الحكومة والأمازيغية.. عبث وارتجال مع سبق الإصرار والترصد

عبد الله بادو

 

مع بدء العد العكسي لاسدال الستار على آخر دورة تشريعية  في ولاية  حكومة، “ثمرة” حراك 2011، تكون الحكومة والمعارضة قد دقتا معا آخر مسمار في نعش مسار تفعيل رسمية اللغة الأمازيغية، وبصمت على حصيلة تشريعية جد هزيلة ورجعية على كافة المستويات. ما يضعنا مكرهين في وضعية جد معقدة ومستعصية على الفهم، فلا قانون تنظيمي في الأفق ولا سياسات منصفة للأمازيغية في التعليم والإعلام، والجماعات الترابية، ولا رؤية واضحة للمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية…الخ، الى جانب تنامي الهجوم وبشراسة على الحركة الأمازيغية وعلى الحركة الحقوقية والديمقراطية (اغتيالات، اعتقالات، منع، وتضييق.. الخ) كلها مؤشرات تجعل مستقبل البلاد والامازيغية يلفه الكثير من الغموض، ويستدعي المزيد من الترقب والانتظار. هكذا  وضعية تدفعنا الى التساؤل هل أجمع الجميع على تأجيل النظر في موضوع ذي أولوية وأهمية كبرى؟ هل تسعى الحكومة الى إعادة المغرب الى نقطة الصفر، بالدفع إلى خلق احتقان اجتماعي وسياسي عبر تعطيل كل اليات الحوار الاجتماعي، لابتزاز االدولة ومهندسي الخريطة السياسية قبيل الانتخابات التشريعية لضمان موقع مريح في الحكومة المقبلة يتناسب مع حجم خدماتها المقدمة للمخزن؟ هل يستشعر القائمون على تدبير البلاد والعباد الخطورة التي قد ينتج عن سياسات تمييزية من هذا القبيل؟

 هذه الأسئلة وأخرى نسوقها علها ترشدنا الى مداخل تخول لنا القدرة على فهم وتفسير دواعي ومنطلقات العصف بالمكتسبات الدستورية ذات الصلة  بالديمقراطية التشاركية وتفعيل أدوار المجتمع المدني عموما وتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغة بشكل خاص. هناك شبه اجماع على أن دستور 2011 ، مع بعض التحفظات في الشكل والمضمون، جاء متقدما على الدساتير السابقة في مجال تكريس الحريات وحقوق الإنسان، الا ان واقع تنزيله لا يرقى الى مستوى تطلعات وانتزارات كل الفاعلين، حيث عملت الحكومة مع سبق الاصرار والترصد على وقف تنفيذها وإعمالها إلى أجل غير محدد. ما يقع اليوم ضدا على كل التوقعات والتكهنات تواطأ الجميع في توافق ضمني على تعطيل مقتضيات الدستور،  فعلاقة بالامازيغية فالحكومة لا هي عملت على تفعيل الدستور  ولا نفضت يديها منه، ونستحضر هنا الحكايتين العجيبتين للجنة خروز والبريد الاليكتروني لرئاسة الحكومة، فجعلتها في منزلة بين المنزلتين، شأنها شأن باقي القوانين التنظيمية التي ترهن تكريس بعض المكتسبات الدستورية التي تخص المساواة، والديمقراطية التشاركية وتفعيل الأدوار الجديدة للمجتمع المدني ..الخ

لعل ما يميز الولاية الحكومية الحالية هو غياب إرادة سياسية حقيقية لتفعيل دستور2011 لدى كل الفاعلين المؤسساتين والسياسيين، وهو من انعكس سلبا في تمكين الأمازيغية من الآليات السياسية، والقانونية، والمؤسساتية لحماية للغة والثقافة الأمازيغية، واستمرار عقليات مازالت لم تتواءم مع دستور2011. كما  أن إقدام الوزارة والحكومة على الاشتغال على قانون المجلس ومجموعة من القوانين الأخرى كالخاصة بالجهات والجماعات الترابية…الخ  قبل الحسم في القانون التنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية، يبين مدى الخلط والتخبط الذي تعاني منه الحكومة في التعاطي مع الورش التشريعي وتحديد أولوياته، فكيف يمكن أن نعد قانون للمجلس في وقت لم يتم الحسم فيه بعد في مقتضيات القانون التنظيمي لرسمية اللغة الامازيغية.

الى جانب أن الحكومة تبقى بعيدة كل البعد عن تملك روح المقاربة التشاركية، حيث اعتمدت منهجية إقصائية وتحكمية في إعداد مسودات مشاريع القوانين التنظيمية السابقة. مستغلة  حساسية السياق السياسي لما بعد حراك 2011، و ضعف القوة الاقتراحية للنخب السياسية والحزبية وقصورها، فكلها ساهمت في وأد النقاش العمومي حول القانون التنظيمي وحول مستقبل الأمازيغية كنتيجة لعدم توفرها على تصورات ورؤى واضحة بخصوص إرساء التعدد اللغوي والتنوع الثقافي من جهة، وعدم تملكها للدستور وانسياقها نحو خطابات ديماغوجية وشعبوية تسطيحية في تعاطيها مع كل  القضايا بما فيها الأمازيغية. ما أفرغ النقاش العمومي من محتواه، وميعه ليعوموه في قضايا هامشية وتلاسنات لا تساهم لا من قريب ولا من بعيد في تجويد الممارسة السياسية ولا في تطوير التشريعات الوطنية ذات الصلة بالأمازيغية.

كما تجدر الإشارة الى استمرار سياسة الحدود وخطوط حمراء واحتكار سلطة القرار في الملفات الكبرى والاستراتيجية من طرف المؤسسة الملكية، كان من بيه اهم العوامل الكابحة لتطور النقاش العمومي في العديد من القضايا كالامازيغية مثلا، وهو ما يفسر شكل تعاطي الأحزاب السياسية الموسوم بالضعف الكبير والقصور في مجال الأمازيغية، حيث لامسنا أن مجملها يستحضر تلك الخطوط الحمراء ولا يتجاوزها، سواء كان ذلك عن وعي أو عن غير قصد، حيث تعمل على احترام تلك الخطوط الحمراء، التي رسمتها أو رسمت لها في التعاطي مع القضية الأمازيغية. وإلا كيف يمكن أن نفسر أنه منذ إقرار دستور 2011 الى  حدود خطاب افتتاح الدورة التشريعية الأخيرة، لم يتم تسجيل أن تجاوز أحد الأحزاب سقف المواقف المعلنة رسميا من طرف القصر، وظلت تنتظر إشاراته في الموضوع لتحديد مواقفها حيال القضية. والخطاب الملكي نفسه رسم حدودا لها بتنصيصه على خطاب أجدير كمرجعية للتعاطي مع القضية في أول دورة تشريعية. وتعثر أوراش إدماجها في التعليم والعلام ومناحي الحياة العامة فهو تحصيل حاصل، وغياب سياسات عمومية تعنى بالنهوض بالثقافة واللغة الأمازيغية وحمايتها يؤكد أن ورش إرساء التعدد اللغوي والتنوع الثقافي في المغرب لم يفتح بعد، وسيتطلب عملا جبارا في ما سيأتي من الأيام .

للأسف ما زال التعاطي مع الأمازيغية موسوم بالتمييز والإقصاء الممنهجين، والوضع الحالي للأمازيغية وموقعها في السياسات العمومية لا يبشر بالخير. وهذا التوجس نابع من إحساسنا بالاستخفاف الذي تتعامل به الدولة من جهة مع الأمازيغية وكذا تعامل الأحزاب والذي في الغالب يكون صورة مستنسخة من توجه الدولة ووجهها الآخر. وفي ظل استمرار كهكذا وضع، وفي ظل وجود مؤشرات تدل على تنامي تذمر الفاعلين الأمازيغيين، قد يدفع في المدى البعيد إن لم يكن في المدى المتوسط إلى التفكير في مسارات أخرى قد يصعب التحكم فيها، آنذاك ستشعر الدولة وأحزابها بجسامة الأخطاء التي تقترف اليوم ضد الأمازيغية. ولمن يبحث عن العبرة فلينظر إلى ما آلت سوء تدبير التعدد سواء كان لغويا، أو دينيا، أو طائفي والنماذج عديدة ومتعددة من قبيل ليبيا،سوريا ، لبنان…الخ

وأخيرا وجب التذكير بأن الانصاف العادل للامازيغية يمر عبر اعتماد مبدأ التمييز الايجابي الذي أوصت به اللجنة الأممية مِؤخرا، لأن ما لحق اللغة الأمازيغية من طمس وتهميش منذ عقود يحتاج إلى عمل كبير لتدارك ما فات وهو ما سينعكس ايجابيا على بلادنا سياسيا و ثقافيا و تنمويا. كما إن الدولة مطالبة بوضع آليات فعالة لمناهضة كافة أشكال التمييز ضد الامازيغية. الى جانب إحداث مؤسسة أو مؤسسات وطنية قوية ومستقلة تعنى بالأمازيغية، ذات اختصاصات واضحة في وضع السياسات العمومية في هذا المجال، خاضعة لمعايير ومبادئ إعلان باريس للمؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان. والتي تتلخص في: الاستقلالية التي ينبغي أن تضمن بواسطة قانون أساسي أو الدستور؛ الاستقلالية عن الحكومة؛ التعددية، بما في ذلك التعددية في العضوية؛ صلاحيات واسعة ترتكز على المعايير العالمية لحقوق الإنسان؛ سلطات وموارد كافية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى