إتفاق المصالحة المالية.. “خطوة إيجابية” أم “خيار الاضطرار”؟

لا زال اتفاق السلام و المصالحة في مالي الذي تم التوصل إليه مؤخرا بين الحركات الأزوادية المقاومة بجانب الحكومة المالية و منسقية الحركات الأزوادية المعروفة بالمتمردين و الحكومة المالية وشمل الاتفاق تشكيل لجان تطبيق الاتفاق خلال خمسة أيام من عمر الاتفاقية بما يُمهد لإجراء انتخابات تأجلت كثيرا في الأراضي المالية وصارت مسار ردود فعل متضاربة وتقييمات متباينة بين هذا أو ذاك ما أدى إلى معارك عنيفة بين ما يعرف بحركات بلاتفورم وما يسمي نفسه بمنسقية الحركات الأزوادية، فيما أغضب ذلك المنسقية التي سارعت إلى تعليق محادثات السلام التي تدعمها الأمم المتحدة، وتسابقت الأطراف المعنية بالوساطة بينهم بما فيها الحكومة المالية التي كانت بالأمس عدوا لأحد الطرفين إلى حل يرجعهم إلى الاتفاقية ونجحت الأطراف في تسوية الأمر بين المتصارعين بلاتفورم و المنسقية عادوا  إلى المشاركة في الاتفاقية كأن شيئا لم يحصل!، و لكن سريعا ما تدخلت الأطراف التي كانت عدو اليوم لتكون عدو الأمس ضد عدو جديد ألا وهو حركات معروفة ولدت من نفس الحركات التي تحاول الهيمنة على الساحة من ألف إلى ياء وذلك لأنها حركات من منطقة معينة.

إذا لاحظت كمتابع للأحداث الأزوادية ستلاحظ بمن تتكون حركات بلاتفورم وحركات المنسقية المذكورة ومن أي منطقة هي، حين إذٍ لن تستغرب من أن تتفق ضد هذا العدو الجديد الذي ستلاحظ أيضا من من؟ ومن أين!

وذلك لا يمنع وجود فئة قليلة من هذه في ذاك.

ما يعني أن المصالحة و الوحدة الوطنية المصفق لها مجرد انتقال من مرحلة على أخرى.

برُؤية مغايِـرة، أرى بأن من الكواليس، يبدو أن اتفاق المصالحة هو “خيار الإضطرار”، الذي فرضته مُعطيات المشهد السياسي على كِلا الطرفيْن. فحركة الدفاع الذاتي ’’غاتيا’’وحلفائها سيْطر عليها الشعور باليأس من تحقيق أدنى تقدّم في “عملية السلام”، في ظلّ التعنّت الذي تقوم به المنسقية ولذلك  قامت بذكاء إلى التطوع بمبادرة السلام بينها و المنسقية ليعطيها ذلك شرعية أوسع…

أما الحركات الأخرى العدو الجديد لبلاتفورم_المنسقية ، فهي تقع فريسة لحِصارٍ خانِق تشنه عليهم المذكورتين والذي راهنت عليها كثيرا، كما يبين عودة الدّعم المالي كما كان، لبعض الأطراف تحت الطاولة  بات محلّ شك، إضافة إلى غموض سياسة التنظيمين بلاتفورم و المنسقية.

 

قد يرى أحد الطرفيْن أو كِلاهما أن اتفاق المصالحة هو مجرّد “خطوة تكتيكية” وليست “إستراتيجية”، من أجل تحقيق مكاسِب مرحلية لذلك يجب انتهاز الفرصة فيها بعيدا عن تنفيذ بنود الإتفاق وعدم التزام كِلا الطرفيْن بما ورد فيه، كمشاركة جميع الأطراف دون عملية الإقصاء لجهة عن أخرى لأنها من منطقة ما.

 

إن بقاء حالة الانقسام في الساحة الأزوادية، هدف من الأزواديين بالدرجة الأولى، ولا يصبّ إلا في مصلحة الطرف المالي الذي يعمل لديه الكثير من الأزواديين تحت الطاولة!

من جهة أخرى، إن موافقة الطرفيْن على محاولة الإتفاق في هذا التوقيت، جاءت بسبب المأزق الكبير الذي يُواجهانه، كلّ على حِدة فشل رهانهما تماما على نجاح الصراع غير المباشر الذي كانوا يعيشونه  ولم يحقّق أدنى تقدم في مشاريعهم. وقرار محاولة الاتفاق جاء في محاولة من كِلا الطرفيْن لكسر مأزقه.

 

 

أهم القضايا المنسية في الاتفاق الموقع عليها بين الحركات والحكومة المالية:

 

لم يسع الإتفاق إلى تسوية المسائل الأكثر حساسية التي تفصل بين الأطراف الأزوادية.

لم يُوضّح ما إذا كانت الحكومة الوطنية المالية في المدن الشمالية (أزواد) ستكون برئاسة إحدى الحركات أم أنها ستشمل جميع الحركات، نظرا لخلافاتها.

لم يتطرق على المناصب أو الدور الذي سيلعبه قادة الحركات داخل الحكومة المالية مستقبلا.

لم يذكر ما إذا كانت كيدال ستظل تحت سيطرة المنسقية أو ما إذا كانت السلطة المالية ستعود مرة أخرى لتحكم القطاع المنشق، لاسيما المعابر الحدودية مع الجزائر وموريتانيا. علما بأن القوات الأممية والفرنسية ليست دائمة للدفاع عن السلطات المالية و الحركات الأزوادية من الحركات الإسلامية.

لم يعالج الأمر الهائل في الوظائف الحكومية الموجودة التي ينتظرها الكثير بما في ذلك احتمالية توحيد قوات الأمن المتنافرة.

 

خلاصة:

لا شك بأن الاتفاق بين الأشقاء الأزواديين سيترك تداعيات على مجمل ملفات المنطقة، وخصوصا الملف الأزوادي. و لكن أيا كان الموقف الجديد، فلن يكون الشخص أو أشخاص منوطا به وحده الحكم على مستقبل القضية الأزوادية.

إن لم يتم إنهاء الانقسام والتوصل إلى إستراتيجية وطنية، فإن المتغيرات والتحولات المستقبلية ستكون مجرد عوامل لتحرك جديد لن يسهل توظيفها.

إذا كان من المهم معرفة ماذا تريد مالي من موقفها حيال القضية الأزوادية والعلاقة مع مختلف الأطراف الأزوادية، فإن الأكثر أهمية يتعلق بماذا يريد الأزواديون أنفسهم، وخصوصا النظام القبلي الجهوري الرسمي؟

 

*حسين أغ عيسى

*صحافي وكاتب إعلامي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى