اللجوء و النزوح والهجرة في القانون الدولي

 

 

الدكتور/خالد الشرقاوي السموني

مدير مركز الرباط للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

إن ظاهرة اللجوء والنزوح والهجرة من أقدم الظواهر التي عرفتها المجتمع ، فما من مجتمع إلا وعرف أهله الهروب والانتقال من مكان لآخر، طلباً للنجاة والابتعاد عن خطر الموت ، بحثاً عن الأمن والأمان والعيش الكريم . وقد أخذت مشكلة اللاجئين تتفاقم أكثر وأكثر نتيجة لما شهده العالم ، خلال السنوات الأخيرة ، من حروب استخدمت فيها وسائل الدمار والإبادة الجماعية ، وكل أشكال انتهاكات حقوق الإنسان ، مما أدى إلى حالات متزايدة من النزوح والهجرة .

وقد جرى الاعتراف عالمياً بالحق في التنقل منذ أكثر من نصف قرن، بإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948م، كما وضع المجتمع الدولي ، من خلال مجموعة من الاتفاقيات والمعاهدات ، مجموعة من القواعد القانونية التي تحدد الضوابط والضمانات الضرورية لحماية حقوق اللاجئين والنازحين والمهاجرين .

وتعدُّ مشاكل اللجوء والنزوح والهجرة من أكثر القضايا التي تواجه المجتمع الدولي في الوقت الراهن ، مما يدفعنا إلى التساؤل حول مدى تقيد دول العالم بالأنظمة القانونية الدولية في هذا المجال ، علما بأن هناك العديد من الاتفاقيات التي أبرمت تتعلق أساساً ببيان النظام القانوني المؤطر لحالات اللجوء والنزوح والهجرة.

وقد إذا كانت الدول الأوروبية في وقت سابق وجهة للاجئين والمهاجرين ، فإنه في السنوات الأخيرة أصبحت بعض البلدان العربية هي أيضا ملجأً للاجئين السوريين والعراقيين ، مثل دول الأردن ولبنان وتركيا وإقليم كردستان بالعراق .

وتعرف معاهدة الأمم المتحدة لعام 1951 بخصوص وضع اللاجئين ، اللاجئ بأنه من، “بسبب مخاوف حقيقية من اضطهاد بسبب العرق، الدين، الجنسية، انتمائه إلى طائفة اجتماعية معينة أو ذات رأي سياسي، تواجد خارج البلد الذي يحمل جنسيته، وغير قادر، أو بسبب هذه المخاوف غير راغب في الاعتماد على حماية دولته أو العودة لبلده بسبب المخاوف من الاضطهاد…” .

وهذه المعاهدة ، تعد أوّل اتفاقية دولية تغطي معظم الجوانب الأساسية من حياة اللاجئ ، وتبين الاتفاقية بوضوح من هو اللاجئ ونوع الحماية القانونية، وغير ذلك من المساعدات والحقوق الاجتماعية التى يجب أن يحصل عليها من الأطراف الوطنية الموقعة على هذه الوثيقة. وهي تحدد، بقدر متساو، التزامات اللاجئ تجاه الحكومات المضيفة، كما تحدد بعض الفئات المعينة من الأشخاص، من قبيل الإرهابيين غير المؤهلين للحصول على صفة اللاجئ. وقد نصت على مجموعة من الحقوق التي يتمتع بها اللاجئون ، خصوصا ما ورد في المواد من 12 إلى 30 من هذه المعاهدة . وبالإضافة إلى هذه المعاهدة التي نعتبرها أساسية ، نجد عددا من الاتفاقيات والمعاهدات والبرتوكولات الخاصة بوضعية اللاجئين.

ونذكر في هذا الخصوص ، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 (المادة 14)، وهو يعدّ أوّل وثيقة دولية تقر بالحق في طلب اللجوء من الاضطهاد والحصول عليه.و معاهدة جنيڤ بخصوص حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب لعام 1949 (المادتان 44 و70)، وتحمي هذه الاتفاقية اللاجئين خلال الحرب، و تنص على أنه لا يمكن معاملة اللاجئين كأعداء أجانب.والبرتوكول الإضافي الأوّل لمعاهدات جنيڤ بخصوص ضحايا النزاعات الدولية المسلحة لعام 1977 ، و ينص في مادته 73 على أن “الأشخاص الذين، قبل نشوب الأعمال العدائية، كانوا يعتبرون بدون دولة أو لاجئين… يجب اعتبارهم أفراداً محميين…، بكل الظروف وبدون أي تمييز…”. والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 ، لاسيما المواد 2 و12و13، و يشترط على الدول الموقعة ضمان الحقوق المدنية والسياسية لجميع الأفراد ضمن أراضيها والخاضعين لقوانينها،كما تضمن كذلك حرية الحركة وتمنع طرد الأفراد بالقوة.و البرتوكول الخاص بوضع اللاجئين لسنة 1967، الذي يُزيل القيود الجغرافية والزمنية المذكورة في معاهدة اللاجئين الأصلية التي كانت تشمل بصورة أساسية الأوربيين الذين كان لهم علاقة بأحداث حصلت قبل فاتح يناير1951 ، حيث توسع مفهوم الحماية أمام الأشخاص الذين بات بوسعهم طلب التمتع بوضعية اللاجئ بعد أن انتشرت مشكلة النزوح في مختلف أرجاء العالم.

وإذا كان اللاجئون هم أشخاصا عبروا حدوداً دولية إلى بلد ثان التماسا للأمان، فإن الأشخاص النازحين داخلياً قد يكونون قد هربوا لأسباب مماثلة، غير أنهم يبقون في أراضيهم وبذلك يظلون خاضعين لقوانين تلك الدولة . وهذا ما أشارت إليه اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1951 عندما عرفت النازحين “بأنهم الأشخاص أو مجموعات من الأشخاص الذين أجبروا على هجر ديارهم أو أماكن إقامتهم المعتادة فجأةً أو على غير انتظار بسبب صراع مسلح أو نزاع داخلي أو انتهاكات منتظمة لحقوق الإنسان أو كوارث طبيعية أو من صنع الإنسان وهم لم يعبروا حدود أية دولة معترف بها دولياً”.

وقد أدت زيادة حدوث النزوح الداخلي في السنوات الأخيرة إلى زيادة القلق بشأنه في المجتمع الدولي، خصوصا مع نزوح عدد من السكان بسب الحروب والقتل والاغتصاب بمناطق التوتر بسوريا والعراق ،  ، فكثيراً ما يتعرضون هؤلاء إلى المخاطر أثناء النزوح ، ويتجرعون حياة قاسية ، نتيجة حرارة الشمس في فصل الصيف وشدة البرد القارس والشتاء والثلج في فصل الشتاء.

هذا و قد تبنت الأمم المتحدة المبادئ التوجيهية الخاصة بالإطار القانوني للنازحين داخلياً، وتتجلى في 30 توصية تحدد من هم النازحون داخلياً وتبيّن الإطار العام لمجموعة كبيرة من القوانين الدولية الراهنة التي تكفل الحماية للحقوق الأساسية للأشخاص النازحين.

ومن أبرز حقوق النازحين داخلياً ، نذكر الحق في التماس السلامة في جزء آخر من البلاد ، و الحق في مغادرة البلاد، والحق في طلب التماس اللجوء إلى بلد آخر، والحق في التمتع بالحماية ضد الإعادة، أو إعادة التوطين الإجبارية في أي مكان تتعرض فيه حياتهم أو سلامتهم أو حريتهم أو صحتهم للخطر، والحق في التمتع بالسكن والحياة الأسرية و الحق في السلامة الشخصية والحق في وطن وفي الغذاء والمأوى والتعليم .

وإلى جانب الفئتين المذكورتين ، نجد فئة المهاجرين . ويعرف المهاجر بأنه الشخص الذي ينتقل سواء بصورة فردية أو جماعية من موقع إلى آخر بحثاً عن وضع أفضل اجتماعياً أو اقتصادياً أو دينياً أو سياسياً. علماً أن هذا الانتقال إرادي وطوعي التماساً لحياة أفضل، ولكن المهاجر ما إن يختار العودة إلى وطنه فسيستمر في التمتع بحماية حكومته. خلافاً للاجئين الذين يفرون بسبب الخوف من تعرضهم للاضطهاد، ولذا فهم لا يستطيعون العودة بأمان إلى ديارهم في ظل الظروف السائدة.

وفي هذا الصدد ،فقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حق الهجرة في المادة 13 منه ، التي جاء فيه أنه “يحق لكل فرد أن يغادر أي بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليه”.

ومن أبرز المعاهدات الدولية الكفيلة بمنح الحماية القانونية للمهاجرين ، نذكر الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري ، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، فهي جميعها توفر معايير عامة تنطبق على جميع البشر بغض النظر عن وضعهم أو ظروفهم، و توفر اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة الحماية للطفل والمرأة، على التوالي، بمن فيهم الأطفال المهاجرين والنساء المهاجرات ، و اتفاقيات منظمة العمل الدولية التي تحمي الحقوق العمالية وحقوق العمال المهاجرين، و  البروتوكولين الملحقين بالاتفاقية الدولية لمناهضة الجريمة الدولية العابرة للحدود، المتعلقين بالاتجار بالأشخاص وتهريبهم ، واتفاقية حقوق العمال الُمهاجرين وُأسرهم ، التي دخلت حيز النفاذ سنة 2003.

ومن بين الحقوق الأساسية للمهاجرين ، نشير إلى حق احتفاظ المهاجر بجنسيته الأصلية وحريته في العقيدة ، وحرية التعبير عن الرأي وإن كانت بعض الدول تفرض قيوداً على هذا الحق في الأمور السياسية ، وهناك أيضا الحق في الزواج وإقامة أسرة، والحق في التجمع العائلي . وبالمقابل يقع على عاتق المهاجرين واجبات والتزامات تتمثل في الامتثال لقوانين وأنظمة الدول المضيفة.

و نخلص في الأخير، إلى أنه نتيجة للحروب والاضطرابات التي شهدتها بعض دول العالم وبالخصوص منطقة الشرق الأوسط ،  أصبح اللاجئون يتدفقون على بلدان دول بلدان عربية وأوروبية بهدف الحصول على لجوء آمن ، مما ترتب عن ذلك مشاكل عديدة لتلك البلدان المضيفة لهم وأعباء إضافية على اقتصادها، ودفع بعض البلدان تسأم من مشكلة اللاجئين، وأقامت مجموعة متنوعة من الحواجز المادية والقانونية والإدارية من أجل عرقلة وصول اللاجئين إليها.

وعلى الرغم من ذلك ، فإن هذه الفئات لها حقوق أقرها القانون الدولي ، الذي وضع ضمانات لحقوق الإنسان و حماية حقوق اللاجئين وتوفير الأوضاع الكريمة لهم من خلال الاتفاقيات أوالبروتوكولات الدولية الخاصة ، وعليه ، ينبغي على جميع الدول ، وبالخصوص الدولة المضيفة  العربية والأوروبية ، التقيد بالاتفاقيات الدولية في هذا الخصوص ، مع ملاءمة قوانينها وأنظمتها بما يتوافق مع المعايير الدولية المقررة في اتفاقية عام 1951 السالفة الذكر.

 

مداخلة تقدم بها الدكتور خالد الشرقاوي السموني على إثر الندوة الإقليمية :

حول : دراسة موضوع النزوح والهجرة في ظل الظروف الراهنة في المجتمعات العربية : وضع تصور لتحديد احتياجات اللاجئين التربوية والثقافية والاجتماعية  في الدول العربية وفي أوروبا وسبل الاستجابة لها ” ، (مقر الإيسيسكو، الرباط 15-16 ديسمبر 2015،)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى