“أحفاد القصيدة”: شعراء يعبرون”بحر القلب إلى شارع المجاز”

مكتويا بأوار الهم الشعري المغربي ممارسة وتنظيرا, يواصل الشاعر والكاتب عبد الهادي روضي إثراءه للخزانة المغربية, فبعد كتابيه الشعريين “بعيدا قليلا” 2008 و”عزلة النهر” 2013 صدر له بحر هذه السنة كتاب “أحفاد القصيدة”, الجزء الأول من انطولوجيا شعرية تندرج ضمن مشروع نظري ينتصر لماء الشعر ويراهن على “تجديد منظار الرؤية إلى الأسماء الشعرية المغربية” ص 06, ولعل أهميته تكمن في إتاحته لنا أن “نكتشف, اليوم, واقعا آخر من الشعر, متجددا ما يفتأ يؤسس, متحديا طمأنينة النقاد وعاداتهم في القراءة” (ص 04).

يَعبر “أحفاد القصيدة” بنا “بحر القلب إلى شارع المجاز” بعبارة أمجد مجدوب رشيد الشعرية في قصيدته والت وايتمان(ص 10), ليعرفنا بشعراء آلوا على أنفسهم الإنصات لنبض الوجود وإعادة تشكيله شعرا دونما ضجيج أو ركون إلى القبيلة أو المؤسسة واعين باختياراتهم الجمالية وآفاقها الشعرية, حيث يقول صاحبنا: “في واقع الشعر المغربي نصغي إلى هذه الحداثة المتحولة باستمرار, وهي تبتكر زمنها الخاص وتسترفد حياة مصطخبة من النصوص والصور والتمثلات, بقدر ما تتبلور داخلها متخيلات جديدة لشعراء من أراض وأوفاق وحساسيات مغايرة ترتاد أفقا شعريا, وتفتح في ردهاته وعيا جديدا بالمسألة الشعرية برمتها” (ص04).

ينقسم الكتاب الصادر عن منشورات مكتبة سلمى الثقافية في 128 صفحة من القطع المتوسط إلى مقدمة بعنوان أي واقع للشعر المغربي اليوم؟ ونماذج من نصوص الشعراء ثم ثلاثة ملاحق تتناول على التوالي التجربة الشعرية المغربية وسير أحفاد القصيدة وبيبليوغرافيا, حيث عكس لنا بصورة إجمالية مختلف التجارب المختارة التي اجترحت مسارها الخاص في المشهد الشعري بكثير من الصبر والأناة.

بلغة الأرقام تحتفي هذه الأنطلوجيا بأربعين اسما شعريا يتوزعون على اثنين وثلاثين شاعرا وثمان شواعر, تتراوح أعمارهم بين 57 و27 سنة, وأنتجوا 66 مجموعة شعرية, بينهم ثلاثة شعراء لم يصدروا مجاميعهم بعد (على الأقل إلى حدود كتابة العمل), فضلا عن الاحتفاء بشاعرين متوفيين هما الشاعر كريم الحوماري المتوفى سنة 1997 والذي صدرت مجموعته الشعرية “تقاسيم على آلة الجنون” بعيد وفاته والشاعر منير بوليعيش المتوفى سنة 2010, وعلى مستوى التوزيع الجغرافي ينتمي شعراؤنا إلى 23 مدينة تغطي مناطق مختلفة من المملكة.

وعلى المستوى الإيقاعي من الواضح اختيار أغلب شعراء الأنطلوجيا (35 شاعرا) لكتابة قصيدة النثر, بينما اختار الباقون كتابة قصيدة التفعيلة, تقول الشاعرة نسيمة الراوي في قصيدتها “نكاية بالمدينة” المهداة إلى روح الشاعر منير بوليعيش “أتوسد حلمك لأكمل حلمي/ بقصيدة نثر تعلق أبياتها/ على سياج مقبرة/ نكاية بالموت/ نكاية بالمدينة” (ص75), أما بالنسبة لاختيار الأسماء فقد حكمته مجموعة من الاعتبارات أجملها الكاتب في يلي (ص06):

أولا: قيمة الأسماء الشعرية المختارة.

ثانيا: استجابة بعض الأسماء الشعرية وعدم تفاعل الآخرين مع دعوة الكاتب للمشاركة.

ثالثا: عدم تطوير بعض الأسماء لأدوات اشتغالها.

رابعا: تعذر الاتصال بالعديد من الأسماء الشعرية لغيابها عن المشهد الثقافي.

خامسا: المراهنة على تقديم أسماء شعرية محسوبة على منتصف تسعينيات القرن العشرين.

وعلى سبيل الختم أدلي ببعض الملاحظات التي عنّت لي بادئ الرأي:

أ): جاء العمل ليسد بعض ثلم النشر في ظل الصعوبات الجمة التي تعتري الباحث أمام غياب أوضعف دعم المؤسسات الرسمية.

ب): ضرورة تكاثف جهود الكتاب والباحثين المهتمين قصد إغناء المكتبة الوطنية والعربية في هذا المجال من البحث.

ت): لا ننكر وجود بعض المحاولات البيبليوغرافية الجادة لاسيما داخل الجامعات, بيد أن أغلبها يبقى رهين الخزانات الجامعية, لذلك تبدو الحاجة إلى عمل مؤسسي أمرا ملحا في المنظور القريب.

وأخيرا: لابد من تعامل المبدعين بنوع من الجدية مع الطلبات التي يقدمها الباحثون والكتاب لانجاز مثل هذه الأعمال التي لا تخفى قيمتها العلمية في التعريف بالمبدعين والكتاب في شتى المجالات.

 

محمد الإمام ماءالعينين

كاتب وشاعر من المغرب.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى