الدكتورة الزهرة حمودان : دأب ملوك المغرب على مشاركة الشعائر الدينية مع رعيتهم

المغرب / علي الانصاري
الموقع الجغرافي للمغرب ،شأن البلدان المغاربية، جعل منه ملتقا لعدة ثقافات وأعراق وعادات وتقاليد، ففي كل جهة من جهات المغرب عادات محلية تميزها عن غيرها من الجهات ، ورغم تعدد روافد الثقافة المغربية   بين الامازيغي والاندلسي والافريقي والعربي والحساني والاسلامي ، إلا انها تبلورة في شخصية موحدة ، مع الاحتفاظ والمميزات المحلية لكل رافد .
رمضان الشهر الفضيل والضيف الذي يستقبله المغاربة بتهنئة ” مبروك العواشر” ويسمونه” سيدنا رمضان” تعدد العادات والطقس المغربية بحسب الجهات ،وإن وحدتها فضيلة الصيام، والاستعداد لشهر الغفران، في الحوار التالي مع الدكتورة  والكاتبة المغربية الزهرة حمودان الباحثة في النقد الأدبي ، نستعرض طقوس مدينة تطوان في شمال المغرب، لاستقبال رمضان، وكيف تعد سيدات تطوان اجندتهن  الخاصة بهذا الشهر.
* بماذا يتميز رمضان في المغرب عن غيره من البلدان ،برابك؟
**يأتي شهر رمضان في سياق فرائض الإسلام الخمسة، المرتبطة بزمن محدد؛ هو شهر اقترن اسمه مع فريضة الصيام ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان – سورة البقرة الآية 185)، ويأتي بين شهري شعبان وشوال. وكما هو منصوص في القرآن والسنة، ترافق تطبيقات الفرائض الإسلامية، شعائر وهي علامات مقدسة، أمر الله بتعظيمها، إذ يقول وقوله الحق في كتابه العزيز: ” ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ( الآية 32 من سورة الحج). وإذا كانت الصفا والمروة من شعائر الحج، أي من العلامات المميزة لفريضة الحج، فإن شهري رجب وشعبان، من شعائر شهر رمضان، أي من علاماته، ففيهما أيام لها قدسية كذكرى الاسراء والمعراج في رجب، وليلة النصف من شعبان. والمسلمون يتقربون – طيلة أيامهما – بنوافل الصيام، والإكثار من أعمال البر والخير. غير من المعلوم أن الدول الإسلامية، المتعددة الأعراق، أدخلت فريضة الصيام وشعائرها ضمن منظوماتها الثقافية والاجتماعية مما لا يتنافى مع ثوابت عقيدة الإسلام.
ويتميز رمضان في المغرب عن غيره من البلدان: بعدة عوامل  نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
– البعد التاريخي بامتداد حكم ملوك المغرب إلى عدوة الأندلس، وإلى الصحراء، والعمق الافريقي، وهذا أكسب المغرب بناءً حضاريا غنيا، على المستوى البشري والثقافة المجتمعية التي يعكسها فن العيش لدى المغاربة.
– البعد الروحي وهو لم ينفصل يوما عن البعد التاريخي، فكل الملوك الذي حكموا المغرب، مسلمون، بل  منهم من ينتمي إلى سلالة النبي صلوات الله عليه كالأدارسة والعلويين. أقاموا أنظمة حكمهم على المذهب الفقهي للإسلام.. يشجعون الزوايا، والكتاتيب القرآنية.. تفننوا ببناء المساجد، وشاركهم في ذلك أهل البر من المواطنين، إذ يعتبر بناء المساجد صدقة جارية، مما كان وما زال يذكي البعد الروحي لديهم.
كما دأب ملوك المغرب على مشاركة الشعائر الدينية مع رعيتهم، كصلاة الأعياد والجمعة، وذبح أضحية عيد الأضحي. بل يقيمون طقوسا خاصة برمضان، كما هو الشأن مع الدروس الحسنية، التي بات العالم الإسلامي ينتظرها كل سنة.
*المغرب بلد متنوع ثقافيا، ورغم مرجعيته الإسلامية، إلا ان لبعض المدن عاداتها او لنقل ما يميزها عن غيرها من مدن المملكة، نظرا لأصول أهلها ، كتطوان والشاون مثلا، هل هذا صحيح ،وكيف؟
** من الواضح أن لجغرافية المغرب، دورا في غناه الثقافي، فوجود مناطق جبلية بالريف وسلاسل الأطلس، ثم السواحل الممتدة على المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وكذلك التدرج الصحراوي الممتد جنوبا، ثم الهضاب والسهول الفلاحية الخصبة بوسطه، كل ذلك أثمر منتوجا بيئيا متعدد النوع، ساهم في إغناء الثقافة المغربية بشقيها، الفرعي تبعا لكل منطقة من مناطقه، والثقافة العامة التي تجمع كل ذلك في بوتقة مغربية موحدة. وكما للطبيعة دورها الحاسم في تعدد المواسم الفلاحية، وطقوس التغذية بربوع المغرب، فكذلك للعنصر البشري، دوره الباني لهذه الثقافة، بالبادية كان، أو بالمدن. وهنا أصل إلى صلب سؤالك، إذ تنتمي مدينة تطوان، إلى منطقة فلاحية ضعيفة، لهذا نظام تغدية سكانها يغلب عليه طابع الأكلات البحرية.
كما أن سكانها الأصليين من أصول أندلسية، وهو بهذا يعتبر رافدا ثقافيا، أعطى المدينة خصوصية، يمكن أن تكون قد أضفت على طقوس شعائر رمضان، ما يمثل قيمة نوعية في الثقافة المغربية، والتي هي في الحقيقة، لو تطرقنا لتفاصيلها كاملة، قد تأخذ حلقاتها شهر رمضان كاملا.
تنقسم استعدادات الأسر التطاونية لشهر رمضان بثلاثة مراحل :
– شعائر شهري رجب وشعبان
* على المستوى التعبدي:
– نوافل الصيام
– تخليد ذكرى الاسراء والمعراج
– الاحتفاء بليلة النصف من شعبان
* على المستوى المجتمعي:
– العواشر: وتبدأ بإعداد البيت بما يليق بقدوم الضيف الكبير ” رمضان ” من دهن الجدران بالجير، وهذه المادة تم تجاوزها اليوم، أو بالمواد الحديثة من طلاء وبلاستيك وغيرهما، كل حسب طاقته المادية. ثم ما يتبع ذلك من تنظيف شامل، وقد تضاف بعض الأواني الجديدة، وتجديد بعض الأثاث، أو الستائر، أو ما يجري في هذا السياق.
– شعبانة : وهي عادة تعمد فيها النسوة إلى استراحة بعد تعب تنظيف البيت وترتيبه، إذ يجتمعن في أمسية شبه احتفالية، يروحن فيها عن أنفسهن بشرب الشاي والحلويات، والدردشة، وتبادل الأخبار الاجتماعية، لينفض جمعهن، من أجل استئناف الشوط الثاني من الاستعداد لرمضان، وهي مرحلة إعداد حلويات رمضان، وعلى رأسها ” السفوف”، وهو عبارة عن دقيق محمص يضاف إليه اللوز والعسل والقرفة، والعديد من المنكهات الطبيعية،  و” البقلاوة” وتعد باللوز والعسل، الملفوف بورق مخبوز؛ يعد من الدقيق .
– رؤية الهلال: وهو طقس توارى ولم يعد اليوم موجودا، كانت مراسيمه تجري في السطوح قبيل مغرب آخر يوم من شهر شعبان، حيث تصعد النساء للسطوح، عيونهن تراعي الهلال في السماء، وعندما يلوح لهن يصدحن بالزغاريد.
* هل يمكن لك ذكر بعض الطقوس الاجتماعية التطوانية الخاصة في رمضان ؟
** لابد من الإشارة إلى طقس اجتماعي يأخذ عن شهر رمضان نفحاته الروحانية، ويجري في الغالب على مدى الأيام الثلاثة الأولى منه. يتعلق الأمر بعادة التزاور الصباحي،  بين الأسر والأهل والأحباب، من أجل تبادل التهاني بمناسبة حلول الشهر الكريم، وهي شعيرة تسمى في الوسط التطاوني ب :
– مسعود الشهار
تُعِدُّ المرأة التطاونية لهذه المناسبة ” جلابة ” جديدة؛ حسب مقدرتها المادية، و ” السبنية” (غطاء الرأس الحريري)، والحذاء وحقيبة اليد، والإكسسوار التكميلي من خاتم وساعة يد، وسوار أو سلسة يد، مع الإصرار على تناسق الألوان. وبما أن ما بعد وقت الظهر، أو ما بعد العصر- حسب برنامج كل سيدة بيت- يظل مخصصا للمطبخ من أجل تحضير وجبات الإفطار والعشاء، فإن تدبير الوقت يقتضي استغلال الفترة الصباحية التي تسبق صلاة الظهر، فالإبكار الصباحي في الزيارة، يظل – أيضا –  غير مستحب لدى ربات البيوت.
تأخذ أويقات ” مسعود الشهار ” زمن ما يكفي لتبادل التهاني، وأجمل المتمنيات. وقد يتوفر الوقت لزيارة أكثر من بيت في صبحية واحدة. وهكذا يستمر الحال طيلة الأيام الثلاثة الاولى من شهر رمضان، وقد تتدارك من فاتتها هذه الأيام، خلال ما تبقى من أيام الأسبوع مع تقديم عبارات الاعتذار، إذا تعلق الامر بتهنئة المسنات من العائلة والأصهار.
– التقصيرة  أو القصارة:
هي عادة رمضانية بامتياز، غيبها الحجر الليلي مع كوفيد 19. تعمد  فيها الأسر إلى التناوب على إقامة سهرات رمضانية ليلية ترفيهية، للأقرباء، بعد صلاة العشاء والتراويح. يقدم خلالها الشاي والقهوة والحلويات، ويتم فيها لعب الورق، أو الغناء، أو مشاهدة سهرة تلفزيونية، وتمتد غالبا إلى وقت السحور، حيث تمتلئ الأزقة والشوارع، بالأسر العائدة من القصارة، وقد يدركها وقت مرور ” الدقاق “، الذي يمر على البيوت طارقا أبوابها، من أجل إيقاظ ساكنيها للسحور مناديا ” أعباد الله نوضو تسحروا”.
* ماذا يميز ليالي رمضان عن غيرها؟
** يغمر رمضان النفوس بدفق إيماني، يجدد خلايا الإيمان بداخلنا. يرتفع صبيب حب العطاء في فعلنا اليومي.. تينع المودة بين الناس، فالمسلمون يعلمون أن شهر رمضان شهر القرآن، وبه أعظم ليلة في السنة هي ليلة القدر، وهي خير من ألف شهر من العبادة، وهذا ما يحيي الحماس في النفوس من أجل كسب ثواب أكثر سواء بالصوم أو بالصدقات، أو بصلة الأرحام.

*الكوفيد19، غير عادات الناس والعائلات في رمضان،كيف ذلك ؟
** مما لاشك فيه أن كوفيد19، أحدث تغييرات تكاد تكون جذرية في عادات الناس والأسر، وأساليب علاقاتهم بعائلاتهم، وجيرانهم وأصدقائهم، وحتى وهم بالأماكان العامة. فالكمامة والتباعد والمعقمات، على مستوى السلوكات الظاهرية، تخفي الخوف من العدوي المهيمن على النفوس..الزيارات بين الاصدقاء، عوضت بالواتساب، وبين العائلات باتت لا تتم إلا للضرورة القصوى. الأفراح انحسرت عنها الأضواء، وتقلصت فضاءاتها إلى حجرة داخل المنزل، وهذا برخصة إدارية. التنقل بين المدن هو الآخر بات برخصة. ولم يستثن رمضان من هذه المحظورات المربكة للحياة العامة لأهالي مدينة تطوان، حيث خيم نوع من الخيبة على ليلها الذي كان خلال رمضان يتشابه بنهارها. فتر إيقاع الحياة العامة، إذ أغلقت المقاهي، ومحلات الأكلات السريعة التي تجذب الشباب. وأقفرت الشوارع من المارة، ومن الآمِّين المساجد. كما تعطلت الحركة التجارية بين دكاكين الأحياء وأهاليها.
*الفعل الثقافي في المغرب، أحد ضحايا فيروس كورونا،فلم تعد الأمسيات الثقافية الرمضانية تعقد ،هل يمكن تعويضها برايك بما هو عن بعد؟
** وكما هو الحال في مجاليْ الاقتصاد والترفيه، خمد كذلك المجال الثقافي..أقفلت أبواب المكتبة العامة والمحفوظات بالمدينة، في وجه روادها، وتوقفت قاعات الندوات عن استقبال النشطاء الثقافيين.. وإذا تم لقاء ثقافي ما داخل الكليات، فيخضع لعدة وسائل احترازية، منها – بالإضافة إلى الكمامات – حصر عدد الحضور في عدد محدد، يضبطه التسجيل المسبق عن طريق النت.
أما بالنسبة لإعداد ندوات ثقافية عن بعد، فبقدر ما هي ناجعة في تنشيط الفعل المعرفي ببلادنا، بحيث توفر له تقنياتها انتشارا، واستفادة أوسع، فإننا نعاني من قلة المعرفة بكيفية اشتغال الوسائط الرقمية، مما يعرقل أحيانا مجريات البث. كذلك فيما يتعلق بكيفية استغلال الفضاءات الزمنية الافتراضية،فما زلنا نركض بين المجاني، والمؤدى عنه. وهي على أية حال، من صعوبات البدايات التي لابد منها في أي تحول معرفي..الظرفية تحكم، حتى ولو لم يوجد كوفيد 19. المعرفة الرقمية هي من ضرورات العصر، والجميع مطالب بمحو أميتها، وهذا ما يخوض فيه الدارسون، والمهتمون بهذا الشأن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى