المغرب قوة شمسية عظمى

عبدالحكيم الرويضي وعماد فرحات

عندما بدأ تشغيل محطة «نور 1» الشمسية في ورزازات في شباط (فبراير) 2016، اعتبر البنك الدولي أن المغرب صنع التاريخ «وأصبح على الخريطة كقوة عظمى في مجال الطاقة الشمسية». فعندما يتم تشغيل مجمّع «نور ورزازات» بالكامل عام 2018، سيصبح أكبر موقع لإنتاج الطاقة الشمسية في العالم، وينتج كهرباء تكفي 1,1 مليون مغربي.

حالياً، تفوق فاتورة الإنفاق الحكومي على الطاقة في المغرب 10 بلايين دولار سنوياً. فهو البلد الوحيد في شمال أفريقيا الذي لا يملك موارد نفطية متاحة، وهو أكبر مستورد للطاقة في المنطقة، حيث يأتي 96 في المئة من احتياجاته الطاقوية من الخارج. وينمو الطلب على الطاقة بنسبة تقارب 8 في المئة سنوياً.

يحتل المغرب موقعاً جغرافياً استراتيجياً يربط بين أفريقيا وأوروبا، ولديه شبكة كهرباء مرتبطة بإسبانيا والجزائر. وهو يمتلك كميات صغيرة من الغاز في مناطق بين العاصمة الرباط ومكناس. ولديه أيضاً احتياطات كبيرة من الصخر الزيتي، وقد وقع اتفاقات شراكة مع شركات طاقة عالمية لاختبار جدوى استغلالها. ولكن، في غياب عمليات صناعية تنتج النفط والغاز من هذا المصدر غير التقليدي من دون تفريط في المياه والصحة البيئية، قرر المغرب التحول إلى تنفيذ استراتيجيات لتعزيز الطاقة المتجددة.

في عام 2008، أطلق المغرب الخطة الوطنية للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة. وهو ينفذ حالياً برنامجاً يعتبر الأكثر طموحاً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ يستهدف إنتاج 42 في المئة من مزيجه الطاقوي الإجمالي، أي 6000 ميغاواط، مثالثة من مصادر شمسية وريحية وكهرمائية بحلول عام 2020، وصولاً إلى 52 في المئة عام 2030. وربما استطاع تصدير الفائض إلى أوروبا. كما تهدف خطة كفاءة الطاقة إلى الاقتصاد بنسبة 12 في المئة من إجمالي الاستهلاك بحلول 2020، وبنسبة 15 في المئة بحلول 2030.

نصف مليون مرآة تلاحق الشمس

يسعى المغرب إلى إنتاج 2000 ميغاواط من الكهرباء الشمسية عام 2020 باستخدام صحاريه غير المستغلة. وهذه القدرة تعادل 18 في المئة من الإنتاج الوطني الحالي. ومن مزايا المشروع المغربي للطاقة الشمسية، وفق وزارة الطاقة والمعادن، أنه سيمكن البلاد من اقتصاد 2.5 مليون طن سنوياً من المحروقات وتجنب انبعاث 3.7 مليون طن من ثاني أوكسيد الكربون في السنة. وسيؤدي استغلال أشعة الشمس الوفيرة في توليد الطاقة إلى تجنب تقلبات تكاليف الاستيراد، وإتاحة إمكان تصدير الطاقة الخضراء إلى البلدان المجاورة.

وترى وزيرة البيئة في المغرب حكيمة الحيطي أن أثر الطاقة الشمسية على المنطقة هذا القرن قد يكون مماثلاً لأثر إنتاج النفط في الماضي. وهي قالت لصحيفة «غارديان» البريطانية: «نحن لسنا بلداً منتجاً للنفط، ونستورد 96 في المئة من طاقتنا، ولذلك عواقب كبيرة على الموازنة العامة. وقد اعتدنا أيضاً دعم الوقود الأحفوري بكلفة كبيرة، لذلك عندما اطلعنا على إمكانات الطاقة الشمسية، فكرنا: لم لا؟».

يشمل المشروع المغربي للطاقة الشمسية إنجاز خمسة مجمّعات لإنتاج الكهرباء، في ورزازات وعين بني مطهر وفم الواد وبوجدور وسبخة الطاح، بكلفة 9 بلايين دولار.

في شباط 2016، بدأ تشغيل محطة «نور 1» للطاقة الشمسية المركزة، الأكبر من نوعها بمولّد أحادي في العالم، في ضواحي مدينة ورزازات على حافة الصحراء الكبرى وسط المغرب، تحت أشعة شمس تنعم بها البلاد لأكثر من 300 يوم في السنة.

وخلال حفل افتتاح المحطة الذي ترأسه العاهل المغربي محمد السادس، قال مصطفى البكوري، رئيس مجلس إدارة الوكالة المغربية للطاقة الشمسية (مازن)، أن مجمّع «نور ورزازات» سيضم ثلاث محطات أخرى لإنتاج 580 ميغاواط من الطاقة النظيفة، بحيث تنتج محطة «نور 1» قيد التشغيل 160 ميغاواط، و «نور 2» نحو 200 ميغاواط، و «نور 3» نحو 150 ميغاواط، و «نور 4» نحو 70 ميغاواط. وعندما يتم التشغيل بالكامل، ربما سنة 2018، سيصبح مجمع «نور ورزازات» أكبر موقع لإنتاج الطاقة الشمسية المتعددة التكنولوجيا في العالم، وينتج كهرباء تكفي احتياجات 1.1 مليون مغربي.

انطلقت أشغال بناء المجمّع عام 2013، وتتجاوز كلفته 2.5 بليون دولار، حصل عليها المغرب كقروض من البنك الدولي وصندوق التكنولوجيا النظيفة التابع لصناديق الاستثمار في الأنشطة المناخية والبنك الأفريقي للتنمية ومؤسسات تمويل أوروبية. ويجري بناء المجمع وتشغيله بشراكة بين الدولة والقطاع الخاص ممثلاً بالشركة الدولية لمشاريع الطاقة والمياه «أكوا باور إنترناشونال» السعودية.

عمل على بناء وتجهيز «نور 1» نحو ألفي شخص، على مساحة نحو 5 ملايين متر مربع. وينتشر في هذه المحطة نصف مليون من الألواح الزجاجية المقوّسة العاكسة، بارتفاع 12 متراً، تنتظم في 800 صف طويل متواز، وتتحرك في شكل بطيء ومتناغم في حركة شبيهة بحركة زهور دوار الشمس، فتلاحق أشعة الشمس وتلتقطها وتحولها إلى طاقة نظيفة.

وتنطوي تكنولوجيا الطاقة الشمسية المركزة، إذا ما اقترنت بتخزين الطاقة الحرارية، على إمكانات هائلة نظراً إلى قدرتها على توفير طاقة يمكن الاعتماد عليها حتى إذا لم تظهر الشمس. وهنا طريقة عملها: تقوم مئات المرايا بتركيز أشعة الشمس لتسخين سائل نقل حراري يُستخدم لإنتاج بخار يحرك التوربينات التي تولد الكهرباء. ويمكن استخدام هذا السائل أيضاً لتسخين أملاح منصهرة في خزانات ضخمة، وتظل هذه الأملاح محتفظة بسخونتها ما يكفي لتوليد البخار حتى بعد غروب الشمس.

يقول تقنيون أن المحطتين «نور 2» و «نور 3» المقرر افتتاحهما عام 2017 ستخزنان الطاقة مدة تصل إلى ثماني ساعات، ما يفتح آفاقاً لطاقة شمسية على مدى 24 ساعة يومياً في الصحراء الأفريقية وجوارها. وتبقى صادرات الطاقة شمالاً عبر البحر المتوسط هدفاً رئيسياً، على رغم انهيار مشروع Desertec عام 2013، وهو خطة ألمانية للحصول على 15 في المئة من كهرباء أوروبا من الطاقة الشمسية المنتجة في شمال الصحراء الأفريقية بحلول عام 2050.

وسيكون لمجمّع «نور ورزازات» الشمسي وقع إيجابي على تطوير برامج لرفع القدرات والتخصص التقني والبحث والتطوير، وإمكان تحلية مياه البحر بالطاقة الشمسية، وتأهيل صناعة مغربية لأجهزة المحطات الشمسية ولوازمها. ويقول يوسف زاز، وهو خبير بالطاقة المتجددة ورئيس الفضاء المتوسطي للتكنولوجيا والابتكار: «الآن بمقدور الطلاب المغاربة الاستفادة من تأهيل جيد في مختلف تخصصات الطاقة المتجددة. وسيوفر المشروع الكثير من فرص العمل لسكان المنطقة الذين سيعملون في الصيانة ومختلف مراحل الإنتاج».

ريادة أفريقية في مزارع الرياح

تم إطلاق مشروع طاقة الرياح المتكامل في المغرب عام 2010، باستثمار قدر بنحو 3.7 بليون دولار. وهو يهدف إلى رفع قدرة طاقة الرياح المركبة إلى 2000 ميغاواط بحلول سنة 2020.

دخلت مزرعة الرياح في طرفاية مرحلة العمل في كانون الأول (ديسمبر) 2014. وهي الأولى من نوعها في القارة الأفريقية، وتعمل على تغذية الشبكة الوطنية بنحو 300 ميغاواط من الطاقة الكهربائية. وقد تولت شركتا «ناريفا» الحكومية و «جي دي إف سويز» الفرنسية بناءها منذ عام 2012 من خلال شركة «طرفاية للطاقة». ووصل حجم استثمارات المشروع إلى 569 مليون دولار. والمنطقة التي اختيرت لتشييد المحطة، قرب مدينة طرفاية في الجنوب، معرضة لهبوب رياح تتراوح سرعتها بين 7 و9 أمتار في الثانية، وهي سرعة نادرة في مناطق أخرى من العالم، وتتيح استمرار توليد الكهرباء لساعات طويلة على مدار السنة. أما الطاقة التي تنتجها المحطة فهي حصرية للمكتب الوطني للماء والكهرباء، بموجب عقد مع الحكومة المغربية لمدة 20 سنة، يتم بعدها تسليم المحطة إلى المكتب الوطني.

وكجزء من المشروع المغربي لطاقة الرياح، سيجرى العمل حالياً على بناء خمس محطات ريحية بقدرة إنتاجية إجمالية تبلغ 850 ميغاواط، بعدما فازت شركة «ناريفا» بعقد قيمته 1.22 بليون دولار لبنائها. فتقام محطة بقدرة 150 ميغاواط في مدينة ميدلت وسط البلاد، وأخرى بقدرة 100 ميغاواط في طنجة في الشمال، ومحطة بقدرة 200 ميغاواط في الصويرة في الوسط، ومحطة بقدرة 100 ميغاواط في بوجدور في الجنوب، إضافة إلى محطة طرفاية بقدرة 300 ميغاواط في الجنوب. ويمول المشروع مقرضون دوليون مثل البنك الأوروبي للاستثمار والبنك الأوروبي للتنمية وإعادة البناء ومجموعة KFW المصرفية الألمانية.

وكانت أول محطة رياح شيدت في المغرب عام 2000 بجانب الطريق الرابطة بين مدينتي تطوان وطنجة في الشمال، وتضم 84 توربينة هواء لإنتاج 50 ميغاواط من الطاقة الكهربائية.

3 سدود سنوياً

في المغرب حالياً، 128 سداً كبيراً ونحو 100 سد أخرى بأحجام مختلفة موزعة في أنحاء البلاد. ويعتبر سد الوحدة في الشمال ثاني أكبر سد في أفريقيا بعد سد أسوان العالي في مصر، وقد أنجز بناؤه عام 1996 وينتج 240 ميغاواط من الطاقة الكهربائية.

وتراهن البلاد على بناء ثلاثة سدود سنوياً في أفق عام 2020 لإنتاج 2000 ميغاواط من الطاقة الكهرمائية، علماً أن تقلبات في الحالة المائية خلال العقود الأخيرة جعلت معدل إنتاج الطاقة المائية لا يتعدى نصف القدرة المتوقعة بسبب عدم كفاية المياه لتحريك توربينات السدود. وقد وصل معدل ملء السدود إلى 63 في المئة أواخر كانون الأول (ديسمبر) 2015 بسبب انحباس المطر في أول الشتاء.

المغــــرب مـــاض بحماسة لإنتاج نصف طاقته مــــن مصادر متجددة، شمساً ورياحاً وماء. وإذ يستــــعد لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المنــــاخ (COP22) في تشرين الثاني (نوفمبر) 2016، تتجه إلــــيه أنــــظار العـالم كنموذج دولي لتنفيذ الأقــــوال بالأفعـــال، في الحد من الانبعاثات التي تغـــــير منـــاخ الأرض باستخدام الطاقات النظيفة.

* ينشر بالاتفاق مع مجلة «البيئة والتنمية»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى