وهو الذي درس الفلسفة التي يقول فيها “دراستي الفلسفة مكنتني من سبر أغوار النفس البشرية، والتحقق من بواطن الأمور وجوانياتها؛ وبالتالي دفعتني الفلسفة إلى إدراك الجوهر الحقيقي للأديان”، وذلك عندما كان مدعوًا إلى مؤتمر اتحاد الكتاب المصريين بمناسبة مرور ثلاثين عامًا على تأسيسه.

وهو إذ يعتبر نفسه ولد مرتين “مرة في مدينة ليون في العام 1960، ومرة في الصحراء في العام 1989″، فإن ولادته في الصحراء هي الولادة المثمرة التي أينعت وأثمرت مبدعًا يكتب الروايات والقصص والمسرحيات، إذ يعترف لتلك الليلة من التجلي الخارق بما منحته من إلهام، وتناغم داخلي يجعل قلبه وعقله “في تآلف عوضًا عن أن يسلك كل واحد منهما طريقه بمفرده”، كما يعتبر أن أكثر ما زودته به تلك التجربة هو الحق، فالموهبة، كما يعلن، “تبقى عديمة النفع إذا التزمت بخدمة نفسها دون أي هدف آخر غير الظهور إلى العلن للتعريف بذاتها ونيل الإعجاب أو التصفيق، يجدر بالموهبة الحقة أن تنقل قيمًا تحملها وتفوقُها”.

تلك الليلة، ليلة النار، التي تستدعي الليلة الخاصة لباسكال، العقلاني الأسمى، كما يصفه، الذي أجبر على تسليم أسلحته عندما صعقه الله نحو منتصف الليل، فاكتشف منذ ذلك الحين معنى حياته كلها، وخبأ في بطانة سترته تلك الليلة التي يدعوها “ليلة النار”، ليلة إريك إيمانويل شميت لم يتعلم منها شيئًا، بل يقول: آمنت.

فالرواية إذن تحكي قصة الإيمان، والسؤال الذي شغل الإنسان منذ أن أدرك وجوده في هذا الكون الملغز: هل الله موجود؟ سوف يجيب عنه ببساطة: لا أعرف. فهو لا يخلط بين العلم والإيمان، لأن ما يعرفه ليس ما يؤمن به، وما يؤمن به لن يكون أبدًا ما يعرفه. “يختلف الإيمان عن البرهان، فالبرهان شيء بشري، والإيمان عطية من الله، القلب هو الذي يدرك الله وليس العقل”.

انطلق إريك إيمانويل شميت في رحلته إلى صحراء تمنراست في جنوب الجزائر مسكونًا حدّ الامتلاء بالأسئلة الوجودية، عاش التجربة في صحراء الطوارق متحررًا من أي أحكام قيمة مسبقة، كان يريد من الصحراء أن تمده بالتجربة، تجربة التأمل التي تمنحها الصحراء بما تمتلك من فائض من الحرية، فشعر بقربه من الله، الله الكوني الذي “يقتلون باسمه” بينما هو بريء من جرائمهم، فأحباء الله هم فقط أولئك الذين يبحثون عنه، وليس أولئك الذي يتحدثون باسمه مدعين العثور عليه.

ليس غريبًا على إريك شميت أن يعلن صراحة: يجدر بنا أن نتعرف إلى جهلنا وأن نثقفه، سلام الإنسانية يكلف هذا الثمن، نحن كلنا إخوة في الجهل وليس في الإيمان.. ينبغي عليّ أن أحترم لدى الآخر أولًا ما أحترمه لدي. وهو الذي كتب العديد من الروايات والمسرحيات المعروفة التي تدور حول التسامح بين الأديان، منها “طائفة الأنانيين”، و”تفسير بيلات للإنجيل”، و”لأوسكار وذات الرداء الوردي”، وقد حققت روايته “مسيو إبراهيم وزهور القرآن” نجاحًا كبيرًا، وتحولت إلى فيلم سينمائي قام ببطولته الممثل العالمي عمر الشريف الذي فاز عن دوره فيه بجوائز متعددة، وتقدم هذه الرواية نموذجًا عن التسامح الديني ونبذ التعصب والعنصرية.

سوسن جميل حسن: الضفة الثالثة

You may also like

0 comments

By