إشكالية الإرث على صفيح ساخن

الأستاذ الجامعي  لحسن رحو: مقدمة في تأصيل بعض المنطلقات النظرية لأحكام الإرث “الجزء الأول”

 

في الكثير من الحالات، يحاول الفقه المحافظ، على مدى قرون من الزمن، أن يركز في أذهاننا فكرة مؤداها أن بعض القواعد محسوم فيها ولا يمكن أن تُمَسَّ أو تُناقَش أو يطالها تعديل أو إعادة قراءة، وأنها بمثابة محكم الإغلاق لا يملك أحد، من اللاحقين، أداة فتحه، وأنها ستظل حاملة للمعنى، ذاته، على امتداد السنين. ومن هذه القواعد ما وقع ترتيبه من تفسير لقوله تعالى في سورة “النساء” : ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾. بينما هناك أسئلة مشروعة تفرض نفسها من قبيل : هل الحصة العائدة إلى المرأة، هنا، هي حد أدنى أم حد أعلى؟ ألم تكن الوصية هي الأصل ثم حاد الفقه عن هذا الأصل؟ هل تَمَّ الالتزام، دائمًا، بحرفية النص في قضايا الإرث من طرف كافة الفقهاء المغاربة، في جميع المراحل والظروف، أم تَمَّ الخروج عن ذلك تحت تأثير اعتبارات اجتماعية واقعية؟ ألم يكن الصحابة أنفسهم قد أسسوا لمنهج تقديم المصلحة (في المعاملات) على التفسير الحرفي وبلوروا فكرة “حيثما كانت المصلحة فثمة شرع الله”؟

وبمناسبة النقاش الدائر حول قضية المساواة في الإرث بين الذكر والأنثى،  سنحاول عرض العديد من آراء الباحثين في هذا المجال، وسنبدأ  في الحلقة الأولى من هذا السجال برأي الأستاذ الحسن رحو أستاذ في علم المواريث بكلية محمد الخامس بأكدال ويوضح من خلال مقدمة في تأصيل بعض المنطلقات النظرية لأحكام الإرث مايلي نصه:

 

لابد من التأكيد بداية على أن مجال موضوع الإرث هو القانون الوضعي كتتويج لمرحلة ظل فيها الموضوع كغيره من موضوعات حياة المسلمين منطقة نفوذ فئة من المعتاشين من الدين، مارسوا -بدون تفويض من

أحد-أهم سلطات الدول قديما كما حديثا، وهي السلطة  التشريعية، حتى إن دولة المسلمين تكاد تكون الوحيدة في التاريخ التي صودرت فيها هذه السلطة بوضع اليد وبمباركة  من الدولة نفسها، علما بأن أحكام المواريث في الإسلام كغيرها هي أحكام مدنية، وانطلاقا من هذا المعطىكان لامفر من اعتماد منهج تاريخي لاستقراء نشأة وتطور أحكام الإرث ولكشف بدائل كثيرة متاحة، او احتاج الأمر،دون الوقوع في فخ التلفيق، خاصة وأنه في الوقت الذي دخل فيه الآخرون مرحلة تحديث الحداثة مازلنا نحن لم ندخل الحداثة أصلا، وأبرز شاهد على ذلك أن المشرع المغربي مازال يتحدث في سنة 1424للهجرة/2004 للميلاد عن ولاء العتاقة في معرض حديثه عن أسباب الإرث، مما يجعل أي حديث عن مقاربة للتنمية البشرية، وهو الموضوع الشاغل لإهتمام المجتمع اليوم- لايوظف قواعد توزيع الثروة، ومنهاقواعد توزيع الإرث، ولايأخذ بعين الإعتبار بشأنها أن هناك تمييزا على أساس الجنس أو الحرية حديثا غير واقعي، وبصدد هذا التمييز غير المبرر بالذات سنبدأ من البداية، ولكن المنطلق من جذور التاريخ.

انقسمت الحضارات الإنسانية القديمة، منذ تحول الملكية من جماعية إلى أسرية ثم فردية- بين من ورث الذكور والإناث معا كما هو حال البابليين، ومن تلاهم في شمال شبه الجزيرة/المعربة، ومن حصر توريث الأراضي الزراعية في الإناث فقط والتسوية بين الجنسين في غيرها كما هو حال قدماء المصريين، وهناك من حصر الإرث في الذكور فقط كقدماء الأمازيغ، حيث مازالت آثار هذا الوضع عند بعض أمازيغ الأطلس بالمغرب والقبائل بالجزائر، وهناك من حصر الإرث في  بعض الذكور فقط دون غيرهم بغض النظر عن الجنس مثل أ‘راب الجزيرة، وخاصة وسطها وجنوبها ،وذلك اعتبارا لأن بيئتهم قامت على الصراع على مصادر الماء والكلأ، وهي عصب الإنتاج الرعوي ، وتعتبر القوة هي المنشئة للحقوق على هذه المصادروحامية هذه الحقوق ومعدلتها وملغيتها، وحيث إن المرأة لا تحمل السلاح فهي لاترث، وليست وحدها في ذلك الوضع فمثلها عومل الذكر الصغيروالمعاق والشيخ، وتبرير هؤلاء الأعراب لهذا الوضع كأن قولهم:”كيف نورث من لايركب فرسا ولايحمل سيفا ولاينكأ عدوا”.

ففي ظل هذا الوضع، حيث جاءت الرسالة المجددة للإسلام، كان لابد من اصطدام النص بالعرف وارتفاع حدة الخلاف بشأنه حد التكفير، ولذلك فإن واقع كون جذور أول تمرد في الإسلام مردها قواعد الإرث الجديدة بالذات، كما فهماها المسلمون وطوعوها أو حاولوا ذلك لصالح أعرافهم، هو واقع ذو دلالات عميقة، فإذا كانت الرسالة المجددة فتحت ثغرة في جدار منع الإناث عموما  من نصيب في الإرث تعميقا لتحول في المجتمع الأعرابي بدأ التأسيس له مع”الجاهلين”، فإن فاطمة بنت الرسول عندما طالبت أبو بكر بإرث أبيها في فدكومابقي من خمس خبير تصدى لها بحديث مفترض نصه “نحن الأنبياء لانورث وما تركناه صدقة”، فأنكرت فاطمة هذا الحديث وأيدها في هذا الإنكار علي بن أبي طالب، وقد كان بإمكانه-أي أبو بكر- أن يتصدى لمطالبتها بكون المال المقصود هو لبيت المال وليس لمورثهم، مع ذلك فقد كتب خليفتان برد فدك إلى ورثة فاطمة والخليفتان هما: عمر بن عبد العزيز والمأمون، ويبدو أن هذه الأحداث المرتبطة بإرث فاطمة كانت وراءها أعراف وحسابات، وإلا فإن الرسول عندما تبنى زيد بن حارثة، وكان مولى لزوجته خديجة،قال:”اشهدوا هذا ابني وارثا وموروثا” وفي القرآن أيضا:”…..وورث سليمان داوود”، وهما في عرف المسلمين- بخلاف اليهود- نبيان.

ووللأمانة التاريخية، فإن التوجهات الإسلام النصي الصحيح تعتبر ثورة بمعنى الكلمة مقارنة حتى ينظم الإرث في كثير من الدول المعاصرة بما فيها دول تدعي الحداثة، مما يعني بدءا ومنتهى أن دعوات التغيير من داخل منظومتنا الثقافية تجد مشروعيتها في الطموح إلى الأفضل نسبة إلى التغيرات التي تطرأ على نمط الحياة تمشيا مع منطق التاريخ وليس اتباعا أو تقليدأ لأحد، وعموما ليس عيبا أن تطمح الثقافات والشعوب إلى الريادة- فالإسلام إذن كان ثورة قياسا لزمنه، وإن كان ثورة تجد جذورها فيما قبله- أو”تاريخ الإسلام لما قبل الإسلام”- سواء محليا أو إقليميا،؟ خاصة فيما يتعلق بالنصوص الأولى قبل انهزامها أمام أعراف بعض من دخلوا الإسلام وهو ما سنوضحه في الجزء الثاني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى