تقارير

تقارير

ملخص

أسفرت الانتخابات البرلمانية الجزئية  عن فوز ياسين العيّاري مرشح قائمة الامل بمقعد عن دائرة المانيا. وسارع بعدها بعض  السياسيين  والاعلاميين  إلى الترويج إلى وشك فضّ الشراكة بين النّداء والنهضة وإنهاء التوافق بينهما اثر بيان اصدره حزب نداء تونس أعرب فيه عن نيته مراجعة العلاقة مع اطراف سياسية. من جهتها، أعلنت حركة النهضة في البيان الختامي للندوة السنوية  لإطاراتها المنعقدة يومي 23 و24 ديسمبر 2017 ، سلامة الخيار السياسي للحزب في تمسّكه بنهج الشراكة والتّوافق في إدارة الشَّأن العام رغم صعوبة المهمّة. وسط  أجواء اطمئنان لترسيخ الديمقراطية  بالاعلان عن عزم الدولة اجراء الانتخابات البلدية في شهر ماي 2018 ، و بين العوائق والحوافز، وبين رياح تشتهيها سفن اهداف الثورة والانتقال الديمقراطي، وبين أعثار الطريق يتواصل الجدل  والتعلق بنجاح المسار في زمن انتخابي تدخله البلاد بخطى حثيثة قد تتغير فيها المعادلة السياسية .

 مقدمة

أصدرت حركة نداء تونسي يوم 17 ديسمبر 2017 بيانا اعترفت فيه بالنتائج الأوّلية للانتخابات الجزئية التونسية لسدّ الشّغور بمجلس نوّاب الشعب في دائرة ألمانيا، التي جرت وسط الشهر وأسفرت عن فوز مرشّح قائمة الأمل المستقلة ياسين العياري بالمقعد الوحيد بالدائرة، متقدّما عن مرشح حركة نداء تونس والمدعوم من حركة النهضة، فيصل حاج الطيّب. تضمّن البيان رسائل أهمّها أنّ هذه النتيجة ستكون  إعلانا “للانطلاق في مسار الإصلاح الهيكلي الداخلي للحزب”، وأنّ الحركة “ستقوم بالمراجعات الشجاعة والضرورية في علاقتها مع بعض الأطراف السياسية”. وسارع بعض الإعلاميين والسياسيين والمتابعين، استنادا إلى البيان المذكور وتصريحات لقيادات ندائية، إلى الترويج إلى وشك فضّ الشراكة بين النداء والنهضة وإنهاء التوافق. من جهتها أعلنت حركة النهضة في البيان الختامي للندوة السنوية  لإطاراتها المنعقدة يومي 23 و24 ديسمبر 2017 “سلامة الخيار السياسي للحزب في تمسّكه بنهج الشراكة والتوافق في إدارة الشأن العام وفي تحمّل أعباء المرحلة” وأوصت ب “تعزيز العلاقة مع الشركاء، والعمل على توسيع التوافق ليشمل بقية العائلات”. كما أعلنت عشرة أحزاب سياسية، من بينها المشروع وآفاق و المبادرة  والجمهوري والمسار، الموقعة على وثيقة قرطاج، في بيان لها يوم الثلاثاء 26 ديسمبر2017، “التقدم للانتخابات البلدية ضمن قائمات موحدة في كل الدوائر الانتخابية، باعتماد مقاييس موضوعية تضمن مساحة واسعة للكفاءات الحزبية ولمختلف مكونات المجتمع المدني”. فهل نحن إزاء تغيّرات في المشهد السياسي والحزبي في مطلع سنة جديدة؟ وأيّ مستقبل للتوافق وحكومة الوحدة الوطنية؟ وهل تشي نتائج انتخابات ألمانيا وحركية الأسابيع الأخيرة بتغيّرات في موازين القوى السياسية في أفق الانتخابات البلدية المزمع تنظيمها  في 6 ماي 2018؟

حقيقة الانتخابات الجزئية في المانيا

فاز ياسين العياري بمقعد دائرة ألمانيا، بحصوله على 284 صوتا، وتقدّم عن مرشح حركة نداء تونس الحاصل على 253 صوتا. ولم تتجاوز نسبة المشاركة  بهذه  الانتخابات5.02  بالمائة. وكانت هذه النتيجة مفاجئة وصادمة، بما جعلها تحوز من المتنافسين فيها والمتابعين وسائر التونسيين،  باهتمام فاق الاهتمام بالانتخابات نفسها. فماذا جرى وما هي أهمّ الاستخلاصات السياسية المتّصلة بذلك؟

  يبدو أنّ حزب النداء لم يُحسن تقدير الموقف جيّدا وكانت معطياته عن القاعدة الانتخابية  بدائرة ألمانيا غير محيّنة، فاطمأنّ إلى رصيده   في انتخابات 2014، مُغفلا تغيّر السياق والمعطيات، كما عوّل أكثر من اللزوم على حليفه حركة النهضة، التي وقعت في نفس الخطأ تقريبا. وتفاجأ الجميع بنسبة المشاركة الضئيلة جدّا والتأثيرات السلبية للخلافات الداخلية. فقد تسبّبت انقسامات نداء تونس في تشتيت واضح ومؤثر لقاعدته الانتخابية في 2014، ولعب حزب مشروع تونس خاصّة، وأمينه العام محسن مرزوق الذي رابط بألمانيا وألقى بكل ثقله، دورا حاسما في إضعاف مرشّح النداء وفوز ياسين العياري. فقد افتك المشروع جزءا مهمّا من الماكينة الانتخابية للنداء وشنّ حملة على الحزب ومرشحه  وأخذ ثلث أصوات من شاركوا من القاعدة الندائية. هذا إضافة إلى تأثير أربعة مرشّحين آخرين من المنشقين عن النداء. ولا يخطئ المتابع الأثر الحاسم للخلافات الداخلية التي امتدت إلى ألمانيا في هزيمة النداء. فالغالبية من منخرطيه لم يذهبوا للتصويت أصلا ومن شاركوا لم يتأكد تصويتهم جميعا لمرشح حزبهم. ويكفي أن يذكر الندائيون أنّ أكثر من 500 من أنصار الحزب حضروا اجتماعا لحافظ قائد السبسي أثناء الحملة الانتخابية، لنتساءل عن أثرهم في التصويت. ولا يستبعد البعض إرادة في هزم النداء من داخله لتصفية حسابات مع القيادة أو الضغط لتغيير الخط السياسي. كم كمالا يُستبعد أثر الخلاف حول سياسة التوافق داخل النداء وداخل النهضة أيضا في الهزيمة الحاصلة.

إنّ نسبة المشاركة الضئيلة جدّا، والمخيفة، مهما كانت أسبابها الموضوعية مثل غياب الرهان القويّ والتنافس المثير، على غرار انتخابات 2011 و2014، أو صعوبات التنقل لمراكز اقتراع  بعيدة تقلّصت من 14 إلى 04 فقط وفي طقس بارد جدّا، أو المناخ السياسي السلبي وضعف التعبئة في الإعلام وأنشطة الأحزاب والجمعيات، مهما كانت أسبابها فهي تظلّ نسبة تبعث برسائل خطيرة، وأهمّها انعكاسات ذلك سلبيا على مستقبل الاستثمار المالي من الدولة التونسية أو الدول والهيئات الداعمة للتجربة التونسية، في الانتخابات والديمقراطية، والتي يتبيّن من خلال هذا المؤشر أنها لا تهمّ سوى نخبة أقلية (5 بالمائة فقط). فضلا عمّا تعكسه من مزاج سياسي سلبي لدى عموم الناخبين. وأخطر ما في الأمر أن تلك النسبة لا تضمن حماية مسار الانتقال الديمقراطي. فالشعب أهمّ حام لديمقراطيته. كما  أنّ التوافق الحاصل بين الزعيمين الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي، والمكرّس لاحقا بين حزبي النداء والنهضة في البرلمان والحكومة، يُختبر لأوّل مرّة داخل القواعد والجمهور الانتخابي للحزبين، وقد كشفت هذه التجربة الأولى نواقصها وصعوباتها التي أثّرت على الجدوى والنتائج. وباتت  تحتاج إلى المعالجة مستقبلا. وإنّ فوزا مفاجئا لمترشح مستقلّ، مهما كان ومهما اختلفنا معه، ودخوله البرلمان  بالحصول على 284 صوتا فقط، لا يبرّر هذا الحجم من الانزعاج والاستنتاجات المتشائمة. إذ يمكن اعتباره “فلتة” على غرار”نواب الصدفة” في المجلس الوطني التأسيسي. فقد تكون  المنافسة تركّزت بين  أحزاب بعينها ولم تنتبه إلى مثل هذه المفاجأة. مثلما استفاد نواب التأسيسي من حسن الجوار في القائمات. لكن هذا الفوز لشاب مستقل لا يخلو من رسائل إيجابية لا يمكن إنكارها، من بينها أنّ الانتخابات التونسية شفّافة وغير معلومة النتائج مسبقا وأنّ الأمل في الفوز متاح لكافّة المترشحين، وهذا من شأنه أن يشجّع الشباب خاصة على المشاركة مستقبلا.

التوافق و الاختبار الصعب

 فوّض بيان النداء المذكور سابقا لاجتماع هياكل الحزب التي تمت دعوتها للاجتماع  يومي 23 و24 ديسمبر اتخاذ القرارات المناسبة في موضوع المراجعات الشجاعة والضرورية في علاقة  الحزب مع بعض الأطراف السياسية. وتضاربت تصريحات الندائيين في تفسير أسباب الهزيمة في علاقة بحركة النهضة، بين من يردّ النتيجة إلى وضع داخلي للنداء أو تآمر على قيادته أو غضب على سياسته، ومن يتّهم حزب النهضة الشريك بالخذلان أو “معاقبة النداء”. بين من يشكر قيادة النهضة على موقفها التضامني ومن يتّهمها بالمراوغة. بين من يُحمّل قيادة النهضة المسؤولية ومن يردّ الأمر إلى عصيان القاعدة أو تمرّدها على قرار دعم مرشح النداء. وسارعت كثير من الأوساط السياسية والإعلامية إلى الجزم بقرب إعلان الطلاق بين النداء والنهضة وانتهاء تجربة التوافق بينهما التي ظلّت محلّ عدم رضا وانتقاد من قبل غير المؤيدين لها. لكن يبدو أنّ هذه الاستنتاجات كانت أقرب إلى التعبير عن أماني أصحابها أكثر مما تستند إلى حقائق الواقع. فالتوافق لم يكن يوما مسألة مزاجية، بل خيارا سياسيا واعيا ومسؤولا، أملته سياقات الانتقال الديمقراطي واقتضاه النظام السياسي والقانون الانتخابي وبيّن نجاعته وأثره الإيجابي على البلاد وعلى الحزبين فضلا عما يلقاه من استحسان ودعم إقليمي ودولي. ومثل هذا الخيار لا يُلغى بالسرعة التي يتمناها البعض ولا تفسخه نتائج جزئية في أصغر دائرة انتخابية. كما أنّ تصريحات الناطق الرسمي باسم النداء أشارت بوضوح إلى أنّ المراجعة لن تشمل العلاقة بالنهضة في الحكومة والبرلمان وإنّما تتّصل بجوانب سياسية تشمل النهضة وأحزاب أخرى.

 حرصت حركة النهضة من جانبها على الابتعاد عن ردود الأفعال الفورية، وبدت التصريحات القليلة للقيادات النهضوية هادئة ورصينة، تأسف للنتيجة وتتفهم ردود الشريك على ما حصل، في حين كانت مؤسساتها تعكف على دراسة العملية في مختلف جوانبها وتداعياتها على المشهد السياسي والاستحقاقات الانتخابية القادمة. واكتفى بيان لاحق بعد اجتماع المكتب التنفيذي بتعبير الحركة عن “انشغالها من محاولة بعض الأطراف التي اقترن اسمها بالاستبداد والفساد تسميم الأجواء السياسية  والتشويش على المسار وتكريس منطق الاحتقان والاستقطاب وتقسيم التونسيين”. ومع الابتعاد التدريجي عن لحظة “الصدمة” تراجع التوتّر في بعض الخطابات وبدأت الأمور تعود إلى نصابها. فقد كان بيان النداء منتظرا لامتصاص نتائج صادمة وإعلان العزم على تصحيح الأخطاء التي يُعتقد أنها سبب الهزيمة. فللانتخابات أعراسها وجراحها. وتبدو المراجعات مشروعة وهامة، خاصّة في تحميل المسؤولية وعلاقة تغيير الخط السياسي بتغيير القيادة، وفي علاقتها بالاستحقاقات الانتخابية القادمة. وفي حين أعلنت قيادة النداء عن تأجيل اجتماع هياكلها المتزامن مع انعقاد الندوة السنوية لحركة النهضة، جاء البيان الختامي لإطارات النهضة مؤكدا لخيار التشارك والتوافق. نجحت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بعد مشاورات مع كل الفاعلين السياسيين،  في تحديد يوم 6 ماي 2018 تاريخا توافقيا، لإجراء الانتخابات المحلية. وجاء توقيع رئيس الجمهورية على الأمر القاضي بدعوة الناخبين لهذا الاستحقاق، بعد إعلان نتائج دائرة ألمانيا، وقبل مدّة من انقضاء الآجال القصوى التي يفرضها القانون، تأكيدا على سلامة المسار، ووضع للبلاد على سكة الانتخابات ووقف حالة التردد و الشك التي ارتبطت بتأجيل موعدها، وبمناخ التوتر السياسي خلال الفترة الأخيرة. وكانت تلك المؤشرات عنوانا لتجاوز التوافق إحدى أهم الامتحانات.

 الانتخابات المحليّة لسنة 2018

 لا خلاف على أنّ ترسيخ الديمقراطية والتداول على الحكم يقتضيان توازنا في المشهد الحزبي، حتّى يكون للتنافس معناه وحتى لا تكون الهيمنة مغذّية للاستبداد مجدّدا. وهذا أحد أهمّ أسباب تشكّل حزب حركة نداء تونس الذي سوّق نفسه بهدف إحداث التوازن في المشهد الحزبي بعد التقدّم الملحوظ لحزب حركة النهضة في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، وبوادر هيمنته على الحكم رغم الشراكة المعتمدة في صيغة الائتلاف الثلاثي الحاكم المعروف ب”الترويكا”. وقد لاقت هذه الفكرة تجاوبا في تجميع كثير من خصوم النهضة في نداء تونس. وساهم ذلك مع عوامل أخرى معقّدة في إحداث التوازن المفقود، بل في تقدّم النداء على النهضة في تشريعية 2014. لكن المفاجأة حصلت باضطرار الأوّل إلى التحالف مع غريمه الذي حلّ ثانيا في الترتيب مع فارق بسيط، وأحزاب أخرى صغيرة، لتشكيل أغلبية برلمانية حاكمة يحتاجها  استكمال الانتقال الديمقراطي وتجد في التوافق المسجّل بين الباجي قايد السبسي وراشد الغنوشي منذ ما يعرف بلقاء باريس السند والضامن. وليتوسّع الائتلاف الحاكم لاحقا إلى ستّة أحزاب ضمن ما يعرف بحكومة الوحدة الوطنية حاليّا.  بعد إقرار موعد توافقي لاستحقاق الانتخابات المحليّة في 2018 وفي أفق الاستحقاق الدستوري للانتخابات التشريعية والرئاسية نهاية2019 ، تشهد الساحة السياسية حراكا ملحوظا بتشكيل أحزاب جديدة أو تحالفات حزبية لخوض الانتخابات البلدية. وتشتغل هذه الكيانات السياسية مجدّدا على نفس الفكرة الأساسية التي ظهرت بعد انتخابات 2011، في ملء الوسط وإحداث التوازن المفقود مع الحليفين في الحكم النداء والنهضة. وهذا حراك محمود وواعد في ظاهره لكن تحفّه أسئلة هامة وتتعلّق به شكوك حول مستقبله وقدرته على رفع التحدي بتغيير موازين القوى السياسية في أفق الانتخابات المحليّة في المدى المنظور وما يليها من استحقاقات في المدى الأبعد.

 لا تبدو الانتخابات القادمة يسيرة على جميع الأحزاب، وهي رغم طابعها المحلي ستؤثر بقوة في تشكيل المشهد الوطني فيما يليها من انتخابات. وهذا يصدق على الحزبين الشريكين الرئيسيين في الحكم ومدى صمودهما أمام مصاعب المرحلة وكمّ النقد من خصومهما الذين يروّجون لفشلهما، وأمام الاحتقان الشعبي تجاه سياساتهما، مع النفاذ التدريجي لصبر الموجوعين والعاطلين والجائعين. كما يصدق في شأن منافسيهم الذين يجدّدون أنفسهم تحت عناوين مختلفة، لكنهم يعيدون نفس الخطابات والتكتيكات تقريبا في الضديّة أو الوسطيّة أو التوازن أو الإنقاذ أو الخيارات البديلة… وما نجح مرة يفقد جدّته وجاذبيّته وليس مضمون النجاح ثانية. ومن جهة أخرى فإنّ المشهد الحزبي بتونس لم يتشكل بعد على خلفيّات وانتماءات اجتماعية واضحة، ولذلك فإنّ حزبي النداء والنهضة اللذان يتجدّدان بدورهما في الأفكار والخطاب والأشخاص ويستفيدان من أخطاء الماضي البعيد والقريب، نراهما عمليّا يملآن مساحة كبرى في الوسط الاجتماعي والثقافي ويفرزان تجذّرا محدودا على أطرافهما، ولا يتركان مساحة ذات بال لمنافسيهما على هذا الوسط. كما أنّ المشتغلين على فكرة ملء الوسط بين النداء والنهضة مخترقان سياسيا وفكريا بجاذبية هذين الطرفين أو استقطابهما للمشهد. فللوسط محاسنه ومساوئه أيضا. ولعلّ ذلك الدرس الأوّل المستخلص من فشل تجارب عديدة في التقارب والاندماج منذ الثورة إلى الآن، وكذلك في الانقسامات الحاصلة داخل الأحزاب.  يضاف إلى ما سبق أنّ حزبي النهضة والنداء يغرفان من رصيد تاريخي لم ينفد بعد، ويتطلّعان إلى تصالح تاريخي مع الماضي، يعزّز مصالحة شاملة ومطلوبة في الحاضر، لتأمين مستقبل من الاستقرار السياسي الحيوي في ظلّ تقلبات إقليمية ودولية بالغة الخطورة. وهما يعبّران عن حاجة موضوعيّة مفتقدة لدى خصومهم المنقسمين على أنفسهم أيديولوجيا وتنظيميا والمتحدين سياسيا في تبني منهج إقصائي لخصومهم. إضافة إلى ما يملك النداء والنهضة من قوة ذاتية، يصعب على منافسيهم اكتسابها في ظرف وجيز تفرضه الاستحقاقات القريبة بمقياس الزمن السياسي.

 لهذه الاعتبارات مجتمعة وأخرى لا يسمح المجال بالاستفاضة فيها، يبدو من الصعب أن تتغيّر موازين القوى السياسيّة في أفق استحقاق الانتخابات المحليّة.  لكن يظلّ للحراك الحزبي أهميته وبريقه، فهو إن لم يغيّر الموازين كليّا، فإنّه سيضغط إيجابيا على القوى الأساسية التقليدية. ولا تستبعد المفاجآت، إذ يخطئ في الغالب من يصادر المستقبل ويجزم بالحتميّات. لكن يبقى الجوهر في أن تنضبط العملية السياسية بالدستور وبمقتضيات الديمقراطية، ولا تستبدل فيها المنافسة بالاستعداء ولا يُلجأ فيها للاستقواء بالأجنبي ولا يحصل فيها مزيد من  عزوف الناخبين.

تونس ودخول الزمن الانتخابي

بالعودة إلى مقتضيات القانون الأساسي المتعلق بالانتخابات والاستفتاء المؤرخ في 14 فيفري2017، لا سيما ما يتصل  بشروط الترشّح وتقديم الترشّحات، يتبيّن ما يسبّبه تشكيل القائمات من حمّى صداع للبعض وحمّى صراع للبعض الآخر.  فالشروط العسيرة لتشكيل القائمات، إذا أضفنا إليها أن يكون المترشّح مسجّلا بالدائرة المعنية، خلافا للتشريعية، تجعل الأغلبية الساحقة من الأحزاب التي يتجاوز عددها الرسمي المائتين، عاجزة تماما  اليوم عن الإيفاء بمتطلبات المشاركة التنافسية الدنيا في بلديات 2018. لذلك يشعر القائمون عليها بالحرج وبعبء الاستحقاق ممّا يرفع حمّى الصداع لديهم. وقد تخفف التحالفات من ذلك الصداع دون أن تلغيه. وفي الجهة المقابلة ترتفع حمّى الصّراع في الأحزاب والقائمات المستقلّة ذات الرهانات التنافسية مهما كان حجم الرهان. فاعتماد الاقتراع على القائمات دون الأفراد، في دورة واحدة، وتوزيع المقاعد في مستوى الدوائر على أساس التمثيل النسبي مع الأخذ بأكبر البقايا، كما حصل في الانتخابات التأسيسية والتشريعية الماضيتين، سيجعل الصراع محتدّا في ترتيب المترشّحين على القائمة. فالأوائل هم الأكثر حظا ولا يمكن في كل الأحوال التنافسية فوز قائمة مهما كانت بجميع المقاعد.

  خاتمة

مهما تكن درجة الصداع أو الصراع، فإنهما المؤشر على أن بلادنا دخلت الزمن الانتخابي ومهما تكن التحالفات الانتخابية التي قد تتسبب في تفكّك  نهائي لمكونات وثيقة قرطاج، فإنّ ذلك لا يهدّد الاستقرار السياسي الذي يضمنه بالأساس توافق الحزبين الرئيسيين،  لكنّ دعوة الاتحاد  العام التونسي للشغل، أحد أطراف وثيقة قرطاج  الداعمين لحكومة الوحدة الوطنية، إلى انتخابات مبكّرة، مؤشر لا يبعث على الاطمئنان.

 
 “السؤال الذي أطرحه على نفسي كل يوم هل تمكنت من نقل المعاناة والمشاكل التي يواجهها الأخرين، هل حقا نجحت في نقل هذا الواقع”. 

في بداية العام 2017، كلفت وكالة رويترز للأخبار مصورتها زهرة بن سمرة بتغطية الجفاف في الصومال. مهمة أضافتها زهرة إلى قائمة المهمات التي تحملها في رصيدها المهني. في الصومال وككل مرة فكرت زهرة في الزاوية والبصمة الشخصية التي ستنقل من خلالها معاناة هذه الأزمة التي تعصف بأكثر من مليوني مواطن يحاولون تخطي المجاعة وسط حقول قاحلة وماشية أصبحت جلدا على عظام، إنها إحدى المهمات الأخيرة التي قامت بها المصورة الصحفية الحربية الجزائرية #زهرة بن سمرة بوكالة رويترز.

“قد تحدث معجزة عند منتصف الليل.. تضمن عودة جميع اللاجئين إلى ديارهم، وتمسح أحزان كل من يشتاق للسعادة، توقف جميع الحروب وتعيد بناء البلدان التي دمرتها التفجيرات والحروب”

زهرة بن سمرة مصورة صحفية حربية بوكالة رويترز

‬زهرة اختارتها صحيفة الغارديان البريطانية المصورة الصحفية لعام 2017. وأشادت الغارديان بعمل بن سمرة‭ ‬نظير تغطيتها البعض من أصعب الأزمات والنزاعات التي يشهدها العالم، كالنزاع المسلح في العراق وسوريا وأزمة اللاجئين الروهينغا، والجفاف في الصومال، وغيرها.

قوات سوريا الديمقراطية خلال اشتباكات مع تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية بالرقة في سوريا Reuters/ Zohra Bensemra

زهرة بن‭ ‬زهرة بن سمرة تعيش في الجزائر، #يورونيوز التقتها وحاورتها عن تجاربها وعن قيمة هذه الجائزة التي حازت عليها كأول امرأة عربية وإفريقية ومسلمة وجزائرية. #يورونيوز#رشيد سعيد قرني: زهرة بن سمرة مرحبا بك على قناة يورونيوز، خلال شهر ديسمبر/كانون الأول على اختارت صحيفة الغارديان البريطانية أحسن مصورة صحفية للعام 2017، ومنحت هذه الجائزة لك ماذا يمثل لكِ هذا اللقب؟

  • زهرة بن سمرة، مصورة صحفية حربية بوكالة رويترز:

في الحقيقة هذه الجائزة تشرف المصور لأنها تجعله يدرك أنه قام بعمل كبير خلال السنة ولم يضيع وقته وقام بدوره على احسن وجه. هذا يدل كذلك على أنني عملت بجد خلال السنة.

 

يورونيوز- رشيد سعيد قرني: زهرة تتحدثين عن العمل بكد، فعملك ليس سهلا، انت مصورة صحفية حربية تعمل في مناطق النزاع والحروب والتوتر، من ناحية هذا العمل الذي تقومين به، على ماذا تدل هذه الجائزة؟

  • زهرة بن سمرة، مصورة صحفية حربية بوكالة رويترز:

بصراحة لست… هذا صحيح إنه شرف كبير وجائزة تفرح تضاف إلى سيرتي الذاتية وأنا مسرورة جدا كون الغارديان اختارتني كأفضل مصورة خلال العام 2017 ولكن السؤال الذي أطرحه على نفسي كل يوم هل تمكنت من نقل المعاناة والمشاكل التي يواجهها الأخرين، هل حقا نجحت في نقل هذا الواقع. وعندما نتحدث عن الجوائز صحيح انها تفرح ولكن الأهم هم ما نقدمه للأشخاص الذين التقطهم لأنه الأمر الذي أفكر فيه حين أكون في الميدان.

يورونيوز- رشيد سعيد قرني: انت تتحدثين عن العمل في الميدان في السودان في الصومال، ما هو المشهد او الصورة التي بقيت في ذهنك حتى اليوم؟

  • زهرة بن سمرة، مصورة صحفية حربية بوكالة رويترز:

بالتأكيد عندما نتحدث عن المجاعة من منظور مصورة صحفية، نحاول أن نتطرق إلى هذه الأفة بشكل عميق لأننا لا نريد أن نبقي سطحيين ونلتقط صور الأشخاص الذين يصطفون في الطابور من أجل الحصول على الأكل. نبحث عن زاوية مغايرة في هذه الأفة كمثال ماذا خلفت هذه المجاعة بالفعل. فالمجاعة لا تتعلق بالأكل فقط وإنما بالحياة كذلك والموضوع الذي تأثرت به كثيرا في موضوع المجاعة قصة فتاة صومالية تبلغ من العمر 14 عاما، أجبرتها أمها على الزواج، هذه الفتاة كانت جد حسناء واضطرتها الأوضاع على الزواج للحصول على المهر واستغلاله في دفع تكاليف السفر ومغادرة المنطقة القاحلة التي كانت تقطنها مع عائلتها نحو مخيمات الجمعيات غير الحكومية التي كانت تقدم الأكل لضحايا المجاعة.

 

هذه الفتاة البالغة من العمر 14 عاما لم تكن تريد الزواج ولكن والدتها اجبرتها هربت من بيتها لمدة ثلاثة وأربعة أيام واختبأت في الغابة. كانت تقول أفضل أن يفترسني أسد على الزواج من هذا الرجل الذي يكبرني. ولما عادت إلى البيت قامت والدتها بسجنها وتم تزويجها لهذا الرجل الذي كان يبلغ أكثر من 50 عاما وبقيت في بيت زوجها ثلاثة أيام فقط لأن الفتاة كانت تريد ان تغادر مع عائلتها وذهبت معهم وقررت الطلاق لأنها لا تطيق هذا الرجل. هذا امر طبيعي لفتاة في هذا العمر لأن احلامها كانت أحلام فتاة في سنها، كانت تريد الدراسة وأن تصبح أستاذة لغة انجليزية وهذا الزواج بالنسبة لها لم يكن امرا عاديا. ونجحت في نهاية المطاف بالرغم من المجاعة والمشاكل التي كانوا يواجهونها لأنهم كانوا في العراء. كل هذا لم يثنيها عن تحقيق أحلامها. غالبا ما نعتقد أن المشاكل تقطع طريق الأحلام ولم يكن الأمر كذلك بالنسبة لها ونجحت بمساعدة استاذها وسجلت نفسها في مدرسة خاصة باللاجئين لأنها لاجئة.

الفتاة الصومالية زينب التي تحدت المصاعب Zohra Bensemra/reuters

أستاذها ساعدها كثيرا لأن هذا المشكل العويص يتكرر كثيرا في الصومال بسبب الفقر والمجاعة وجعلها على اتصال مع جمعية عالمية وأخرى إيطالية ساعدوها في إعادة جمع المهر 1000 دولار وارجاعه لهذا الرجل للحصول على حريتها وبالفعل حدث ذلك. وهذا بالفعل درس قدمته طفلة من الصومال لجميع الإنسانية. فرغم كل المشاكل تمكنت من مواصلة حلمها وهذا مثال ينبغي ان تتبعه كل بنات العالم. إنه درس يأتي من عمق إفريقيا بالنسبة لي من الصومال من بلد فقير يعاني من المجاعة والحروب بفعل حركة الشباب، التنظيم الإرهابي الذي يفجر القنابل ويقتل الأبرياء في كل مكان. الفتاة لم تترك أحلامها.

يورونيوز- رشيد سعيد قرني: جائزة صحيفة الغارديان التي تحصلتِ عليها في نهاية العام 2017 كانت مفاجأة بالنسبة لك، فكيف كان رد فعلكِ على الخبر؟

  • زهرة بن سمرة، مصورة صحفية حربية بوكالة رويترز:

بالتأكيد وكما تعلم لما يتم اختيار الفائز بجائزة يتم الاتصال به من قبل لإخباره من اجل تحضير الحفل والحوارات. عندما بلغني الخبر أصيبت بالارتعاش لأنني لم أكن أنتظر هذه الجائزة خاصة وأنني كنت من بين المرشحات العام الماضي لنفس الجائزة ولم أحصل عليها. وهذه السنة كنا ثلاث مرشحات من وكالة رويترز بالإضافة على عدة مصورات من وكالات أخرى. لما أخبرني رئيسي بأن الغارديان يريدون الاتصال بي قلت في نفسي أنهم بالتأكيد يودون الحصول على سيرتي الذاتية. يومها كنت مع أصدقائي في المطعم في الجزائر وبلغتني المفاجأة وأفرحتني وبعد أسبوع تم الإعلان عن ذلك. وعندما تم نشر الخبر تلقيت عدة رسائل تهنئة من أشخاص أعرفهم وآخرين لا أعرفهم من داخل وخارج الجزائر. 

 

ولكن تبقي ردة فعل الجزائريين خاصة لأنهم أعطوا هذه الجائزة لمسة جزائرية خاصة بهم، ولم أكن انتظرهذا الموقف منهم، شعرت بفخرهم بي وهذا أسعدني كثيرا، ولكن أنا أعمل في وكالة رويترز وفي الوكالة لسنا مصنفين على أساس الجنسية وإنما على أساس الكفاءة والعمل والصرامة ولهذا احسست نفسي وكأنني في عالم آخر ولم أعرف أي موقف أتخذ. الجميع في الجزائر تحدث عن هذه الجائزة سواء الصحف والمجلات والقنوات التلفزيونية والإذاعية وكأنهم علموا فجأة بوجود امرأة جزائرية مصورة صحفية تغطي الحروب عبر العالم مع أنني أقوم بهذا العمل منذ حوالي عشرين سنة.

تصاعدت حركات الاحتجاج في عدد من دول الإقليم مثل السودان وتونس والجزائر والمغرب وإيران، خلال الأسابيع القليلة الماضية، على نحو يعكس مقومات كامنة لعدم الاستقرار، سرعان ما تتطور في شكل دورة جديدة من العنف والعنف المضاد، لكنها لا تشير إلى التحول إلى منزلق خطر مثلما حدث في بعض الدول العربية في بداية عام 2011 بحيث أفرزت دولاً جديدة ونظمًا مغايرة وربما مجتمعات مختلفة في سياق “الدراما الثورية”.
فرغم انتقال الاحتجاجات من مدن إلى أخرى بما يحمل مشاهد أو لقطات ما يسمى بـ”الحراك الثوري” منذ سبع سنوات، إلا أن موجة الاحتجاجات في المرحلة الحالية لا تصل إلى حد “ثورات الجياع” أو إسقاط النظام أو تهديد بقاء الدولة أو الإيحاء بأن ما أطلق عليه “الربيع العربي” لم ينته مثلما تصور بعض الكتابات، بقدر ما تتعلق بإيصال رسائل للحكومات لتحسين الأحوال المعيشية ومعالجة أوجه القصور الداخلية و”فرملة” التمددات الخارجية التي تخصم من رفاهية المجتمعات.
إن لحظة الانفجار لا يمكن انتزاعها من سياقاتها، أو ما يطلق عليه “كل السياقات داخلية” رغم أهمية نظريات “العدوى السياسية” و”نماذج الدومينو” التي تشير إلى أن الحكومات في دول الشرق الأوسط تعمل تحت ضغوط مستمرة من الإقليم بالأساس. كما أن الشعوب لا تثور كل عام أو حتى عقد بقدر أن المحدد الحاكم هو “العوامل الظرفية” – سواء كانت الضغوط السياسية والانهيارات الأمنية والمشكلات الاقتصادية- التي في حالة ما إذا توافرت فإن الاحتجاجات قد تتحول إلى انتفاضات أو ثورات.
“هبَّات فجائية”:
اعتادت دول الإقليم على “الهبَّات” الجماهيرية المفاجئة التي لم ترق إلى ثورات، على نحو ما شهدته دول مثل تونس والمغرب والسودان في عقدى الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي والتي أطلق عليها “اضطرابات الخبز” أو “انتفاضات الصندوق”، بسبب الإجراءات والقرارات التي اتخذتها حكومات هذه الدول برفع الأسعار وتخفيض الدعم وتحرير قيمة العملة الوطنية استجابة لمطالب صندوق النقد الدولي بحيث تضررت منها شرائح عديدة من المجتمع بما فيها الشرائح الدنيا والمتوسطة من الطبقة الوسطى.
وتكررت مثل هذه الاضطرابات في توقيتات مختلفة، وكان آخرها في بدايات عام 2018، حيث قاد الاحتجاجات التونسية أعضاء حركة “فاش نستناو” (ماذا ننتظر؟). فعلى سبيل المثال، تصاعدت الاحتجاجات في عدة بلدات تونسية مثل قابس والقيروان وقفصة وطبرية ودوز والقصرين وسليانة والكاف وسيدي بوزيد على خلفية إجراءات التقشف وغلاء الأسعار وزيادة الضرائب وإيقاف العمل بقانون المالية لسنة 2018 الذي تم إقراره من مجلس نواب الشعب في 9 ديسمبر الماضي، وتضمن خفض عجز الموازنة إلى 4,9 في المئة مقابل أكثر من 6 بالمئة في عام 2017.
ولعل ما يعبر عن ذلك جليًا الشعارات التي رفعها المحتجون في الأحياء الشعبية المتاخمة للعاصمة تونس مثل “زاد الفقر زاد الجوع يا مواطن يا مقهور” و”نظامك أكله السوس” و”يا حكومة الالتفاف الشعب يعاني في الأرياف” و”يا حكومة عار عار الأسعار شعلة نار”. فلا تزال تونس تواجه صعوبات اقتصادية وخاصة في المناطق النائية الجنوبية التي شهدت في مايو الماضي أيضًا احتجاجات ضد استغلال الشركات البترولية الأجنبية للثروات دون أن يكون لذلك تأثير على قاطني تلك المناطق من العاطلين عن العمل.
كما شهدت عدة ولايات في السودان (مثل نيالا والجنينة والدمازين وسنار ومدني) مؤخرًا احتجاجات قادها طلاب المدارس والجامعات إلى جانب محدودي الدخل على خلفية ارتفاع أسعار الخبز والسلع الاستهلاكية الأخرى، وهو ما برز في هتافات المتظاهرين “لا لارتفاع أسعار الطعام”. وشهدت أيضًا العديد من المدن الإيرانية مظاهرات واسعة النطاق بداية من 28 ديسمبر الماضي للتنديد بارتفاع الأسعار وتزايد معدلات الفقر ونسب التضخم وإفلاس مؤسسات الإقراض وأزمة الإسكان فضلاً عن التدخلات الإيرانية في الشئون الداخلية للدول العربية عبر دعم الجماعات والميليشيات الإرهابية والمسلحة، وهو ما عكسته لافتات “لا غزة ولا لبنان روحي فداء إيران”.
وعلى الرغم من فشل الحكومات المتعاقبة في بعض دول الإقليم في توفير الحلول للأزمات التنموية وتدهور المقدرة الشرائية لقطاعات واسعة من الرأي العام والتهرب الضريبي وبيع مؤسسات القطاع العام وغياب سياسة تواصلية ناجعة مع الأحياء النائية والفقيرة، لا سيما في ظل سوء حالة المرافق الخدمية وضعف البنية التحتية، حيث تم التعامل معها بمنطلقات أمنية باعتبار أنها تعكس “أزمة طرفية” و”مؤامرة خارجية”، إلا إن هناك مجموعة من العوامل التي تفسر استعصاء اندلاع موجة جديدة من “الانتفاضات” المتتالية في الشرق الأوسط، على النحو التالي:
منصات ضعيفة:
1- غياب الأفعال المُفجِّرة لموجة ثورية جديدة: التي يمكن اعتبارها منصات انطلاق لحراك عنيف كواقعة إحراق الشاب التونسي محمد بوعزيزي لنفسه، التي تعد بمثابة نقاط تحول تدفع إلى الخروج بمسيرات غضب في مواجهة السلطات في ظل عدم إدراك الأخيرة للقوى الكامنة للحركات غير المحسوبة، والتي تستغلها بعض التيارات السياسية والمجتمعية لصالح أجندات خاصة، وهو ما فعلته تيارات الإسلام السياسي وبصفة رئيسية الإخوان المسلمين والسلفيين في بعض دول الثورات.
واللافت للنظر أن الموجة الحالية من الاحتجاجات التي تشهدها تونس والسودان لا تطالب بإسقاط النظام (باستثناءات قليلة) بل بتصويب سياسات الحكومية إزاء المشكلات المجتمعية ومنها إعادة هيكلة صندوق الدعم. بل إن قوى الاحتجاج في سنوات سابقة صارت في مواقع الحكم، وهو ما ينطبق على حركة النهضة في تونس التي نددت في البيانات الصحفية المختلفة بما وصفته بـ”الدعوات المتكررة لبعض الأطراف السياسية للمواطنين إلى القيام بتحركات احتجاجية لفرض تعليق العمل بقانون المالية الجديد وإدخال البلاد في حالة من الفوضى”.
“المتاهة” الانتقالية:
2- تعثرات التحولات الداخلية في مرحلة ما بعد الثورات العربية: نظرًا لتعقيدات التحول من انهيار النظم القديمة إلى بناء النظم الجديدة فيما أطلق عليه “المتاهة الانتقالية” التي نتجت عن الانتقال من الثورة إلى الدولة في عدد من الحالات العربية، وعدم بلورة بدائل سياسية قابلة للتحقق. لذا، تشير خبرة 2011 إلى أن بعض الدول كانت إزاء ثورات تعرف من أين جاءت ولكن لا تعرف إلى أين تتجه، مع الأخذ في الاعتبار أن وحدة المشتركات بين دول الثورات قد لا تقود بالضرورة إلى وحدة في المسارات أو الاتجاهات، حيث ستتخذ كل واحدة منها مسارًا مغايرًا، تحكمه خصوصية الحالة، وطبيعة إدارة المرحلة الانتقالية والقوى السياسية المتحكمة فيها، والتحالفات القائمة فيما بينها، وحجم تركة الأنظمة السابقة.
فقد كان هناك توافق بين القوى الوطنية والحركات الثورية في هذه الدولة العربية أو تلك، على إسقاط النظام القديم، لكن لم يتبلور اتفاق بشأن ملامح النظام الجديد، بما يساعد في ترجمة شعارات الثورات المختلفة “حرية سياسية، وعدالة اجتماعية، وكرامة إنسانية” إلى واقع يمكن تلمسه. بعبارة أخرى، كانت قوى الثورة في مصر وتونس وليبيا واليمن واضحة في رؤيتها تجاه الأنظمة القائمة، لكن تفكيرها مضطرب في جانب تأسيس أنظمة جديدة، وهو ما أدركته قطاعات مختلفة من النخبة والرأي العام في الدول العربية فيما بعد.
مضاعفات الفوضى:
3- الانجراف نحو مسار الفوضى في دول جديدة: التي نجت من تداعيات الثورات الشعبية في عام 20111، لا سيما في ظل إقليم غير مستقر، ويشهد صراعات سياسية وعسكرية طويلة المدى، سواء داخل الدول أو بين الدول، وتتسم بتعقيداتها في أطرافها وقضاياها وسبل إدارتها وطول مداها الزمني لدرجة أصبحت معها مزمنة، حيث بات أغلبها يستعصي على الحل أو التسوية، وهو ما دفع اتجاهات عديدة إلى تأكيد أن قطاعات واسعة من الرأي العام باتت ترغب في العودة إلى مراحل ما قبل الثورات.
ويضاعف من سيناريو الفوضى مخاطر التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، بل إن بعضها مثل تنظيم “داعش” كان يحاول تدشين مشروع خاص به في سوريا والعراق. ورغم تصدع هذا المشروع لكن خطر التنظيم لا زال باقيًا، لا سيما في ظل انتقال كوادره وقياداته عبر الحدود الرخوة. وفي هذا السياق، فإن غالبية دول الشرق الأوسط تعرضت لتهديد فعلي أو محتمل من ضربات “داعش”، إلى جانب تهديدات تنظيمات إرهابية أخرى مثل “القاعدة” و”بوكو حرام” في اليمن والساحل الإفريقي.
أفول مستمر:
4- ضعف قوة دفع حركات الاحتجاج: التي انتشرت على نطاق واسع في العديد من الدول العربية، وساهمت في تبني المطالب المرتبطة برفع الأجور ومحاربة الفساد ومواجهة الغلاء، على الرغم من إدراك القوى المحركة لتلك الاحتجاجات لمحدودية الموارد الاقتصادية. فقد شهدت السنوات التالية على الحراك الثوري سرعة انقسام قوى الاحتجاج بشأن “تقاسم المغانم”، على نحو يدفع إلى القول بأن تحالفاتها وقتية وهشة.
فضلاً عن ذلك، تستغل الجماعات الإجرامية بعض الاحتجاجات لسرقة ونهب واقتحام المحلات التجارية ومحاولة إشعال النيران في مبان حكومية. وفي هذا السياق، قال خليفة الشيباتي المتحدث باسم وزارة الداخلية التونسية، في تصريحات إعلامية بتاريخ 9 يناير 2018: “إن العمليات الأمنية التي تشهدها عدة جهات من تونس لا علاقة لها بالتحركات السلمية المطالبة بالتنمية أو المنددة بغلاء الأسعار”.
كما أن القوى الداعية للثورة في السودان تتسم بالهشاشة، حيث دعا رئيس “تحالف الجبهة الثورية” مني أركو مناوي، في خطاب مسجل بتاريخ 10 يناير الجاري، قوى المعارضة والمنظمات المدنية في السودان إلى “التوحد من أجل تغيير النظام عبر إنشاء مركز موحد لقوى المعارضة”. وأضاف: “إن التغيير مسئولية كل فرد كما أنه مسئولية جماعية تقع على عاتق الأحزاب وقوى المقاومة وتنظيمات المجتمع المدني والنقابات الفئوية والمهنية وسائر قطاعات المجتمع”.
مطالب فئوية:
5- فئوية المطالب المجتمعية: والتي تطرحها قوى الاحتجاج في هذه الدولة العربية أو تلك. ومؤخرًا قاد الأطباء المقيمون الجزائريون (سواء كانوا أطباء مختصين أو صيادلة أو أطباء أسنان، وأنهوا الدراسة كأطباء عامين ويواصلون الدراسة للتخصص) في العاصمة ووهران وقسنطينة وعنابة، تحركًا احتجاجيًا للمطالبة بإلغاء الخدمة المدنية، حيث توقفوا عن الدراسة والعمل في المستشفيات. ووفقًا لهؤلاء الأطباء، فقد أثبت نظام الخدمة المدنية فشله لعدم توافر وسائل العمل في المناطق النائية بالجزائر.
كما أن هناك مطلبًا آخر للأطباء الجزائريين وهو إلغاء الخدمة العسكرية التي تبلغ مدتها عامًا، حيث استثنت وزارة الدفاع الأطباء من الإعفاء من أداء الخدمة العسكرية بعد بلوغ سن الـ30 عامًا، بعكس كل الاختصاصات الأخرى، واعتبرت التنسيقية العامة للأطباء هذا الإجراء مخالفًا للدستور لأنه يساوي بين الجزائريين.
كما تواصلت احتجاجات سكان مدينة “جرادة” المغربية خلال الأسابيع القليلة الماضية منذ وفاة شقيقين في بئر لاستخراج الفحم الحجري في 23 ديسمبر 2017، وتعيش المدينة وضعًا خاصًا منذ إغلاق شركة مناجم جرادة قبل عشر سنوات. وقد اعتمدت المدينة على نشاط هذه الشركة منذ مائة عام، ورغم إغلاق الشركة استمر استغلال مناجم الفحم الحجري بشكل عشوائي، خاصة في غياب بدائل اقتصادية للسكان.
محورية الجيوش:
6- عدم انقسام الجيوش النظامية: وهو أحد المحددات التي تفسر صمود نظم سياسية وانهيار أخرى في دول الإقليم، على نحو ما تشير إليه خبرة الحراك الثوري في عام 2011، حيث يكون للقوات المسلحة دور رئيسي في تحديد المسارات المحتملة للاحتجاجات. ولعل ذلك يفسر قدرة طهران على تجاوز أزمة الاحتجاجات التي شهدتها على مدار الأسابيع الثلاثة الماضية بسبب دعم الجيش وقوات الحرس الثوري و”الباسيج” للنظام. فضلاً عن تأمين الجيش التونسي المقار السيادية والمنشآت الحساسة والمرافق العمومية بعد اندلاع الاحتجاجات الأخيرة.
سياسات التغلغل:
7- انكشاف دوافع التدخلات الإقليمية: وخاصة من جانب دول مثل تركيا وإيران وقطر، التي تدفع في اتجاه تحقيق مصالحها العابرة للحدود الوطنية، وتتلاقى فيما بينها بما يؤدي إلى إضعاف بني الدول الوطنية العربية وتأسيس دولة داخل الدولة ودعم الميليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية مثل فروع الإخوان المسلمين وميليشيا الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان والميليشيات الطائفية في العراق. وتمثل هذه الكيانات ما دون الدولة مشروعات مناوئة للاستقرار الإقليمي وداعمة للاستثمار في الفوضى.
فلم تعد قطر دولة داعمة للتغيير مثلما كانت تدعي في مرحلة الحراك الثوري لأنه ينظر إليها كدولة تدخلية مع أجندة سياسية منحازة، وهو ما يفسر الاستياء من التدخل القطري في الشئون الداخلية. وبدا للعيان أن السياسات القطرية صارت تهدد الأمن الوطني لدول الإقليم، على نحو دفع الدول العربية الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب إلى اتخاذ إجراءات ضدها، حيث انحسر دورها بعد ذلك في بؤر الصراعات العربية بشكل كبير. كما أن طهران صارت مشغولة بالتعامل مع الاحتجاجات الداخلية، وتركيا مهمومة بمشكلاتها مع الولايات المتحدة وروسيا بشأن الأزمة السورية والعلاقة مع الأكراد.
تدويل الحراك:
8- مواقف القوى الدولية المزدوجة: وهو ما ينطبق على السياسة الأمريكية تجاه الاحتجاجات الإيرانية. فقد نجح النظام الإيراني، بشكل نسبي، في استغلال موقف إدارة الرئيس دونالد ترامب الضاغط على طهران عبر دعوته بأنه “قد حان التغيير” واحترام حقوق الإنسان وضرورة الإفراج عن المتظاهرين، من أجل الترويج لمزاعم حول وجود مؤامرة خارجية تقودها قوى دولية، وتحشيد قسم من أنصاره لرفض التدخل الأمريكي في شئون إيران الداخلية، لا سيما أن هناك عدم توافق روسي وأوروبي مع الموقف الأمريكي، بما يعرقل تحول الاحتجاج إلى ثورة.
فموسكو رفضت اقتراحًا أمريكيًا لتدويل الاحتجاجات في إيران على نحو ما عكسه اعتبار نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، في 4 يناير 2018، اقتراح الولايات المتحدة عقد جلسة استثنائية لمجلس الأمن لمناقشة الاحتجاجات “ضارًا ومدمرًا”، مبديًا معارضة موسكو تدخل الولايات المتحدة في الشئون الداخلية لإيران. كما أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على أن التغيير في إيران يجب أن يأتي من الداخل، فيما حذرت تركيا من رد فعل عكسي لمحاولات أطراف خارجية التدخل في سياسات إيران الداخلية.
توابع الزلزال:
من العرض السابق، يتضح أن البيئة القاعدية في دول الشرق الأوسط لا تحفز على قيام “انتفاضات” أو “ثورات جديدة”، وفقًا لكل حالة على حدة، حيث تفتقد معظم الاحتجاجات للتنظيم السياسي “الثوري” القادر على ترجمة تلك الحالة من أفكار إلى ممارسات. هذا بخلاف الخبرة غير المُحفِّزة للحراك في عام 2011، وما أنتجه من إضعاف لكيانات الدول الوطنية والجيوش النظامية، وتعزيز تدخلات القوى الإقليمية المناوئة للاستقرار. فالنخب والرأي العام والجيوش المتماسكة في دول المنطقة لا تريد تكرار مشاهد أو تجارب إضعاف المناعة الداخلية التي لا زالت تأثيراتها تترك بصمات في كل مكان.

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

سارعت دولة ما بعد الاستقلال في إفريقيا إلى استيراد النموذج الغربيّ للدولة الوطنية؛ الأمر الذي اصطدم بالخصوصيات المحلية  (القبيلة، التنوع اللغويّ والعرقيّ والإثنيّ والدينيّ) التي لا تتلاءم والنموذج الغربيّ المستورد، مما غذّى مجموعةً من الصراعات؛ أدخلت دولاً إفريقية في حروبٍ أهليةٍ، أضف إلى ذلك ظهور فواعل جديدة مهدِّدة للأمن، كالإرهاب الدولي، والجريمة المنظمة.

هذه البيئة الأمنية المعقَّدة باتت تفرض على الدولة أدواراً جديدة، سواء كضامن للأمن، أو كفاعل مسؤول عن تحقيقه، وأمام هذه الوضعية تظهر منطقة الساحل الإفريقي (1) بوصفها منطقة منتجة للأزمات؛ انطلاقاً من ذلك وتأسيساً عليه: يعالج الموضوع الإشكالية الآتية: إلى أي مدى ساهم الموروث الاستعماريّ في تعميق أزمة الدولة في الساحل الإفريقي؟ وما أهمّ التحديات التي تواجه بناء الدولة في المنطقة؟

المحور الأول: تشكّل الدولة في إفريقيا: مدخل نظري:

تعكس أزمة بناء الدولة الوطنية إحدى المعضلات الكبيرة للمشكلة الأمنية التي تعانيها دول القارة الإفريقية، وذلك في شكل الرواسب التاريخية التي أنتجتها مشكلة الحدود الجغرافية المتوارثة عن الاستعمار، والتي لم يراع فيها التنوّع الإثنيّ والقبليّ وخصوصية المجتمعات الإفريقية، بالإضافة إلى الصلات السياسية، والتبعية التي لا تزال تربط النُّظُم السياسية الإفريقية بسياسات الدول الاستعمارية.

وقد حظيت مسألة تشكّل الدولة في إفريقيا بمناقشاتٍ وسجالاتٍ واسعةٍ في الأدبيات الإفريقية، نظراً لأهميتها، ولخصوصية تشكّل الدولة الحديثة في إفريقيا «دولة ما بعد الاستعمار».

إنّ الدولة الإفريقية الحديثة ما هي إلاّ نسخة مشوّهة عن الدولة في الغرب، وذلك راجعٌ أساساً إلى تجاهلها للبيئة الإفريقية وخصوصياتها المحلية، وقد أثبتت السنوات التي تلت حقبة ما بعد الاستعمار فشل جميع أشكال المحاكاة في بناء نموذج الدولة على الطريقة الغربية، وبدرجةٍ أكبر في المجال الدستوري (2).

ويمكن القول في الاتجاه نفسه: إنّ المشكلات التي واجهت دولة ما بعد الاستعمار، والصعوبات التي اعترضتها في مسألة صعوبة توطين النموذج الغربيّ للدولة، راجعة بالأساس إلى غياب تقاليد دولتية  (أُسس بناء الدولة) في التاريخ الإفريقي، وهو ما يفسّر رفض فكرة «الدولة» من قِبَل المجتمع، وهو الأمر الذّي أكده غورن هايدن Goren Hyden، حيث يرى أنّه- باستثناء إثيوبيا-: «لم تستطع المجتمعات الإفريقية جنوب الصحراء أن تطوّر بنفسها أنظمة دولتية».

في اعتقادنا أنّ جلّ التحديات الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي متعلّقة بالفشل الاقتصادي وأزمة التوزيع

ويميز جون وايزمانJohn Wiseman  بين ثلاث مراحل في التطوّر السياسيّ والاجتماعيّ في إفريقيا (3):

الأولى، وهي المرحلة المبكرة: هي سنوات تصفية الاستعمار، وبداية تحقيق الاستقلال الوطني، وقد ميزتها جملة قضايا رئيسة، من أبرزها: إشكالية بناء الدولة الوطنية، طبيعة الأنظمة السياسية، وكذا قضية تحقيق التنمية السياسية.

الثانية: حدّد مداها في من منتصف الستينيات، وإلى غاية نهاية ثمانينيات القرن المنصرم، وطبعتها ثلاثة ملامح رئيسة: التخلّي عن صيغة التعددية الليبرالية والتحوّل نحو تبنّي نظام الحزب، وتدخّل العسكر المباشر في الحياة السياسية، وأخيراً وجود أنظمة انتخابية تنافسية، سواء في الدول التي حافظت على نمط التعدّد الحزبي، أو التي اعتمدت نمط الحزب الواحد.

الثالثة: بدأت مع سنة 1989م، وشهدت تحولاً ملموساً في النُّظُم السياسية الإفريقية، حيث تمّ التخلّي عن نظام الحزب الواحد من الناحية القانونية والدستورية في صورة الديمقراطية الشكلية، وهي ديمقراطية غير حقيقية، أو ما يسميها ريتشارد جوزيف Richard Joseph باسم: «الديمقراطية الافتراضية» (4), ذلك أنّ الممارسة الواقعية أثبتت، وبشكلٍ لا يدع مجالاً للشك، أنّ هذا التحوّل لم يعكس الأطر النظرية المقررة في المواثيق والنصوص ومختلف الدساتير، فيما عُرف بموجة التحوّل نحو الديمقراطية في توصيف ما أُطلق عليه: «بالتحرّر الثاني» لإفريقيا (5).

وعلى حدّ قول الباحث المتخصّص في الشؤون الإفريقية «حمدي عبد الرحمن حسن»؛ فإنّ هذا التحوّل لم يكن مؤسّسيّاً ولا فعليّاً، بل إنّ النّخب الحاكمة سعت من خلاله إلى التكيف والاستجابة للشروط التي أملتها طبيعة التحولات المعقدة والمركبة التي صاحبت مرحلة ما بعد الحرب الباردة (6).

وفي السياق نفسه؛ يؤكد أصحاب مدرسة الاقتصاد السياسي الليبرالي الجديد: أنّ الدولة الإفريقية ما بعد الكولونيالية تتحمل مسؤولية الأزمات السياسية والاقتصادية التّي تميّز إفريقيا، فقد فشلت فشلاً ذريعاً في وظيفتها التنموية (7).

وقد تمحورت التساؤلات الأساسية حول المحدّدات السياقية والمضامينية لظاهرة «أزمة الدولة» في إفريقيا عامّة، ومنطقة الساحل الإفريقي بصفةٍ خاصّة، إذ يذهب فريقٌ من الباحثين إلى اعتبار العامل الإثني- الهوياتي والتقسيم التعسفي للحدود الإفريقية دون مراعاة للخصوصيات المجتمعية- متغيراً رئيساً؛ على غرار دراسات توال فرانسوا Tual François.

وهناك مَن يرجعها إلى الطبيعة القيادية في ظلّ أنظمة زبائنية وباتريمونيالية – نيوباترمونيالية؛ قائمة على التسييس والشخصنة خدمةً للمصلحة الخاصّة (8), ومن ذلك دراسات رينيه لومارشون René Lemarchand و صمويل إيزنشتات Samuel Noh Eisenstadt.

كما رجّح فريقٌ آخر دور العوامل الاقتصادية وضعف التنمية، في حين ركّز آخرون في اقتراب التبعية، كما ركّز آخرون فيما يُعرف حاليّاً بـ «اقتصاد الحرب»، وما يُحدثه من انعكاسات محفّزة على النزاعات، وتظهر فيها فواعل جديدة كالأعمال الإرهابية، ونشاطات الإجرام المنظّم (9).

المحور الثاني: الأزمات البنيوية في منطقة الساحل الإفريقي:

إنّ الملاحظة الجوهرية التي تصادفنا عند تفكيك الفشل والضعف الذي تشهده الدولة الوطنية في إفريقيا عامّة، وفي منطقة الساحل بصفةٍ خاصّة، هي تماهي مفهوم الدولة في العديد من القوى غير المتلائمة مع ماهيّة الدولة الوطنية وطبيعتها، فقد تمّ تجسيد فكرة الدولة في كلٍّ من:  (شخص الرئيس القائد، والزعيم، والحزب القائد الطليعي الواحد)، وكذا في:  (القبيلة، والعرش، والمنطقة، والجهة، والعرق)، ولهذا عُرفت الدولة الإفريقية بما يُسمّى بـ «العصب العسكرية- المدنية».

وعليه؛ سيحاول الباحث الاعتماد على نظرية التحديث السياسي فيما يخصّ الانتقال من مجتمعاتٍ تقليديةٍ إلى مجتمعاتٍ حديثة، ويعبّر بعض الباحثين عن الأولى بـ «المجتمع الزراعي»، وعن الثانية باصطلاح «المجتمع الصناعي».

وسنحاول رصد الأزمات التي تعانيها الأنظمة السياسية والدولة في الساحل الإفريقي، استناداً إلى التحليل الذّي قدّمه لوسيان باي  Lucian Pyeو جوزيف لابالومبارا Joseph LaPalombara لأزمات النظام السياسي، ومنها:  (أزمة الهوية، أزمة المشاركة السياسية، أزمة الشرعية، أزمة التغلغل، أزمة التوزيع) (10), والتي أردنا أن تكون إطاراً نظريّاً؛ نقوم وفْقَه بتحليل أزمات التنمية السياسية التي تواجه الدولة في الساحل الإفريقي.

أ – أزمة الهوية والاندماج الوطني:

من بين التحديات التي واجهت الزعماء الوطنيين، في مسألة بناء الدولة في إفريقيا ومنطقة الساحل الإفريقي، كيفية تحويل المجتمعات متعددة الأعراق والإثنيات واللغات والثقافات والأديان إلى «أمّة واحدة» (11), فاعتقاد إحدى الجماعات الثقافية بعدم الانتماء إلى الدولة، أو ادعائها بعدم انتماء جماعةٍ أخرى، بالرغم من كون هذه الجماعة الأخيرة تعيش ضمن الدولة نفسها، يدفعنا للقول بأننا أمام أزمة هويّة (12), حيث إنّ المؤسسات التعليمية والعسكرية والبيروقراطية، فضلاً عن المؤسسات الوسيطة كالأحزاب والنقابات، قائمة جميعها على أساس الانتماء إلى العصبية المهيمنة على المركز، سواء كانت قبلية أو طائفية أو عرقية، ونتيجة لذلك؛ فإنّ مؤسسات الدولة تتحول إلى مجرد أدوات عاملة في خدمة العصبية ودوامها، وتعميق حدّة أزمة الاندماج.

غياب «المؤسسية»، هو السمة المشتركة في كثيرٍ من مؤسسات دول الساحل الإفريقي، لارتباطها باتجاهاتٍ عرقيةٍ وقبليةٍ وطائفية

 إنّ الحياة السياسية في هذه المنطقة قائمةٌ بالأساس على انتشار مظاهر الحياة القبلية التي يغلب فيها الولاء للقبيلة على الولاء للوطن، خصوصاً أنّ بعض القبائل المستوطنة للمنطقة لها امتدادات عابرة للأوطان، كأقلية الطوارق التي تتوزع على خمس دول:  (مالي، النيجر، ليبيا، الجزائر، بوركينافاسو)، ما أثّر بصورةٍ مباشرةٍ في تماسك الوحدة الوطنية، ومن ثمّ على بقاء الدولة واستمراريتها.

 وعليه،؛ فإنّ أزمة الهويّة والاندماج في دول الساحل الإفريقي تظهر في ثلاث صور أساسية:

1-  التباين العرقيّ، والتعدد الإثنيّ واللغويّ والديني.

2- معضلة الحدود المصطنعة التي خلّفها الاستعمار دون مراعاة لهذا التنوع- كما سبق-.

3- ضعف الانتماء، وتحوّل الولاء إلى الخارج.

ب – أزمة المشاركة السياسية:

تتميز العملية السياسية في جميع بلدان الساحل الإفريقي باختلالاتٍ هيكليةٍ عميقة، بالإضافة إلى طبيعة الأنظمة السياسية المغلقة، وضعف المشاركة السياسية، وانعدام وتقييد حرية التعبير والإعلام، وهي من السمات الأصيلة للواقع في دول الساحل الإفريقي، فضلاً عن استمرار تأثير المؤسسة العسكرية في هذه الدول كعاملٍ حاسمٍ في إدارة عملية الانتقال السياسيّ؛ على الرغم من تبنّي هذه الدول للديمقراطية (13).

فضلاً عن علاقة ذلك بدرجة المأسسة، وهي السمة الغائبة لدى جميع دول الساحل، ولهذا يربط صاموئيل هنتنغتون Samuel Huntington بين المأسسة والمشاركة السياسية والاستقرار السياسي، حيث يرى أنّ تحقيق هذا الأخير مرهونٌ بمدى بناء مؤسسات سياسية تنظّم المشاركة السياسية، وتحول دون انعدام الاستقرار (14).

ج – أزمة الشرعية والمشروعية:

تمثّل شرعية النظام السياسيّ أحد أهم مقوّمات الدولة واستمراريتها، لكن في الساحل الإفريقي غالباً ما يتمّ الوصول للسلطة عن طريق وسائل وآليات غير ديمقراطية، في صورة فرض هيمنة أقلية معينة على المشهد السياسيّ في البلد واحتكار السلطة، أو عن طريق اعتماد وسيلة الانقلابات العسكرية طريقةً وأسلوباً للوصول إلى السلطة، وهو ما يتنافى والفعل الديمقراطي، إذ إنّ تراث الدولة التسلّطية في إفريقيا أدى إلى هيمنة الاعتبارات السياسية على إدارة الانتخابات التي اتخذت طابعاً رمزيّاً في كثيرٍ من الحالات؛ لإضفاء الشرعية على النظام الحاكم.

كما يمكن القول بأنّ الدولة في العالم الثالث عامّةً، بما في ذلك دول الساحل الإفريقي، متغرّبة وتقليدية في آنٍ واحد، حيث استمدت التجربة الغربية في نموذج أجهزتها الإدارية والأمنية والعسكرية، وفي الوقت نفسه استخلصت من موروثها الثقافي فكرة جعل السلطة حكراً على الحاكم وحاشيته، وهو ما يفرّغ أي تحديثٍ من محتواه الحقيقيّ.

د – أزمة التغلغل:

لا تزال الدولة في الساحل الإفريقي تعيش صعوبات في الجغرافيا السياسية الداخلية؛ نظراً لعدم التحكّم والسيطرة على أراضيها الشاسعة ومراقبة حدودها، فحكومات الدول الخمس في الساحل الإفريقي تمارس- نظريّاً- السيادة على أراضيها الشاسعة.

وذلك راجع بالأساس إلى قلّة الإمكانيات المتاحة، والفشل التي تعيش فيه، فأغلبية دول هذه المنطقة إما دول منهارة، وإما في طريقها إلى الفشل، وهو الأمر الذي من شأنه أن يُغذّي حالة عدم الاستقرار واللاّأمن في هذه المنطقة؛ من خلال تقاسم فواعل من غير الدول السلطة مع السلطة المركزية، كالقبائل، ومختلف العرقيات المنتشرة على طول الساحل الإفريقي؛ على غرار أقلية الطوارق، بالإضافة إلى شبكات الجريمة المنظمة، والجماعات الإرهابية الناشطة في هذا الإقليم، وفي بعض الأحيان تكون أمام تحالف متمردي الطوارق مع القاعدة وشبكات الجريمة المنظمة.

هـ – أزمة التوزيع والفشل الاقتصادي:

يقول جوزيف لابالومبارا joseph palombara: إنّ مشكلات الحكم- بوجهٍ عامٍّ- هي مشكلة توزيع، فالنظام السياسيّ هو المستخرِج والمحرِّك والموزِّع للموارد والخدمات والقيم والفرص.

ومما يلاحظ في دول الساحل الإفريقي: أنّ توزيع الموارد يمثّل إحدى الظواهر البارزة داخلها، ففي حين تنفرد القلة بكلّ الموارد المتاحة؛ يقع عبء الحرمان على الكثرة الغالبة.

وتُبرز أزمة التوزيع إشكالية تفاوتٍ طبقيٍّ حاد، وهو ما ينجم عنه صراعٌ طبقيّ، ومن شأن هذا التفاوت الطبقيّ إثارة الاستقرار وتهديده، وهو ما يظهر جليّاً في كلٍّ من مالي والنيجر من خلال العصيان والتمرّد المستمر للطوارق ومختلف الأقليات الأخرى، فيما يُعرف بـ «قوس الأزمات» المتّسم بالانقسامات الداخلية.

ويمكن إيعاز تفاقم هذه الأزمة إلى ظاهرة الفساد السياسي، والتي قوامها استخدام السلطة من أجل تحقيق أهداف ذاتية، والتعامل مع الممتلكات العامّة بوصفها ممتلكات شخصية.

وفي هذا السياق؛ يبرز مؤشّر الشفافية الدولية لسنة 2014م المواقع المتدنية للعديد من بلدان الساحل الإفريقي، وفي مثل هذا السياق من الطبيعي أن يتعمّق التفاوت الطبقيّ والاجتماعي، وأن تتأثر الحقوق الاقتصادية، وأن تتسع رقعة الفقر  بعيداً عن فكرة التنمية الإنسانية.

                     مدركات الفساد في الساحل الإفريقي حسب مؤشر2014م

البلد

الترتيب

المعدل

مالي

115/175

32/100

النيجر

103/175

35/100

موريتانيا

124/175

30/100

تشاد

154/175

12/100

السودان

173/175

11/100

 

المصدر: مؤشر الشفافية  الدولية لسنة  2014م– بتصرف https://www.transparency.org/cpi2014/results

المحور الثالث: تحديات بناء الدولة في منطقة الساحل الإفريقي:

يتفق العديد من الخبراء والباحثين على: أنّ عامل الضعف السياسيّ والاقتصاديّ للدولة الوطنية في الساحل الإفريقيّ يمكن أن يؤدي دوراً أساسيّاً في زعزعة الاستقرار والأمن في المنطقة، فأزمة الدولة هي نتيجة لتراكم ما يُسمّى: «العوامل المثيرة للأزمات».

كما واجهت عملية بناء الدولة في منطقة الساحل الإفريقي تحديات متنوعة، باتت تعرقل مسيرة الاستقرار وتحقيق التنمية، فضلاً عن المشاريع الأجنبية التي استغلت هذا الواقع المتأزم، وهو ما سيتمّ بيانه في النقاط الآتية:

أ – التحديات التاريخية:

لجأت السياسة الاستعمارية إلى تكوين مواطنٍ إفريقيٍّ ممزّق بين انتماءاته الإقليمية والإثنية والدينية، في إطار مجتمعه التقليدي، وبين واقعه الاجتماعي والسياسي الحديث.

ومن ناحية أخرى؛ فقد أخلّت السياسة الاستعمارية بالحدود العرقية، وزعزعت طرق الحياة التقليدية، بما في ذلك التنقّل الحرّ للأشخاص والممتلكات، بحدودٍ مصطنعة ورثتها الدول الإفريقية، وفي هذا الإطار، الذي يجمع بين سيطرة الدولة والسكان الرحّل، ينبغي تحليل العديد من الصراعات الساحلية، فغالباً ما يكون البدو هم اللاعبين الأساسيين فيها، وكثيراً ما تكون هذه الصراعات حدودية، كما في حالة الطوارق في مالي والنيجر (15).

ب – التحديات السياسية:

أدّت نهاية الحقبة الاستعمارية، بما حملته من تشوّهات، إلى ظهور الدولة الإفريقية الحديثة، أو ما يُسمّى: «دولة ما بعد الاستعمار»، وقد تبنّت أغلب الدول الإفريقية حديثة الاستقلال- في هذه الفترة- نظام «الحزب الواحد» آليةً لبناء الدولة (16).

ومن أبرز المقولات الفكرية في توصيف النُّظُم السياسية الإفريقية في مرحلة ما بعد الاستقلال؛ ما عبّر عنه مايكل براتون  Michael Bratton و نيكولاس فان دي وال  Nicolas van de Walle عام 1997م بمسمّى: «الأبوية الجديدة» (17).

كما أنّ غياب «المؤسسية»، هو السمة المشتركة في كثيرٍ من مؤسسات الدولة لدى دول الساحل الإفريقي، لارتباطها باتجاهاتٍ عرقيةٍ وقبليةٍ وطائفية، إضافة إلى الإخفاق الإداري، دونما نسيان تماسك النفوذ القبلي في مواجهة مؤسسات الدولة، وارتباط الذاكرة الجماعية للأفراد بمفهوم الانتماء العرقي وليس بمفهوم الدولة، وهي من الأسباب الجوهرية التي جعلت الدول الجديدة تفشل في تكوين مجتمعات حديثة قادرة على تقديم ضمانات متساوية للجميع.

وعند التمعن في الفضاء الجيوسياسي للقوس الساحلي؛ يبدو هناك دوماً قوى تمثّل «المركز»، تمتلك السلطة السياسية، وتتحكم في ثروات البلاد، وقوى أخرى هي «المحيط»- أي الأطراف-، مهمّشة، وتطمح لتغيير الوضع القائم، وهي وضعية ساهم الاستعمار بقوةٍ في تكريسها، حيت عمل على قلب علاقات القوة التقليدية في المنطقة، وهو ما يظهر جليّاً في كلٍّ من:  (مالي، والنيجر، وتشاد)، وهذا الأمر سينتج أزمةً سياسيةً نتيجة لغياب آليات التداول الطبيعيّ للسلطة، واحتكار مراكز القيادة من قبل نُخبٍ لا تتمتع في أغلب الأحيان بالحدّ الأدنى من النزاهة والكفاءة المهنية، إضافة إلى غياب الحريات العامّة، وتفاقم انتهاكات حقوق الإنسان، وفرض المراقبة السياسية والفكرية على الأفراد، والخلط بين الدولة والقبيلة بوصفها السمة الرئيسة للمجتمع والدولة.

 بالإضافة إلى النظام الاقتصادي السائد في هذه الدول بعد اكتشاف النفط، هو نظامٌ ريعي، ومزيج من تركيبةٍ ثيوقراطيةٍ وأوثوقراطية، غُيّبت فيها المؤسسات التشريعية والدستورية، وهياكل الدولة الحديثة، وغُيّبت فيها فكرة المأسسة والمشاركة السياسية لصالح أقليةٍ معيّنةٍ في صورة التسييس والشخصنة، ذلك أنها أنظمة عسكرية ونيوباتريمونيالية، ميّزت الحياة السياسية في هذه المنطقة منذ الاستقلال، ولا تزال مستمرة إلى الآن بشكلٍ يوحي بأنّ الواقع الإفريقي قد تجذّرت فيه السلطة الأبوية والعسكرة.

وفي السياق نفسه؛ تتبدّى لنا ظاهرة الانقلابات العسكرية، حيث تتورط المؤسسة العسكرية لتشغل حيّزاً معتبراً في الحياة السياسية، وهو ما أطلق عليه بعض الباحثين: «زرع المؤسسة العسكرية في الحياة المدنية» (18), وهو ما يعدّ مخالفة لآلية الديمقراطية.

ج – التحديات الاقتصادية والاجتماعية:

من بين التحديات التي تعرقل مسيرة بناء الدولة في الساحل الإفريقي الفقر، وزيادة البطالة، والمجاعة، والتدهور الاقتصادي، والتدهور الصحي، وضعف النمو الاقتصادي، ووجود مستويات استدانةٍ عالية، وتبعية للخارج، وضعف البنية التحتية التعليمية والاجتماعية، واضطراب الموارد الزراعية، بالإضافة إلى الأميّة والجهل.

وهذه العوامل من شأنها تغذية مصادر اليأس، وتفاقم مشاعر الإحباط، وتوفّر أرضية خصبة لحركات التمرّد والانشقاق والتطرف، انطلاقاً من متلازمة الأمن والتنمية، ودلالةً على ذلك: تحتل جميع دول الساحل الإفريقي ذيل الترتيب  (المراتب الأخيرة) في مؤشر التنمية البشرية لسنة 2014م، فنجد النيجر في المرتبة 187، تشاد 184، مالي 176، السودان 166، موريتانيا161  (19).

أما فيما يخصّ الأمن الغذائي، والذي يترتب عليه الأمن الصحي، فقد أشارت تقديرات شهر ديسمبر 2014م إلى أنّ هناك 19.8 مليون شخص في منطقة الساحل يعانون انعدام الأمن الغذائي، منهم 2.6 مليون شخصٍ في حالةٍ خطرةٍ، ويحتاجون إلى مساعدات غذائية عاجلة.

وقد شهدت سنة 2015م تدهوراً في حالة الأمن الغذائي لعددٍ أكبر ممّا كانت عليه في سنواتٍ سابقة.

وتشهد منطقة الساحل مستويات مرتفعة في سوء التغذية الحادّ بشكلٍ مستمرٍ وغير مقبول، وقد أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية  (OCHA) إلى أنه في عام 2015م عانى 5.8 ملايين طفل دون سنّ الخامسة من سوء التغذية العالمي الحادّ  (GAM)، من بينهم 1.7 مليون طفل عانوا من سوء التغذية الحادّ  (SAM)، و 4.4 ملايين طفل من سوء التغذية الحادّ المعتدل  (MAM)، ويعاني- في المتوسط- طفلٌ واحدٌ من أصل ثلاثة في منطقة الساحل من ظاهرة التقزّم  (بسبب توقّف النمو)، وما يُقدّر بـ 571.000 طفل دون سنّ الخامسة يتوفون سنويّاً بسبب سوء التغذية (20) .

ويمكن إرجاع هذا الضعف المعقد إلى عدد من العوامل:

– سوء الإدارة، والفساد  (الصغير، والكبير).

– البيئة الخارجية المتعلقة بمسألة المديونية الخارجية، ذلك أنّ دول الساحل الإفريقي تعيش بنسبةٍ كبيرةٍ على المساعدات الإنسانية، والإقراض، هذه الأخيرة التي تعيق بشكلٍ كبيرٍ النمو والتنمية، وترهن استقلال هذه الدول من الناحية السياسية والاقتصادية، وأمارة ذلك المشروطية السياسية.

– عوامل جغرافية؛ نظراً لخصوصية المنطقة؛ كونها منطقة صحراوية، وتقلّ فيها نسبة تساقط الأمطار، إضافة إلى مشكلات التصحّر والجفاف، وهي الأمور التي من شأنها إعاقة تحقيق الأمن الغذائي وقيادة التنمية.

– تخلّي الدولة عن وظائفها الاجتماعية في إطار تحقيق العدالة الاجتماعية، برغم النموّ الديموغرافي السريع، والذي لا يتماشى ووتيرة النمو الاقتصاديّ في هذه المنطقة، ما من شأنه أن يُضعف الولاء، ويحوّله إلى جهات أخرى متمثلة في:  (الأقلية، المجموعة العرقية، الجهة، العشيرة)، وفي بعض الأحيان يتعدى ذلك إلى التحالف مع عصابات الإجرام المنظّم بغية تأمين لقمة العيش، كما تجلّى ذلك خلال الأزمة الأخيرة في منطقة الساحل الإفريقي بدايةً من سنة 2012م.

د – التحديات الأمنية  (قضايا الإرهاب، ونشاطات الجريمة المنظمة):

من بين التحديات الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي نشاطات الجريمة المنظمة العابرة للحدود بمختلف أنواعها، وظاهرة الإرهاب الدولي، والتي تؤدي دوراً بارزاً في إعاقة عملية بناء الدولة، خصوصاً إذا علمنا أنّ أيّ تنمية لا بد أن يصاحبها الاستقرار والأمن.

فهذه المنطقة تشهد رواجاً للاتجار غير المشروع بالأسلحة، خصوصاً بعد انهيار نظام معمر القذافي في ليبيا، وفتح مخازن السلاح، وعودة أفراد الطوارق الذين سلّحهم في إطار مخطّطه في إنشاء «جمهورية الطوارق» في الصحراء الكبرى، يؤكد ذلك مانو دياك mano dayak  – وهو من طوارق النيجر- من خلال مؤلّفه:  (معاناة الطوارق)  (21).

إضافة إلى عددٍ من الأنشطة، كتهريب صمغ الحشيش المغربي، وتهريب الكوكايين من أمريكا اللاتينية، وعمليات الاختطاف للحصول على فدية، والتي كان وراءها – غالباً – تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، والتجارة في السلع المهرّبة المشروعة هروباً من الإجراءات القانونية، وتبرز موريتانيا كواحدة من أهمّ ثلاثة محاور لتهريب السجائر في الساحل وغرب إفريقيا (22), أضف إلى ذلك مسألة الهجرة غير الشرعية، وما يصاحبها من عمليات الابتزاز والاتجار بالبشر.

ولا ينبغي نسيان العلاقة الوطيدة بين الأعمال الإرهابية في المنطقة ونشاطات الجريمة المنظمة، وكذا علاقتهما ببعض المتورطين في جهات حكومية ورسمية في هذه الدول.

هـ – تحدي المشاريع الأجنبية:

من بين التحديات التي تواجه بناء الدولة في الساحل الإفريقي: مدخل التهديدات الأمنية لتعظيم القيمة الاستراتيجية لهذه المنطقة أو مناطق مجاورة، فتبرز في هذا الإطار عدة مشاريع أجنبية في محاولة للتموقع من جديد؛ بغية كسب مناطق نفوذ وحماية مصالحها الاقتصادية بالدرجة الأولى.

ومن أبرز ذلك المصالح الفرنسية في كلٍّ من النيجر ومالي، حيث توجد كبرى الاستثمارات الفرنسية في مجال اليورانيوم  (شركة أريفا وتوتال)، زيادة لما تراه فرنسا نفوذاً تقليديّاً لها.

ويتمّ استغلال الجماعات الإرهابية بغية خلق تهديدٍ وجودي ومسوّغ للتدخل، بحيث يتمّ «تضخيم التهديد الإرهابي»، على حدّ تعبير الباحث مهدي تاج، للسماح للدول المنافسة بالاستيلاء على الثروات، والتمركز اقتصاديّاً وعسكريّاً بالممر الاستراتيجي الذي يربط المحيط الأطلسي بالبحر الأحمر، مما يُمكنهم من التأثير في التوازنات الجيوسياسية والطاقوية في المغرب العربي وغرب إفريقيا، وهو ما ظهر بوضوح في التدخّل العسكري الفرنسي في مالي  (2013م)، وفي إفريقيا الوسطى  (2014م)، بحجّة محاربة «الجماعات الإرهابية».

وتبرز أيضاً في إطار التكالب على هذه المنطقة المشاريع الأمريكية في الساحل الإفريقي، خصوصاً بعد أحداث سبتمبر 2001م، في إطار الحملة العالمية لمكافحة الإرهاب، وعودة الاهتمام بهذه المنطقة الاستراتيجية، إذ تمّ تأكيد ذلك من طرف الإدارة الأمريكية من خلال وثيقتَي الأمن القومي لسنتَي  (2002م، 2006م)، وكذا البرامج الأمنية:  (مبادرة بان الساحل 2002م، مبادرة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء 2005م، القيادة العسكرية أفريكوم)، إضافة إلى دعاوى مكافحة الإرهاب، حيث يتمّ تضخيم التهديد الإرهابي في الساحل الإفريقي؛ بغية السيطرة على منابع النفط في منطقة غرب إفريقيا الغنية بالنفط، لما تمثّله من بديلٍ استراتيجيٍّ في مجال الطاقة، سعياً لتنويع مصادر الحصول عليها، وتحقيق الأمن الطاقوي الأمريكي، في ظلّ الاضطرابات السياسية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط.

ولا ننسى- في هذا التضارب- المنافسة الاقتصادية الصينية.

كلّ تلك المشاريع تنال من مقوّمات هذه الدول في السعي لبناء الأمن، وتحقيق الاستقرار، والدفع نحو التنمية، ومسيرة بناء الدولة (23).

الخاتمة:

إنّ هذا الواقع لن يستقيم إلا بمعالجة الأزمات الهيكلية المتعلقة بضرورة بناء الدولة انطلاقاً من البيئة والخصوصية المحلية، ومراعاة التنوع والتعدد، وتوظيفه في أن يكون عامل قوة للدولة لا عامل ضعفٍ لها، مع تجاوز كلّ الأحقاد التاريخية، وبناء مجتمعات توافقية تراعي هذا التعدد والتنوع، فضلاً عن تصحيح الاختلالات الهيكلية على مستوى العملية السياسية، وبناء أنظمة ديمقراطية قائمة على انتخابات حرّة ونزيهة؛ في إطار التداول السلمي على السلطة، وتحقيق العدالة التوزيعية، وعدم الإقصاء والتهميش في إطار فكرة المواطنة؛ تحقيقاً لكرامة الإنسان وحماية كيانه، وكذا تحريره من الخوف والحاجة.

وفي اعتقادنا: أنّ جلّ التحديات الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي متعلّقة بالفشل الاقتصادي وأزمة التوزيع، لأنّ أي استقرار لا بد أن يكون مخرجاً لتنمية اقتصادية تستهدف الإنسان، تحقيقاً للتنمية الإنسانية بمفهومها الواسع في هذه المنطقة.

الهوامش والاحالات:

 (*) باحث في صف الدكتوراه علوم في العلاقات الدولية/ جامعة الجزائر3، أستاذ مساعد قسم “ب” – قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية – جامعة حسيبة بن بوعلي- الشلف/الجزائر، عضو باحث في مخبر إصلاح السياسات العربية في ظل تحديات العولمة.

 (1) منطقة الساحل: تعدّ نقطة ربط بين المغرب العربي وجنوب الصحراء، وهي كذلك الحزام الرابط بين المحيط الأطلسي غرباً والبحر الأحمر شرقاً، وبذلك فهي ذلك القوس الذي يضمّ: السودان، تشاد، النيجر، مالي، موريتانيا، السنغال، وهناك مَن يوسّع من رقعتها ليضيف إليها: بوركينافاسو، نيجيريا، جزر الرأس الأخضر. راجع:

Cédric Jourde, “Au Sahel, la guerre au terrorisme entre réalité et fiction, In. Bertrand Badie et Sandrine Talotti  (Eds.), l’état du monde 2009, Paris: La découverte, 2008, pp: 276-281.

غير أنه سيتم حصر منطقة الساحل الإفريقي في هذه الدراسة لتشمل خمس دول، وهي:  (السودان، تشاد، النيجر، مالي، موريتانيا)، نظراً لكثافة النزاعات الإثنية في هذه المنطقة، والطبيعة المجتمعية المعقدة، فضلاً عن التحديات الأمنية فيها.

 (2) برتران بادي: “الدولة المستوردة: غربنة النصاب السياسي”، ترجمة: شوقي الدويهي، ط1، الجزائر: دار الفارابي، 2006م،  ص 8.

 (3) John A.Wiseman, “Introduction: the movement towards democracy: Global, continental and state perspectives”, In. John A.Wiseman  (Ed), Democracy and Political Change in Sub-Saharan Africa, London and New York: Routledge, 1995, pp. 1-10.

 (4) حمدي عبد الرحمن حسن: “الاتجاهات الحديثة في دراسة النظم السياسية: النظم السياسية الإفريقية نموذجاً”، عمان: الأردن، المركز العلمي للدراسات السياسية، 2008، ص  (7 – 8).

 (5) يمكن القول بأنّ البيئة الخارجية المتمثلة في الضغوط الدولية ساهمت بشكلٍ كبيرٍ في حدوث هذا التحوّل، فضلاً عن البيئة الداخلية؛ في شكل الاحتجاجات، والنخب المعارضة، وتصاعد حركات المجتمع المدني في إفريقيا، إضافة إلى ذلك فإنّ هذه الفترة شهدت تراجعاً لفكرة التنموية السياسية التي ظهرت في المرحلة الأولى من التطور الاجتماعي والسياسي لإفريقيا، وحلّت محلّها فكرة المشروطية السياسية وسياسات التكييف الهيكلي المنتهجة من قبل المؤسسات النقدية العالمية؛ فيما عرف بمؤسسات “بريتون وودز” Bretton Woods. انظر: حمدي عبد الرحمن، مرجع سابق،  ص  (13 – 21).

 (6) حمدي عبد الرحمن، مرجع سابق،  ص  (13 – 21).

 (7) حمدي عبد الرحمن، مرجع سابق،  ص 21.

 (8) ترتبط الباتريمونيالية   patrimonialism والنيوباتريمونيالية  Neopatrimonialism ارتباطاً وثيقاً بكتابات ماكس فيبر، وتستند على مفهومين أساسيين:  (الهيمنة، والشرعية). تستعمل هذه المقاربات بصفةٍ خاصّة لدراسة السياسات الإفريقية. يمكن القول بأنّ النيوباتريمونيالية هي خليط بين نوعين من الهيمنة متشابكين جزئيّاً، وهما: الهيمنة الباتريمونيالية patrimonial domination، والهيمنة البيروقراطية القانونية العقلانية legal-rational bureaucratic domination.

فمع الباتريمونيالية: تكون كلّ علاقات القوة بين الحاكم والمحكوم عبارة عن علاقات شخصية، ولا يوجد تمايز بين القطاع الخاص والمجال العام. بيد أنه مع النيوباتريمونيالية: يكون التمييز بين الخاص والعام، على الأقل رسميّاً، مقبولاً وموجوداً، ويتعايش النظامان جنباً لجنب: الباتريمونيالية المتعلقة بالعلاقات الشخصية، والعقلانية القانونية المتعلقة بالبيروقراطية، ما يعني أنّ السياسات غير الرسمية تغزو المؤسسات الرسمية بدرجاتٍ متفاوتة، لتتم مأسسة هذا المزيج. وهكذا، فإنّ النيوباتريمونيالية نوع من الهيمنة السياسية، تتميز بانعدام الأمن ناحية سلوك مؤسسات الدولة ودورها، لكن ضمن هذا النمط لا يمكن للدولة أنّ تحقّق المصلحة العامّة، والمؤسسات العامّة الرسمية والسياسات المنسوبة إليها لا تكتسب شرعية كافية. ومن الواضح أنّ الحكم النيوباتريمونيالي في إفريقيا ترجع جذوره التاريخية إلى الإرث الاستعماري، فالدولة الاستعمارية ليست بالدولة الحديثة؛ بل تقليدية، تتميز بخصائص الإمبراطوريات القديمة. في:

Gero Erdmann and Ulf Engel, Neopatrimonialism Revisited –Beyond a Catch-All Concept, In. GIGA Research Program: Legitimacy and Effiency of Political Systems, N° 16, February 2006, p.p. 18 , 19.

 (9) خديجة بوريب: “الدبلوماسية الأمنية الجزائرية في منطقة الساحل الإفريقي: الواقع والرهانات”، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد  (42)، ص 26.

 (10) ثامر محمد كامل الخزرجي: “النظم السياسية الحديثة والسياسات العامة: دراسة معاصرة في استراتيجية إدارة السلطة”، ط1، عمان: الأردن، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، 2004م، ص 134.

 (11) حمدي عبد الرحمن، مرجع سابق، ص 9.

 (12) رعد عبد الجليل مصطفى الخليل، حسام الدين علي مجيد: “نموذج الدولة – الأمّة التقليدي في مواجهة أزمتي الاندماج والهوية”، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد  (33)، ص 131.

 (13) السيد علي أبو فرحة: “مستقبل الدولة الإفريقية بين السطوة العسكرية وجدوى الديمقراطية”، مجلة قراءات إفريقية، العدد  (13)،  ص 51.

 (14) صاموئيل هنتنغتون: “النظام السياسي لمجتمعات متغيرة”، ترجمة: فلو عبود، بيروت: دار الساقي، 1993م، ص  (102 – 101).

 (15) Mehdi Taje, Sécurité et stabilité dans le Sahel Africain, NDC Occasional paper, academic Research Branch,  (Rome, December 2006), p 8.

 (16) حمدي عبد الرحمن: الاتجاهات الحديثة في دراسة النظم السياسية…، مرجع سابق، ص 31.

 (17) Michael Bratton, Nicholas van de Walle, Democratic Experiments in Africa: Regime Transitions in Comparative Perspective, UK: Cambridge University Press, 1997.

 (18) السيد علي أبو فرحة، مرجع سابق، ص 43.

 (19) برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية لعام 2014م “المضي في التقدم: بناء المنعة لدرء المخاطر”،  نيويورك: الأمم المتحدة، 2014م.

 (20) 2015 Humanitarian Needs Overview – Sahel region, Report prepared by  OCHA on behalf of Regional Humanitarian Partners, December 2014, p01-16.

http://reliefweb.int/sites/reliefweb.int/files/resources/2015%20Regional%20HNO%20Final%202014Dec17.pdf accessed on: 03-02-2016.

 (21) راجع في ذلك: Mano Dayak, Touareg, la tragédie, France:  Edition LATTES, 1992.

 (22) ولفرام لاخر: “الجريمة المنظمة والصراع في منطقة الساحل والصحراء”، أوراق كارينغي، بيروت:  لبنان، سبتمبر 2012م، ص 5.

 (23) عربي بومدين: “الساحل الإفريقي ضمن الهندسة الأمنية الأمريكية”، مجلة قراءات إفريقية، العدد  (19)، ص  ( 40 – 49 ).

عصابات التكفير والمخدرات تمرح فى الصحراء برعاية أمريكية ــ فرنسية

 

◙ سكان الحدود لايعرفون الدولة المركزية ويوفرون الحواضن الآمنة والمعلومات للعصابات

◙ ظهور مافيات قبلية صغيرة وميليشيات «اقتصادية» كغطاء لحركة الإرهاب

◙ البابا والعمو والبيدجا أحدث مهربى المخدرات والبشر والسلاح فى ليبيا

الاهرام: ايمن السيسي

 

مندوب الأهرام فى أحد الدروب الصحراوية

الداه ولد أحمد أحد المهربين سخر من القول بأن القوات الفرنسية وقوات «إيكواس» أنهتا وجود الإرهاب والتهريب فى شمال مالي، فسيطرة التنظيمات التكفيرية تمتد على مساحات شاسعة من مثلث «تورا بورا العرب»، مرورا بصحراء أزواد ثم «تساليت» والصحراء الليبية حتى أقصى الشمال الغربى للسودان ويتشارك السيطرة فيها قدامى التكفيريين فى الصحراء مثل «بلعور – مختار بلمختار» مع أحدثهم فى الظهور من قيادات داعش وأنصار الشريعة فى ليبيا وتونس كجزء من استراتيجية التمدد والانتشار والتعويض لخسارة داعش فى العراق وسوريا، وبسط نفوذهم التأمينى لحركة تهريب البشر والسلاح والمخدرات، وتفعيل حركة الإرهاب فى منهج محدد ضمن استراتيجية شاملة ومعقدة للبقاء أساسها نشر الرعب باسم »التنظيمات التكفيرية فى هذه الصحراء، ساعد على تنظيمها واستغلالها أجهزة استخبارات دولية بنفس الرعاية والدعم الاستخباراتى لتمويل صفقات أسلحة لتنظيم القاعدة، منها نقل المقاتلين من سوريا والعراق إلى ليبيا، والإنفاق على الميلشيات فى ليبيا، وهو ما تم أخيرا، بمضاعفة رحلات التهريب وزيادة وتيرتها الحصار الذى فرضته الدول الأربع، مصر، والبحرين، والإمارات، والسعودية على قطر وكشف فضائحها فى دعم الإرهاب وما أدى إليه من تجفيف منابع الدعم فألجأ الجماعات الإرهابية لزيادة عملها ومنها جماعات مثل »أنصار الدين« التى رفضت فى السابق هذه النوعية من التهريب. الآن ولجت مضماره خصوصاً بعد تحالفها مع كيانات أخرى فى »نصرة الإسلام والمسلمين«.

إحدى قوافل الصحراء عند التوقف للاستراحة بجوار آبار المياه

السؤال هل يمرح المهربون وعصابات التكفير فى الصحراء الكبرى دون علم أو رعاية أمريكا وفرنسا؟ وجودهما العسكرى والاستخبارى يؤكدان رعايتهما لهذا النشاط، وإلا فما جدوى الإنفاقات العسكرية الضخمة للبلدين فى دول الساحل والصحراء.

ديفيد رود ريجيز قائد القيادة الوسطى فى الجيش الأمريكى »أفريكوم« أعلن تضاعف عدد مقاتلى داعش فى ليبيا خلال العام ونصف الأخيرين ليصبح ما بين 4 و6 آلاف مقاتل، وهو ما يؤكد رؤيتهم ورصدهم لكل التحركات فى المنطقة عبر الأقمار الصناعية وطائرات التجسس بدون طيار التى تنطلق من قاعدتها العسكرية فى مدينة »أجاديس« فى النيجر.

ولفرنسا قواعد عسكرية فى بوركينا فاسو وتشاد ومالي. كما ترعى قوة عسكرية مؤلفة من 5 آلاف جندى من دول الغرب الإفريقى لمحاربة التطرف وعصابات التهريب فى الصحراء الكبري.

أما الجزائر فقد أسست مع بوركينا فاسو وموريتانيا والنيجر ونيجيريا وتشاد وحدة »الدمج والاتصال« بهدف تبادل المعلومات الاستخبارية والأمنية، فضلا عن جواسيسهم فى الصحراء داخل كيانات التطرف والتهريب. فهل يمكن بعد ذلك القول إنهم لا يرون ولا يشعرون؟.

الجزائر اعتبرت حدودها مع مالى (1370كم)، وموريتانيا (460كم)، وليبيا (980كم)، مناطق عسكرية يحظر التنقل فيها إلا بترخيص أمني، وأنشأت نقاطا ثابتة للمراقبة ومنع التسلل والتهريب فى الصحراء. وموريتانيا أغلقت حدودها مع الجزائر، وأعلن وزير دفاعها فى يوليو الماضى غلق الحدود مع الجزائر للحد من التهريب واستحداث نقاط عسكرية ثابتة على أطراف أراضيها، وتبذل جهودًا كبيرة لمكافحة التهريب، إلا أن أغلب هذه الجهود تذروها الرياح بسبب التشابك المعقد لتحالفات التهريب مع أفرع للسلطات المحلية فى هذه الدول، ووضعت نقاطا أيضا للمراقبة، ولكنها لم تمنع التهريب أو تحد من تحركات الإرهابيين، فأعلن وزير الدفاع الموريتانى أن الحدود مناطق عسكرية ممنوع الاقتراب منها فى يوليو الماضي، رغم أن موريتانيا تقوم بجهود جبارة لمواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات لكنها تبقى جهودا غير مثمرة لخبرة العصابات فى التحرك السريع ووجود حواضن شعبية من أهل الصحراء ينعدم إحساسها بالدولة، لا يعلمون عنها شيئا فى موريتانيا ومالى النيجير،

 

المحرر مع قيادات «مانيلا» فى ليرا بمالى

وفى أحاديثى مع سكان الحدود تجلت الحياة فى الصحراء بكل براءتها وغيبتهم عن العالم وعدم معرفة إلا من يساعدهم وتمنحه عصابات التهريب والتكفير لهم مقابل تأمين وإخفاء عناصرها ومداواتهم بأدوية الصحراء العشبية كما حدث فى »إنيانبك«،حيث أمضى هشام بلال، عضو التوحيد والجهاد السابق، والحازمى الجديد سبعة عشر يوما حتى برأ من إصابته فحملته قافلة مخدرات إلى »الخليل«، وبعد ساعات كان فى »ككلة« فى ليبيا (140كم) من حدود الجزائر، سألت شيخ »الدشرة« لماذا تساعدونهم؟ فقال: لأنهم يساعدوننا بما نحتاج من وقود وزيت وسكر ودقيق وإطارات سيارات جديدة وبعض أدوية العظام ودهاناتها، بل أن أحدهم أهدى إلينا بعض أقراص تعمل على تنقية مياه الآبار وتصفيتها جيدا للشرب ولا يؤذوننا وهو ما دأب عليه »مستر مارلبورو«، يقصد مختار بلمختار، أمير كتيبة الرابطون وهكذا، فإن سكان الصحراء رضوا بهؤلاء بديلا عن الدولة الغائبة.

آبار المياه

وتلك إشكالية المعادلة الأمنية فى الصحراء بين حواضن شعبية لا تعترف بحدود الدول التى صنعها الاستعمار وعلى جانبيها وامتدادها تنتشر القبائل التى سقطت كما قال لى شيخ «الدشرة» من حسابات الدول، فبقيت مناطقهم فقيرة مهمشة تتبرأ منها ويستولى موظفوها المحليون على فتات المخصصات الهزيلة لتعبيد بعض الطرق أو رعاية رءوس الماشية بيطريا وحفر أو توسعة آبار. كما يستولى بعض الضباط وصغار كبار الموظفين على المخصصات الأمنية والأجهزة التى توفر لمراقبة القوافل فوق الرمال فتتضاءل قدرة الدول على ملاحقة الإرهاب والتهريب. ويستمر السكان فى مرابع و«دشرات« وخيام الصحراء فى مشاهدة تحركاتهم يخفون عناصرهم ولا يشهدون عليهم، ويمثل التنوع العرقى للمهربين والتكفيريين المارين عبر مثلث ساحلستان فى الصحراء، وتنوع جنسياتهم ولغاتهم فرصة لتوسيع دوائر تحركهم وقدرتهم على تأمين القوافل وسهولة الاختباء عند الضرورة فى مسارب ودروب الصحراء والممرات الجبلية الوعرة.

سألت الشيخ أكلود عن نسبة متعاطى المخدرات بينهم فامتعض من السؤال وأكد عدم تعاطى أى فرد فيهم المخدرات، وقبل أن يغط السائق المزعج »ولد سيدي« فى نومه رشف بعض الأتاى وقال: حتى السجائر لا يدخنونها، وليس بينهم من يتعاطى المخدرات، ولكن من بينهم من كون مافيا صغيرة ذات طابع قبلى أو دينى لتجارة المخدرات كشركاء بأنصبة، معتمدين على خبراتهم فى معرفة الدروب وقدراتهم وامتداد قبائلهم على مساحات كبيرة تساعدهم على تأمين حركة القوافل فى الصحراء، وتسهم أرباحها فى رشوة حراس الحدود والقفز فوق الأنظمة الأمنية الهشة لهذه الدول. ومن لا يعمل من رجالها فى التهريب يكتفى بفرض جباية على القوافل المارة فى نطاقها ولها عيونها من مافيا النقل من سائقى الصحراء المحترفين، خصوصا التبو والطوارق والكانميين والليبيين، وهؤلاء لهم علاقات جيدة مع كل الميليشيات القبلية والتكفيرية ويعملون أحيانا كوسطاء بين أصحاب البضاعة. والميليشيات.. زميلى الصحفى عثمان أج محمد عثمان المتخصص فى أخبار الساحل والصحراء، يرى أن الطوارق والعرب فى مالى ليسوا سوى مجرد ناقلين أرهقهم الفقر والتهميش الممارس عليهم من قبل الحكومات المتعاقبة فى غياب لأى نوع من التنمية، وهو نفس ما يراه »اليانو تينيري« من طوارق النيجر. صحيح أنهم أصبحوا حلقة الوصل بين الغرب المنتج والشرق المستهلك لكنهم ليسوا سوى ناقلين فقراء، أما بعض رءوس العصابات فهى فى ليبيا إما من قادة داعش أو القاعدة أو وكلاء عن أجهزة مخابرات دولية يواصلون تهريب المخدرات لتوفير الدعم للميليشيات المسلحة.

آخر صفقة وصلت إلى ليبيا من الحشيش حملت 20 طنا استغرقت أسبوعين فى الطريق من ممر قندهار (شمال غرب موريتانيا) حتى الخليل مرورا بـ«أكشاش» وتخص أحمدو أج محمد أزوادى مقيم بالدار البيضاء وأحمد الدباش الليبى الملقب بـ«العمو«، وهو شاب فى العشرين استغل تهريب المهاجرين غير الشرعيين والنفط غطاء لتهريب المخدرات والمقاتلين لحساب أمراء الليبية المقاتلة، ومعه عبد الرحمن ميلاد من الزاوية 45كم غرب طرابلس والمعروف بـ«البيدجا« الذى ورد ذكره فى أحد تقارير الأمم المتحدة كطرف أساسى فى عمليات تهريب البشر. وبرغم شيوع ذكرهما كملكى للتهريب فى ليبيا والصحراء الكبرى فقد حصلا على 15 مليون يورو من الحكومة الإيطالية، ضمن اتفاقية التوطين ومكافحة التهريب ومساعدات لوجيستية أخرى بحجة وقف الهجرة غير الشرعية خصوصا أن للبيدجا منصبا رسميا فى الغرب الليبى كرئيس لخفر السواحل مواليد 1990 ولهما عدة مخازن للمخدرات والمقاتلين فى المنطقة الممتدة من »الخمس القربولي« شرقا وحتى صبراتة غربا، أما المشرف على نقل قوافل المخدرات من الخليل إلى حدود ليبيا الشرقية فهو نور الدين هدية بابا أحد منتسبى أنصار الشريعة فى ليبيا ويوزع نشاطه بينهما وأما فهمى سليم موسى بن خليفة من زواره والذى ظهر مؤخرا كأحد رءوس التهريب فى الصحراء الكبرى يراه البعض الأذكى بين المهربين الجدد لعدم احتفاظه بأموال سائلة أو ممتلكات فى ليبيا إلا ما ينفقه حاليا على إنشاء مدينة سياحية فى زواره. وأغلب أمواله اشترى بها عقارات فى تركيا ومالطا، وكون هؤلاء وغيرهم ميليشيات صغيرة يمتد نشاطها على خطوط سير قوافل المخدرات ضمن تحالف مع المكونات الإرهابية فى ليبيا والصحراء، آخر أيام شهر نوفمبر الماضى مرت عبر الخليل قافلة عالى ولد حسان من الأمهار حاملة 640كم كوكايين وصلت جنوب ككلة ثم انطلقت بقيادة إدريس الدوعلى ويوربا المغيلى جنوبا اعترضتها قافلة مسلحة لـ«الليبية المقاتلة« 50كم جنوب غرب مرزق، ومعها ضابط برتبة نقيب عمل سابقا فى كتيبة المغاوير لاستخراج حاوية تحمل طنين من ذهب القذافى دفن فى الصحراء مستدلا بإحداثيات المكان، وقبل أن يبدأ الحفر مرت القافلة فى رغب رجال المقاتلة الاستيلاء عليها وقتل حاملوها انتقاما من ضياع عدة أطنان من الحشيش تمت مصادرتها فى »ترهونة«، وكانت تخص الدواعش فى إطار التنافس والحرب بينه وبين القاعدة وتدخل سفيان القومة بالاتصالات وفض المعركة وإرجاء الصلح إلى حين اللقاء فى «ودان« وهو ما دفع يوربا للاتجاه جنوبا أكثر من 70كم وهى المسافة التى يستحيل رؤيتهم عن بعد فى الجو الصحو بعد أن استخدموا طريقة البريدة، وهى الدوران فى دائرة نصف قطرها 40كم عدة دورات لتضليل المتتبع ودفن الشحنة وتحديد إحداثياتها بالـG.P.S. تفاديا للوقوع فى أيدى المتربصين، وهى الطريقة المتعارف عليها للتخزين أو تصبير المخدرات والوقود بدفنها فى الصحراء، الصفقة الأخرى التى مرت منها ثلاث سيارات عليها 8 أطنان جنوب الكفرة قرب الحدود المصرية والباقى 18 طن حشيش، انتقلت شمالا من الصحراء الليبية إلى منطقة برقة على متن سيارات دفع رباعى بتعاون جماعة »أنصار الشريعة« الليبية، وتم تفريغها ونقلها على ظهور الإبل إلى الجبل الأخضر، ومنها إلى »عين غزالة« بالقرب من »التميمي« ثم حملت على أكتاف الرجال الذين كانوا يبدون من بعيد كـ«سرب نمل« إلى ساحل البحر المتوسط، لينقل عبر قوارب مطاطية صغيرة إلى جزيرتى »الحيطة الحمراء« و«البردعة« ومنها إلى مركب خشبى متوسط 18-20 متراً حملت 10 أطنان »تتخذ طريقها فى البحر بالتعاون مع عصابات ألمافيا فى إيطاليا، وبعضه يتجه شرقاً إلى السواحل المصرية.

ولا يقتصر التهريب فى هذه المنطقة على الحشيش والكوكايين، فأحيانا يتم تغطيتهما بالترامادول لدفع أقل جياية لقطاع الطرق وعصابات التبو ولضباط الحدود الذين قد يصادفونهم على طول الطريق. هذا فضلا عن تهريب الترامادول التى تخصصت فيه عصابتين من العصابات الليبية مع شركائهم فى النيجر، والأخطر أنه يتم تصنيعه فى مصنع بدأ نشاطه فى النيجر بالقرب من »أريلت« تنطلق منه حاويتان كل أسبوع بكل منها 600 كرتونة، بكل كرتونة ما بين 5-8 آلاف شريط، وتؤكد مصادرنا أن المصنع يتبع لأحد زعماء التبو فى »ربيانة« ويختص بالتوريد لتجار مصريين عبر جنوب منفذ السلوم، وآخر قريبا من الجغبوب.

ولتأكيد التحالف المعقد بين الإرهاب والمخدرات فى ليبيا، تم تأسيس عدد من الميليشيات المسلحة استفادة من غياب الدولة ونزاعات الحرب الأهلية فيها، تضم خليطا من تجار المخدرات وصُنَّاع الحرب يقودهم أمراء الإرهاب لمحاولات التضليل على نشاطهم التكفيرى ولهذا استغلت عمليات تهريب البشر و«النفط« كغطاء لتهريب المخدرات وتنقل الإرهابيين وهو ما بدأ مع ابراهيم الجفران عضو الجماعة الليبية المقاتلة واللص السابق الذى استحل حسب فتوى الجماعة ـ سرقة أموال وسيارات الدولة الكافرة والذى أصبح فجأة المتحكم فى المنشآت النفطية وعمل فى تهريب النفط كغطاء لتهريب البشر والسلاح والمخدرات ومعه أشقاؤه السبعة عبر محطات قد يتربص لهما فيها الميليشيات السياسية المسلحة أو كتائب جيش الغرب أو الجيش الوطنى الليبى فى الشرق والجنوب. على خط تهريب المهاجرين غير الشرعيين والذى بدأ قبل 10 أعوام من الصومال وجنوب السودان إلى تشاد وليبيا ثم الجزائر ومالى حتى موريتانيا بتهريب السلاح والمقاتلين إلى جنوب الجزائر دعما للجماعة السلفية للدعوة والقتال فى الجزائر ثم للطوارق فى إقليم أزواد شمال مالى خصوصا بعد نزوح »القاعدة« إليه، عكست خط السير حاليا لتهريب السلاح إلى مصر مع الإبقاء على قوافل المهاجرين وضمنهم إرهابيون.

ولتأمين هذه الطرق قواعد حاكمة منها التخلص من العسكريين الوطنيين المخلصين من ضباط الجيش الليبى المعارضين لوجود الإرهاب فى ليبيا كما حدث مع العقيد على محمد مفتاح المراكبى الذى ساهم طوال سنوات بعد أحداث «17 فبراير» فى منع عمليات تهريب كبرى لمقاتلين ومخدرات تخص أنصار الشريعة و«الليبية المقاتلة«، فاغتالوه مع والده وأحد أشقائه مثلما اغتالوا أكثر من 500 ضابط 2014 فى بنغازى وحدها لتظل ليبيا تتآرجح بين ولاءات متغيرة لحراس الحدود وبين عصابات الطرق وميليشيات التكفير. فالصفاء الذى حكم علاقات التبو والطوارق حراس الدروب عامى 2012 – 2013 اختفى الأن ليحل العداء بينهما انعكاساً لتغيير التحالفات السياسية. حيث يدعم التبو الآن حكومة الشرق ويتعاونون مع الجيش الوطنى الليبى بقيادة خليفة حفتر، وكتيبة »فرسان الصحراء« مما دفع بعض العصابات الموالية للتنظيمات التكفيرية وتجار المخدرات لاتخاذ طرقً بديلة على الحافة الشمالية لحدود دولة النيجر، وعلى بعد ما يقرب من 50كم شمال »آرليت«، وهناك تتناثر جثث وبقايا جثث تحللت تحت شمس صحراء النيجر، معظمها لنساء وأطفال، كما تدل البقايا والملابس ينتشرون على مساحة تقرب من 10 كيلومترات. قال دليل الصحراء عمر مخلوف وهو يشير إلى الشمال بعضهم هناك، يبدو أن كل جماعة منهم اتجهت إلى ناحية بحثا عن ماء أو ظل، بينهم جثة طفل تحتضنه أمه، وعلى بعد خطوات طفل آخر خمسة رجال فقط، وصلوا إلى «آرليت»، هلاك المهاجرين فى هذه الصحراء عطشا أمر عاديا، ظلت ليلتنا التى أدفأها »الأتاي« شاى الصحراء الأخضر وزادتها مشاهد الموتى ظلمة وأبشعتها كثير من حكايات المهربين وسائقيهم، أحدهم عثر على أكثر من 40 جثة لأطفال لم يتعد عمرهم 5 سنوات قبيل خط الحدود الجزائرية المالية.

وإن كانت أكثرها خطورة مثل ممر «سلفادور» الذى يربط حدود النيجر وليبيا والجزائر للوصول إلى «أدرار بوس» شمال غرب النيجر، خصوصا بعد سيطرة التبو على طرق أوبارى وإنهاء سيطرة الطوارق عليها فى ظل صراع تاريخى لإثبات أقدمية الوجود فى هذه المدينة، وبالتالى السيطرة على دروب المهربين بين ليبيا والنيجر والجزائر.

وتسلك قوافل المخدرات طرقها عبر وادى «زوراك» الفاصل بين مالى والنيجر وما بينهما وبين بلاطو جادو تضطر القافلة للمرور على منطقة «أحمدو» وجماعته المسلحة التى تسيطر على الهضبة المطلة على «كانم» شمال تشاد ويحصل على نصف مليون دولار من كل قافلة لتأمين مرورها إلى الحدود عبر الممرات الجبلية الوعرة فى هضبة «تبستي»، ومن «باريداي» فى «تشاد» تنطلق إلى شمال غرب دارفور.

لم يستغرق الوصول إلى «المثلث الحدودي» لمصر، وليبيا، والسودان أكثر من ثلاث أيام وخيمت القافلة جنوب شرق «الكفرة»، للراحة فى جبال «كلينجي» قريبا من إحدى آبار الماء، قال السائق المزعج إذا تأخرت فى السير نتيجة نشاط الطيران الحربى المصري، فيتم دفن »فناطيس« و«براميل» بنزين فى الرمال، أما الماء فإن نفذ فى آخر مراحل الرحلة، فيحصلون على الماء من بئر «أركنو» قبل حدود مصر بـ40كم عند خط عرض 24.5، وبئر الكفرة قبل خط الحدود بـ80كم، أما وسط بحر الرمال قبل الحدود بـ30كم، فبئر «وادى القبة» وجنوبه بئر «الحمرا»، بعدها تعبر «القوافل» الحدود المصرية عبر ممرين الأول جنوب «أبو منقار» والثانى شمال «عين داله» قريبا من واحة «الفرافرة» ثم إلى الفيوم وبعدها «المنيا» إلى البحر الأحمر، وطريق آخر يبدأ من جنوب جغبوب إلى «سيوة» حتى «الواحات البحرية» فى مصر، ومنها تتفرع إما إلى الجنوب مخترقة محافظة الوادى الجديد جنوب الواحات الداخلة، ثم باتجاه الشرق إلى قنا ومنها إلى سفاجا لتعبر البحر الأحمر، والأخرى إلى صحراء الجيزة ثم سيناء. الجزء الأكبر يتم تهريبه إلى مصر مخترقاً الحدود الشمالية التشادية بالقرب من «بير كوران» و«وادى الناموس» فى «تيبستي» إلى مثلث الحدود السودانية الليبية المصرية عند جبل العوينات.

ويتم التسليم إلى مندوبى التجار الليبيين فى منطقة «وانيني» فى تشاد. وفى هذه المرحلة يصل الإنفاق على الرحلة إلى نحو 3 ملايين دولار تدفع لشيوخ القبائل والعصابات المسلحة وبعض الإرهابيين المنشقين من أمثال التشادى «زويدى جادو» الذى رأى أن مرحه فى الصحراء وقطع القوافل أفضل له من إنشاء دولة الخلافة المزعومة.

وأقامت بطمة، المتزوجة بمدير أعمالها، السبت الماضي، حفل عقيقة “باذخ” لطفلتها الأولى، التي اختارت لها اسم “غزل”. وهو الحفل الذي عرف حضور عدد كبير من الفنانين والمشاهير المغاربة، سواء في عالم الفن والتمثيل أو الرياضة، بالإضافة إلى فئة عريضة من الصحفيين.

وامتد الحفل إلى ساعة مبكرة من اليوم التالي؛ إذ تناوب على منصة الحفل عدد لا بأس به من المغنين المغاربة المشهورين، والمعروفين بالأجور المرتفعة التي يتلقونها مقابل إحيائهم السهرات. كما تم تقديم أطباق فاخرة للضيوف.

– اهتمام وإهمال..

واكتسحت المواقع الإخبارية مقاطعُ عن الحفل؛ إذ تصدرتها عناوين من قبيل “دنيا بطمة تكشف ملامح ابنتها غزل لأول مرة بحفل عقيقة فخم”، “عقيقة أسطورية لبنت دنيا بطمة”، “شاهد الأطباق الفاخرة التي قدمتها دنيا بطمة في حفل عقيقة غزل”، “دنيا بطمة توشح ابنتها بالذهب والألماس”، “دنيا بطمة تتسلم هدايا باذخة في حفل عقيقة ابنتها غزل”. إلى جانب عناوين أخرى تتحدث عن تفاصيل صغيرة بالحفل.

وخصصت مجموعة من المواقع الإخبارية تغطيات خاصة للحفل؛ إذ بث بعضها مقاطع عند كل نصف ساعة، تتحدث فيها عما يجري بالحفل، في حين اختار آخرون نقله مباشرة من خلال خاصية البث المباشر بموقعي “إنستغرام”، و”فيسبوك”.

وبحسب صحفيين حضروا الحفل، فإن دنيا بطمة وزوجها كانا حريصَين على أن تنقل الصحافة تفاصيل الحفل، وأيضاً إعطاء تصريحات لمختلف المنابر الإعلامية الحاضرة.

بالمقابل، اختارت مؤسسات إعلامية أخرى عدم الاهتمام بالحدث، أو تخصيص موضوع صغير عنه، دون تكليف أحد الصحفيين الانتقال إلى المكان.

– استعراض للعضلات..

وعبَّر صحفيون عن انتقادهم الاهتمام الكبير الذي أوْلته مواقع إخبارية للموضوع، معتبرين أن الأصل في الحدث هو حفل شخصي ولا علاقة له لا بالمسار المهني، ولا بالأداء الفني لصاحبته، ما يجعله “غير ذي قيمة إخبارية”، بحسب قولهم.

وأوضحت سكينة خرباش، الصحفية بموقع “العمق” المغربي، أن “الحفل والطريقة التي أقيم بها، أرادت من خلالهما الظهور للعموم بمظهر الثرية، باستعراض الملابس الفخمة وإبراز قيمة الهدايا التي حصلت عليها، وهو تبذير للمال بطريقة أو بأخرى”.

وشددت خرباش في تصريح لـ”الخليج أونلاين”، على أنه “كان من الممكن أن تتحفظ على نشر صور الهدايا؛ مراعاةً لشعور شريحة واسعة من المغاربة الفقراء واليتامى الذين لا يجدون من يسدُّ رمقهم من الجوع، خاصة أن المغرب يمر بظرفية صعبة”.

وقالت: “يجب أن يكون الفنان قدوة، والإعلامي أيضاً”؛ لأنه “في الوقت الذي يحتجُّ فيه الناس بمدن في المغرب طلباً للقْمة العيش، يجب على الأقل أن تتم مراعاة مشاعر البقية”. وتشير إلى أنه “كان من الممكن تغطية الحدث دون الدخول في تفاصيل لن تفيد في شيء”.

– تجاوز حدود المعقول

وشددت الصحفية ماجدة بوعزة، المتخصصة بالثقافة والفنون، على أن الأمر “تجاوز حدود المعقول، وبلغ درجة الميوعة الإعلامية”، مشيرة إلى أن “تهافت مجموعة من المواقع على هذا النوع من الأخبار، يعكس التحول الذي أتت به وسائل إعلام تبحث عن النقرات فقط، دون النظر إلى الجودة أو المحتوى”.

وتضيف لـ”الخليج أونلاين”: “هناك مواضيع فنية وثقافية أهم وأعمق من متابعة الحياة الشخصية لبعض المغنين وشجاراتهم”.

وقالت: “إن مجموعة من الفنانين الشباب اليوم، عوض التركيز على منح الفن وقته الكافي لإنتاج أعمال جيدة بكلمات وألحان لائقة، صاروا يلهثون وراء أي شيء يمكن أن يجعل منهم موضوع الساعة”، مضيفة: “للأسف، هؤلاء لا يعلمون أن الاهتمام بهم ينتهي بمجرد ظهور فقاعة إعلامية جديدة”.

وأوضحت أن “هناك فنانين لا نعرف عن حياتهم الشخصية إلا القليل النادر، لكن شعبيتهم أكبر بكثير ممن يشاركون أدق تفاصيل حياتهم”؛ ومن ثم “فالعبرة بالرصيد الفني، وليس الرصيد على مواقع التواصل الاجتماعي”.

– صميم العمل..

وفي الجهة المقابلة، يدافع صحفيون عن الطريقة التي تمت بها تغطية هذا الحدث، وأيضاً تتبُّع “تفاصيل” الحياة الشخصية للمشاهير، بدعوى أن ذلك من صميم العمل الصحفي.

وفي هذا الصدد، قال طارق بنهدا، الصحفي بموقع “هسبريس” المغربي: إن “هذا الأمر شيء عادي، ويدخل في الروتين اليومي للمتابعات المتخصصة في عالم الفن”.

وأوضح بنهدا في تصريح لـ”الخليج أونلاين”، أن “هذا النمط من الإعلام له أسس في الإعلام الغربي؛ إذ تُخصص له آليات ووسائل وطاقم من الصحفيين والمصورين وشركات الإنتاج ومنصات إعلامية إلكترونية وتلفزية متقدمة ومحترفة”.

وعلل المتحدث وجهة نظره بالقول: إن “هذا الاهتمام الكبير بتفاصيل حياة المشاهير والفنانين، خلقه بالأساس التعطشُ الكبير إلى فئة من المواطنين، واهتمامهم بشكل متزايد بحياة المشاهير وشؤونهم الخاصة، سواء المعلنة أو الخفية”، مضيفاً: “ومن لا يتفق مع هذا الطرح، فلينظر إلى ملايين متتبّعيهم على مواقع التواصل الاجتماعي ويحكم”.

وبدوره، دافع أحمد مدياني، سكرتير التحرير بموقع “Tel Quel عربي” المغربي، عن الصحفيين الذين غطوا هذا الحفل، معتبراً في منشور له بـ”فيسبوك” أن الأمر يدخل في إطار تخصصهم، وأنه “لا فرق بين عقيقة دنيا بطمة ومؤتمر لحزب أو ندوة لمؤسسة”.

– جدل دائم..

وليست هذه هي المرة الأولى التي يُثار فيها جدل بخصوص اهتمام الصحفيين بـ”تفاصيل” عيش المشاهير، أو الدخول في حياتهم الخاصة؛ إذ تكرر النقاش نفسه حينما اعتُقل المغني المغربي سعد لمجرد، في فرنسا بتهمة “الاغتصاب”، وأيضاً حينما شاع خبر اعتقال رجل وامرأة قياديَّين في حركة إسلامية مغربية، كانا على علاقة جنسية خارج إطار الزواج.

ومن بين الأحداث التي أثارت الجدل بين الصحفيين أيضاً، التغطية الإعلامية التي حظي بها زفاف العارضة المغربية إيمان باني بالممثل التركي مراد يلدريم، خصوصاً أن العروسين تعاقدا مع شركة مشهورة في المغرب، متخصصة بالتواصل والعلاقة مع الصحفيين؛ من أجل ضمان متابعة واسعة على وسائل الإعلام لهذا الزفاف، الذي أقيم بواحد من أكبر قصور المؤتمرات في المغرب.

وأوضح سعيد بلام، مدير مجموعة التميز للتواصل والإعلام، أن “تهافت” الصحفيين على تفاصيل الحياة الخاصة للمشاهير، سواء الفنانين أو السياسيين أو الرياضيين، “راجع بالأساس إلى ما تحققه مثل هذه المواضيع من نِسب زيارات مرتفعة بالمقارنة مع مواضيع أخرى”.

وقال لـ”الخليج أونلاين”: “ليس عيباً أن يتابع الصحفي حياة السياسي والفنان”، لكن “العيب هو أن يتجاوز ضوابط وأخلاقيات المهنية بالدخول في أمور خاصة جداً في حياة أي شخص كان”.

وشدد بلام على أن “حرية الصحفي، وحقه في الحصول على المعلومة، ينتهيان عند بداية الحرية الشخصية لهذا الشخص أياً كان مجال اشتغاله”؛ لأن “هذا الفنان أو السياسي له حياة شخصية، وأبناء، وأسرار، ومنزل يجب أن تُحترم خصوصياته وعوراته”.

وأشار بلام إلى أن “معظم الفنانين والسياسيين اليوم يعملون، عن قصد، على التعاقد مع مختصين في التواصل، بغرض تسريب تفاصيل من حياتهم الخاصة أو أنشطتهم البعيدة عن الفن، والهدف هو توسيع شهرتهم وشعبيتهم”.

ولفت المتحدث إلى أن هذا النوع من الجدل سيظل قائماً؛ لأنه ليس بجديد على الساحة الإعلامية، فقط “زادت حدته مع العدد الكبير للمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزية التي تحيط بنا”، يضيف بلام.

الصحراء الكبرى.. بوابة عبور المخدرات والسلاح والإرهابيين إلى مصر عبر ليبيا
◙ من «الخليل» تبدأ مراحل صناعة الإرهاب بأموال الحشيش والكوكايين
◙ 16تنظيما وميليشيا تكفيرية تنافس «مافيا القبائل» على ٧٠٠ مليون يورو عائدات التهريب بالصحراء الكبرى
◙ تورط صحراويين وضباط من مالى وموريتانيا فى تجارة المخدرات
فى المثلث الحدودى بين موريتانيا ومالى والجزائر، الشهير بـ»تورا بورا الصحراء»، أمضيت ليالى معبأة بخطر الموت ورائحة الحشيش، الذى تحملها قوافل التهريب مع الكوكايين الوارد من أمريكا اللاتينية، ورصد خطوط سير الإرهابيين القادمين من سوريا والعراق،
حيث يتخذ المهربون والإرهابيون من قرية «الخليل» أقصى شمال مالى محطة ترانزيت للعبور إلى حدود الجزائر الجنوبية ثم الحدود الشرقية إلى ليبيا، أو يمضون على حافة حدود النيجر الشمالية عبر مسارب الصحراء ثم هضبة تبستى فى تشاد ليصلوا إلى مصر عبر بحر الرمال العظيم. دفعنى إلى ولوج المغامرة مع سائقى التهريب كم المعلومات التى تناثرت أمامى حول تزايد عمليات التهريب وكثرة قوافلها خلال العامين الأخيرين، وتنافس تنظيم القاعدة فى بلاد المغرب الإسلامى وميليشيات التكفير الجديدة فى ليبيا مع العصابات القبلية فى دول غرب إفريقيا وتعاظم إيراداتها المالية لتسهم فى صناعة الإرهاب وتأجيج الحرب الأهلية فى ليبيا ودول جنوب الصحراء الكبرى وغرب إفريقيا، بعد نضوب جزئى للدعم القطرى لجماعات التكفير، وتراجع دخلها من حصيلة الفديات التى كانت تحصلها للإفراج عن الرهائن الغربيين، وهو ما أدى إلى شح المال فى أيدى قيادات أكثر من 12 ميليشيا متطرفة كانت تدعمها الخزانة الليبية والقطرية، ويحصل العنصر فيها على راتب شهرى يتراوح بين 1000 و3 آلاف دولار، مما ألجأها إلى الانغماس فى نشاط التهريب.
مندوب الأهرام مع سائقى التهريب فى رحلته إلى الخليل
قبل أن يلفظ الشاب المالى «حمَّا ولد حميدان» النفس الأخير تشبث بكتف الشيخ أكلود مستعطفا «شيلنى إلى تمبكتو».. أراد الشيخ كما قال إيقاف نزيف الدم الذى غطى كل جسده بعد أن اخترقته عدة رصاصات عند مشاركته فى مواجهات مسلحة بين الطوارق والعرب هنا فى «الخليل»، القرية المالية الصغيرة التى لا يفصلها عن «برج باجى المختار» آخر نقطة فى الجزائر سوى 17كم.. أشار لى الشيخ «أكلود» إلى الأرض فى أحد الشوارع وقال: «هنا قتل الصبى وقبلها قتل بله أج الشريف شقيق بلال أج الشريف، زعيم حركة تحرير أزواد وعشرات غيرهما فى مواجهات عنيفة أشهرها الهجوم على كتيبة ترواقورا فى «الهنداك»، ورغم أن هذه المواجهات اتخذت الصبغة السياسية بين جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، التى تضم مع أنصار الدين فلول «التوحيد والجهاد» وكتيبة «الملثمين» للسيطرة على الأرض، فسببها الحقيقى المخدرات.
فى قرية «الخليل» لم أشهد مقتل حمَّا، ذلك الصبى الذى أغرته جماعة «أنصار الدين» بفكر التكفير ليحمل سلاحا يكاد يماثل طوله. لكنى رأيته فى أول زيارة لى إلى «تمبكتو» عام 2012 كان طفلا على حدود الصبا يحفظ القرآن فى فصل دراسى أقامه «أبو تراب» أمير الحسبة وأمامه بندقية يتدرب عليها بعد الدرس، يومها تمنيت لو تركوه يحفظ من القرآن ما تعيه ذاكرته ويلهو كأقرانه فى شوارع المدينة.
أول يناير 2013 قصفت الطائرات الفرنسية معاقل الجماعة وطاردتهم فهربوا من «تمبكتو» وهرب معهم، حَّما إلى كيدال ليغريه «أبو البراء» التونسى لحماسه وجرأته بالمشاركة فى حماية قوافل المخدرات التى ترتزق منها الجماعات الإرهابية فى الصحراء الكبرى بالاشتراك مع عصابات التهريب من عرب وطوارق، وتتخذ من «الخليل» محطة للتجمع والانطلاق.
ولأن «الخليل» مركز ترانزيت السلاح والمخدرات والقتلة فى الصحراء، ففيها تنتشر عناصر من التنظيمات الإرهابية وكتائب «القاعدة» فى بلاد المغرب الإسلامى، وينتشر الزى الأفغانى القندهارى، والأزياء السورية والكردية، ومزكشات الماليين والسنغاليين، وحطام سيارات محترقة ورصاصات فارغة وأجزاء من معدات عسكرية وأسلحة معطوبة، وفيها تنتشر عمليات بيع السلاح والذخائر باليورو والدينار الجزائرى، فرغم أنها قرية صغيرة إلا أن الأموال فيها كثيرة جدا، وعبرها بدأ تهريب البضائع بين بلدان «الساحل والصحراء» بداية من السجائر والمعلبات والأغذية المهربة من مخيمات لاجئى «البوليساريو» فى «تندوف» لتجار ومهربين صغار بعد اشتعال أزمة الصحراء الغربية.
خلال رحلتنا أراد السائق العجوز و»لدعماتو» أن نغادر «الخليل» سريعا، لأن العيون باتت تراقبنا، وقال: «إن عرفوك صحفيا ستُقتل». لم يهتم برغبتى فى البقاء وانطلق بسرعة البرق، وأنا أفكر فى «حما»، الذى ذكرنى خبر موته بـ»وليد العامرى»، ذلك الصبى المصرى فى مثل عمره، والذى كان يشارك والده فى رحلات جلب المخدرات والسلاح من ليبيا وأنقذته رغبته فى «قضاء حاجته» من الموت عندما قصفت طائرات سلاح الجو المصرى قافلة من اثنى عشر سيارة كان فى واحدة منها، ودفعه الفزع من رؤيتها تتفحم بمن فيها للركض بعيداً ليعثر عليه بعد أيام «رجب عمران»، أحد مهربى الصحراء المصرية، بعد أن قتله الظمأ، وقد عرفه من خرزة فى حبل حول رقبته.
رافقنا عند عودتنا من الخليل، «حمادو موسى» أحد «الأمهار» من وكلاء بلمختار، طالبنا بتجاوز «بير» 240 كم شمال تمبكتو مع تجنب مرابع قبائل الأنصار، لرفضهم سلوكيات الإرهاب والتهريب، وبعد أن مضينا أخبرنى فى ثقة العارف أن كل المخدرات (حشيش وكوكايين) الذى يصل إلى ليبيا ومصر يمر من الخليل وما حولها لكونها أقرب نقطة إلى حدود الجزائر الجنوبية الشرقية الملاصقة لحدود الجبل الغربى فى ليبيا واهم محطاته ككله الليبية 140 كم من الحدود، وأضاف لى ضاحكا أن باستطاعته حملى معها إلى الغردقة خلال أربعة أيام، معتبرا أن عصابات التهريب القبلية والتكفيرية أقوى من جيوش دول الغرب الإفريقى. وهو ما أكده وزير دفاع مالى السابق سوميلو بوبيى مايجا، بقوله: إن الإرهابيين والمهربين يستمدون قوتهم وسيطرتهم على الصحراء الكبرى من ضعف الدول، وهو ما استغلته أيضا عصابات التهريب وجماعات الإرهاب التى ارتبطت بمثيلاتها من «كارتيلات» المخدرات فى أمريكا الجنوبية وغرب إفريقيا، ما جعلها دول مرور، وقاعدة رئيسية لتخزين المخدرات وتهريبها بسهولة مع توفير الحماية لها، خصوصا مع انتشار الفساد والرشوة، وتمثل ليبيا وموريتانيا ومالى نقاط تخزين رئيسية ومراكز مرور لهذه العصابات.
وفى موريتانيا ظلت منطقة «الكريكرات» أو ما بات يُعرف بـ «ممر قندهار» 15 كم من حدود موريتانيا لسنوات أهم طرق التهريب بينها وبين البوليساريو، بلا مراقبة حتى قامت بتشديد المراقبة الجمركية والأمنية فيها.
لم تشهد العلاقات بين البوليساريو وموريتانيا توترا محموما منذ «حرب الصحراء» إلا بسبب تضررها من ضلوع صحراويين منهم عسكريون سابقون فى جبهة البوليساريو – حسب مصادر وتحقيقات بنواكشوط- أدخلوا كميات كبيرة من المخدرات وأفشلوا جهود المكافحة، ما استدعى تدخل الرئيس الموريتانى محمد ولد عبد العزيز، بنفسه لمتابعة اعتقال شبكة تهريب دولية تضم موريتانيين وصحراويين وماليين وسنغاليين بحوزتهم 2.5 طن كوكايين جرى تحميلها على أربع سيارات تحمل أرقامًا خاصة بـ»البوليساريو» وتم ضبطها فى منطقة «أهل بلال» 210 كم شمال نواكشوط، كانت فى طريقها إلى مصر عبر مالى والنيجر وليبيا.
وبعد أن أصبحت المخدرات ظاهرة فى موريتانيا نظمت منسقية المعارضة مظاهرة تحت شعار «لا لتحويل موريتانيا إلى دولة مخدرات»، سبقها اعتقال تاجر مخدرات فنزويلى يرتبط بعلاقات واسعة فى المجتمع الموريتانى، وصلت إلى سيدى محمد، نجل الرئيس الموريتانى الأسبق ولد هيداله (سبق أن سُجن فى قضايا مخدرات وأفرج عنه بعد تخفيف العقوبة) تحت حماية ودعم بعض عناصر من الأمن ورجال أعمال نافذين بالتعاون مع كتائب تنظيم «القاعدة» منهم الضابط سيد أحمد ولد الطايع، الذى عمل لفترة ممثلا لموريتانيا فى «الإنتربول» – أُدين وحُكم عليه بالسجن سبع سنوات فى القضية رقم 967/7 التى حققها قاضى التحقيق بالديوان الرابع الدكتور محمد ولد شيخ سيديا (900 كيلوجرام كوكايين).
وعرفت بلدان جنوب الصحراء الكبرى تجارة المخدرات على نطاق واسع وبشكل علنى مع نزوح كتائب التكفير والجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية جنوبا بعد عام 2003 كقاعدة خلفية لـ»جبهة الإنقاذ الجزائرية»، وزادت بعد قوتها إعلانها الولاء لتنظيم القاعدة فى أفغانستان وتسميها بـ»قاعدة بلاد المغرب الإسلامى»، وكان مختار بلمختار الملقب بـ»بلعور» أول من شارك من الإرهابيين فى التهريب بداية من السجائر حتى بات يعرف فى الصحراء بـ»مستر مارلبورو» وتطور عمله بالاتفاق مع زعماء التهريب ورعاية أجهزة استخبارات دولية وإقليمية لتهريب المخدرات اعتمادا على فتوى بن لادن بـ»جواز بيع السم للكافرين» حتى أصبحت المخدرات منذ 2011 تمول صناعة الإرهاب والحرب الأهلية والجريمة المنظمة فى ليبيا وموريتانيا وسيراليون وغينيا كوناكرى وليبيريا وساحل العاج ومالى والنيجر وتشاد ودارفور، خصوصا أن هذه الدول إما فاشلة مثل ليبيا أو تشتهر بانعدام الأمن وهشاشة جيوش بلدان جنوب الصحراء، وشهدت أراضى موريتانيا هبوط طائرات نقل مختلفة الأحجام والأنواع لتفريغ شحناتها من الكوكايين، مثل الطائرة رقم 9835 N، التى حطت فى مطار «نواذيبو» وأنزلت 650 كجم من الكوكايين، وأقلعت دون أن يستوقفها أحد فى المطار!، لكنها هبطت اضطراريا بعد 100كم، وصادرها الجيش الموريتانى وأعاد طلاءها ويستخدمها الرئيس الموريتانى حاليا فى تنقلاته الداخلية، كما هبطت طائرة صغيرة قادمة من كولومبيا بالكوكايين فى «تازيازت» شمال البلاد، وفى الشرق أيضا اتخذت العصابات مناطق نائية بالقرب من الحدود المالية كمطارات لإقلاع وهبوط الطائرات.
وفى مالى ثبت تورط بعض رجال الحدود وبعض قادة الأمن والجمارك، فى تمرير المخدرات، بل إن «تومانى تورى» الرئيس السابق نفسه ونظامه تجاوزا عن نشاط «القاعدة» التهريبى فى «أزواد» إرضاء لزعماء التهريب العرب لإحداث الفتن العرب والطوارق فغض الطرف عن عمليات عرب «البرابيش والأمهار» المتعاونين مع الحكومة، فى حين تشدد مع مهربى قبيلة «الايمغاد» الطارقية بهدف بث الفرقة.
وكشفت حادثة اشتباك الجيش المالى مع المهربين الطوارق عام 2012 بسبب شحنة كوكايين (850 كجم) عن علاقة تنظيم القاعدة بضباط من الجيش منهم المقدم «لمانة ولد محمد يحيى» ضمن تحالف التهريب، وبعد مصادرتها هدد مختار بلمختار-شريك فى الشحنة- بالقيام بعمليات تخريبية، إذ لم تُرَد، ما دفع الدولة إلى الرضوخ والأمر بإعادتها مقابل دفع مبلغ كبير تم توزيعه على عدد من المسئولين الكبار، ليبدأ انتعاش هذه التجارة.
ويشهد النقيب أكلوى تورى -منشق عن الجيش المالي- على حماية العقيد محمد ولد ميدو لشحنة كوكايين أخرى هبطت بها طائرة فى منطقة صحراوية شمال «جاو» لصالح عرب من البرابيش ما دفع مجموعة من طوارق «الايفوقاص» بالاتفاق مع نافذين من عرب «كنته» لترصدها والاستيلاء عليها قبل اتخاذها الطريق إلى «الخليل».
ويؤكد أن مسئولى مطارات ازواد شمال مالى كانوا يسهلون استقبال الطائرات وإخراج الشحنات، مرات عديدة من مطارى جاو وتمبكتو أثناء سيطرة كتائب تنظيم القاعدة باتفاق «مختار بلمختار» و»اياد أج غالى»، وعطية الله (أبو يحيى الليبى أحد قادة الجماعة الليبية المقاتلة، والذى قُتل عام 2014)، وحاليا فإن سيطرة القوات الحكومية والفرنسية وقوات «إيكواس» وقوات الأمم المتحدة فى شمال مالى منعت استخدام المطارين أو تحرك قوافل التهريب فى نطاق سيطرتها ومطاردة المهربين والقبض على بعضهم مثل أحمدو أج عيسى.
ولهذا تكدست شحنات (حشيش وكوكايين) فى «جاو» داخل مخزن لتاجر عربى يقع قرب مقام «أسكيا محمد»، أما فى «تمبكتو» فعدد من بيوت حى «كيرياتو» تضم غرفاً مغلقة على أطنان من الحشيش وكميات كبيرة من الكوكايين أعدت للنقل، ولكن المشاحنات المسلحة بين العرب والطوارق قبل شهور دفعت أهم «كارتيلات الصحراء» من البرابيش إلى تأجيل إخراجها تجنبا لثأر جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» لمن قُتلوا منها فى اشتباكات الخليل، أو مصادرتها من قبل حركة تحرير أزواد «مانيلا»، كما حدث قبل عدة أشهر عندما استولت على كمية كبيرة من الحشيش قرب كيدال كانت فى طريقها إلى الخليل لتبديل السائقين والسيارات لتعبر إلى ليبيا، ويربط بعض أبناء المنطقة خطف «القاعدة» للسائق أحمد قبل 350كم من تمبكتو أثناء عودته من الجزائر نهاية شهر يوليو الماضى بالضغط على الجبهة العربية حتى لا تعترض القافلة، حيث دأبت الجبهة خلال الفترة الماضية على رصد قوافل المخدرات ومنع مرورها، والسؤال ما حجم هذه التجارة فى الصحراء؟، وقد حدد آلين روبى، مدير الأبحاث فى المعهد الفرنسى لبحوث الاستخبارات CFZR، كمية الكوكايين التى تمر عبر الصحراء بـ10 أطنان، يصل أوروبا 10% منها، فهل هذه الأرقام حقيقية؟.. مهربون وتجار يشيرون إلى أن ما تتناوله الصحافة وتنشره مراكز الأبحاث المتخصصة غير دقيق، مؤكدين أن كميات الكوكايين والحشيش التى تعبر الصحراء أكثر، وبالتالى فالمتدفق على أوروبا لا يقل عن أضعاف هذا الرقم، وقد صرح مدير سابق لمكافحة المخدرات فى الجزائر بأن ما تم تهريبه عبر الصحراء إلى دول الاستهلاك تبلغ قيمته 1.6 مليار يورو، حصة الجماعات الإرهابية منها 310 ملايين يورو، وهو أيضا رقم غير دقيق، حسب ما أكده أحد صغار ضباط الحدود الجزائرية، كما شكك عدد من سائقى وأدلة قوافل التهريب بين مالى والنيجر فيما ينشر، لأن الأرقام الحقيقية تبلغ أضعاف ذلك، حيث إن عدد العاملين فى هذه التجارة من سائقين وأدلة قوافل ومساعدين ومهربين على طول خط التهريب من موريتانيا إلى مصر لا يقل عن ٧٠٠ فرد، فهل هذه الكمية مناسبة لعمل هذا العدد طوال عام كامل؟!، وقد أقسم لى أحدهم أن ما تم نقله هذا العام فقط 2017 مما اشتركوا فى قوافله أو ما عرفوا بنقله باتجاه ليبيا من الحشيش فقط حتى شهر أكتوبر الماضى بلغ أكثر من 50 قافلة، حمولة كل قافلة من 6 إلى 10 أطنان، بما يزيد على مليار يورو، وإذا كانت كلها لعصابات تهريب عادية، فيمكن تخيل ما تم تهريبه لحساب تنظيم القاعدة، وبالتأكيد جرى تهريب كميات أخرى لم نعلمها.. وحينما أبديت دهشتى من حجم ما يتحدث عنه المهربون من كميات مخدرات جرى تهريبها، ضحك أحدهم وقال لى إذا عم الحشيش فى بلدك وانتشر فهو دليل على صدق كلامنا.
أما عن الكوكايين، فيقول مصدر من «الخليل» إن كمية المهرب منه عبر الخليل إلى ليبيا تزيد على 80 طنا ثمنها فى الصحراء 800 مليون يورو، وحسب بعض تجار التجزئة فى موريتانيا ومالى وليبيا، فإن سعر كيلوجرام من الحشيش المغربى 3 آلاف دولار قبل دخوله مصر.
أما الكوكايين، فإن سعر الكيلو منه فى «الخليل» 16 ألف يورو، أما فى حى «مولينبيك» فى بروكسل، حسب مندوب لإحدى مجموعات التلقى فى أوروبا، فإن سعره يصل إلى 35 ألف يورو.
فى الخليل .. لم اقتنع بما قاله لى على أج إبراهيم من أن أحد نوعيات الحشيش المغربى تصل إلى إسرائيل ليتم التعامل معه باستخراج زيته بدرجة كثافة معينة بشكل دقيق لتستخدم فى صناعة مشتقات اليورانيوم ثم يعاد تصديره إلى دول أخري!!، إلا أن حكم محكمة جنايات نواكشوط الغربية فى أغسطس 2017 فى الملف 188-17 الذى دان ضابط البحرية الرائد أحمد ولد حسنة القاضى، رئيس فصيلة التفتيش برئاسة أركان القوات البحرية، مع آخرين جعلنى أعيد التفكير فيما قاله، لأن كمية المخدرات التى تم ضبطها فى منزله بحى «تفرغ زينة» فى العاصمة الموريتانية نواكشوط وتزن 19 طن حشيش كانت معدة للتهريب إلى إسرائيل عبر مالى والنيجر وليبيا ومصر، بما يؤكد سيطرة المهربين والتكفيريين على الصحراء الكبرى.
تحقيق ــ ‬أيمــن‭ ‬السيسـى

  • كريم التقي
  • تتنافس المؤسسات الدينية في مصر على فرض سلطتها، وتحاول تثبيت مواقعها في المساحة العامة الدينية.

قدّم المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، في 15 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، قائمة بخمسين عالِماً جرى تعيينهم حصرياً للإفتاء عبر شاشات التلفزة. على الرغم من أن المجلس أعلن أنه قد يعمد إلى توسيع القائمة في المستقبل، إلا أن هذه الخطوة الصادرة عن جهاز مستقل ولو كان مقرّباً من النظام، تُعتبَر غير مسبوقة في مصر، حيث لم يكن العلماء بحاجة في السابق إلى الحصول على مثل هذا الإذن. وقد استبعدت القائمة، التي أُعِدّت بصورة مشتركة من قبل الأزهر ودار الإفتاء، أعضاء وزارة الأوقاف التي ردّت في اليوم التالي بإصدار قائمتَين موجّهتَين إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام: تتألف القائمة الأولى من 211 عالِماً مصرَّحاً لهم بالإفتاء، فيما تضم القائمة الثانية 115 عالماً مخوَّلين تقديم برامج دينية “عامة” من دون إصدار فتاوى.

لقد أدّى حصر الحق في إصدار الفتاوى عبر شاشات التلفزة – ما يعني مزيداً من الظهور الإعلامي والسيطرة على الخطاب الديني – بعدد قليل من العلماء، إلى تفاقم الشقاق القائم بين مؤسسة الأزهر ووزارة الأوقاف اللتين تتنافسان على الإمساك بالسلطة الدينية. في حين أن الوزارة تسيطر على المساجد والأوقاف الدينية، وتشكّل جزءاً من السلطة التنفيذية للنظام، يبذل الأزهر، وهو المؤسسة الأولى في مصر للإرشاد الديني والدعوة الإسلامية، جهوداً حثيثة للحفاظ على استقلالية ما عن الدولة.

لقد عمد الأزهر، في القائمة التي وضعها مع دار الإفتاء – الهيئة الرسمية في مصر المكلّفة إصدار الفتاوى، ويرأسها مفتي الجمهورية الذي ينتخبه الأزهر – إلى استبعاد عدد من العلماء المقرّبين من النظام. على سبيل المثال، استُثني من القائمة مستشار الرئيس عبد الفتاح السيسي للشؤون الدينية، أسامة الأزهري، ومسؤولون كبار في وزارة الأوقاف، بينهم الوزير محمد مختار جمعة. وقد اعتُبِر أسامة الأزهري على وجه التحديد غير مؤهل للإفتاء، لأن الدكتوراه التي يحملها هي في أصول الدين وليس في الشريعة أو الفقه المقارَن – مع العلم بأن بعض الأشخاص الذين وردت أسماؤهم على قائمة الأزهر ليسوا من حاملي شهادة الدكتوراه. وقد ردّت وزارة الأوقاف بإدراج جمعة والأزهري على قائمتها التي تتضمن أسماء العلماء المصرَّح لهم بالإفتاء. وإذ لفت جابر طايع، رئيس القطاع الديني في وزارة الأوقاف، إلى أن “قائمة الأزهر الشريف لم تتضمن أحداً من وزارة الأوقاف”، شدّد على أنه “كان من الأفضل والأجدر والأليَق أن يكون هناك تنسيق كامل بين الجهات الثلاث [الأزهر ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف]”. وقال أيضاً إنه لم تكن هناك حاجة إلى مثل هذا الأمر [أي القوائم] في مثل هذا الوقت، ملمّحاً إلى أن القائمتين اللتين وضعتهما الوزارة كانتا ضروريتَين، فقط من أجل التصدّي لما تعتبره الوزارة محاولة من الأزهر للسيطرة على الخطاب الديني.

يبدو أن المحاولة التي قام بها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام من أجل تنظيم الإفتاء جاءت استجابةً للنداء الذي وجّهه السيسي لـ”تجديد الخطاب الديني“، والذي رأى فيه الأزهرتعدّياً من الرئيس على صلاحياته. يُشار إلى أن السيسي قام بتعيين أعضاء المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الذي أنشئ بموجب تشريع برلماني صدر في قانون وقّعه الرئيس في كانون الأول/ديسمبر 20166. وقد برّر رئيس المجلس، مكرم محمد أحمد، الخطوة التي أقدم عليها المجلس للحد من وصول العلماء إلى شاشات التلفزة، بأنها إجراء ضروري لتعزيز “منهج الاعتدال” لا “منهج التطرف”، مضيفاً أنه “لا يجوز أن يسيطر بعض علمائنا الذين تستخدمهم جماعة الإخوان المسلمين، على فكر الأمة”. على الرغم من أن أحمد لمّح إلى أن القائمة تستهدف الإخوان، إلا أن خطوة المجلس تستهدف خصيصاً العلماء الذين يصدرون فتاوى مثيرة للجدل. وقدّم أحمد أمثلة على ذلك متحدّثاً عن الفتوى التي صدرت في أيلول/سبتمبر 20177 والتي تتيح للرجل إقامة علاقة مع زوجته بعد وفاتها، والفتوى الصادرة في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي والتي تجيز للرجل أن يتزوج من ابنته التي أنجبها من علاقة غير شرعية. في هذا السياق، انتهزت كل واحدة من المؤسسات الدينية الفرصة الناجمة عن قيام المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بتقييد الوصول إلى شاشات التلفزة، من أجل تعزيز مكانتها في المساحة الدينية العامة.

لقد أظهر الأزهر حتى الآن تردداً في الامتثال لتمنيات النظام الذي يريده أن يقدّم دعماً كاملاً لمبادرات الرئيس الدينية وأن يقوم بإصلاح مناهجه الدينية على هذا الأساس. لقد اشتكىوزير الثقافة حلمي النمنم في آب/أغسطس 20166 من أنه “لم يتحقق شيء منذ النداء الذي أطلقه الرئيس لتجديد الخطاب الديني”. ووجّه السيسي نفسه انتقادات ضمنية إلى الأزهر لعدم تقديمه الدعم إليه. وفي العديد من الخطابات التي دعا فيها الرئيس إلى “ثورة دينية” وإلى إصلاح إجراءات الطلاق عند المسلمين، توجّه إلى علماء الأزهر والإمام لأكبر أحمد الطيب بالقول: “والله لأحاجيكم أمام الله“، “أنت بتعذبني“، و”تعبتني يا فضيلة الإمام“.

لكن على الرغم من ضغوط النظام، تمكّنت المؤسسة التي تعود إلى ألف عام، من الحفاظ حتى الآن على شيء من استقلاليتها الذاتية. يصرّ الأزهر على أن العلماء، وليس السياسيون، هم الوحيدون القادرون على تحقيق الإصلاح الديني. في شباط/فبراير الماضي، نجح الأزهر في التصدّي لطلب السيسي منع الطلاق الشفوي واستبداله بإجراءات قانونية رسمية. وفي نيسان/أبريل، اقترح النائب المقرَّب من السيسي، محمد أبو حامد، مشروع قانون الهدف منه إعادة هيكلة الأزهر ووضعه تحت سيطرة أكبر من الدولة، غير أن الأزهر نجح في الضغط على النواب لرفض مشروع القانون. لو أُقِرّ القانون، لأسفر عن إضعاف إمام الأزهر لأكبر عبر تحديد سقف لولايته، التي هي غير محدودة راهناً، وجَعْل مدّتها 12 سنة كحد أقصى، واعتماد آلية لمعاقبته وعزله عند إساءة السلوك. علاوةً على ذلك، كان القانون ليُتيح للرئيس ممارسة نفوذ متزايد على الأزهر عبر منحه سلطة تعيين خمسة أعضاء في مجلسه الأعلى الذي يتولى وضع استراتيجية المؤسسة في الدعوة والإرشاد الديني.

كذلك يتجلّى الشقاق بين الأزهر والنظام في علاقة الأزهر مع وزارة الأوقاف. في تموز/يوليو 2016، اقترحت الوزارة فرض خطابات مكتوبة موحّدة على المساجد في مختلف أنحاء البلاد بهدف مكافحة “التطرف”، غير أن هيئة كبار العلماء في الأزهررفضت الأمر رفضاً قاطعاً، ورفضه أيضاً علماء آخرون في الأزهر اعتبروا أن القرار “قاتِل للإبداع” و”مُهين”. بيد أن الوزارة مضت قدماً بقرارها وأصدرت خطابات مكتوبة موحّدة، مؤكّدةً من جديد أن المساجد تقع تحت سلطتها – على الرغم من أنبعض الأئمة التابعين للأزهر لم يستخدموا باستمرار خطابات الوزارة. كذلك خاض الأزهر والوزارة مواجهة على خلفية مَن هي الجهة التي ستسيطر على “أكاديمية تدريب الأئمة” التي كانت ستؤمّن التدريب على الدعوة، لكنها لم تبصر النور بسبب الخلافات.

في هذا السباق من أجل السيطرة على الخطاب الديني في وسائل الإعلام، يتمسّك كل فريق بسلطته. بيد أن الشقاق بين النظام والأزهر لا يخرج بوضوح إلى العلن. بل إن تعليقات السيسي الموجَّهة إلى إمام الأزهر لأكبر أحمد الطيب يتم تمويهها خلف مظاهر الود. فقد قال السيسي للطيب: “أحبك وأحترمك وأقدّرك”. كذلك، وعلى الرغم من الانتقادات المدروسة التي يوجّهها طايع إلى الأزهر، إلا أنه أكّد أن “الأزهر قبلتنا وشيخ الأزهر شيخنا”. الاستراتيجية التي ينتهجها الأزهر هي الصمود، وليس المواجهة: فهو يريد أن يحمي ما يعتبره حوزته الخاصة، إنما في الوقت نفسه تَجنُّب الإصلاحات الواسعة النطاق والسيطرة الموسَّعة من جانب السيسي. أما بالنسبة إلى النظام، فهو أيضاً لا يريد نزاعاً شاملاً مع الأزهر: فالنظام يفتقر إلى الشرعية الدينية الضرورية التي يتمتع بها الأزهر، كما أنه يخشى أن يخلّف نزع الشرعية عن الأزهر فراغاً في السلطة الدينية سوف يُبدي العلماء “المتطرفون” استعداداً، بلا شك، لملئه.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

كريم التقي طالب دكتوراه في السياسة والدراسات الدولية في جامعة كامبريدج. لمتابعته عبر تويتر: karimeltaki@

مع بدء جولته الأفريقية الحالية والتي تشمل كلا من السودان وتشاد وتونس، يصبح الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» أكثر رئيس دولة وحكومة في العالم زار القارة السمراء.

وبعد إتمام الجولة سيبلغ عدد الدول الأفريقية التي زارها «أردوغان»، 28 دولة، كان أولها مصر عام 2004 عندما كان رئيسا للوزراء، وماتزال مصر على رأس الدول الأفريقية في عدد الزيارات التي قام بها «أردوغان».

عام 2005 زار «أردوغان» أديس أبابا، العاصمة السياسية لإثيوبيا وللقارة الأفريقية، لتتبعها زيارات في نفس العام شملت جنوب أفريقيا وتونس والمغرب.

وفي 2006 زار كلا من السودان ومصر والجزائر، ليعود في 2007 ويزور أديس أبابا مجددا.

وأكثر دولة أفريقية زارها «أردوغان»، هي مصر ثم الجزائر ثم تونس ثم إثيوبيا. ففي أعوام 2009 و2010 و2011 زار الرئيس التركي، مرة واحدة على الأقل كلا من مصر وليبيا والصومال وتونس وجنوب أفريقيا، وفي 2012 و2013 زار «أردوغان» سبع دول هي مصر والغابون والنيجر والسنغال والمغرب والجزائر وتونس.

وعندما أصبح «أردوغان» رئيسا للجمهورية عام 2014، زار كلا من غينيا الإستوائية والجزائر.

عام 2015 أجرى «أردوغان جولة في شرق أفريقيا شملت كلا من الصومال وجيبوتي وإثيوبيا.

وفي 2016 زار كلا من السنغال وكوت ديفوار والصومال، وكينيا وأوغندا وغينيا ونيجيريا وغانا.

وفي العام الجاري (2017) زار كلا من تنزانيا وموزمبيق ومدغشقر، ليختم زياراته للقارة بجولته الحالية وتشمل كلًا، من السودان وتشاد وتونس.

وبذلك يصبح عدد الدول التي زارها «أردوغان» وهو رئيس للجمهورية التركية 18 دولة.

الزيارات التي أجراها الرئيس التركي، آتت أكلها، على الصعيدين السياسي بتعزيز علاقات الأخوة والتنسيق، والاقتصادي بارتفاع حجم التجارة بين تركيا والدول الإفريقية، وبدا ذلك جليا بين عامي 2012 و2016.

بين عامي 2012 و2016 تجاوز حجم الصادرات التركية للدول الإفريقية 65 مليار دولار، وارتفع حجم التجارة معها إلى 93.5 مليار دولار.

حجم التجارة السنوي بين تركيا والدول الأفريقية عام 2004 كان في حدود 5.6 مليار دولار، وبالمقارنة مع حجم التجارة عام 2016 نجد أنّ حجم التبادل التجاري ارتفع بنسبة 200%، ليبلغ 16.7 مليار دولار.

العلاقات الوطيدة التي تربط تركيا بدول القارة الأفريقية، كانت نتاج خطة محكمة وضعتها حكومة حزب العدالة والتنمية التركية، تحت مسمى سياسة الانفتاح على القارة الأفريقية.

ولعبت الخطوط الجوية التركية، دورا هاما في في تعزيز أواصر الصلة بين تركيا ودول القارة السمراء، من خلال زيادة عدد الرحلات المتجهة إلى المطارات الأفريقية.

ويغطي الأسطول الجوي للخطوط الجوية التركية 51 نقطة في 32 دولة أفريقية.

ولم تؤسس تركيا علاقتها مع الدول الأفريقية على أساس المصلحة، وامتصاص خيرات شعوبها، بل كان الربح المتبادل أساسا للطرفين، في كافة الاتفاقات الاقتصادية.

وعلى الصعيد الإنساني مدّت تركيا عبر أذرعها الخيرية يد العون للمحتاجين في القارة الأفريقية، بتنفيذها الكثير من المشاريع التنموية.

وتجاوز حجم المساعدات التنموية المقدمة من تركيا لدول القارة الأفريقية، اعتبارا من بداية 2016 أكثر من 2.3 مليار دولار.

مع اشتداد الصراعات واندلاعها وانتشارها في أنحاء العالم، يُقيّم المسئولون الأمريكيون المخاطر التي تمثلها تلك الصراعات على الولايات المتحدة. ولا تهدد جميع هذه الصراعات المصالح الأمريكية بشكل مباشر، وهذا هو السبب في قيام مجلس العلاقات الخارجية بإجراء مسح سنوي لمساعدة القيادات الأمريكية على إعطاء الأولوية للتهديدات في العام المقبل.

وبعدما ركَّز المسح خلال السنوات العشر الماضية على الأخطار الخارجية التي تهدد الولايات المتحدة، فإن مسح هذا العام يأخذ في الحسبان المخاطر التي تشكلها الولايات المتحدة على العالم وعلى نفسها أيضًا.
وقال بول ستيرز -مدير مركز العمل الوقائي التابع لمجلس العلاقات الخارجية، الذي يجري المسح السنوي– إن “الولايات المتحدة أصبحت أكثر الجهات التي لا يمكن التنبؤ بأفعالها في العالم اليوم، مما يثير قلقا بالغًا”. وأضاف أنه “في ظل عدم القدرة على التنبؤ وانعدام الأمن،  لا يستطيع أحد التنبؤ برد فعل الأمريكيين في أي موقف، بالنظر إلى كيفية تقييم الناس لهذا الرئيس”. ربما يرحب هذا الرئيس بالتنمية، فقد قال دونالد ترامب في عام 2015 إنه  لا يريد أن يعرف أحد بالضبط ما يفعله أو يفكر به.

تتضح عدم إمكانية التنبؤ بأفعال أمريكا اليوم في سيناريوهين أعطاهما مسح هذا العام أولوية في ضوءالآراء والتقديرات التي أبداها 436 مسئولاً في الحكومة الأمريكية وخبيرًا في السياسة الخارجية:
(1)  اندلاع نزاع بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية وجيرانها.
(2)  وقوع مواجهة مسلحة بين إيران والولايات المتحدة أو إحدى الدول الحليفة لها بسبب تدخل إيران في الصراعات الإقليمية ودعمها للجماعات المسلحة.

وقال ستيرز: “هاتان هما الأزمتان الأشد تفجرًا اللتان تختمران في الوقت الحاضر”. وأضاف أن “البعض يعتقد إنه لمن الجيد أن يخمن البعض ما سيحدث ، وهي جهود تتضافر لزيادة نفوذ [أمريكا] في المساومة مع كوريا الشمالية أو مع إيران. أعتقد أن معظم المهنيين سيقولون إن هذه ليست استراتيجية ذكية، فربما يمكن أن تؤدي إلى نتائج عكسية، أو تؤدي إلى سوء تقدير، وسوء فهم، وما إلى ذلك.
وتوصل الاستطلاع الذي أجري في النصف الأول من نوفمبر الماضي، إلى أن النزاع مع كوريا الشمالية سيكون له “تأثير كبير” على المصالح الأمريكية لكن احتمال اندلاعه  ” معتدل “على الأرجح.
(فالقول إن الصراع مع كوريا الشمالية سيكون له تأثير كبير هو الخوف تماما – حيث يعتقد معظم الخبراء أنه يمكن أن يؤدي إلى اندلاع أشرس الحروب منذ الحرب العالمية الثانية).

وأشار ستيرز إلى أن استطلاع العام الماضي قد صنف “أزمة حادة في كوريا الشمالية “على خلفية برنامجها للأسلحة النووية كخطر من الدرجة الأولى، مما أدى إلى انحراف الاستطلاع بعيدًا عن الحرب الأهلية السورية باعتبارها الصراع الرئيسي الذي ينبغي أن يشهده الاستطلاع،  ولكن الجديد هذا العام هو المخاوف الشديدة بشأن الأعمال العدائية العسكرية المباشرة بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة – مع تصاعد التهديد باستخدام الأسلحة النووية.

وقال “من الواضح الآن أن أي صراع فى شبه الجزيرة الكورية يمكن أن يتم فيه استخدام الأسلحة النووية”. وأضاف: “لقد تغيرت تصورات الناس حول ما ستكون عليه الحرب”. وهناك ثلاثة أسباب رئيسية لذلك: الحرب الشخصية المكثفة بين دونالد ترامب وكيم جونغ أون؛ التقدم السريع لكوريا الشمالية في تطوير صاروخ يمكن أن يصل إلى الولايات المتحدة ويمكنه أن يحمل رأسا حربيا نوويا صغيرا، والتهديدات المتكررة من ترامب ومستشاريه باتخاذ عمل عسكري في حالة الضرورة.
وتظهر نتائج الاستطلاع تقديرات حديثة لمراقبين مطلعين مثل جيمس ستافريديس، الأدميرال البحري المتقاعد، وجون برينان، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية.

وقد قدر ستافريديس احتمالات نشوب نزاع غير نووي بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية بنسبة تتراوح بين 20 إلى 50% ، واحتمالات نشوب حرب نووية بنسبة 10% .فعلى سبيل المثال، إذا قامت كوريا الشمالية بإسقاط طائرة حربية أمريكية أو إطلاق صاروخ بالقرب من الأراضي الأمريكية، سيؤدي إلى رد أمريكي، ومن ثم تدخل الدولتان في دوامة الانتقام.

وفى مقابلة مع مجلة أتلانتك، ذكر برينان أنه لا يمكن التنبؤ برد فعل ترامب كعامل حاسم وهو ما جعله يقدر احتمالات الحرب بنسبة تتراوح بين 20 و25% . وأضاف “لا أعتقد أن كوريا الشمالية تريد إشعال نزاع عسكري كبير”. وأشار إلى أنالولايات المتحدة كانت لسنوات عديدة مستعدة لبدء نزاع. وأضاف “لا أعرف قدرة ترامبعلى اتخاذ القرار أو الفعل”.

ويبدو أن التزام ترامب غير المؤكد بالاتفاق النووي الإيراني، الذي أرسله إلى الكونجرس لإجراء تعديلات، والذي ما زال بإمكانه الانسحاب منه، قد خلق أيضا مخاطر. فهناك الآن احتمال كبير للمواجهة الأمريكية الإيرانية بسبب جملة من القضايا المتفجرة – من البرامج الصاروخية والنوويةالإيرانية ، إلى نفوذها ألمؤثر في سوريا والعراق، ودعمها للجماعات اليمنية واللبنانية والفلسطينية المتشددة التي تعادي الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة مثل إسرائيل و السعودية.

وكما هو الحال في الصراع مع كوريا الشمالية، اعتبر المشاركون في الاستطلاع أن الصراع بين إيران والولايات المتحدة أو شركائها سيكون له تأثير كبير ومعتدل. ولم يظهر هذا السيناريو في تقرير مجلس العلاقات الخارجية في العام الماضي، حين كانت إيران ضالعة في هذه الأعمال كلها، ولكن مستقبل الاتفاق النووي لم يكن موضع تساؤل بعد.

من السيناريوهات الأخرى في مسح هذا العام وقوع هجوم إرهابي كبير على الولايات المتحدة وهجوم الكتروني واسع على هياكل ارتكازية حيوية أمريكية،إضافة إلى احتمال نشوب نزاعين طارئينومفاجئين نظرًا لمدى الهدوء على تلك الجبهات في عام 2017، وهما: احتمال وقوع مواجهة بين روسيا ودول أعضاء في حلف الناتو، أو بين الصين ودولة أو أكثر من دول جنوب شرق آسيا بسبب نزاعات إقليمية في بحر الصين الجنوبي.

ومن المخاطر التي أعطاها المسح أولوية رغم تأثيرها المعتدل على مصالح الولايات المتحدة تفاقم الحرب في أفغانستان وتصاعد العنف في سوريا بالارتباط مع سعي بشار الأسد إلى إعادة بسط سيطرته على بلده المدمر. ومن الجدير بالملاحظة أن احتمالات تفكك العراق المتزايدة أصبحت من المخاطر ذات أولوية من الدرجة الأولى قبل عامين ومن المخاطر ذات الأولوية الثانية في العام الماضي لا يرد له ذكر في مسح هذا العام. كما إن تنظيم داعشلا يُذكر بشكل محدد على قائمة المخاطر المحتملة في العام المقبل رغم استمرار القلق من خطر وقوع هجمات إرهابية.

وساعدت تصريحات رئيس الوزراء العراقي– التي أطلقها يوم السبت الماضي- على توضيح سبب ذلك، فقد أعلن أن القوات العراقية والقوات المتحالفة معها قد حررت بلاده بالكامل من داعش. (وتبين محاولة تفجير هيئة ميناء نيويورك يوم الاثنين الماضي كيف يمكن أن يستمر تهديد الإرهاب حتى مع هزيمة داعش في موطنه).

التهديدات ذات الأولوية العالية للولايات المتحدة
من بين السيناريوهات التي يحتمل أن تكون ذات التأثير الضعيف على المصالح الأمريكية تردي الأوضاع الاقتصادية والسياسية في فنزويلا، وتفاقم الكارثة الإنسانية في اليمن التي تسببت بها حرب أهلية نتيجة حرب بالوكالة بين السعودية وإيران، واستمرار الهجمات الإرهابية لجماعة الشباب الصومالية وتصاعد العنف ضد مسلمي الروهينجا في ميانمار، وهو الصراع الذي وصفه مسئولو الأمم المتحدة بأنه “إبادة جماعية” محتملة، والتي لم تنجح الدراسة الاستقصائية التي أجراها مجلس العلاقات الخارجية في التنبؤ بها العام الماضي.
(في مثل هذه الدراسات الاستقصائية، تُعطَى الأزمات الإنسانية تركيزًا أقل بكثير من تهديدات الإرهاب، والانتشار النووي، ومدى التزام القوات الأمريكية).

واعتبرت النزاعات الأخرى ذات تأثير معتدل ومحتمل بدرجة متوسطة: زيادة العنف المتصل بالجريمة المنظمة في المكسيك، وتزايد العنف في شرق أوكرانيا بين الميليشيات المدعومة من روسيا والقوات الأوكرانية، وتصاعد العنف بين الجماعات الكردية المسلحة والقوات الحكومية في تركيا والعراق، حيث حاول الكرد هذا الخريف وفشلوا في تحقيق الاستقلال من خلال الاستفتاء،واندلاع مواجهات عسكرية كبيرة بين باكستان والهند نتيجة للإرهاب أو الاضطرابات في الشطر الذي تسيطر عليه الهند من كشمير، وتصاعد التوتر بين الإسرائيليين والفلسطينيين (تم إجراء الاستطلاع قبل أن تقرر إدارة ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها). والاشتباكات بين اسرائيل وحزب الله الموالي لإيران في سوريا أو على طول الحدود بين إسرائيل ولبنان، وهو سيناريو جديد في استطلاع هذا العام والذي تبدو احتمالاته – كما قال السفير الاسرائيلي لدى الولايات المتحدة – “أعلى مما يعتقده البعض”.

التهديدات ذات الأولوية المتوسطة للولايات المتحدة
كانت جميع السيناريوهات من الدرجة الثالثة تقريبًا في أفريقيا، وهو انعكاس ليس لمستوى الصراع في القارة ولكن كيف أن المجيبين رجحوا تأثير تلك الصراعات على المصالح الأمريكية بالنسبة للصراعات في آسيا وأوروبا والشرق الأوسط. والاستثناء الوحيد هو السيناريو الذي لم يظهر في الدراسات الاستقصائية السابقة: احتمال حدوث اضطرابات سياسية وعنف متطرف في منطقة البلقان. ومن بين التهديدات الأخرى في هذه الفئة: تصاعد العنف السياسي في جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث قتل 15 من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في إحدى الهجمات، والاضطرابات في زيمبابوي إثر إطاحة الجيش بروبرتو موجابي، بعد 40 عاما قضاها في السلطة. ومن الجدير بالذكر أن الاضطرابات العنيفة في ليبيا ما بعد القذافي تراجعت هذا العام من الدرجة الثانية إلى الدرجة الثالثة.

التهديدات ذات الأولوية المنخفضة للولايات المتحدة
وكتب معلقون سيناريوهات لم تظهر ضمن قائمة 30 من الصراعات المحتملة، بما في ذلك عدم الاستقرار السياسي الناجم عن الحركات القومية والانفصالية في الاتحاد الأوروبي. على سبيل المثال، صوت الكتالونيون مؤخرا لصالح الاستقلال عن إسبانيا، وفوز القوميون في الانتخابات المحلية في كورسيكا على أساس برنامج لضمان مزيد من الحكم الذاتي أو ربما الانفصال عن فرنسا. وأشار آخرون إلى احتمال زيادة الهجمات الإرهابية في شبه جزيرة سيناء في مصر. وبعد عشرة أيام من انتهاء الاستطلاع، قتل مسلحون أكثر من 300 مصل في مسجد صوفي في سيناء.

وقال ستيرزإن مجلس العلاقات الخارجية حين طلب إضافة نزاعات محتملة أخرى تلقى الكثير من السيناريوهات الغريبة، بينها إعلان ترامب الحرب على الصين.وربما كان أكثر ما يلفت النظر في آخر استطلاع للرأي هو أنه عندما طلب مجلس العلاقات الخارجية من مسئولين حكوميين وخبراء في السياسة الخارجية أن يلقوا نظرة على المستقبل القريب لم يستبعد هؤلاء وقوع حرب بين دولتين نوويتين. وبدلًا من النظر إلى مثل هذه الحرب على أنها احتمال مستبعد، فإنها أُدرجت بين المخاطر الأولى في العام الجديد.

المصدر – ذا أتلانتك