الصراع في الجنوب الليبي ومشروع عودة اﻷستعمار

ابوبكر الانصاري

يعتبر صناعة الصراعات العرقية والقبلية و الطوائف المذهبية والدينية من الفنون والوسائل التي تتخذها الدول العظمى في تقسيم شعوب العالم الثالث والدول الهشة مستغلة عوامل الجهل والفقر الممنهج والفساد اﻷداري المذمن و الهوة بين الشعوب والدكتاتوريات العسكرية الحاكمة وذالك من أجل تنفيذ مخططاتهم وأجندتهم المتمثلة في السيطرة على الموارد الطبيعية للشعوب…

 

وفي ظل هذه اﻷستراتيجيات قامت الدولة الفرنسية بنهج التشتيت والتفريق لشعوب الدول الفرانكفونية بغية إعادة تشكيل خريطة المستعمرات وترسيمها بشكل يلائم مصالحها الأستراتيجية المستقبلية البعيدة المدى.

وبدأت جولتها في الدول اﻷفريقية التي تعترض سياساتها وأشعلت فتيل الحرب والنزاع بين شعوب تلك الدول بعدة ومختلف اﻷسباب وتنوعها سياسيا وعرقيا وطائفيا وقبليا ودينيا لتدمير بنية وتركيبة المجتمع على كافة اﻷصعدة. وعندما يكون الصراع أمر واقع ومحتوم تقوم بدعم الطرف الذي يتماشى مع مصالحها بعيدا عن مصلحة الشعب والمنطقة، وفي الغالب تقوم بجلب عناصر لا ينتمون إلى المنطقة تاريخيا أو ثقافيا ليكون ولائهم للكيدورس الفرنسي الذي قادهم إلى أرض الصراع.

وهذه إحدى الخطط واﻷسترايجيات المتبعة في إستمرار الصراع الدائم بين شعوب المنطقة حتى يستمر فيها الجهل والفقر والفساد اﻷخلاقي واﻷداري على حد سوا لضمان عدم وحدتهم وتقدمهم وإلتحاقهم بركب الدول المتقدمة والمتحضرة.

 

وهنا نأتي بذكر بعض اﻷمثلة على الصراعات التي تنتجهم الدولة الفرنسية لشعوب المنطقة الفرنكفونية….كمثال للصراع العرقي ما حدث بين الشعب الرواندي.. والبيض والسود في دولة مالي…وكمثال للصراع الديني ما حدث بين المسلمين والمسيحيين في أفريقيا الوسطى….وكمثال للصراع القبلي ما حدث بين الطوارق والتبو في الجنوب الليبي….وكمثال للصراع السياسي ما حدث بين مناصري الرئيس باغبو والمعارضة في ساحل العاج.

طبعا عندما نتمعن في حقيقة هذه الصراعات وإختلاف مسمياتها وأسبابها نجد أنها صنيعة أيادي خارجية خفية تهدف إلى تمزيق وحدة وكيان هذه الدول وشعوبها لتصبح المنطقة في فراغ أمني وسياسي ويسود اﻷجرام ويصبح الجلاد الحقيقي هو الملجأ والمنقذ الوحيد من هذه اﻷزمة والكارثة وعندها يكون صاحب الشرعية الحقيقي فتى مطيع وسهل اﻷنقياد لتحقيق رغبات السيد الكبير.

 

وبهذه السيناريوهات أرادت الدولة الفرنسية إستعادة أمجادها في الجنوب الليبي بعد سقوط نظام القذافي وأخذ نصيبها من الكعكة الليبية،فلجأت إلى عدة محاور ومسارات منها سياسية تتمثل في إستغلال الخلاف بين برلمان طبرق بعملية الكرامة وحكومة اﻷنقاذ بعملية فجر ليبيا…

ومنها محاربة اﻷرهاب حيث قامت بتهمة ساكنة المنطقة باﻷرهاب ومساعدة اﻷرهابين الذين هربو من دول الجوار…ومنها قبلية حيث قامت بخلق صراع قبلي بين قبيلتي الطوارق والتبو ..وقبيلتي الزويه والتبو..وقبيلتي أولاد سليمان والتبو.

 

**التحديات التي تواجه وحدة الجنوب في ظل الدولة الليبية الموحدة

 

ربما سيكون الوجه اﻷخر للصراع مستقبلا صراع اﻷعراق أو  صراع التيارات اﻷسلامية أو اﻷثنين معا في خطوط متوازية في حالة عدم الوصول إلى وفاق أو تهدئة أو تحقيق نتائج ملموسة لكلا الطرفين  أو سيطرة أحدهما على الموقف، وخاصة في ظل إنقسام جميع مكونات الجنوب على بعضها في كل القضايا سوا المركزية منها أو المحلية؟!

 

وكل هذه المؤامرات والمخططات التي تقوم بها الدولة الفرنسية بالتعاون مع بعض الدول اﻷفريقية والعربية للتدخل في الجنوب الليبي من أجل شرعنة التحركات التي تقوم بها في الجنوب الليبي للقضاء على جميع العوائق التي تحول بينهم وبين تحقيق هدفهم المتمثل في السيطرة على الجنوب الليبي و على موارده الطبيعية والبشرية.

وبالفعل وصلت الدولة الفرنسية  أو تكاد أن تصل إلى مبتغاها المتمثل في خلق شرخ كبير و عميق وأزمة ثقة بين مكونات المنطقة الجنوبية سياسيا وأجتماعيا السبب الذي يجعل وحدة هذه المكونات في مواجهة عودة اﻷستعمار من جديد أمر مستحيل أو شبه مستحيل؟!..

 

وبناءا على المعرفة التامة لبعض القيادات اﻷجتماعية والدينية والسياسية في المنطقة الجنوبية بحقيقة هذا الصراع ورفضهم القاطع لعودة اﻷستعمار وتقطيع أوصال الجنوب وإلحاقه بالمنظومة اﻷفريقية الفرنكفونية قامو بعدة مبادرات وجهود حثيثة ومحاولات جادة ﻹنهاء الصراع المسلح بين هذه القبائل وقبيلة التبو وبالفعل توصلو إلى تهدئة وهدنة مؤقتة وشبه دائمة مع بعض أطراف الصراع، أما بين قبيلتي الطوارق والتبو رغم كثرة المحاولات وتنوع اللجان بمكانتهم اﻷجتماعية والدينية والسياسية وتنوع المكان ومزاياه داخليا وخارجيا ولكن دون جدوى رغم رغبة الطرفين في السلام وإنهاء الصراع المسلح الذي جاء فجأة وبوتيرة سريعة وبدون مبرر بين قبائل تربطهم علاقات إجتماعية  ومواثيق وعهود مكتوبة وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على وجود قيادات تأتمر بأوامر خارجية تمنع حدوث وفاق ومصالحة  بين هذه المكونات بالذات وفي هذه المنطقة بالتحديد؟!

 

وهذا يوجهنا إلى اﻷشارة بوجود معارضة لقبيلة التبو الناشطة منذ نظام القذافي ومقرها فرنسا بقيادة المدعو عيسى عبدالمجيد الذي يطالب بالكفرة كحق مسلوب من قبيلة التبو من قبل نظام القذافي، ولعلنا نتسأل عن علاقة هذه الحركة وقيادتها بالتحركات الفرنسية في المنطقة الجنوبية؟ باﻷضافة إلى الخرائط الجديدة للمنطقة المتنازع عليها  التي تنشرها الصحف والمنظمات الفرنسية على أنها مناطق تخص التبو وبقية المكونات مجرد سكان مؤقتين وهذا دليل أخر لتوجيه أصابع اﻷتهام إلى الدولة الفرنسية وأدواتها.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه دائما هل فعلا مكونات الجنوب بمختلف مسمياتهم وثقافاتهم مستعدة لعودة اﻷستعمار إلى أرضهم من جديد؟

وهل فعلا الجنوب الليبي غير مؤهل للوقوف بنفسه إسوة ببقية اﻷقاليم اﻷخرى؟

 

من هنا نعتقد أن الصراع القائم في الجنوب وبين الطوارق والتبو بصفة خاصة لن يتم التوصل فيه إلى حلول جذرية ودائمة ما لم تتوضح رؤية مكونات الجنوب بكل أطيافهم وأعراقهم وتياراتهم وإظهار دورهم بصورة واضحة و ملموسة ورسم خارطة الطريق لمستقبل الجنوب ومكوناته في ظل غياب الدولة المركزية والتهديدات المستمرة بعودة التقسيم الثلاثي….

ويتم التواصل أيضا مع كل الجهات المحلية واﻷقليمية والدولية المستفادة من المشاريع اﻷستثمارية في المنطقة الجنوبية ومطالبتها بالتدخل والوساطة مع الدولة الراعية لهذا الصراع والدول المساعدة لها ﻹنهاء الصراع والحيلولة دون مسلسل إعادة اﻷستعمار

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى