ثقافة

ثقافة

أطلق الفرنسيون اسم موريتانيا على النطاق الذي يشمل غرب الصحراء، وامتعض الموريتانيون من التسمية ظنا منهم أنها رومانية وهي كذلك مبدئيا، وتذكروا القرون التي عرفت فيها بلادهم ببلاد شنقيط، متناسين أن التسمية تحريف لاتيني للفظ “أتمورتناغ” الأمازيغي وينطق أيضا “مُورْْتَنَّا” ومعناه: أرْضُنَا! كما أن ثلاثة أرباع الناطقين بالعربية في موريتانيا هم من أصول صنهاجية “بربرية“.

رغم كل ذلك لا يجد المتابع أي ذكر للأمازيغية أو فروعها لا ثقافيا ولا سياسيا في موريتانيا اليوم! فما أسباب عدم وجود الحقبة الأمازيغية في الذاكرة الموريتانية؟ هل هو غياب أم تغييب؟ وهل هناك إرث أمازيغي في موريتانيا؟ إن كان الجواب نعم فما هو؟ ولماذا لا يقدم للحياة العامة؟ وإن كان الجواب لا، فلماذا هو غائب وغير موجود؟

 

وإن كان الإرث الأمازيغي موجودا تاريخيا ولكنه توارى عبر مسار تكوين البلد وسكانه فلماذا توارى واندمج وانمحى؟ ولماذا تخلت القبائل ذات الأصول الصنهاجية عن “أصلها”؟ البربري وهل تم ذلك طواعية أم تحت الإكراه؟

 

الوجود الصنهاجي بموريتانيا

الهجرة الهلالية

الاستعمار الفرنسي

موريتانيا  والوعي العروبي

 

الوجود الصنهاجي بموريتانيا

قدمت قبائل صنهاجة إلى موريتانيا ضمن هجرة البربر التي غادرت أفريقيا الشمالية خلال القرن الثالث المسيحي وتوجهت نحو الغرب، وبدأت احتلال الصحراء من الشمال.

 

وفي عهد متأخر نسبيا أصبح البربر حاضرين في عموم المنطقة وأضيفت نقوشهم الصخرية إلى نقوش “سابقيهم”. وهؤلاء البربر كانوا أكثر تكيفا مع ظروف القحط الجديدة في الصحراء الكبرى من سكان القرى، وعاشوا في القرى التي بدأ سكانها في التناقص.

ومنذ الفتح الإسلامي لشمال أفريقيا وصلت سرايا الفاتحين إلى التخوم الصحراوية في عهد عقبة بن نافع ثم بشكل أعمق مع أحفاده ومع بعض الفاتحين القادمين من السوس.

وقد عُرفت قبائل صنهاجة في تلك العهود بقبائل الملثمين نسبة للثام الذي كانوا يلتزمونه، كما سميت بلادهم تبعا لذلك بلاد الملثمين.

وستنتشر أخبار هذه القبائل انتشارا قويا مع صعود دولة المرابطين من أعماق موريتانيا في القرن 5هـ /11م على يد الداعية عبد الله بن ياسين والقادة الصنهاجيين من قبيلة لمتونة: يحيى بن عمر وأخيه أبي بكر ويوسف بن تاشفين وأحفادهم.

وكان وجود اللغة العربية خاصا بالأسر المتعلمة لا سيما في المدن ذات الوظيفة التجارية مثل: أوداغست وكومبي صالح في عهد المرابطين، ثم في المدن التي ازدهرت بعدها كولاتة وتنبكتو.. لكن الهجرة الهلالية الشهيرة ستقذف إلى البلاد

الموريتانية بموجة من قبائل الأعراب ستغير هوية المنطقة إلى الأبد.

 

الهجرة الهلالية ونتائجها الاجتماعية

 

عرفت موريتانيا بداية القرن 8هـ/14م وفود قبائل بني حَسّان العربية المنحدرة من قبائل المعقل التي جاءت مع الهجرة الهلالية إلى شمال أفريقيا، وتمكنت من بسط سلطانها السياسي والعسكري على السكان الذين كانوا يعمرون البلاد وهم -على ما يبدو- قبائل بربرية اللسان، مسلمة إسلاما سنيا موروثا عن حركة المرابطين.

وقد أرغمت القبائل الصنهاجية المهزومة بعد صراعها مع قبائل بني حسان العربية على التفرغ للنشاطات التجارية والشؤون العلمية والدينية.

وأصبح المجتمع الموريتاني مكونا من طبقات أعلاها طبقة المحاربين وتسمى العرب أو حسّان وأغلبها من القبائل الحسانية المهاجرة التي احترفت الغزو والنهب.

 

وتليها طبقة المتعلمين واسمها “الزوايا” وتسمى أيضا “الطلبة” وأغلبيتها الساحقة من أصول صنهاجية “بربرية”، لكنها تخلصت بسرعة من لغتها القديمة وتقاليدها في الزي وحتى من أنسابها، فما أسباب هذ العملية وما خلفياتها؟

لا يمكن فهم غياب المسألة الأمازيغية عن موريتانيا اليوم إلا بتقديم تفسير تاريخي وفكري للطريقة التي تم بها انتشار العربية وعادات الأعراب ونحلة عيشهم بين السكان المحليين
 

أسهمت قلة المرتفعات في البلاد الموريتانية في سرعة التعرب حيث كانت السيطرة العربية على البسائط والسهول أكثر

أ – التعرب 
لا نعرف تحديدا التاريخ الذي أصبحت فيه اللغة العربية الدارجة المسماة الحسّانية تحكى في البلاد الموريتانية، لكن الراجح أن ذلك تم بشكل تقريبي مع القرن 8هـ/14م لكنه لم يصبح واضحا جليا إلا مع القرن 11هـ/17م بعد أن أكملت القبائل الحسانية سيطرتها على المنطقة.

 

وهكذا تخلى السكان القدماء عن لهجاتهم البربرية لصالح لهجة عربية مضرية متأخرة هي “الْحَسَّانِيَّة” المنسوبة إلى قبائل بني حسّان المذكورة.

ومن الباحثين من يرى أنها كانت حركة تعرب سريع وعميق. ونحن نستعمل كلمة التعرب لا التعريب إشارة إلى ما تتسم به هذه الحركة من عودة الفعل على فاعله كما يقول الصرفيون، أي أن القبائل العربية المسيطرة لم تبذل جهدا منظما لتعريب سائر مواطنيها، ولم تحمل معها معارف ولا دعوة، لأنها قبائل بدوية محاربة شأنها الحرب والغزو.

فقبائل الزوايا قد تعربت: أي عربت أنفسها، متأثرة في ذلك ولا شك بالوضع الاجتماعي والسياسي الناجم عن سيطرة بني حسان، لكن الجانب العقدي واللغوي من هذا التعرب لم يكن فيه أي دخل للإرادة السياسية الحاكمة. ويرى آخرون أن هذ التعرب كان نتيجة عاملين متداخلين:

  • سياسي راجع إلى أن التدين الممتاز والانتماء العربي أصبحا ضرورة من ضرورات الانعتاق الاجتماعي بعد السيطرة الحسّانية، فبالأول تكتسب الهيبة في قلوب الحاكمين وبالثاني تحصل القطيعة الكاملة مع الماضي البربري المهزوم.
  • ديني ويتمثل في دور المعارف الإسلامية في خلق نزوع إلى تمجيد العرب وإبراز الانتماء إليهم وكأنه فضيلة كبرى.

ثم إن هناك أسبابا هيكلية تتعلق بعلاقات القوة في حقل اللغة عموما، حيث إن البربرية لم تكن قادرة على الوقوف أمام لغة الفاتحين، فهي شفوية أكثر منها كتابية وذلك ما يفسر قلة النصوص التي وصلت إلينا بالبربرية وانحصارها في بعض النقوش المكتوبة التي وردت أحيانا بلغتين، سواء البربرية والفينيقية أو البربرية واللاتينية.

 

وقد عجز العلماء عن حل رموز هذه اللغة، وطبيعي ألا يحصل تكافؤ بين هذه اللغة المقسمة إلى عدة لهجات واللغة العربية وهي في أوج فتوتها.

 

ب – السياسة

وهي ممثلة في الدور الذي لعبه السلطان العربي الحسّاني في فرض العربية على البربر. والسؤال الحاضر هو كيف تمت الغلبة رغم قلة العرب وكثرة البربر؟ فهل هو ضعف العصبية البربرية مقابل العصبية الحسانية الغازية بالتعبير الخلدوني؟ وهل ضعف العصبية البربرية دليل دخول تلك القبائل في مرحلة أرقى من الحياة الاجتماعية والسياسية أجهضها الزحف العربي الحساني وردها نحو البداوة والعصبية البدوية فكان الأمر ارتكاسة وانتكاسا على رأي ابن خلدون أيضا: إذا عربت خربت؟

 

مهما يكن فللعامل السياسي مسوغاته وأنصاره الذين يؤكدون أن اللغة العربية الدارجة “الحسّانية” صارت رمزا للقوة والنفوذ فكان ذلك هو البريق إلذي جذب الفئات المهزومة نحوها وفقا لمقولة ابن خلدون “المغلوب مولع بتقليد الغالب“.

 

ويدللون على ذلك بتخلي صناهجة الصحراء عن لغتهم وحذقهم السريع للحسانية كما تخلوا عن ظاهرة التلثم بينما بقيت لدى إخوانهم من الطوارق لأن الهجرة العربية الحسانية لم تشمل بلادهم.

ويرى أصحاب هذا الطرح أن شدة وطأة العرب الحسّانيين وبطشهم بالسكان المحليين رغم المقاومة التي أبدوها مدة قرون، بث الرعب من العرب في النفسية الصنهاجية ورسخ حالة من “التقية” لضرورة التعامل مع السادة الجدد.

 

ج – التجارة

انتقل الصنهاجيون بموريتانيا من تقليد الانتساب للأم إلى تقليد الانتساب للأب! بوقع المثاقفة مع العرب الوافدين

ولكن لا يكفي السلطان السياسي في نظر البعض لتفسير سرعة انتشار الحسانية وتخلي البربر عن لغاتهم، بل لا بد من عامل خاص باللغة الوافدة نفسها وهو الفاعلية.

 

ولعل ذلك راجع إلى أن اللهجات البربرية لم تكن لغة جهاز إداري قائم، كما لم تكن قادرة على حل مشاكل الصفقات التجارية والتبادل بين طرفي الصحراء.

ويبدو أن اللغة العربية قد قامت بذلك الدور منذ القديم “صفقات التجار في أوداغست”، لكن انتشار الحسانية ودوره في تطوير العربية أدى إلى “الانتقال من الاقتصاد الشفاهي إلى الاقتصاد الكتابي”. فصارت العربية لغة التجارة ولغة الفقه أي المعاملات والعبادات، ثم لم تلبث أن صارت لغة الشارع نفسه.

 

وقد أسهم في انتشار العربية قلة المرتفعات في البلاد الموريتانية مما سهل السيطرة العربية بسرعة ربما لأن القبائل الهلالية كانت تستولي على البسائط والسهول وقلما

حاولت السيطرة على الجبال والهضاب.

 

د – المثاقفة والتعرب
والحق أن هناك عوامل مختلفة متساوقة أسهمت في صياغة المجال اللغوي والحضاري للمجموعة الموريتانية القديمة صياغة جديدة أحدثت قطيعة صارمة مع العصر الصنهاجي “البربري” ووفرت عناصر إدماج قوية ذاتية وخارجية في العهد العربي.

ولذلك أصبحت هناك وبشكل قوي مظاهر تبني التراث العربي الذي قامت عليه الحياة الثقافية في موريتانيا وأصبحت أنساب العرب وأيامهم وعلوم لغتهم ودواوين شعرائهم دعائم لثقافة الموريتانيين.

وكان وقع تلك المثاقفة قويا على شجرات الأنساب الصنهاجية حيث تعربت بسرعة وانتقل الصنهاجيون من تقليد الانتساب للأم إلى تقليد الانتساب للأب!

 

هـ – توظيف النسب العربي

لكن تدوين الأنساب لم يتم إلا على نحو متأخر مع تطور النخبة المثقفة في أوساط الزوايا إبان تطور العلاقة مع الأمصار العربية من خلال قوافل الحج والرحلات العلمية.

ومن هنا أصبحت أنساب أغلب القبائل الصنهاجية أنسابا عربية ترتفع إلى اليمانيين أو المضريين. ويذهب بعض الباحثين إلى أن تدرج الأنساب من الأنصارية إلى القرشية العامة إلى الشريفية في تقاليد البيضان المروية والمكتوبة، كان بالتساوق مع تطور العصبيات السياسية في المغرب الإسلامي وتردد أصداء ذلك الصراع في الصحراء.

هناك قبائل تصرح بأصلها المرابطي “اللمتوني” لكنها تأنف بل ترفض نسبتها للبربر، ولعل ذلك راجع لاعتبارها الأصل اللمتوني محيلا على الأصل الحميري، حيث كان قادة الدولة المرابطية من لمتونة يفتخرون بأصلهم اللمتوني الحميري!

ويؤكد النسابة عروبة صنهاجة وكتامة وأنهما دخلتا بلاد المغرب قبل الإسلام في عهود قديمة بعد انفجار سد مأرب، ويلحّون على حميرية القبيلتين. أما القبائل الموريتانية “الزاوية” الكثيرة فتأنف من النسب اللمتوني ذاته وتربط أجدادها برجال من العرب الخلص: قرشيين أو يمانيين.

ومنذ ميلاد الدولة الموريتانية الحديثة ازداد اهتمام تلك القبائل بتوكيد تلك الأنساب، وتضاعف الاهتمام مع المرحلة السياسية التعددية في العشرية الأخيرة من القرن الماضي تبعا

لتوظيف القبيلة في الصراع السياسي والمغانم المترتبة عن ذلك.
 

دور الاستعمار

 

ظل الطرح الاستعماري للأمازيغية في موريتانيا محصورا في الأدبياتالتي كتبها الإداريون،ولم يتنزلإلى الواقعالمعيش

لم يسع الاستعمار الفرنسي إلى خلق “حالة أمازيغية” في موريتانيا، بفعل أسباب موضوعية منها:

  • ارتباط العرف المحلي بالاختيارت الفقهية للمذهب المالكي، ولذا لم تكن هناك حالة فراغ تشريعي كتلك التي كانت قائمة في المغرب مثلا بين بربر الجبال وسكان المدن، ووفرت مناخا لتطبيق ما عرف “بالظهير البربري” بالمغرب وسعت من خلاله إلى تطبيق العرف المحلي بدل الشريعة الإسلامية في “القبائل ذات العوائد البربرية” مع توسيع نفوذ المحاكم الفرنسية -في المغرب- بحيث يصبح من اختصاصها “النظر في زجر الجنايات التي يقع ارتكابها في النواحي البربرية مهما كانت حالة مرتكبي الجناية“.
  • قام الاستعمار الفرنسي في موريتانيا “بإصلاح” القضاء والتمييز بين القضاء الأهلي “الشريعة” والمدني “الفرنسي” سعيا لعلمنة المجتمع وليس لتكريس “ظهير بربري” آخر لانتفاء مقوماته.

لكن الباحثين الاستعماريين ظلوا يسعون إلى نشر تفسيرهم لتاريخ المنطقة لتكريس الفصل بين سكانها، فقد ذهبوا تحت تأثير وهم -مبدأ الصراع الأزلي بين “العرب” و”البربر”- إلى فكرة الربط بين “الزوايا” وصنهاجة وأضافوا إليها روايات حول الحروب بين الطرفين ليخلصوا إلى نتيجة مؤداها أن “الزوايا” هم البربر المسالمون المنتجون في مواجهة العرب الكسالى “المخربين”. لكن الطرح الاستعماري حول الأمازيغية في موريتانيا بقي

محصورا في الأدبيات التي كتبها الإداريون ولم يتنزل للواقع المعيش.

موريتانيا والعروبة

منذ الاستقلال ازداد الحرص على الانتساب العربي في الستينيات والسبعينيات من القرن الـ20م مع المد القومي الناصري والبعثي، وتم السعي في الأدبيات القومية المحلية لتذويب بؤر التوتر “التاريخية” بين العرب والزوايا، بل جرى الحديث عن عروبة الأرقاء السابقين وعن الأصل العربي لبعض الفئات الزنجية كقبائل الفولاّن: “الفولبه“!

وقد ظلت الثنائية عرب/زنوج هي التي تحكم “المسألة الثقافية” في موريتانيا الراهنة، ولم يحدث أن تم الحديث عن ثنائية عرب/بربر لا سياسيا ولا ثقافيا.

ومن هنا لم يكن موضوع الأمازيغية لغة أو أصولا مطروحا لا في الدستور ولا في الحياة الرسمية ولا حتى لدى الأحزاب. ولذلك فدستور 20 يوليو/ تموز 1991 حسم تحديد اللغة الرسمية بالعربية واللغات الوطنية، ولم يطرح الاعتراف بالصنهاجية.

كما أنه ليس هناك حزب يتحدث في دستوره ولا برامجه أو نشراته عن الأمازيغية من قريب أو بعيد، لأن الجماهير المحلية ليس بينها من يقدم نفسه كمعني بالموضوع.

وهكذا بقي النقاش حول الأمازيغية في موريتانيا شأن قلة من المثقفين غالب اهتمامهم بالموضوع أكاديمي بحت، وإن كان بعضهم يسعي من جديد لإعادة طرحه ولو من باب النقاش النخبوي. لكن المعنيين بهذا الطرح ما زالوا قلة كما أن مشاركة بعضهم في الكونغرس الأمازيغي السنوي بقيت رمزية، بل إنهم حرصوا على عدم ذكر أسمائهم في كشوف المؤتمرين، مما يدل على تحرج محلي أكثر منه خارجي!

غير أن ذلك لا يمنع من طرح الأمازيغية مستقبلا في موريتانيا لاسيما إذا ازدادت الليبرالية السياسية تجذرا، خاصة إذا صح أن هناك نشأة لتيار آخر ينزع نحو تمجيد الأصول الحسّانية وينادي بإحلال عرب الأمس مكانتهم التي يستحقونها في رأيه.

وفي كل الأحوال فالمسألة الثقافية الموريتانية ستكون أكثر تعقيدا وستنحو منحى طائفيا أكثر من أي شيء آخر.

بقلم: د.حماه الله ولد السالم
باحث موريتاني

الجزيرة نت

أ.د. كمال محمد جاه الله الخضر (*)

للّغة العربية بحكم إفريقيتها، وبحكم انتشارها الواسع في قارة إفريقيا، وبحكم ارتباطها بالدين الإسلامي، وبحكم ثراء إرثها وتراثها، علاقةٌ متميزةٌ بعددٍ من اللغات الإفريقية، ولا سيما لغات الشعوب الإسلامية، مثل: (السواحيلية، والهوسا، والماندنقو، والفولانية)، فهي (أي العربية) تتكلمها شعوبٌ وقبائلُ إفريقيةٌ بوصفها اللغة الأمّ، لا لغة ثانية أو أجنبية، ليس ذلك في شمال إفريقيا وحسب، بل في وسطها وغربها وشرقها.

ومن خلال هذه العلاقة المتميزة استطاعت اللغة العربية أن تؤثّر في هذه اللغات تأثيراً واضحاً، فأقرضت العربيةُ كثيراً من ألفاظها لقواميس كثيرٍ من اللغات الإفريقية، وساهمت في نشأة كثيرٍ من الآداب الإفريقية ذات الصبغة الإسلامية، مثل الأدب الهوسوي الإسلامي، كما وهبت حرفها لعددٍ معتبرٍ من اللغات الإفريقية، خصوصاً ذات الأكثرية المتحدثة، كالسواحيلية والهوسا والأورومو، وبذلك نقلتها من لغاتٍ شفاهيةٍ إلى مصافّ اللغات المكتوبة.. إلخ.

الحقّ؛ أنّ علاقة اللغة العربية باللغات الإفريقية يمكن تناولها- على الأقل- من خلال ثلاثة مستويات:

1- علاقة الاشتراك في الأصول: وهذا المستوى يخصّ اللغات التي تشترك مع العربية في الانتماء لأسرة اللغات الإفريقية الآسيوية بأفرعها المختلفة (السامي، والكوشي، والتشادي، والبربري، والمصري القديم، والأومي)(1).

2- علاقة الاتصال المباشر: وهذا المستوى يعبّر عن وجود متحدثي اللغة العربية واللغة الأخرى في مكانٍ واحد، وجود يسمح بالتأثير اللغويّ الكثيف، كحالة اللغات الدارفورية المختلفة واللغة العربية في إقليم دارفور.

3- علاقة الاتصال غير المباشر: وهذا المستوى يعبّر عن ذلك الاتصال الذي يتمّ عبر التقاليد الأدبية (كالقصيدة والرواية والمقامة… إلخ)، ولا يشترط وجود متحدثي اللغتين أو اللغات في مكانٍ واحد.

وتختلف مستويات العلاقة بين العربية واللغات الإفريقية من لغةٍ لأخرى، ومن منطقةٍ إفريقيةٍ لأخرى، وهذا أمرٌ بالإمكان التحقّق منه نظريّاً وعمليّاً، لأنّ اللغة العربية ليست على حالةٍ واحدةٍ أو وضعٍ واحدٍ في جميع أنحاء قارة إفريقيا.

أما فيما يخصّ علاقة اللغة العربية بلغة الأورومو (تعد الأورومو من لغات إثيوبيا الكبرى، بل من اللغات العشر الأوائل في قائمة اللغات ذات الأكثرية المتحدَّثة في قارة إفريقيا التي تضمّ أكثر من ألفي لغة)؛ فيمكن تناولها في المستويات الثلاثة سابقة الذكر؛ لمعرفة طبيعة هذه العلاقة، وما ترتب عليها.

أولاً: علاقة الاشتراك في الأصول بين اللغة العربية ولغة الأورومو:

هناك صلةٌ عريقةٌ بين شبه جزيرة العرب وإفريقيا، تتمثل في وضوح التشابه، عرقاً، وثقافةً، ولغةً، بين الشعوب المتكلمة لأسرة اللغات الإفريقية الآسيوية بأفرعها المختلفة: السامي، والكوشي، والتشادي، والبربري، والمصري القديم، والأوميّ، التي مرّ ذكرها.

ويزيد هذا التشابه وضوحاً في منطقة القرن الإفريقي، ذي القرب الجغرافيّ بشبه جزيرة العرب، التي تربطها صلاتٌ تاريخيةٌ قديمةٌ بهذا الجزء من إفريقيا قبل الإسلام وبعده، بالإضافة إلى أنّ منطقة القرن الإفريقي تُعدّ موطناً مثاليّاً لثلاثة أفرع من أسرة اللغات الإفريقية الآسيوية، وهي:

1- الفرع السامي، ومن أهم لغاته: الأمهرا، والتجري، والتجرينيا، والعربية.

2- الفرع الكوشي، ومن أهم لغاته: الأورومو، والصومالية، والبجاوية.

3- الفرع الأومي، ومن أهم لغاته: آري  Aari، وكارو  Karo، ودزي  Dizi.

وكما أوضحنا- في عملٍ سابق(2)- أنّ هناك- على الأرجح- أصلاً سلاليّاً واحداً لمتحدثي أسرة اللغات الإفريقية الآسيوية، بالإضافة إلى الأصل اللغويّ المشترك الذي أثبته اللغويون، فإننا في هذا المقام نضيف إلى ذلك رأي مستشرقٍ مهمٍّ، هو صاحب مؤلَف: (اللغات السامية)، ألا وهو ثيودور نولدكه، حين يقول: «إنّ:… القرابة الكائنة بين اللغتين: السامية والحامية تدعو إلى الاعتقاد بأنّ الموطن الأصليّ للساميين كان في إفريقيا، لأنه من النادر أن يظنّ أنّ الحاميين كان لهم موطنٌ أصليٌّ غير القارة السوداء»(3).

وقد بنى نولدكه رأيه هذا على التشابه الخلْقيّ بين الحاميّين والساميّين، وعلى الأخصّ سكان جنوب الجزيرة العربية، وقال: إنّ عَظْمة الساق في الأقوام السامية هزيلة، تماماً كما هو الحال في سكان إفريقيا الأصليّين، كما يشترك الشعبان في مشابهة شعر الرأس للصوف، وكذلك بروز الفكين(4).

وإذا أردنا تتبع بعض التفاصيل ذات الصلة باللغتَيْن الواردتَيْن بعنوان هذا البحث، وهما اللغة العربية ولغة الأورومو، من منظور بعض مصنفي اللغات الإفريقية حديثاً؛ فيمكن استعراض الإفادات الآتية:

أولاً: اللغة العربية:

تتبع هذه اللغة للفرع الساميّ أحد أفرع أسرة اللغات الإفريقية الآسيوية، وهذا الفرع- وفقاً لرمضان عبد التواب- يضمّ(5):

1- لغات سامية شرقية: وهي الأكادية؛ بفرعيها البابليّ والآشوري.

2- لغات سامية غربية: وتنقسم إلى لغات: غربية شمالية، وغربية جنوبية.

وتضمّ الغربية الشمالية: (الكنعانية، والآرامية)، والأولى تنقسم إلى: كنعانية شمالية؛ وتمثلها الأوجارتية، وكنعانية جنوبية؛ وتشمل اللغة العبرية، وكذلك اللغة الفينيقية. والثانية تنقسم إلى: قديمة ووسطى، والوسطى تنقسم إلى شرقية وغربية، ومن أهمّ لهجات الآرامية الشرقية: السريانية.

ويضمّ القسم الغربي الجنوبي من اللغات السامية لغتَيْن، هما: (العربية، والحبشية).

فالعربية: تنقسم إلى قسمين، هما: (العربية الجنوبية، والعربية الشمالية)، فالأولى: تُعرف عند اللغويين باللغة الحميرية، وموطنها اليمن وجنوبي الجزيرة العربية، ولها لهجتان، هما: (السبئية، والمعينية).

أما الثانية: فهي لغة وسط الجزيرة العربية وشماليها، وهي تُسمّى: اللغة العربية الفصحي.

أما الحبشية: فهي لغة ذلك الشعب الساميّ الذي خرج من جنوبي الجزيرة العربية إلى الحبشة، واستعمروها، واختلطوا بأهلها القدامى من الحاميّين اختلاطاً شديداً، وتسمّت لاحقاً باللغة الجعزية، وأحياناً بالإثيوبية، وفيما بعد تفرقت إلى لهجات؛ أبرزها: الأمهرية.

ثانياً: لغة الأورومو:

تتبع هذه اللغة للفرع الكوشيّ، أحد أفرع أسرة اللغات الإفريقية الآسيوية، وهذا الفرع- وفقاً لريتشارد هيوارد Richard J. Hayward – يضمّ(6):

1- اللغات الكوشية الشمالية: تضمّ لغة: البجا (البداويت).

2- اللغات الكوشية الوسطى: تضمّ لغات: أجاو  Agaw، وهي نوعياتٌ لغويةٌ متباينة.

3- لغات كوشية المرتفعات الشرقية: تضمّ لغات: السيدامو، والكمباتة، والهدية، ويُستثنى من ذلك: البرجي  Burji.

4- لغات كوشية المنخفضات الشرقية: وهي تنقسم إلى ثلاث مجموعات داخلية، هي:

أ-  المجموعة الشمالية: وتمثلها لغتا: الساهو، والعفر.

ب- المجموعة الأورومية: وتمثلها لغة: الأورومو.

ج- مجموعة الأومو– تانا: وتمثلها اللغة الصومالية.

5- لغات الدولي  Dully: وتمثلها لغة تسامي  Tsamay.

6- اللغات الكوشية الجنوبية: وتمثلها لغة إراقو  Iraqw.

ومن هذا نخلص إلى: أنّ بين اللغة العربية ولغة الأورومو علاقة رحمية (جينية)، تتمثّل في اشتراكهما في الأصول؛ إذ هما لغتان تنتميان إلى أسرة اللغات الإفريقية الآسيوية (وهي– في الواقع- لا تساوي ما كان يسمّى باللغات السامية الحامية مساواة التطابق، بل تتشاركان في الغالبية العظمى من تلك اللغات)، لكنهما تختلفان في الأفرع، فالعربية تنتمي إلى (الفرع السامي)، والأورومو تنتمي إلى (الفرع الكوشي).

ومن الأمثلة التي توضح علاقة الاشتراك في الأصول بين العربية والأورومو:

– وجود تشابه في بعض العناصر اللغوية: ومن ذلك تشابه اللغتَيْن في بعض ما يُسمّى بالألفاظ الأساسية  Basic vocabularies (وهي عدد محدود من الألفاظ لا تلجأ اللغات عموماً لاقتراضها من اللغات الأخرى، ويفترض أن تكون أصيلة في كلّ لغة، ومن ثمّ تعد معياراً لقياس درجة التشابه بين اللغات، ولاستنباط صلة القرابة بينها):

الكلمة العربية

الكلمة الأورومية

أب

aabba/abba/abbi

أرض

ardi

سماء

sami

قلب

galb

فم

Afaa (n)

أنا

anaa

روح

ruhi

– ومن ذلك: شيوع ظاهرة التذكير والتأنيث في اللغتَيْن: وهي ظاهرة مميزة لأسرة اللغات الإفريقية الآسيوية عن الأسرات اللغوية الأخرى التي صُنّفت لها اللغات الإفريقية (وهي: أسرة اللغات النيلية الصحراوية، وأسرة اللغات النيجر كردفانية، وأسرة اللغات الكويسانية).

ولعل أقرب مثالٍ يعكس لنا شيوع ظاهرة التذكير والتأنيث في لغة الأورومو قولهم:

الكلمة الأورومية

الكلمة العربية

moti

بمعنى “ملك”

motitti

بمعنى “ملكة”

deerri) dufe)

بمعنى “جاء )الرجال(

(dubartiin) dufte

بمعنى “جاءت )النساء(

ثانياً: علاقة الاتصال المباشر بين اللغة العربية ولغة الأورومو:

من المعلوم المسلّم به- تاريخيّاً- أنّ بين الجزيرة العربية والحبشة (إثيوبيا) صلة قديمة؛ بحكم الجوار والتجارة، وخصوصاً مع جنوب الجزيرة العربية، وقد أدى هذا إلى وجود تأثيرٍ متبادلٍ بين المنطقتين في الحياة الاجتماعية، واللغوية، وبعض التقاليد والعادات.

ومما لا شك فيه أنّ هذه الصلة قويت بصورةٍ واضحةٍ بعد ظهور الإسلام، وما تلا ذلك من عصورٍ صاحبها حراكٌ سكانيٌّ- قديمٌ وحديث- من وإلى المنطقتَيْن، وقد ساهم ذلك في بروز علاقة اتصالٍ مباشرٍ بين اللغتَيْن (العربية، والأورومية)، وبين المنطقتَيْن (جزيرة العرب، والحبشة).

ومن تفاصيل ذلك: أنّ العرب في إثيوبيا (في التاريخ الحديث والمعاصر)- كما يحدثنا محمد تاج الرحمن العروسي، في اختصارٍ شديدٍ- معظمهم من اليمن الشمالي والجنوبي، وقد كان عددهم في ازديادٍ مستمرٍ إلى عهد الإمبراطور هيلاسلاسي، وعندما تمّت مضايقتهم- لاحقاً- رحل معظمهم من إثيوبيا وعادوا إلى اليمن، كما ذهب أكثرهم إلى الخليج، وبخاصة المملكة العربية السعودية.

ويضيف العروسيّ: أنّ التجارة كانت في السابق بأيديهم، ولهم جهودٌ طيبةٌ في نشر الدين الإسلامي بجانب الثقافة والتمدّن والحضارة، ومن الملاحظ أنهم كانوا يكثرون الزواج من الإثيوبيات، ولكنهم لا يزوّجون بناتهم للإثيوبيين إلا نادراً، كما أنّ الإثيوبيين لا يتحمّسون للزواج من بناتهم(7).

هذا بالإضافة إلى أنّ هناك قبائل من الحبشة يعود أصلها إلى العرب، لكنهم بطول الزمن نُسي تاريخهم، وإن كانت هناك بعض الملامح التي تدلّ على أصلهم، بينما هناك بعض الأفراد الذين استطاعوا المحافظة على شجرة النسب(8).

أما قديماً؛ فتُحدثنا المصادر التاريخية- فيما يخصّ الإسلام والعروبة في بلاد الحبشة والزيلع (منطقة القرن الإفريقي)- أنّ الإسلام تسرّب إلى تلك البلاد في عهده الأول، تسرباً بطيئاً في ركاب المهاجرين إلى إفريقيا من التجّار والدعاة عبر المسالك البحرية المعهودة، وكان لذلك أثرٌ كبيرٌ في نموّ المدن الساحلية الزيلعية التي ازدحمت بهؤلاء المسلمين المشتغلين بتجارة الرقيق وغيرها من التجارات، وظهرت في هذا العصر جالياتٌ إسلاميةٌ قويةٌ في: (دهلك، وسواكن، وباضعن وزيلغ، وبربرة)، وقد انجلى عن ذلك ازدهار الحياة الإسلامية في تلك المدن، وتوطيد النفوذ الإسلامي على طول السهل الساحلي، وظهرت مدنٌ إسلامية على ذلك الساحل، كأنها العقد أو الطراز، في الفترة بين القرنَيْن العاشر والثالث عشر الميلاديَّيْن(9).

ويبدو أنّ الإسلام نفذ إلى الداخل في وقتٍ مبكر، ربما في القرن الثالث الهجري، حين تطرّق إلى منطقة شوا، حيث قامت سلطنة إسلامية، عملت على توطيد العقيدة الإسلامية في جنوب الحبشة وشرقها، وهي سلطنة شوا الإسلامية (255هـ – 684هـ) (896م – 1285م)، ظهرت على يد أسرةٍ عربيةٍ تُسمّى ببني مخزوم، وهم مهاجرون عرب، نفذوا إلى هذه الجهات في ذلك الوقت المبكر(10).

كما قامت سلطنة أوفات الإسلامية (648هـ – 805هـ) (1250م – 1402م)، وقد أسّسها قومٌ من قريش من بني عبد الدار، أو من بني هاشم؛ من ولد عقيل بن أبي طالب(11).

ويرى بعضُ الكتاب أنّ علاقة الأورومو بالإسلام بدأت منذ أن توطدت أركانه في الأجزاء الساحلية لشمال إفريقيا، بين القرنين الميلاديَّيْن العاشر والثاني عشر، بما يُعرف بمنطقة الطراز الإسلامي، وانطلاقاً من هذه الإمارات أخذ الإسلامُ ينتشر ويكسب مؤيدين له وسط الأورومو، حتى إذا ما جاء الإمام أحمد إبراهيم دخلت في بيعته قبائل كاملة.

وكان اعتناق الأورومو للإسلام بطيئاً وتدريجيّاً، وقد كانوا على حذرٍ شديدٍ في أثناء احتكاكهم بالقبائل التي اعتنقت الإسلام منذ زمنٍ طويل، وقد اعتنق عددٌ من أورومو الجنوب الشرقيّ لهرر الإسلامَ في القرن التاسع عشر الميلادي، وقد فسّر بعضُ المؤرخين انتشار الإسلام وسط الأورومو بأنه جزءٌ من عملية الدفاع عن النفس ضدّ محاولات تنصيرهم وأمهرتهم، وأصبح الإسلام جزءاً من أيديولوجية البقاء والدفاع عن الذات(12), وتجلّى هذا الأمر في عظم الابتلاءات التي تعرضوا لها من قِبل الآخرين.

هذا، وتشير بعضُ المصادر التاريخية إلى أنّ بعض مناطق الأورومو، والمناطق المجاورة لهم، سادت فيها إمارات حكمت بالشريعة الإسلامية، وازدهرت في كنفها اللغة العربية(13), وكانت كلّ منطقةٍ من مناطق الأورومو وغيرها من مناطق إثيوبيا تشتهر بعددٍ معتبرٍ من العلماء، وبمؤلفات لهم في مختلف العلوم(14), لا مجال للوقوف عندها هنا، وكلّ ذلك يدلّ على مكانة اللغة العربية والثقافة العربية والإسلامية في إثيوبيا عموماً، وفي منطقة أوروميا خصوصاً.

يُفهم من هذا ومن غيره، مما تذكره المصادر التاريخية عن الهجرات من شبه جزيرة العرب إلى منطقة شرق إفريقيا وإثيوبيا (الحبشة) تحديداً لأغراضٍ مختلفة كالتجارة والاستيطان، أنّ منطقة إثيوبيا- بما فيها المنطقة التي يعيش فيها شعب الأورومو- كانت منطقة التقاء بين العرب والقبائل الإثيوبية المختلفة قديماً وحديثاً، ليس مجرد التقاء فحسب، وإنما استطاع هؤلاء العرب أن يقيموا ممالك إسلامية حفلت بتفاصيلها كتب التاريخ، وهذا كله أتاح لشعب الأورومو أن يحتك بالعرب مباشرة، ويأخذ عنهم، ويتأثر بلغتهم، وثقافتهم، وسنتناول بشيء من التفصيل جانباً من تأثر لغة الأورومو باللغة العربية لاحقاً.

أما حديثاً؛ فتوجد بمناطق الأورومو قبائل عربية يمنية، خصوصاً في منطقة جمة وهرر، إذ في هاتَيْن المنطقتين ما يمكن أن يُشار إليه بأنها ملامح عربية، مثل: طول الشعر، واللون (الفاتح)، والجمال البيّن في كثيرٍ من الفتيات(15), وهذه ملامح يُمكن أن تلاحظ – أيضاً- عند بعض الإثيوبيين.

مهما يكن من أمر؛ فإنّ لعلاقة الاتصال المباشر بين متحدثي اللغة العربية (العرب)، ومتحدثي لغة الأورومو (الأورومو)، التي كان مسرحها أرض الأورومو (أوروميا)، تأثيراً مباشراً من العربية في الأورومو، إذ إنّ العربية أقرضت الأورومو ألفاظاً عديدة، خصوصاً في مجال الألفاظ الخاصّة بالدين الإسلامي، والتجارة.

والحقّ، فيما نرى، أنّ علاقة الاتصال المباشر بين اللغة العربية ولغة الأورومو تمثّل الآن أعلى مستوى للعلاقة بين اللغتَيْن؛ مقارنةً بمستوى علاقة الاشتراك في الأصول المذكورة سابقاً، وبمستوى علاقة الاتصال غير المباشر التي ستُذكر بعيد قليل، لذلك سيتم التفصيل في أحد مخرجات هذه العلاقة؛ تحت عنوان: الألفاظ العربية المقترضة في لغة الأورومو- كما سيأتي-.

ثالثاً: علاقة الاتصال غير المباشر بين اللغة العربية ولغة الأورومو:

يبدو لي أنّ ما تناولناه من تفاصيل تخصّ علاقة الاتصال المباشر بين متحدثي اللغة العربية (العرب)، وبين متحدثي لغة الأورومو (الأورومو)، تقف دليلاً على أنّ إمكانية علاقة الاتصال غير المباشر أقلّ درجةً ومقداراً في هذا المجال، خصوصاً في العصور القديمة التي كان فيها للعرب وجودٌ مؤثرٌ في إثيوبيا عموماً، وفي أرض الأورومو (أوروميا) خصوصاً.

أما في وقتنا الحالي؛ فيتاح لنا تصور علاقة اتصال غير مباشرة بين العربية والأورومو؛ لأنّ لغة  الأورومو قد تتأثر بالعربية عن طريق التقاليد الأدبية العربية المختلفة في مظانها المتنوعة، أو عبر مصدرٍ آخر قد تمثله لغات إثيوبية مختلفة؛ كالأمهرية، أو لغات أوروبية؛ كالإنجليزية.

وعليه؛ بعد أن تضاءل الوجود العربي في إثيوبيا؛ فإنّ المستقبل كفيلٌ بخلق علاقة اتصال غير مباشر بين العربية والأورومو، ومن الصعوبة بمكان إعطاء أمثلة توضّح هذه العلاقة أو تصور طبيعتها وكيفيتها، ولكن يمكن استشرافها جنينيّاً بعد أن انفتح شعب الأورومو على الأقطار العربية والإسلامية، وزادت فيه نسب التعليم، والإقبال على تعلّم العربية، والتدين المؤسّسي والشعبي؛ انفتاحاً سيمنح الأورومو مزيداً من الاحتكاك بالتقاليد الأدبية المتنوعة للغة العربية.

الألفاظ العربية المقترضة في لغة الأورومو:

تبدو ظاهرة الاقتراض بين اللغات بأنواعها عملية اجتماعية في بعض مناحيها، وليست لغوية صرفة(16), ونسبةً للفوارق الحضارية والثقافية الواضحة بين متحدثي اللغة العربية على امتداداتهم الجغرافية، ومتحدثي لغة الأورومو في مناطقهم المختلفة، فقد اقترضت الثانية من الأولى عدداً من الألفاظ المتنوعة، وقد كانت الأسباب الرئيسة من وراء ذلك الاقتراض هي الأسباب العامّة المشتركة التي تصاحب كلّ لغتَيْن تتعايشان لفترات طويلة، وتكون إحداهما أكثر تفوّقاً من الأخرى.

واستناداً على ذلك؛ يمكن تصور أنّ أهمّ أسباب اقتراض لغة الأورومو من العربية ما يأتي:

1- الحاجة: وذلك بإيجاد ألفاظٍ لموضوعات ومفهومات جديدة؛ لم تكن في الغالب موجودة في لغة الأورومو، (وهذا في رأينا أهمّ الأسباب قاطبة).

2- المكانة: ونعني مكانة اللغة العربية بما تحمله من ثقافة، ومن رمزية حضارية، ودينية، وثقافية، (وهذا من الأسباب المهمة).

3النزعة إلى التفوق: وذلك أنّ اللغة العربية لغة أمّة محسوبة في عداد الأمم التي يُنظر إليها بأنها جديرة بالتقليد.

4- الإعجاب باللفظ الأجنبي: وذلك أنّ كثيراً من الألفاظ العربية لها جرسٌ أو معنى يعجب الآخرين.

هذا فيما يخصّ أسباب اقتراض لغة الأورومو من اللغة العربية، فكيف تمّ جمع هذه الألفاظ؟

إنّ الإجابة عن هذا السؤال المهمّ يمكن اختصارها في القول: بأنّ القائمة الأولية التي تمّ إعدادها للألفاظ العربية المقترضة في لغة الأورومو، وهي قائمة ليس القصد منها الحصر لوضع قائمة نهائية، لهي نتيجة لعددٍ من المقابلات مع عينات مختارة بعناية، تمثّل عدداً من الطلاب الإثيوبيين من قبيلة الأورومو من مختلف مناطقهم، وهم يمثّلون فئات عمرية مختلفة تتحدث لغة الأورومو بوصفها اللغة الأمّ، وما يزالون يتحدثون هذه اللغة بطلاقة، ويحافظون على استخدامها. ويغلب على هؤلاء الطلاب أنهم طلابٌ في كليات جامعة إفريقيا العالمية المختلفة، أغلبهم حديثُ عهد بالسودان، وبعضٌ منهم طلاب دراسات عليا في الجامعة نفسها، ولم تنقطع صلاتهم ببلدهم.

استطاع الباحث بعد عدة أشهر من المقابلات المتنوعة زماناً ومكاناً- في عام 2009م- أن يجمع عدداً مقدّراً من الألفاظ العربية المقترضة في لغة الأورومو(17), وهذا العدد يمثّل قائمة غير نهائية في هذا المجال، لأنه في رأينا لا يعكس طبيعة العلاقة الحميمة التي جمعت متحدثي اللغتَيْن طوال فترة ممتدة لعدد من القرون.

كما استطاع الباحث، من خلال مقابلاته مع عددٍ منهم، أن يقف على أصوات لغة الأورومو، وذلك لمقابلتها ومقارنتها بأصوات العربية؛ لمعرفة مدى التكيّف الصوتي للألفاظ العربية المقترضة في لغة الأورومو – ستُنشر– إن شاء الله- في بحثٍ لاحق.

مهما يكن من أمر؛ فإننا الآن أمام عددٍ من الألفاظ العربية المقترضة في لغة الأورومو، فما الحقول الدلالية التي تمثلها هذه الألفاظ، تمهيداً لمعرفة تكيّفها الصوتي في هذه اللغة؟

لقد غطت الألفاظ العربية المقترضة في لغة الأورومو، بنسبٍ متفاوتة، عدداً مقدّراً من الحقول الدلالية، لعلّ أهمها (مقرونة ببعض الأمثلة):

أ- ألفاظ الدين الإسلامي، مثل(18):

الكلمة العربية

الكلمة الأورومية

الكافر

kaafir

الحرام

haraama

الكعبة

kaaba

الآخرة

aakira

الحمد

hamdi

البركة

baraka

الإيمان

ilmaan

الشر

shari

الخير

kairi

ب- ألفاظ التجارة، مثل:

الكلمة العربية

الكلمة الأورومية

ميزان

miizaan

فائدة

faida

تاجر

daldalla

ج- ألفاظ المنتجات العضوية، مثل:

الكلمة العربية

الكلمة الأورومية

الصابون

saamuna

السكر

shukaara

د- ألفاظ الأيام والشهور العربية، مثل:

الكلمة العربية

الكلمة الأورومية

السبت

sabti

الأحد

ahada

الثلاثاء

talada

الخميس

kamsa

محرم

muharam

صفر

safar

هـ – ألفاظ التعليم، مثل:

الكلمة العربية

الكلمة الأورومية

اللوح

lohi

الكتاب

Kitaab

العالم

aalim

الأدب

adab

المتعلم

mutaallima

إنّ ما تمّ استعراضه من حقولٍ دلاليةٍ يظلّ قائمة أولية، آملين أن لا يكون هناك تعسف في استنباط مسمّيات هذه الحقول، وهذه القائمة الأولية يُقصد بها فقط تسهيل دراسة الألفاظ العربية المقترضة في لغة الأورومو، وقد رأينا في هذا المضمار التعليق على حقلَين مهمَّيْن، هما: حقل ألفاظ الدين الإسلامي، وحقل ألفاظ التجارة.

1- حقل ألفاظ الدين الإسلامي: يعدّ الحقل الخاصّ بألفاظ الدين الإسلامي أكثر الحقول الدلالية حظوة بالألفاظ المقترضة في لغة الأورومو، وهذا يتناسب مع ارتباط تاريخ اللغة العربية بانتشار الإسلام في إثيوبيا (وبخاصّة أوروميا)، كما يؤكد أنّ الإسلام هو محور الارتكاز للعلاقة بين اللغتين، فالدين الإسلامي بوصفه نظاماً روحيّاً جديداً على مجتمع الأورومو (في ذلك الوقت)، ورد إليه متكاملاً، ومصحوباً بأدواته التعبيرية، إذ كان الأوروميون وثنيين، وما كان يتوقع للغتهم أن تحتوي على ألفاظ تعبّر عن مفاهيم ومضامين هذا الدين الجديد.

ولعلّ السبب المباشر، في كثرة الألفاظ العربية التي تقع ضمن هذا الحقل في لغة الأورومو، يرجع إلى أنّ الأورومو اتصلوا بالإسلام، كما أشرنا سابقاً، منذ توطيد أركانه في الأجزاء الساحلية لشمال إفريقيا بين القرنَيْن الميلاديَّيْن العاشر والثاني عشر، وما تلا ذلك من عقودٍ أصبح فيها للإسلام مكانة عظيمة في تلك البقاع من قارة إفريقيا.

2- حقل ألفاظ التجارة: أما فيما يتعلق بحقل ألفاظ التجارة؛ فمعروفٌ أنّ للعرب منذ القدم نشاطاً تجاريّاً مع شرق إفريقيا ومع الحبشة (إثيوبيا)، وبالتالي مع (أوروميا)، وقد توسع هذا النشاط وازداد بمرور الزمن حتى بلغ منتهاه. وفي أيامنا الحاضرة ما تزال العقلية العربية تسيطر على أهمّ الأسواق التجارية في إثيوبيا، ولعلّ من أهم إفرازات ذلك تسرّب عدد من الألفاظ التي تعبّر عن ذلك النشاط إلى عدد من اللغات الإفريقية، وكان نصيب لغة الأورومو، كغيرها من اللغات، عدداً من الألفاظ التي ترتبط بهذا الحقل الحيوي.

ويُفهم من هذا ومن غيره، ممّا تقدمه لنا المصادر التاريخية عن خصوصية الإسلام والثقافة الإسلامية والتجارة التي يقوم بها العرب وما يزالون في أرض الأورومو (أروميا)، أنّ للإسلام والتجارة دوراً كبيراً في تغذية لغة الأورومو بعددٍ معتبر من الألفاظ التي تعبّر عن هذَيْن المجالًيْن الحيويَّيْن.

خلاصة:

نخلص مما سبق إلى الآتي:

1- أنّ علاقة اللغة العربية بلغة الأورومو يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مستويات: الأول: علاقة الاشتراك في الأصول، إذ تنتمي اللغتان إلى أسرة اللغات الإفريقية الآسيوية، وتختلفان في الأفرع، فالعربية تنتمي إلى الفرع الساميّ، والأورومو تنتمي إلى الفرع الكوشي، وهذا كفل لهما أن تشتركا في بعض العناصر اللغوية. والمستوى الثاني: علاقة الاتصال المباشر الذي تمّ بين العرب متحدثي العربية والأورومو متحدثي الأورومية، في أرض الأورومو، وهذا النوع من الاتصال جعل لغة الأورومو تتأثر بصورة مباشرة باللغة العربية وثقافتها، خصوصاً في مجال الحقول ذات الارتباط بالدين الإسلامي والتجارة والمنتجات العضوية وغيرها، ويمثّل هذا المستوى أعلى درجة للعلاقة بين اللغتين مقارنة بالمستويَيْن (الأول السابق، والثالث اللاحق). والمستوى الثالث: علاقة الاتصال غير المباشر، وهو يعكس فترة تضاءل الوجود العربي في أوروميا؛ وتأثر فيه الأورومو بالعربية عبر التقاليد الأدبية المختلفة، وليس عبر العرب مباشرة، وهو ما يمكن استشرافه  في المستقبل القريب.

2- أنّ الأسباب الأساسية التي جعلت لغة الأورومو تقترض ألفاظاً من اللغة العربية هي الأسباب العامّة نفسها التي تصاحب كلّ لغتَيْن يحدث بينهما اتصالٌ عبر المتحدثين، وتتساكنان لفتراتٍ طويلة، وتكون إحداهما أكثر تفوقاً من الأخرى، من حيث المكانة الدينية أو الحضارية أو الثقافية، وهذه الأسباب هي باختصار: الحاجة، والمكانة، والنزعة إلى التفوق، والإعجاب باللفظ الأجنبي.

3- أنّ الحقول الدلالية للألفاظ العربية المقترضة في لغة الأورومو متنوعة، وتأتي بنسبٍ متفاوتة، لعلّ أههما: ألفاظ الدين الإسلامي، وألفاظ التجارة، وألفاظ أيام الأسبوع والشهور العربية.

4- أنّ حقل ألفاظ الدين الإسلامي أكثر الحقول الدلالية حظوةً بالألفاظ العربية المقترضة في لغة الأورومو، وهذا يتوافق مع ارتباط تاريخ اللغة العربية بانتشار الإسلام في إثيوبيا عموماً، وفي أوروميا خصوصاً، كما يؤكد أنّ الإسلام هو حجر الزاوية للعلاقة بين اللغتَيْن.

الهوامش والاحالات :

(*) نائب عميد الدراسات العليا / جامعة إفريقيا العالمية – السودان.

(1) يطلق بعض الباحثين على هذا الفرع تسمية: الفرع الأوميتي؛ وهو تعريب للكلمة الإنجليزية Omotic، وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه التسمية جاءت نسبة لنهر أومو Omo في إثيوبيا.

(2) انظر: كمال محمد جاه الله (2008): “الأصل السلالي  المشترك لمتحدثي أسرة اللغات الإفريقية الآسيوية”، دراسات إفريقية، العدد (39)، يونيو، ص ص (137 – 155).

(3) ثيودور نولدكه (1977): اللغات السامية، ترجمة: رمضان عبدالتواب، القاهرة، ص 21.

(4) المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

(5)  رمضان عبدالتواب (1999): فصول في فقه العربية، القاهرة: مكتبة الخانجي للطباعة والنشر والتوزيع، ص ص (25 – 35)، بتصرف.

(6) Hayward, Richard, J. (2000): “Afroasiatic”, in: Heine, B and D, Nurse, African Languages, An Introduction , Cambridge: Cambridge University Press, p.p. (80-81).

(7) محمد تاج الرحمن العروسي (1999): تاريخ إثيوبيا، الجزء الأول، إسلام آباد: الحافظ تريدرز، ص ص (165 – 166).

(8) المرجع نفسه، ص (166).

(9) رجب محمد عبدالحليم (1997): الإسلام والعروبة في إفريقيا الشرقية، الموسوعة الإفريقية، المجلد الثاني، إعداد: شوقي عطا الله الجمل وآخرين، معهد البحوث والدراسات الإفريقية، جامعة القاهرة، مايو، (249 – 310)، ص ص (250 – 251).

(10) المرجع نفسه، ص ( 252).

(11) المرجع نفسه، ص ( 264).

(12) حسن مكي محمد أحمد (1987): الأورومو (القالا): دراسة تحليلية، دراسات إفريقية، العدد الثالث، أبريل، (87 – 108)، ص ص (91 – 92).

(13) المرجع نفسه، ص ( 100).

(14) انظر: محمد تاج الرحمن العروسي، مرجع سابق، وقد حفل بذكر عدد كبير من العلماء والشيوخ ومؤلفاتهم، ومناطق انتشارهم، في إثيوبيا.

(15) مقابلة مع: آدم حسين (أورومي)، حوالي 33 عاماً، إثيوبىّ، طالب دراسات عليا، جامعة إفريقيا العالمية، تمت بمركز البحوث والدراسات الإفريقية بالجامعة، بتاريخ 7/10/2008م.

(16) لمزيد من المعلومات حول ظاهرة الاقتراض بين اللغات، انظر: كمال محمد جاه الله (2008): “الاقتراض بين اللغات مفهومه وأسبابه ومصادره وأضربه”، كتاب مؤتمر اللغة العربية وتحديات العصر، كلية دار العلوم جامعة القاهرة بالتعاون مع مركز الدراسات المعرفية بالقاهرة، 4-5 نوفمبر 2008م، ص ص (52 – 81).

(17) من الذين تمّت مقابلات عديدة معهم: الطالب بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة إفريقيا العالمية: أمان غوداتا فاتو (21عاماً)، وهو أورومي يتحدث لهجة بالي-أرسي بوصفها اللغة الأمّ، بالإضافة إلى أنّ له اهتماماً خاصّاً بهذه اللغة، وأثر اللغة العربية عليها.

(18) للاطلاع على مزيدٍ من الألفاظ في هذا الحقل يرجى أن يُنظر في: آدن سام شيخ (2000): كتابة اللغة الأورومية (لهجة البوران) بالحرف العربي كمدخل لتعليم القراءة والكتابة، أطروحة ماجستير، معهد الخرطوم الدولي للغة العربية، الخرطوم، غير منشورة، ص ص (13 – 15).

كلمة الشبكة الامازيغية من أجل المواطنة في أشغال اليوم الدراسي الخاص ب:
مشروع القانون التنظيمي للمحلس الوطني للغات والثقافة المغربية 04.16

AYTMA D ISTMA AZUL FLLAWN
يتجدد اللقاء في هذه المؤسسة وهي مناسبة لتقديم التهاني بحلول سنة أمازيغية جديدة 2968 للحضور الكريم، وكذلك تجديد الشكر والعرفان لكل من سهر على تنظيم هذا اليوم الدراسي ودعانا للمساهمة في أشغاله التي نتمنى لها التوفيق والسداد.
لقد سبق لأزطا أمازيغ أن قدمت سنة 2012 مذكرة حول رؤيتها للمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، أكدّت من خلالها على ضرورة استحضار خمسة مبادئ لدى إحداث المجلس:
يان؛ مبدأ المساواة والإنصاف: بمعنى التعامل مع كافة المكونات اللغوية والثقافية المغربية بمبدأ المساواة دون تفاضل أو تراتبية بينها مهما كانت مبررات هذه التراتبية في الوظائف أو في مجالات الاستعمال.
سين؛ مبدأ الديموقراطية بما تعنيه من توازن بين مكونات المجلس في صياغة القرار، واتخاذه وتنفيذه، وكذا قدرة كافة الأطراف على التعبير عن وجهة نظرهم والدعاية لها، مما قد يفضي للتوافق الخلاّق.
كراض، مبدأ الشفافية: أي أن كل إنتاجات وأعمال وقرارات المجلس تكون متاحة للاطلاع والتتبع، مع إمكانية المراقبة، في حدود ما لا يعرقل السير العادي للمجلس ويضمن واجب التحفظ المفترض في مؤسسة رسمية.
كوز، مبدأ التعدد: مجلس دستوري لتدبير حقل حساس من قبيل اللغة والثقافة، لا يمكن أن يكون إلا تعدديا في تركيبته المؤسساتية وكذا في تركيبته الفكرية، لما تضمنه هذه التعددية والتنوع من إسماع لصوت كافة الأطياف المجتمعية والتعبيرات اللسانية والثقافية.
سموس؛ مبدأ الاستقلالية: رغم التنصيص الصريح على تمثيلية القطاعات الفاعلة في مجال الثقافة واللغة، فلابد من ضمان مسافة بين المجلس ككيان ومكوناته المؤسساتية بما يجعله حرا ومستقلا في المبادرة والفعل، والعكس بالعكس.
إن هذه المبادئ مازالت ذات راهنية حتى عقب الإعلان عن مشروع القانون التنظيمي المعروض اليوم على أنظار مؤسستكم التشريعية بخصوص المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية. فالمشروع في نظرنا لا يستجيب لجوهر المبادىء المذكورة والتي نعتبرها في الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة ضرورية من أجل ضمان شروط حماية وتنمية اللغة الأمازيغية، وسنحاول تقديم ملاحظاتنا على ضوء ما جاء في المشروع:
إن أول ما ينقص المشروع في رأينا هو: تدقيق مفاهيم ومصطلحات ذات أثر قانوني على مستوى اختصاصات المجلس وتركيبته، وردت في المادة الخامسة من الدستور ولم يُفصّل فيها المشروع من قبيل التعبيرات الثقافية واللهجات. وهو ما قد يعيق عمل المجلس في حالة اختلاف التأويلات بين أعضائه.
• أما بخصوص مبدأ المساواة بين اللغات، فعلى سبيل المثال لا الحصر، المهام المنوطة بأكاديمية محمد السادس للغة العربية والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في مشروع القانون تبرز تفاوتا كبيرا من حيث شساعة الاختصاصات بين المؤسستين، لفائدة الأكاديمية. حيث خص المشروع أكاديمية اللغة العربية بسبعة اختصاصات حصرية مهمة في مجال اللغة دون أن يسري الأمر نفسه على المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وهو تمييز غير مبرّر ستكون له تداعيات على مستقبل الأمازيغية وحيويتها، لاسيما أثناء أداء وظائفها كلغة رسمية.
• بخصوص مبدأ الاستقلالية فنودَّ أن نشير إلى أن المشروع خالَف روح منطوق المادة الخامسة التي تؤكد على أن المجلس الوطني “يضم كل المؤسسات المعنية بهذا المجال”. وذلك بتأويله لكلمة “الضّم” ب “الحُلول” محل المؤسسات ونزْعِ الشخصية المعنوية عنها وتجريدها من الاستقلالية الإدارية والمالية التي نعتبرها ركيزة من ركائز أية مؤسسة فاعلة. وهو ما ندعو إلى مراجعته لأن المؤسسات العلمية تحتاج إلى تمكينها من هامش للفعل باستقلالية تقتضيها مهامها العلمية، ولاعتمادات وإمكانات خاصة. لا أن تكون تحت الوصاية المعيقة، إلا في حدود ما يضمن إلزامها بالتجاوب مع التوافق والقرارات التي يتخذها المجلس.
• بخصوص مبدأ التعدد في تركيبة المجلس فإن أزطا أمازيغ ترى ضرورة توفر كل أعضاء المجلس على الخبرة العلمية المطلوبة أو الإلمام الكافي، والرصيد المحترم بالمجال الثقافي أو اللغوي الذي يمثلونه، وأن يكونوا مؤمنين بفضائل التعدد اللغوي، ويجسدون التكافؤ بين المكونات اللغوية والثقافية المغربية. حتى لا يتحول المجلس إلى أقطابٍ متصارعة تحكُمها الخلفيات الإيديولوجية والسياسوية، وتبتعد عن التناول العلمي للإشكالات اللغوية، وتغيب بالتالي الشمولية المنشودة وروح التوافق الضرورية لنجاح رهاننا جميعا في مجال السياسة اللغوية والثقافية.
• إن عمل المجلس يقتضي توافقا مسبقا على الأساس المرجعي المؤطر لاختصاصاته، فإذا كان المجلس يضطلع حسب المادة الثالثة من مشروع القانون التنظيمي “بمهمة اقتراح التوجهات الاستراتيجية للدولة في مجال السياسات اللغوية والثقافية، والسهر على انسجامها وتكاملها، ولاسيما ما يتعلق منها بحماية وتنمية اللغتين الرسميتين العربية والأمازيغية وكذا الحسانية واللهجات ومختلف التعبيرات الثقافية المغربية،”
فإن الملاحَظ هو غياب أية مقتضيات تحث أو توصي بالعمل على بلورة سياسة لغوية عادلة ومنصفة، لعلها رؤية عامة مؤطرة لهذا المشروع، لا تنطلق من قراءة موضوعية للواقع السوسيولساني، ولا تولي أهمية كبيرة لواقع التنافس بين اللغات الذي يميزه، ولا تضع بالتالي في أفقها الاستراتيجي، التفكير في إيجاد الحل المنصف الذي يحفظ لكل اللغات موقعها، وحيويتها، ويمكّننا بالتالي من تحقيق الالتزام الدستوري الواضح ونعني به “تنمية وحماية اللغتين الرسميتين وكذا الحسانية واللهجات ومختلف التعبيرات الثقافية المغربية” لأن هذه الحماية، ولكل المكونات اللغوية، لا يمكن توفيرها إلا باحترام العدالة اللغوية.
لذا فأزطا أمازيغ توصي بضرورة التنصيص ضمن اختصاصات المجلس على إخراج ميثاقٍ للسياسة اللغوية والثقافية بالمغرب -على غرار تجارب دولية ناجحة- على اعتبار أن الميثاق يقوم على التوافق ويسمح باعتماد رؤية موحدة وموحدة بين كل المكونات الثقافية والسياسية ببلادنا تضمن التوازن الوظيفي والإنصاف والعدالة اللغوية ويعتمد مرتكزا مرجعيا لنقاشات المجلس الوطني ويمكن العودة إليه لحسم الإشكالات والقضايا المعروضة عليه.
كما أن هذا الميثاق سيكون ترجمة فعلية لأحد أهداف المشروع وهو “تيسير التشاور والحوار والتعاون بين الفاعلين في مجال التنمية اللغوية والثقافية، بما يقوي تماسك النسيج اللغوي والثقافي الوطني ورصيده المشترك”.
في الختام، وجَب التذكير أن الإنصاف المطلوب وفق رؤية الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة، يقتضي إدخال تغييرات على المشروع الحالي بدءً من الاختصاصات، وطبيعة مهام الأعضاء، وشروط اختيارهم، وانتهاء بتبني ميثاق مرجعي توافقي، الذي سيضمن عملا منظما وشموليا ومنصفا. كما تحْرصُ أزطا أمازيغ على تذكير السادة أعضاء البرلمان المحترمين بجسامة المهمة الملقاة على عاتقهم لإخراج قانون تنظيمي للمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية باعتباره مؤسسة دستورية في خدمة كل اللغات المغربية وإيجاد الحلول لإنصاف كل اللغات، لا أن يتحول إلى أداة لترسيم التمييز بين هذه اللغات.

AYTMA D ISTMA TANMIRT
الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة – أزطا أمازيغ
كلمة الرئيس: عبد الله بادو
مجلس النواب – 16 يناير 2018

للإصلاح والتّجديد مكانةٌ محوريَّةٌ في الإسلام؛ إذ يمثِّل التَّجديدُ المناعة الداخليَّة المسؤولة عن تصفية الجسد الإسلاميِّ وتنقيته كلَّما ران عليه بعض الصَّدأ والأدران، وقد أكَّد الأثر النَّبويُّ هذه الحقيقة الملازمة للإسلام، وبيَّن أنَّ سيرورة الفعل التجديديِّ تتكرَّر على رأس كلِّ قرن.

وقد برْهَنَ التاريخ الإسلاميّ على أنَّ الإصلاح والتجديد عميق الجذور بإفريقيا، ظهر ذلك أوَّلَ ما ظهر في حركة المرابطين التي قامت بمنطقة الملثَّمين ببلاد السُّودان الغربيِّ في القرن الخامس الهجريِّ بقيادة الفقيه عبد الله بن ياسين (ت 451هـ/1059م)، وفي دعوة الشَّيخ الحاج محمد بن سالم سواري (ت 931هـ/1525م)، وفي حركة أسكيا الحاج محمَّد بصونغاي (حكم: 1493م – 1528م)، وحركة الإمام الشَّيخ ناصر الدين (1085هـ/1674م) بمنطقة فوتاتور السِّنغال وموريتانيا الحاليَّة، وغيرها من الحركات التصحيحيَّة التجديديَّة المتعدِّدة المتنوِّعة التي استهدفت التّغيير الإيجابيَّ للمجتمع السُّودانيّ على هدي الكتاب والسنّة.

تعريف بالكتاب:

في هذا الإطار؛ تأتي الدِّراسة التي قام بها د. آدم بمبا، ونشرتها مجلة قراءات إفريقيَّة بعنوان: (الشَّيخ عثمان دان فوديو وحركة التَّجديد الإسلامي بغربي إفريقيا)، بوصفها محاولةً لتتبُّع أهمِّ حركةٍ تجديديَّة، في هذا السِّياق، وهي دعوة الشَّيخ دان فوديو (ت 1232هـ/1817م)، وهي حركةٌ بدأها الشَّيخ بنشاطٍ تعليميٍّ تثقيفيٍّ زهاء عشرين سنة، وكان شعارُهُ آنذاك «إحياء السنّة وإخماد البدعة»، وتُوِّج هذا النَّشاط بقيام دولة الخلافة بصكوتو شماليَّ نيجيريا الحاليَّة، وعُدَّت أنجح تجربةٍ تجديديَّةٍ سياسيَّةٍ واجتماعيَّةٍ ودينيَّةٍ في تاريخ إفريقيا جنوب الصَّحراء.

وقد حاولت هذه الدِّراسة الإجابة عن أسئلةٍ جوهريَّة عدَّة: كيف تبَلْوَرَت الرُّؤية التجديديَّة عند الشَّيخ دان فوديو؟ وما ركائزها النَّظريَّة والفكريَّة؟ وما مدى تنزيل الرُّؤية التَّجديديَّة عنده في الواقع المعيش؟ وما مدى تأثير حركته في الدَّعوة والاجتماع ببلاد السُّودان الغربيِّ؟

للإجابة عن الأسئلة المطروحة؛ فقد انتهج فيه الباحث منهجاً تاريخيّاً تحليليّاً، انصبَّ على قراءة آثار الشَّيخ دان فوديو المتوفَّرة، من أجل سَبْر الرُّؤية التجديديَّة عنده في مجال الفقه، والسِّياسة، والتربية والاجتماع، والدَّعوة.

جاء الكتاب في (355) صفحة، بخمسة فصولٍ، تحت كلٍّ منها مباحث متفرِّعة.

فصول الكتاب:

في (الفصل الأوَّل) عُنِيَ الباحث برصد الظُّروف التاريخيَّة والاجتماعيَّة التي ظهرت فيها حركة الشَّيخ دان فوديو التَّجديديَّة ببلاد السُّودان؛ فاستَعرَضَ الظُّروف السِّياسيَّة والدِّينيَّة بمجتمع هَوسا والفولاني، والمدَّ الإسلاميَّ ومراحلَ تطوُّره بممالك هَوْسا التي سبقت ظهور حركة الشَّيخ دان فوديو، وكذلك الواقع الدِّينيّ المتمثَّل في طقوس «بُوري» الأرواحيَّة التي سادت المجتمع آنذاك، واصطرعت مع الإسلام في جميع مراحل وجوده ببلاد هوسا.

بعد هذا الاستعراض السُّوسيو-التَّاريخي؛ عُني الباحث في (الفصل الثاني) بتتبُّع الخلفيَّة العلميَّة للشَّيخ دان فوديو، وذلك من خلال استعراض القنوات التي تعلَّم عبرها، والعلماء الذين كان لهم تأثيرٌ مباشرٌ في تكوينه العلمي، وفي تشكيل الرُّؤية التَّجديديَّة عنده، وفي صقل شخصيَّته القياديَّة، ومنهم: والده، وخالُهُ الشَّيخ عثمان بِدُورِ، والشَّيخ جبريل بن عمر الأغاديسي.

بعد ذلك؛ جاء (الفصل الثَّالث) لتتبُّع المسار الدَّعويِّ عند الشَّيخ دان فوديو، والأدوات الفاعلة التي وظَّفها في هذا المجال من أجل نشر دعوته، وإحداث التغيير الهادف في مجتمعه، وما أسْفَر عنه من تأسيسٍ لدولة الخلافة الإسلاميَّة بصكوتو التي كانت تَسْتَلْهم الشَّريعة الإسلاميَّة في جميع أنظمة الحكم الدُّستوريَّة والقضائيَّة والإداريَّة.

بعد وضع دولة الخلافة في إطارها التَّاريخيّ المناسب، وتصويرها في واقعها الفعلي، انطلق الباحث في (الفصل الرَّابع) للنَّظر في الرَّكائز التي قامت عليها هذه الدَّولة في العقيدة، والفكر، والعبادة، والمعاملات، والاجتماع، والسِّياسة، وغيرها من مقوِّمات العمران، وقد تبيَّن من خلال هذا النَّظر أنَّ الشَّيخ دان فوديو كان ذا رؤيةٍ تجديديَّةٍ ثاقبةٍ في كلِّ تلك الجوانب المذكورة، قوامها الوسطيَّة السَّمحة.

وبما أنَّ الفصل الرَّابع في طبيعته نظري؛ فقد جاء (الفصل الخامس) من أجل النَّظر في المنجزات التَّجديديَّة التي تحقَّقت في الواقع المعيش في ظلِّ الخلافة الصُّكتيَّة؛ بوصف تلك المنجزات ترجمةً فعليَّةً للرُّؤى التَّجديديَّة التي تَبَلْوَرَت عند الشَّيخ دان فوديو، وهنا أيضاً تبيَّن أنَّ الشَّيخ- بمعيَّة أعوانه بُناة دولة الخلافة- قد وُفِّق إلى الكثير من المنجزات الحضاريَّة في الفكر والدِّين، وفي السِّياسة والاجتماع… ففي ظلِّ دولة الخلافة الصُّكتيَّة تحقَّقت وحدة «وطنيَّة» اجتماعيَّة وسياسيَّة لم تتكرَّر بعدُ في تاريخ القارَّة، كما تحقَّق في ظلِّها أمنٌ تامٌّ على الأنفس والممتلكات، وعدالةٌ اجتماعيَّةٌ ذات نسبةٍ عالية، وتحقَّقت في ظلِّها رفاهة اقتصاديَّة شاملة واضحة المعالم، وشهدت المجالات العمرانيَّة الحضاريَّة كافَّة تطوُّراً ملاحظاً على الرُّغم من القِصَر النِّسبيِّ لعُمْر دولة الخلافة التي لم تعش إلاَّ مائة عامٍ فحسب، وكان سقوطها إثر الغزو الإمبرياليِّ البريطانيِّ عام (1321هـ/1903م).

ولعلَّ ما يميّز شخصيَّة الشَّيخ دان فوديو التجديديَّة نجاحه في «صُنْع» الرِّجال الدُّعاة المصلحين، ذكوراً وإناثاً، حاملي الرُّؤية وتطبيقه في الواقع، وقد تجلَّى ذلك حتى قبل قيام دولة الخلافة، حين كان الشَّيخ في طور الدَّعوة والتربية والجهاد؛ حيث وصل طلبَته ومريدوه وقُوَّاده، وحَمَلة ألْويَته التي كان يعقدها لهم، إلى مواضع شاسعةٍ عن مركز الدَّعوة. كما تجلَّى هذا النَّجاح في صُنع الرِّجال، بظهور حركاتٍ تصحيحيَّة عدَّةٍ منبثقةٍ عن الخلافة الصُّكتيَّة، أو بالأحرى؛ فإنَّ جميع الحركات التّصحيحيَّة ببلاد السُّودان الغربيِّ، في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، هي منبثقةٌ عن الحركة التجديديَّة الصُّكتيَّة، منها: إمارة إلورينْ، وإمارة كونتاغورا بجنوبيِّ نيجيريا الحالية، والإمارة الإماميَّة «دينا» بعاصمتها «حمد الله» (1233هـ/1818م)، وحركة الشَّيخ عمر بن سعيد الفوتي (ت 1280هـ/1864م)، وحركة الشَّيخ محمد  الأمين صوننكي (ت 1306هـ/1888م)، وحركة الشَّيخ أحمد ديمي (ت 1312هـ/1894م)، وغيرها من الحركات الدّعويَّة والجهاديَّة التصحيحيَّة الناحجة بمنطقة سنيغامْبيا بغربيِّ إفريقيا.

هذا، وقد حدَّد الباحث في (الخاتمة) جملةً من النتائج والحقائق المهمَّة عن التجديد المتحقَّق ببلاد السُّودان؛ نتيجةً لحركة الشَّيخ دان فوديو الإصلاحيَّة وتأسيس دولة الخلافة، وهي نتائج عدَّها الباحث إجابةً مقنعةً عن الأسئلة الثَّلاثة المطروحة عن: ركائز الرُّؤية التجديديَّة عند الشَّيخ دان فوديو، ومدى تحقيقها في الواقع، وتأثيرها في بلاد السُّودان الغربي.

من تلك النّتائج:

أوَّلاً: أنَّ انتماء الشَّيخ دان فوديو إلى مجموعة الفولاني المسلمة، وإلى طبقة طُرودْبيهْ العلميَّة الملقَّبة بـ«أهل الكُتُب»، كان له الأثر المباشر في تشكيل الرُّؤية التجديديَّة في فكره وحركته، يُضاف إلى ذلك وجود ثقافةٍ علميَّةٍ إسلاميَّةٍ عريقةٍ ببلاد السُّودان الغربي، ومَوْروثٍ إصلاحيٍّ تجديديٍّ متواصلٍ في تاريخ المنطقة.. كلُّ ذلك وفَّر أرضيَّةً خصبةً لنماء الفعل التجديديِّ عند الشَّيخ دان فوديو وغيره من المصلحين المجدِّدين في التاريخ الإفريقي.

ثانياً: أنَّ دعوة الشَّيخ دان فوديو وحركته التجديديَّة قد انطلقت من رؤيةٍ دعويَّةٍ واضحةٍ مرسومة بإحكامٍ، بدأها بمشروعٍ تعليميٍّ تثقيفيٍّ مبسَّط في طُرُقه ومضمونه، مستهدفاً الشَّريحة العامَّة من المجتمع في القرى والأرياف، وفي المدن، موظِّفاً في ذلك الوسائل العادية من خطابةٍ ووَعظ، وأشعارٍ شعبيَّة، وكتابة رسائل مختصرة في شتَّى الموضوعات ذات العلاقة باهتمامات الأفراد والمجموعات اليوميَّة.

ثالثاً: أنَّ الشَّيخ قد عُني- أيَّما عنايةٍ- بتربية القادة والدُّعاة الذين عُرِفوا فيما بعد بـ«الجماعة»، رجالاً ونساءً، وكان من وسائله في هذه التَّربية والإعداد: تأليف رسائل مخصَّصة لهذه الفئة من الطَّلبة، كانت بأيديهم بمثابة أدلَّة عمليَّة في تربية نفوسهم روحيّاً ومعرفيّاً ومهاريّاً؛ من أجل القيام بمهمَّة الدَّعوة والتَّبليغ والتَّغيير.

رابعاً: أنَّ الشَّيخ دان فوديو قد ساهم إسهاماً عميقاً في إحداثٍ تغييرٍ ملحوظٍ في مجالاتٍ عدَّة: دينيَّة، واجتماعيَّة، وسياسيَّة، واقتصاديَّة، ففي المجال الدِّينيِّ- مثلاً- وُفِّق الشَّيخُ في إعادة المسلمين إلى تصحيح عقائدهم؛ بجعل القرآن الكريم المصدَرَ الأوَّل في أخذ العقائد، ونبذ البِدَع، والتمسُّك بالسُّنن النّبويَّة.

خامساً: أنَّ الخلافة الإسلاميَّة بتأسيسها على الشَّريعة الإسلاميَّة قد حقَّقت منجزاتٍ سياسيَّةٍ واقتصاديَّةٍ واجتماعيَّةٍ كثيرة، منها: تحقيق وحدةٍ وطنيَّة، وتنوُّعٍ إثنيٍّ ودينيٍّ متناغمٍ، وإحداث حالةٍ عاليةٍ من الأمن والعدالة الاجتماعيَّة، ونماءٍ اقتصادي، والارتقاء بالأداء الإداريِّ والسِّياسيِّ للحكَّام، تُحترم بموجبه الحريَّات والحقوق.

سادساً: أنَّ المرأة قد حظيت بمكانةٍ محوريَّة في الخلافة الصُّكتيَّة؛ مشارِكَةً في بنائها، وفي إدارة شؤونها، وفي الارتقاء بالجوانب الاجتماعيَّة بالمجتمع الهوساويِّ الفولاني.

سابعاً: أنَّ أكبر منجزات الفعل التجديديِّ الفوديِّ نجاحُهُ في استنساخ نفسه، وفي التَّرشيح لقيام حركاتٍ إصلاحيَّة في مناطق شتَّى من بلاد السُّودان، مثل حركات الجهاد بمنطقة سنيغامْبيا، وبمنطقة فولتا العليا، وبلاد يوريا، وهي جميعاً نتاجٌ مباشرٌ لحركة التجديد التي جاء بها الشَّيخ عثمان دان فوديو.

بالإجمال؛ يؤكِّد الباحث أنَّه «من الصَّعب رصد تأثير الحركة التَّجديديَّة الفوديَّة بأبعادها في الزَّمان والمكان؛ لذلك كان التَّركيز- في هذه الدِّراسة- حول تلمُّس تأثيراتها الماضية؛ إذْ إنَّ تتبُّع تأثيرها في المجتمع الإفريقيِّ الرَّاهن يحتاج إلى دراساتٍ متخصِّصة في مجالاتٍ متعدِّدة».

بعد ذلك أشار الباحث إلى أنَّ محاولة الكثير من ولايات نيجيريا تطبيق الشَّريعة الإسلاميَّة منذ 1999م، في مجال قانون الأحوال الشّخصيَّة والقانون الجنائي، هي محاولةٌ للعودة إلى التَّجربة الصُّكتيَّة النَّاجحة بكلِّ المقاييس، وباعتراف الإمبرياليِّ البريطانيِّ الذي اتَّكأ على هذه التَّجربة أيَّام الاحتلال الكولونيالي.

رؤية الباحث:

لعلَّ ما يمكن استخلاصُه من رؤيةٍ في هذا الكتاب؛ هو ما أشار إليه الباحث في الفقرة الأخيرة منه بقوله: «وما أحوَجَ مجتمعاتنا اليوم إلى النَّظر في هذا النموذج الصُّكتي، واستلهامِهِ في حلِّ الكثير من مشكلاتنا الرَّاهنة، خاصَّة في المجال الدِّينيّ السِّياسيّ الذي ما زلنا في مسافاتٍ بعيدةٍ عمَّا بلَغَهُ الشَّيخ دانْ فوديو وأعوانُه في تلك المجالات، رؤيةً وتطبيقاً».

كما رَجَا أن يُجلّيّ هذا الكتاب المتواضع للجيل المسلم المعاصر- الإفريقيِّ تحديداً- طرفاً من حياة هذا الدَّاعية المجدِّد؛ بما جسَّدَهُ من فَهْمٍ وَسَطيٍّ عميقٍ للإسلام: في مبادئه، وتعاليمه، وعباداته، وشرائعه… وما كان عليه من تسامُحٍ واسعٍ رحب، وما تحقَّق على يد الشَّيخ وأعوانه من نجاحاتٍ حضاريَّة مقارنةً بالواقع الإفريقيّ الحديث؛ على الرُّغم من وفرة موارد القارة، وإمكاناتها البشريَّة والطَّبيعيَّة، ووفرة الوسائل والأدوات الحديثة.

أخيراً:

تجدر الإشارة إلى أنَّ الباحث قد أورد في (ملحق الكتاب) مسارد لآثار الشَّيخ دان فوديو، وقد بلغت (115) مؤلَّفاً، المخطوط منها والمطبوع، وأكَّد أنَّ دراسته لم يتسنَّ لها الاطِّلاع على جميع تلك المصادر الأوَّليَّة، وبناءً عليه؛ رَجَا الباحث أن تُعنى البحوث المستقبليَّة حول الخلافة الصُّكتيَّة، وغيرها من الحركات التصحيحيَّة ببلاد السُّودان الغربي، بتحليل مضامين تلك المصادر الأوَّليَّة.

بقلم د. آدم بمبا

بلاغ صحفي

الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة تطلق قافلتها الوطنية
” ⴰⴽⴰⴱⴰⵔ ⵏ ⵓⵣⴻⵟⵟⴰ ⴰⵎⴰⵣⵉⵖ ”
تحت شعار:
من أجل ترسيم فعلي ومنصف للغة الأمازيغية ”
ⵅⴼ ⵢⴰⵏ ⵓⵙⵙⵏⵚⴱ ⵏ ⵜⵉⴷⵜ ⵉⵖⵎⴷⵏ ⵉ ⵜⵎⴰⵣⵉⵖⵜ

في إطار استراتيجيتها النضالية الهادفة إلى الترسيم الفعلي للغة الأمازيغية وتنفيذا للبرنامج الترافعي الوطني حول مشروعها ومقترحاتها بخصوص القانون التنظيمي المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية، تنظم الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة قافلة وطنية ترافعية ” aⴽabar ⵏ ⵓⵣⵟⵟⴰ ⴰⵎⴰⵣⵉⵖ “، تهدف إلى مواصلة التشاور مع مختلف المتدخلين السياسيين والمنتخبين و الفعاليات المدنية والجمعوية وعموم المواطنين حول رؤية الحد الأدنى التي تقدمت بها أزطا أمازيغ في مذكرتها التفاعلية مع مشروع قانون الدولة المغربية -26-16 وكذا الانخراط في خطوات تعبوية لبسط التبعات السياسية والحقوقية لتجاهل مطالب أزطا أمازيغ والحركة الأمازيغية والتفكير المشترك في سبل النضال الممكنة ضد التراجع الفعلي للدولة المغربية عن الترسيم الدستوري.
وقد اختارت “أزطا أمازيغ” أن يصادف موعد انطلاق هذه القافلة الترافعية مناسبة تاريخية للشعب المغربي وهي الاحتفال برأس السنة الأمازيغية؛ حيث ستنظم أنشطة ترافعية مختلفة من طرف فروع أزطا بسبع مدن وقرى بستة أقاليم وعمالات (الرباط، تيزنيت، تالوين بتارودانت، تنالت باشتوكة ايت بها، بويزكارن وإفران بكلميم، و أقايغان بطاطا)، على أن تستمر القافلة بعد ذلك في باقي جهات المغرب، بتنظيم أنشطة نضالية وتعبوية متميزة تحت شعار واحد ” من أجل ترسيم فعلي ومنصف للغة الأمازيغية “.

الشبكة الامازيغية من اجل المواطنة

المكتب التنفيذي:
الرئيس: عبد الله بادو

بيان

تلقى التجمع العالمي الأمازيغي، بارتياح مساء الأربعاء القرار الذي اتخذه الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة والمتعلق بجعل رأس السنة الأمازيغية، يوم عطلة رسمية مدفوعة الأجر اعتبارا من تاريخ 12 يناير 2018 القادم، وكذا تكليفه للحكومة بالإسراع في إعداد مشروع القانون العضوي المتعلق بإنشاء الأكاديمية الجزائرية للغة الأمازيغية، و كذا تعميم تعليم اللغة الأمازيغية انسجاما و روح الدستور الجزائري.

وإذ يشيد التجمع العالمي الأمازيغي بالقرار الذي اتخده الرئيس الجزائري لصالح الهوية والتاريخ الأمازيغيين الضاربين في عمق شمال أفريقيا.

يدعو الفعاليات والإطارات الأمازيغية والأحزاب المناصرة للقضية الأمازيغية في الجزائر إلى مزيد من الضغط على الحكومة والنظام لانتزاع مزيد من الحقوق الأمازيغية المشروعة بما فيها الحق في الحكم الذاتي للمناطق التي تتمتع بالخصوصية الأمازيغية كالقبايل والأوراس وايت مزاب والطوارق الأمازيغ بالجنوب الجزائري.

يؤكد وقوفه الدائم إلى جانب الأمازيغ في الجزائر واستمراره في الدفاع والترافع دوليا عن حقوقهم اللغوية والثقافية والسياسية الاقتصادية والاجتماعية…وفضح ممارسات النظام الجزائري اتجاههم.

من جهة أخرى، يدعو التجمع العالمي الأمازيغي الحكومة المغربية إلى الاستجابة لمطالب الفعاليات الأمازيغية بالمغرب وإقرار رأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا وعطلة رسمية مؤدى عنها اسوة بباقي الأعياد الوطنية والعطل الرسمية.

يؤكد استمراره في المبادرة التي أطلقها من أجل مراسلة رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني قصد الاستجابة لهذا المطلب المشروع؛ ويدعو باقي الفعاليات والإطارات والنشطاء والأحزاب السياسية إلى الضغط على الحكومة لانتزاع الاعتراف برأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا مؤدى عنه.

يؤكد استمراره في الحملة الشعبية الوطنية التي انطلقت من الأطلس المتوسط وشملت مناطق المغرب المختلفة، ويدعو في هذا السياق إلى الحضور يوم السبت 30 دجنبر الجاري أمام البريد المركزي بمدينة الحسيمة على الساعة الخامسة زوالا، ويوم الاثنين 01 يناير 2018، أمام البريد المركزي قرب مسجد الحاج مصطفى بمدينة الناضور على الخامسة زوالا، من أجل الانخراط في المبادرة وتوجيه رسائل جماعة لرئيس الحكومة.

التجمع العالمي الأمازيغي-المغرب

أمينة ابن الشيخ

رسالة لمعالي الدكتور سعد الدين العثماني، رئيس حكومة المملكة المغربية

Tabrat i Mass Aslway n Tenbath n Tgeldiyt Tamghrabiyt

تحية،
Azul,
وبعد،
يوم 13 يناير 2018، ستحل السنة الأمازيغية الجديدة 2968.
إننا إذ ننتهز هذه المناسبة السعيدة لنجدد لمعاليكم تهانينا ومتمنياتنا لكم بالتوفيق في مهامكم كرئيس لحكومة المملكة المغربية بعد التكليف الملكي السامي وبعد التشريف الذي حظيتم به من قبل الناخبين والناخبات على إثر الإنتخابات التشريعية ل 07 أكتوبر 2966 / 2016، فإننا نلتمس من معاليكم، وفقا للدستور الذي أقر البعد الأمازيغي كمكون رئيسي للهوية المغربية واعترف باللغة الأمازيغية كلغة رسمية للمغرب، ووفاءا لالتزامكم في البرنامج الحكومي الذي تقدمتم به أمام البرلمان بالرقي بالأمازيغية لغة وثقافة وحظارة، واستحظارا لالتزام المغرب باحترام سمو المواثيق الدولية، التي صادق عليها، على القوانين الوطنية، وتماشيا مع مستلزمات إستكمال مسار بناء دولة الحق والقانون التي تعزز الحريات الفردية والجماعية وتدعم نهج العدالة الاجتماعية والمجالية، (نلتمس منكم) إصدار مرسوم يكون مضمونه ما يلي:

– أولا، إقرار يوم 13 يناير من كل سنة ميلادية عيدا وطنيا للإحتفال بالسنة الأمازيغية الجديدة بالمملكة المغربية،

– ثانيا، اعتبار هذا اليوم يوم عطلة مؤدى عنها تتعطل فيه كل المرافق الإدارية والمؤسسات العمومية والخاصة،

– ثالثا، جعل هذه المناسبة السعيدة فرصة للإحتفال بالرصيد اللغوي والثقافي والحظاري العريق للأمة المغربية جمعاء والضاربة جذورها في أعماق التاريخ.

وإننا إذ نتق في التزامكم الراسخ وقناعتكم القوية لإنصاف مختلف مكونات وأبعاد الهوية المغربية الغنية بتعددها والرقي بها لتدعيم أسس الوحدة الوطنية وفق مقومات الأصالة العريقة ومتطلبات الحداثة المنشودة، فإننا نراهن على ما عهدناه من معاليكم من حسن تقدير المسؤولية التي تتحملون وزرها، مدعوما بثقة جلالة الملك محمد السادس ومسنودا بدعم سائر المواطنين والمواطنات، للاستجابة لمطلب حقوقي لاشك أنه سيساهم في ترسيخ مقومات العيش المشترك في إطار مغرب ديمقراطي تعددي ووحدوي.

وفي انتظار ما سيستقر عليه قراركم، تفضلوا، معالي رئيس الحكومة المحترم، بقبول فائق التقدير وأسمى الإعتبار.

Azul fellak.

اختتمت في العاصمة الموريتانية نواكشط فعاليات المؤتمر العالمي حول الاعتدال والسلام في السيرة النبوية الذي نظمته رابطة العالم الإسلامي بالتعاون مع التجمع الثقافي الإسلامي بغرب أفريقيا، تحت رعاية الرئيس محمد ولد عبدالعزيز رئيس جمهورية موريتانيا الإسلامية، وحضور الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الشيخ الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى، ومشاركة نخبة من أكثر من 24 دولة يمثلون المسؤولين والعلماء والمفكرين والباحثين وأساتذة الجامعات.
ودعا المؤتمر في بيانه الختامي إلى استلهام قيم الوسطية والاعتدال من السيرة النبوية والاستفادة من الدروس التي زخرت بها لتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام وأحكامه والتصدي لتيارات الغلو والتطرف، وتطوير الخطاب الوسطي بما يراعي فوارق الزمان والمكان، ويتلاءم مع ثوابت الإسلام، القائمة على الاعتدال، ويعالج مشكلات المجتمع المعاصرة، بعيداً عن الانفعال وردود الأفعال الآنية.
وشدد على معالجة الخلاف بين المسلمين بتعزيز التعاون في المشتركات، والتحلّي بالإنصاف، ورفْض التعصب والانغلاق، ورفض التحزب حول الأسماء والشعارات والأوصاف الطارئة على اسم الإسلام الجامع، وفتْح باب الحوار، مع الالتزام بأدب الخلاف، والرجوع إلى الحق. مؤكدا على ترسيخ المنهجية العلمية السليمة لدراسة السيرة النبوية بموضوعية واعية تتحرى الدقة والصحة والعمق في تناول أحداثها، وتستقرئ أبعادها الحضارية والإنسانية، وتستفيد من دروس التاريخ في النأي عما يثير الفتن والفرقة بين المسلمين.
كما دعا وسائل الإعلام إلى الإسهام في نشر ثقافة السلام والتفاهم والاعتدال، وعدم الترويج لثقافة العنف والكراهية، أو إشاعة ما يكدّر صفو العلاقات البينية، ويثير التوتر والشقاق، إلى جانب دعوة المؤسسات الإسلامية المعنية إلى العناية بتكوين الكوادر المؤهلة للاضطلاع بخطاب الوسطية في بعده الحاضن والشامل، وإشراكهم في معالجة الواقع وما يجدّ فيه على هدي من سيرة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم.
وبين المؤتمر أهمية عقد المناشط التي تستلهم القدوة والأسوة من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم وسير الصحابة الكرام، واستلهام الدور الحضاري للأمة الإسلامية، حاثا رابطة العالم الإسلامي والمؤسسات الإسلامية على التواصل مع المنظمات الدولية وفي مقدمتها (هيئة الأمم المتحدة) لاستصدار قرارات تمنع المساس بالرسالات السماوية، وتمنع التطاول على الرسل، وتجرم هذه الإساءات لما تؤدي إليه من تكدير السلم وتوفير مناخات مناسبة للقوى التي تسعى لتأجيج الصراع والعنف.
وطالب المنظمات الإسلامية الحقوقية إلى تكوين فريق عمل متخصص من رجال القانون والمحاماة لمتابعة ما يحدث من إساءة للإسلام ورموزه وشرائعه، لدى المحاكم والمنظمات الدولية المعنية بحماية الحقوق الإنسانية والدينية.
وأكد على مركزية قضية القدس في الوجدان العربي والإسلامي والدولي في سياق الحق التاريخي للشعب الفلسطيني. مشيراً المؤتمر إلى أنه يؤكد بذلك على هذا الحق المؤيد بالمرجعيات والقرارات الدولية ذات الصلة، مثمنا جهود رابطة العالم الإسلامي في خطابها العالمي المتميز في إيضاح حقيقة الإسلام واعتراض رسائل التطرف الديني وتطرف الإسلاموفوبيا.
وبحسب “واس”، كان حفل افتتاح المؤتمر قد شهد عدداً من الكلمات استهلها ممثل الرئيس في المؤتمر وزير العدل والقائم بمهام وزارة الشؤون الإسلامية الموريتاني جا مختار ملل شكر فيها الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي على اهتمام الرابطة بعقد مثل هذه الملتقيات العالمية. مثمناً مساهمة الرابطة وجهودها البناءة في توعية الأمة بقضاياها المعاصرة وفق منهج وسطي معتدل، وربطها بمصدر تشريعها من الكتاب والسنة.
وألقى الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الدكتور محمد العيسى كلمة أكدّ فيها على أهميّة تعزيز مفاهيم الوسطية والاعتدال في وعي الأمة المسلمة حتى تكون أقوالها وأفعالها ترجمة صادقة لرسالة الإسلام التي جاءت رحمة للعالمين. مشيراً إلى أن مركزية السيرة النبوية في علوم الأمة وسلوكها، وأنها الأنموذج الذي ينهل منه المسلمون وسطيتهم ومنهجهم الحضاري وأخلاقهم وطرائق تعاملهم مع الآخرين. داعياً العلماء لتذكير النشء المسلم بما تضمنته السيرة النبوية من معالم الرحمة والوسطية والاعتدال.
واستعرض صوراً من السيرة النبوية للتدليل الوثائقي على قيم الاعتدال والسلام فيها، حيث ثمَّن الحضور في تعليقاتهم ومداخلاتهم له حسن الاستشهاد بوقائع متعددة من السيرة ودقة التحليل العلمي لها كوثائق بارزة من شواهد السيرة للتديل على هذه القيم المترسخة في هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
وأضاف: إن تاريخ رسالة رابطة العالم الإسلامي مشع من قبلتهم الجامعة امتدادا لتاريخ الإشعاع الإسلامي. مثمناً الوجدان الإسلامي الكبير نحو الرابطة وقد انطلقت رسالتها من قبلتهم ومهوى أفئدتهم، فتاريخ الرابطة هو في حقيقته امتداد لتاريخنا الإسلامي فهي صلة مباركة على هدي نور هذه الرسالة توضح سبيلها القويم وهديها الكريم من مهبط الوحي والقبلة الجامعة.
كما تحدث خلال حفل الافتتاح الشيخ العلامة محمد الحافظ النحوي رئيس التجمع الثقافي الإسلامي بموريتانيا وغرب إفريقيا، وتناول في كلمته أهمية تنسيق الجهود في العمل على تجفيف منابع الإساءة إلى المقدسات، وتحصين الناشئة من تيارات الإلحاد والتطرف والغلو.
ودعا إلى تضافر الجهود الرسمية والشعبية لرعاية الأجيال القادمة وبناء شخصيتها وفق هدي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام التي تنأى عن الإفراط والتفريط، وأضاف فضيلته خلال كلماته في إطار فعاليات المؤتمر بأن الرابطة قلعة إسلامية عالمية أبرزت المشروع الحضاري للإسلام وجددت الخطاب الديني واحتضنت الجميع.

أكراو أمضلان أمازيغ” أو “التجمع العالمي الأمازيغي” هي منظمة غير حكومية دولية تدافع عن حقوق ومصالح الشعب الأمازيغي والمجتمعات المحلية.

الهدف الرئيسي للتجمع العالمي الأمازيغي هو جمع خيرة القوى المناضلة حول مشروع اجتماعي يقوم على قيم الحرية والمساواة والتسامح والديمقراطية وحقوق الإنسان، ومكافحة جميع أشكال التمييز والإقصاء والتهميش. ويسعى التجمع للدفاع عن حقوق الشعوب الأصلية الأمازيغية وتعزيزها وتطويرها؛ والدفاع عن مبدأ الحق في الحكم الذاتي للجهات، وإقامة مؤسسات ديمقراطية في جميع أنحاء تامازغا.

وسيركز المؤتمر التاسع للتجمع العالمي الأمازيغي على دور المرأة الأمازيغية في نقل قيم الشعوب الأصلية، القيم المشتركةالديمقراطية الأصيلة، القائمة على المساواة بين الجنسين والمواطنين، والفصل بين الشؤون الدينية والسياسية، والتسامح، والحرية والسلام …

ومنذ تأسيسه سنة 1995 في جنوب فرنسا، انعقدت عدة مؤتمرات لـ”أكراو أمادلان أمازيغ” بصورة دورية، وفقا لنظامه الأساسي وقرارات أجهزته: فانعقد المؤتمر الأول في تافيرا (جزر الكناري في عام 1997)، ثم في ليون (فرنسا 1999)، روبيكس (فرنسا، ليل 2002)، الناظور (المغرب، الريف، 2005)، تيزي وزو (الجزائر، القبائل 2008)، بروكسل (بلجيكا 2011)، تزنيت (المغرب، سوس، 2013)، وإفران (المغرب، الأطلس المتوسط، 2015).

وبذلك سنكون مقبلين، مطلع السنة المقبلة، على تنظيم المؤتمر التاسع لأمازيغ العالم، وذلك في مدينة مراكش بمنطقة الأطلس الكبير، أيام 15 16 و17 فبراير 2018/2968. والمقترح أن يظل هذا المؤتمر، شأنه في ذلك شأن المؤتمرات السابقة، فضاء للتفكير والتبادل والمناقشة بخصوص ضرورة إنجاح المشاركة الفعالة للمواطنات والمواطنين والشعوب والقبائل الأمازيغية في انتزاع الديمقراطية ببلدانها، والمساعدة في مواجهة التجاوزات الاستبدادية لأنظمة دول تمازغا من جهة، ومواجهة الإسلاموية السياسية والبعثية الشمولية من جهة أخرى.

وتجدر الإشارة إلى أن لجنة تحضيرية تأسست في مراكش، من أجل التحضير والاستعداد للمؤتمر.

بالنسبة للجمعيات والمنظمات غير الحكومية المهتمة بالمشاركة، يرجى الوفاء بالشروط التالية:

– إرسال طلب العضوية للتجمع العالمي الأمازيغي.

– قبول القانون الأساسي للتجمع العالمي الأمازيغي ومشروعه السياسي “ميثاق تامازغا”

تستضيف موريتانيا المؤتمر الدولي للسيرة النبوية الذي تبدأ فعالياته يوم الخميس المقبل وتستمر 3 أيام بقصر المؤتمرات بالعاصمة نواكشوط بمشاركة وفود وممثلي 24 دولة.

وجاء في بيان للتجمع الثقافي الإسلامي في موريتانيا وغرب إفريقيا اليوم الإثنين، أن المؤتمر سيشهد مشاركة كوكبة من العلماء والمفكرين وقادة الرأي من 24 دولة إسلامية ومن أقليات مسلمة من أوروبا وأمريكا، وأن الموضوع الرئيسي للمؤتمر هو “قيم الاعتدال والوسطية وفق المنهج النبوي”.

وأشار البيان إلى أن المؤتمر يعقد تحت رعاية الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز وسيحضره الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي.

ويشارك في المؤتمر نخبة من المهتمين بنصرة الحبيب المصطفى صل الله عليه وسلم إذ يتم تدريس سيرته العطرة من خلال جلساته العلمية.

في ذات الاطار،أطلقت شركة “ألفا آبس” المتخصصة في نشر تطبيقات الهواتف الذكية ومقرها أبوظبي، الجمعة، تطبيق “السيرة” الذي يعد أول تطبيق تفاعلي يروي للأطفال سيرة النبي محمد (ص) على الأجهزة الذكية.ويحكي تطبيق “السيرة” من خلال رسوم كرتونية عالية الجودة، وإنتاج مميز قصة السيرة النبوية للنبي محمد (ص)، منذ ولادته إلى حجة الوداع.وأوضحت الشركة أن كامل المحتوى تمت الموافقة عليه من قبل هيئة أوقاف أبوظبي ومجلس الإعلام الوطني لدولة الإمارات.

وقد قام على تطوير التطبيق فريق عمل من المبرمجين، والفنانين، وفنيي الصوت، بالإضافة إلى خبراء تربويين، لتقديم تطبيق هو الأول من نوعه بهذا المستوى.ويتوفر التطبيق على متجر آبل للتطبيقات حالياً، ومن المفترض أن يتوفر على متجر غوغل بلاي قريبا.وتم اختيار شهر رمضان لإطلاق “السيرة”، ليشكّل فرصة مناسبة للأهل لتقديم التطبيق لأطفالهم، إذ إن التطبيق يركّز على الأخلاق التي تميّز بها النبي، وما تتضمنه تعاليم الدين الإسلامي من حض على السماحة والرحمة والاعتدال. وهي التعاليم التي يجب أن تصل إلى الأطفال بطريقة جميلة وتناسب التطور التقني الذي يعيشه الجيل الجديد.

ويتكون التطبيق من 11 حلقة مليئة بأحداث السيرة الدرامية والموثقة، ثلاث من هذه الحلقات تم إطلاقها فيما سيتم إطلاق الباقي بشكل شهري، مع العلم أن الحلقة الأولى مجانية وستتوفر باقي الحلقات للشراء من خلال التطبيق. كما يمكن دعوة 5 أشخاص لتحميل “السيرة” باستخدام الرابط الموجود داخل التطبيق، ليحصل المستخدم على الحلقة الثانية والثالثة مجانا.ويتوفر التطبيق باللغتين العربية والإنجليزية، بالإضافة إلى احتوائه على ميزات تفاعلية وألعاب للطفل.

وبهذه المناسبة، صرّح المدير التقني في “ألفا آبس” سائد الغوراني قائلا: “يقدم “السيرة” للأطفال محطات من تاريخ النبي (ص) ودعوته للإسلام، بما يعكس سماحة الدين والأخلاق والقيم التي يدعو إليها، والأسس التي ساهم فيها النبي لإرساء مجتمعات الخير والعمل والأخلاق”.