الأمازيغية و”الإفراج المقيد بشروط”

عبد الواحد درويش (ناشط أمازيغي)

 في سابقة هي الأولى من نوعها، أقدمت السلطات يوم 09 يونيو الجاري، وبشكل مفاجئ، عن الإفراج عن معتقل الرأي الأمازيغي حميد واعضوش، بعدما قضى 9 سنوات و17 يوما بسجن بوركايز بمكناس، وهو الإفراج الذي أتى مقيدا بشروط تفعيلا لقرار جديد أرادت من خلاله حكومة عبد الإله بن كيران أن يجسد، بكل إصرار وترصد، في أول تطبيق له، في حق أحد معتقلي الرأي من صفوف الحركة الأمازيغية.

ما هي السياقات التاريخية والدلالات السياسية لهذا القرار؟

  • أولا، لقد جاء قرار “الإفراج المقيد بشروط” عن معتقل الرأي حميد واعضوش 17 يوما فقط بعد إطلاق سراح رفيقه، من نفس السجن وفي إطار نفس القضية، معتقل الرأي سابقا مصطفى أوساي الذي أطلق سراحه، لكن بدون قيد أو شرط (…)، وذلك يوم 22 مايو 2016؛
  • ثانيا، جاء هذا القرار أسبوعا فقط بعد التصريحات الخطيرة والمستفزة لوزير التعليم العالي والبحث العلمي لحسن الداودي الذي اتهم من خلالها، ومن تحت قبة البرلمان في إطار جلسة الأسئلة الشفهية ليوم 31 مايو الأخير، رموز الحركة الأمازيغية بتنظيم حفل استقبال ل “القاتل” مصطفى أوساي كانوا فيه “مدججين بالأسلحة البيضاء” (…)، على حد ادعائه؛
  • ثالثا، يأتي هذا القرار ثلاثة أسابيع فقط بعد صدور بلاغ لوزارة الداخلية يوم 17 مايو الأخير يصف تقرير وزارة الخارجية الأمريكية حول حقوق الإنسان بالمغرب لسنة 2016 ب “الكذب الموصوف”، وهو التقرير الذي أفرد، ولأول مرة، حيزا كبيرا للحديث عن وضعية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الأمازيغية بالمغرب؛
  • رابعا، يأتي هذا الإفراج شهورا معدودة بعد وفاة الطالب الشهيد عمر خالق الأربعاء 27 يناير 2016 على إثر اعتداء شنيع تعرض له أثناء هجوم مسلح نفذته ضده مليشيا إرهابية تابعة لفلول “بوليزاريو” بالحرم الجامعي بمدينة مراكش؛
  • خامسا، يأتي هذا القرار بعد استكمال حكومة عبد الإله بن كيران لمسلسل الإجهاز عن ما تبقى من المكتسبات التي حققتها الحركة الأمازيغية بعد نضال مرير، إجهاز ممنهج بدأ بعرقلة متعمدة ومقصودة لتدريس اللغة الأمازيغية وتهميش هذه الأخيرة في وسائل الإعلام العمومية وإقصاءها من الفضاءات العامة وكذا اتخاذ الثقافة والهوية الأمازيغيتين مادة للتنكيت والسخرية من قبل رئيس الحكومة وعدد من وزراءه (وصفه لأبجدية “تيفيناغ” ب “الشنوية” وإيحاءاته بكون أهل سوس بخلاء وشحيحين)؛
  • سادسا، يأتي هذا “الإفراج المقيد بشروط” عن معتقل الرأي حميد واعضوش وحكومة عبد الإله بن كيران تستعد في غضون الأسابيع المقبلة ل “الإفراج المقيد بشروط” عن مشروع القانون التنظيمي حول كيفيات تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وهو المشروع الذي مازال لحد كتابة هذه الأسطر حبيس دهاليز الأمانة العامة للحكومة في انتظار إحالته على المجلس الوزاري الذي سيترأسه جلالة الملك قبل إحالته في الدقائق الأخيرة من الولاية التشريعية الحالية على البرلمان؛ هذا الأخير لن يتمكن في جميع الأحوال من دراسته والتصويت عليه إلا بعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في 07 أكتوبر المقبل وكذا بعد تشكيل الحكومة المقبلة، وهو ما سيمكن عبد الإله بن كيران من تنفيذ وعيده بأن الأمازيغية لن تتمتع في عهد حكومته بأي حق من الحقوق المنصوص عليها في دستور 2011؛
  • سابعا وأخيرا، يأتي هذا الإفراج والنضال الأمازيغي بالعديد من بلدان شمال إفريقيا (تامازغا) يعيش انتعاشا ملحوظا ينذر بتحولات جيو- سياسية عميقة ومتتالية برزت أولى ملامحها في منطقة “أزواد” (شمالي مالي) ومنطقة “القبايل” (الشمال الشرقي للجزائر) ومنطقة “إزنتان” (الشمال الغربي بليبيا)؛ تحولات دفعت ديبلوماسيا مرموقا في البعثة الدائمة المغربية بالأمم المتحدة بمناسبة احتفال الأخيرة بالذكرى السبعين لتأسيسها على التأكيد على المطالب المشروعة للشعب القبايلي معتبرا أنه: “يجب أن يتمتع هذا الشعب، الذي يصل تعداده إلى 8 ملايين نسمة، والذي يعود إلى 9000 سنة، بحقه في الحكم الذاتي والاعتراف بهويته الثقافية واللغوية، وذلك تماشيا مع المادة 1 من ميثاق الأمم المتحدة، والمادة 2 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة الأولى من الميثاقين الدوليين الخاصين بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وبالحقوق المدنية والسياسية، والمادتين 1 و4 من إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية “.

هذه إذن هي بعض المؤشرات التي تمكننا من سبر أغوار قرار حكومة عبد الإله بن كيران القاضي ب “الإفراج المقيد بشروط” عن معتقل الرأي سابقا حميد واعضوش. إنها نفس المؤشرات التي ستمكننا، في غضون بضعة أسابيع، من سبر أغوار القرار المرتقب لحكومة عبد الإله بن كيران “الإفراج المقيد بشروط”عن مشروع القانون التنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية. بكل تأكيد، فإن هذا المشروع لن يكون في أحسن الأحوال سوى تعبير عن امتثال رئيس الحكومة بغير قليل من الامتعاض لأحكام مقتضيات الفصل 86 من الدستور التي تؤكد على أن : “تعرض مشاريع القوانين التنظيمية المنصوص عليها في هذا الدستور وجوبا قصد المصادقة عليها من قبل البرلمان، في أجل لا يتعدى مدة الولاية التشريعية الأولى التي تلي صدور الأمر بتنفيذ هذا الدستور”.

لنعد قليلا إلى الوراء: قبل 22 سنة، كان قرار الراحل الملك الحسن الثاني والذي أعلن عنه في خطاب 20 غشت 1994 الإفراج عن 11 معتقل رأي كان منهم ثلاثة معتقلي رأي أمازيغيين من معتقلي جمعية “ثيليلي” بكولميمة (وهم علي حرش الراس، الطاوس مبارك وعلي إيكن) قرارا سياسيا أملته ضغوطات وطنية ودولية بالأساس حول ملفات مرتبطة بأوضاع حقوق الإنسان بالمغرب. لم تفرض “حكومة جلالة الملك” حينها أي صيغة من قبيل “الإفراج المقيد بشروط” عن هؤلاء المعتقلين. بالعكس من ذلك تماما، فقد تمت تسوية بعضا من أوضاعهم الاجتماعية وتم إدراج ملفاتهم ضمن هيأة الإنصاف والمصالحة.

اليوم، وبعد 22 سنة من النضال الأمازيغي، هاهي ذي حكومة عبد الإله بن كيران، والتي يقال عنها أنها تمخضت عن الحراك الشعبي الذي أنتج “دستور الحقوق والحريات”، تتوج مسلسل انتهاكاتها الجسيمة لكل التعهدات المتعلقة بالأمازيغية بانتكاسة حقوقية جديدة تطال الحقوق اللغوية والثقافية والهوياتية الأمازيغية؛ انتكاسة جاءت لتسكب الزيت فوق نار الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتأزمة لاسيما في المناطق المحسوبة على “المغرب المهمش” حيث تندر الحركات الاحتجاجية المتنامية بأوخم العواقب.

“الإفراج المقيد بشروط” هو بدعة جديدة من بدع حكومة عبد الإله بن كيران تجاه الأمازيغية والأمازيغيين. فكما فرض على معتقل الرأي حميد واعضوش أن يقدم تصريحا للسلطات حول أي شكل من أشكال ممارسته لحقوقه وحرياته، سيفرض على الأمازيغيين مستقبلا أن يتقدموا بتصاريح لسلطات حكومة بن كيران أثناء رغبتهم في ممارسة حقوقهم وحرياتهم وذلك بموجب القانون التنظيمي المتعلق بكيفيات تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

إنها إذن “حقوق وحريات” منصوص عنها فقط في أوراق بالية. أما على مستوى الواقع العنيد، ستظل الحقوق والحريات الأمازيغية مقيدة بشروط مجحفة تسنها وحدها حكومات عبد الإله بن كيران وأمثال عبد الإله بن كيران ممن كانوا ولازالوا يمسكون برقابنا منذ “الاستقلال” إلى اليوم. ألم يحن الوقت بعد لكي نتحرر من هذا الوضع البئيس ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى