اللاجئون الماليون في الجزائر- حلم بالعودة ومخاطر كامنة

ماليون من الجنسين ومختلف الأعمار شردتهم الحرب، الفقر، الإرهاب واللصوصية، وقذفت بهم إلى مراكز الإيواء على الحدود الجزائرية. يتمسكون ببصيص من الأمل ويحلمون بغد أفضل. احتضنتهم الجزائر وتكفلت بهم رغم المخاطر المبطنة.

 

يقدرون بالمئات، أما المعاناة والمأساة الإنسانية، التي يعيشهما هؤلاء الماليون فقد لمستهاDW عربية في الجولة، التي قادتها إلى البلدات الحدودية في عمق الصحراء الكبرى بين الجزائر ومالي، من “تيمياوين” و”برج باجي مختار” إلى “تينزاواتين”، حيث يخيل لك بمجرد الوصول إليها وكأنك في مالي،نظرا للعدد الهائل من اللاجئين: رجال ونساء، أطفال صغار، شباب، كهول، شيوخ، بل هناك حتى منهم أبصر نور الدنيا في المخيمات.

عثمان، أياد، محمد، كايتا وآخرون فرّوا بجلدتهم لينجوا من بطش الإرهاب والدمار واللصوصية، التي تغذيها الحرب الداخلية في بلدهم، قالوا لنا “نبحث فقط عن لقمة خبز نسد بها معدتنا الخاوية وخيمة تأوينا”.في انتظار غد أفضل. ورغم صعوبة التواصل معهم، لكونهم يتحدثون فقط “الترقية”، وهي لغة أمازيغية خاصة بالطوارق، ولا يتكلمون اللغتين العربية أوالفرنسية، إلا أنهم رووا بكل عفوية تحديهم للجحيم في طريقهم قبل أن تطأ أقدامهم الأراضي الجزائرية برفقة عائلاتهم تاركين ورائهم أعز ما يملكون من ذكريات في بيوتهم ومدارسهم.

عبر لنا الطفل “عثمان”، الذي لم يبلغ بعد عامه التاسع، قائلا” كنت نائما مع والدي في منزلنا الصغير ببلدة الخليل المالية، وفي ليلة مظلمة هاجمتنا جماعة إرهابية واستيقظت مفجعا على دوي الرصاص، وأخرجني والدي من المنزل أنا وأخي الرضيع الذي لا يتجاوز عمره سنتين، و لم أفقه شيئا حتى وجدت نفسي على متن سيارة “ستيشن” رفقة عائلاتي وآخرين متجهين نحو الجزائر”. وأضاف عثمان “أنا اليوم في الجزائر، نجوت من الموت واستقبلتنا السلطات الجزائرية أحسن استقبال، إلا أنني أتمنى أن أدرس مثلي مثل كل الأطفال حتى يعود الاستقرار في بلدي مالي و أعود إليها مجددا.”

الأطفال الماليون في مخيمات اللجوء بالجزائر يحلمون بالالتحاق بالمدرسة مثل زميلهم عثمان

يقطعون الحدود ذهابا وإيابا

حال عثمان هو حال عشرات الأطفال وأرباب العائلات المالية ممن التقينا بهم في الحدود الجزائرية. يبحثون عن الالتحاق بالمدارس الجزائرية والدراسة كباقي أطفال العالم، وكلهم أمل في عودة الهدوء والاستقرار لبلدهم ليعودوا إليها من جديد.

تقابلنا أيضا مع طلاب جامعيين على غرار الشاب “آغ غالي”، ذي الـ 27 ربيعا، الذي كان على وشك الحصول على بكالوريوس في شعبة التجارة، حيث كان في السنة الرابعة بمدينة “كيدال” شمال مالي، إلا أن الحرب دمرت حلمه. رغم ذلك يأمل في أن يلتحق بإحدى الجامعات الجزائرية ليُتم دراسته. حكى لنا آغ غالي عن جرحه، الذي لم يندمل بعد: “الحرب شردّتنا، أنا وصلت إلى الجزائر بصعوبة كبيرة لأن الطريق من كيدال إلى مدينة الخليل المالية التي تفصلها مع الحدود الجزائرية حوالي “18” كيلومتر صعب جدا. وتابع آغ غالي في حواره مع DW عربية: “واجهت شخصيا مخاطر كثيرة هربت من الإرهاب في كيدال وفي الخليل وجدت مليشيات المدعو “الهجي” الذي يقتل بحكم التميز العنصري بين قبائلنا، وصلت للحدود الجزائرية وما زلت إلى يومنا أقطعها ذهابا وإيابا مغامرا بحياتي لأطمئن على أفراد عائلتي، كوني لا أملك خياراً آخر.”

نحن ميتون في كل الأحوال

أمثال آغ غالي كثيرون وما زالوا يخاطرون بحياتهم للعبور إلى الناحية الأخرى للاطمئنان على ذويهم ويعودون إلى المخيمات رغم “التضييق الأمني” من السلطات الجزائرية. وينظر آغ غالي إلى ما يفعله على أنه “لعبة كرّ وفرّ لكنها قاتلة.”

“مريم” لاجئة مالية أصرت أن تعبر لنا عن امتنانها لحسن الضيافة والتضامن، اللذين لقيتهما من الشعب والسلطات الجزائرية، حيث أكدت أنها أنجبت طفلة منذ سنة في مخيم اللاجئين الماليين، وقررت تسميتها بـ “حسيبة” تيمنا بالجزائر، لكن حلمها الكبير أن تعود مجددا إلى مالي، وتتربي حسيبة وسط باقي أخواتها في بلدة “تمبكتو”. وقالت لنا مريم إن زوجها يغامر كل أسبوع بالدخول إلى مالي للاطمئنان على باقي أفراد العائلة “ممن رفضوا ترك أراضيهم وفضلوا المقاومة ضد الجماعات الإرهابية.” وتشاء الصدف أن نلتقي زوج “مريم” ونحن نهم بالخروج من المخيم، الذي يتواجد فيه مئات الماليين، حيث أبلغنا قائلا: “عدت الآن من مالي”، ولما سألناه عن المخاطر التي يواجهها هو والماليون، الذين يقصدون الجزائر، أجاب: “نحن ميتون في كل الأحوال، لذا نخاطر ولا يهمنا… نواجه الموت المؤكد فالإرهابيون يطردوننا من مالي وقطاع الطرق سلبوا مني كل ما كان بحوزتي وأنا على الحدود بالقرب من الجزائر”، ليضيف بعد تنهد كبير “بعدها تركوني في الرمال العائمة، فاضطررت لأقطع 10 كيلومترات مشيا على الأقدام رفقة عدد كبير من الماليين، بعد أن سلبوا منا السيارة التي كنا على متنها، وحالنا حال عدد كبير من أمثالنا يواجهون هذا الوضع يوميا”.

 

اللاجئون الماليون في جنوب الجزائر وملامح المعاناة والمأساة الإنسانية التي يعيشونها بسبب الحرب في بلدهم.

مخاطر كامنة على الجزائر

“بمجرد ان تطأ أقدامنا الحدود الجزائرية نجد أمامنا الجيش، الذي يحولنا إلى الفحص الطبي، ومن ثمة مباشرة إلى مخيمات اللاجئين المهيئة، ويمنعوننا من مغادرتها حفاظا على سلامتنا “، يقول اللاجئون، الذين تحدثنا معهم في مخيمات اللاجئين بـ “تيماويين”، “تينزاوتين” و”برج باجي مختار”.

التشديد الأمني الذي فرضته السلطات الجزائرية على اللاجئين، يهدف إلى كشف الإرهابيين، الذين قد يتقمصون دور الضحية ويلحقون أذى باللاجئين والجزائر. ورغم ذلك تغض السلطات بصرها عن اللاجئين، الذين يتنقلون نحو الشمال أو يشتغلون لضمان لقمة عيشهم. ولمحنا منهم العشرات يعملون في الحدود من دون أي رقابة.

 

رئيسة الهلال الأحمر الجزائري سعيدة بن حبيلس

رئيس اللجنة الولائية للهلال الأحمر الجزائري بأدرار والمكلف باللاجئين الماليين والنيجريين، محمد دليمي تحدث إلينا قائلا: “الهلال الأحمر وضع مخيمات على المناطق الحدودية لاستقبال جميع اللاجئين سواء الماليين أو حتى النيجيريين ويتم عرضهم على الفرق الطبية للتأكد من أنهم لا يعانون من أية أمراض معدية”.

التقينا بكل من زعيم قبائل الطوارق و نائب بالمجلس الشعبي الوطني محمد قمامة ورئيسة الهلال الأحمر سعيدة بن حبيلس، و الخبير الأمني حبيب عظيمي، حيث أجمعوا كلهم على أن استقرار الجنوب الجزائري مرتبط بالاستقرار في مالي و لهذا يضع الجيش الجزائري تعزيزات أمنية ضخمة لمنع تسلل الإرهابيين تحت غطاء إنساني، لكن مع ضمان التكفل باللاجئين طبقا للقانون الدولي الإنساني…”

الوزيرة السابقة ورئيسة الهلال الأحمر الجزائري سعيدة بن حبيلس أكدت في تصريح لـ DW عربية “نجد صعوبات كبيرة في التعامل مع اللاجئين، فالكثير منهم يتشابهون ويتحركون بجوازات مزورة والعديد من النيجريين ومن جنسيات إفريقية أخرى نكتشف بعد مدة أنهم يتجولون في الجزائر على أساس أنهم ماليون لكنهم يتاجرون في الممنوعات.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى