11:57 صباحًا - الإثنين 18 ديسمبر 2017

ماكرون في الجزائر: بين مخلفات الماضي والتطلع للمستقبل

كشفت زيارة إيمانويل ماكرون الأربعاء إلى الجزائر عن استراتيجية الرئيس الفرنسي فيما يتعلق بسياسته تجاه هذا البلد، والتي لا يبدو أنها ستكون مختلفة عن سابقيه، وهي محاولة إيجاد توازن بين المطالب الجزائرية التي تتعلق بضرورة تصفية ملف الذاكرة وإزاحة ما يعيق إقامة علاقات طبيعية بين البلدين، وبين ضرورة تكثيف التعاون الاقتصادي والتبادل الثقافي والعلمي بينهما.

أنهى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زيارته الأولى للجزائر والتي دامت أقل من يوم بمؤتمر صحفي فصل فيه الأهداف الحقيقية من وراء زيارته التي جاءت بعد ثمانية أشهر على توليه رئاسة فرنسا، زيارة قال عنها إنها زيارة صداقة وعمل.

ماكرون الذي تميز عن سابقيه بالتصريحات التي أطلقها عندما كان مرشحا للانتخابات مؤكدا أن ما حدث خلال فترة الاستعمار يمكن أن يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية وهي التصريحات التي أثارت حينها زوبعة في فرنسا، ووصفت السلطات الجزائرية الرئيس الشاب بعد انتخابه بأنه صديق الجزائر.

الزيارة كانت محل اهتمام الجزائريين الذين يتطلعون لأن تسمح بتجاوز مسألة الذاكرة والماضي الاستعماري والتطلع لمستقبل واعد بين البلدين، غير أن ماكرون استبق ذلك بتصريحات للصحافة الجزائرية وصفت داخل الجزائر بتراجع عن التصريحات السابقة وبأن ما قاله لا يعدو أن يكون استراتيجية انتخابية ليس إلا.

وفي معرض حديثه عن ملف الذاكرة أشار ماكرون إلى أنه لا يريد أن يبقى حبيس الماضي وإنما يريد أن يتطلع للمستقبل من أجل بناء علاقات صلبة مع بلد اعتبره غاية في الأهمية وشريكا أساسيا سواء تعلق الأمر بمحاربة الاٍرهاب أو الهجرة غير الشرعية، معرجا على دور الجزائر في الملف الليبي الذي لابد أن يكون لها دور فيه.

ولما لهذا الملف من أهمية فقد أعلن ماكرون عن قراره بضرورة استرجاع جماجم الجزائريين الموجودة في فرنسا وقال إنه سيصدر قانونا يسمح بذلك وهو مطلب سابق للسلطات الجزائرية تم التفاوض حوله منذ سنوات في خطوة قد تحفظ ماء الوجه للرئيس الفرنسي الذي وعد بأكثر من ذلك، وهو ما دفع ببعض المحللين إلى اعتبار الخطوة رمزية ليس إلا لأنه عاجز عن الذهاب بعيدا في مسألة الذاكرة رغم وعوده السابقة، فيما ذهب البعض الآخر إلى اعتبار ذلك بداية لقرارات لاحقة قد تنتهي باعتراف ماكرون بجرائم فرنسا الاستعمارية، وهو الطرح الذي تعززه تصريحات الرئيس الفرنسي عندما يقول بأنه لن يبقى حبيس الماضي معلنا في الوقت ذاته عن زيارة الدولة شهر فبراير من السنة المقبلة في مؤشر على أن ملفات عديدة تركت إلى هذا الموعد الذي يتوقع خلاله أن يخوض ماكرون في تفاصيل أكثر حساسية ولم لا إقران الأقوال بالأفعال.

الكثير من المراقبين أيضا اعتبروا أن ما يثار حول قضية الذاكرة ما هو إلا زوبعة في فنجان وأن مسألة الذاكرة تخضع للتوازنات داخل السلطة سواء في الجزائر أو في فرنسا وأنها مسألة شائكة لا يمكن لماكرون أن يبت فيها لوحده، كما أنه مجبر على إقناع الفرنسيين بكل الخطوات التي سيتخذها ولذلك فهو يتريث حتى لتبصير زوبعة سياسية قد تعصف بمستقبله السياسي وقد يقدم على الاعتراف بعد حين.

لم يغفل ماكرون الجانب الاقتصادي مشددا على ضرورة تأهيل الشباب معلنا عن إنشاء مدرسة لهذا الغرض مؤكدا أن هذه الطاقات يجب أن تستغل في بناء علاقات اقتصادية متينة والبلدان بحاجة إليها كجسر ممتد لتمتينها. ملف التأشيرات أيضا كان حاضرا ويقول ماكرون إنه سيعمل على تخفيف إجراءات الحصول عليها لفئات معينة دفعا لوتيرة التبادل الاقتصادي والتعاون الثقافي بين البلدين.

زيارة ماكرون وإن كانت قصيرة إلا أنها كشفت عن استراتيجية الرئيس الفرنسي فيما يتعلق بسياسته تجاه الجزائر والتي لا يبدو أنها ستكون مختلفة عن سابقيه وهي محاولة إيجاد توازن بين المطالب الجزائرية المعبر عنها بصفة غير مباشرة والتي تتعلق بضرورة تصفية ملف الذاكرة وإزاحة ما يعيق إقامة علاقات طبيعية بين فرنسا والجزائر وبين ضرورة تكثيف التعاون الاقتصادي والتبادل الثقافي والعلمي وهو بذلك يعول على جيل جديد ينتمي إليه ويريد أن يكون الجسر الرابط بين الضفتين بمن في ذلك الفرنسيين مزدوجي الجنسية الذين يقول ماكرون عنهم إنهم يلعبون دورا كبيرا في الارتقاء بالعلاقات الفرنسية الجزائرية.

عبد الحكيم زموش: موقع فرنسا 24

You may also like

0 comments

By