تمكين المرأة ومعضلة العنف

د.إدريس لكريني

يحيل تمكين المرأة إلى مجموعة من التدابير والمقومات التي تسمح لها بتطوير كفاءاتها بصورة تجعلها واعية بقدراتها وبإمكاناتها، وواثقة بنفسها، وقادرة على التأثير في صناعة القرارات؛ وعلى تجاوز مختلف العقبات التي تعوق تعزيز مكانتها داخل المجتمع.
إن اتخاذ تدابير حقيقية وفعّالة على طريق التمكين الشامل للمرأة، يشكل مدخلاً مهماً لمعالجة إشكالات ومعضلات ثقافية واجتماعية واقتصادية أخرى.

ويتباين التمكين بين ما هو قانوني في علاقته بالضمانات الداعمة للمساواة أمام القانون والمشاركة السياسية والولوج إلى الوظائف العمومية والخاصة، والحماية من العنف.. وبين ما هو اجتماعي في ارتباطه بتنشئة المرأة بصورة سليمة مبنية على الثقة بالنفس والوعي بالحقوق والواجبات؛ وترسيخ ثقافة مجتمعية تؤمن بقدرات النساء.
وهناك التمكين الاقتصادي الذي يقوم على دعم ولوجها إلى سوق الشغل واستحضارها في السياسات العمومية، وأخيراً هناك، التمكين السياسي المرتبط بالوصول إلى مراكز القرار السياسي محلياً ووطنياً؛ وما يتصل بذلك من تأثير في صناعة القرارات.
إن تمكين المرأة ومنحها المكانة اللائقة بها داخل المجتمع؛ ليس منّة، بل حق يجد أساسه ضمن مقتضيات الدساتير والتشريعات الداخلية المختلفة؛ والمواثيق والاتفاقيات الدولية التي تقوم على مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، كما أنه مؤشر على تقدم الدول وتحضّرها، فتحقق التنمية والديمقراطية لا يمكن أن يتأتّى من دون اعتبار المرأة شريكاً أساسياً ومحورياً في تطوير المجتمعات.
رغم الجهود التي راكمتها العديد من دول العالم في سبيل تمكين المرأة؛ عبر مقاربات عمودية مرتبطة بتطوير التشريعات والسياسات العمومية في هذا المجال؛ وأخرى أفقية؛ في علاقة ذلك بترسيخ ثقافة تدعم حضور النساء الفاعل داخل المجتمع وتتجاوز الصورة النمطية الموروثة.. فإن هناك الكثير من المشكلات والتحديات تحول دون ربح رهان التمكين في مختلف دول العالم.
وفي هذا السياق، تشير بعض المعطيات الصادرة عن الأمم المتحدة، إلى أن أكثر من 35 في المائة من نساء وفتيات العالم؛ يتعرضن للعنف الجنسي بمختلف أشكاله، بل تواجه سبع نساء من كل عشر هذه السلوكات المسيئة في بعض الدول.
وظلّت المرأة تعاني تاريخياً ويلات الظلم والتهميش داخل الكثير من المجتمعات؛ وإن بدرجات متفاوتة؛ بفعل عوامل مختلفة يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي؛ ما انعكس على وضعيتها داخل المجتمع وكرّس مظاهر كثيرة من التمييز الممارس ضدها.
وتشير العديد من التقارير إلى الأوضاع الصعبة التي تعيشها المرأة في مختلف الأقطار العربية على المستويين الاجتماعي والسياسي.. ومن حيث تعرضها للعنف والظّلم والإقصاء.. فقد حمل تقرير التنمية الإنسانية الموسوم «نحو نهوض المرأة في الوطن العربي»، الذي صدر في ديسمبر/‏ كانون الأول من سنة 2006؛ مجموعة من المعطيات والأرقام التي تكشف مدى المعاناة التي تكابدها النساء على مختلف الواجهات، ومختلف الأنماط الاجتماعية التي تساهم في تحديد وضعيتها داخل الأقطار العربية.
وعلاوة على جهل الكثير من النساء بحقوقهن، تعاني المرأة أيضاً التمييز القانوني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي داخل بعض الدول العربية، ويمكن إجمال هذه المعاناة في تعرّضها إلى عقوبات أقسى من الرجل بصدد بعض الجرائم، ووجود مظاهر من التمييز في ما يتعلق بقانون الجنسية؛ وعدم وجود صرامة قانونية كافية على مستوى مواجهة العنف الذي يطولها في بيت الزوجية؛ إضافة إلى ترسيخ الصورة النمطية عن المرأة من خلال وسائل الإعلام بمختلف أشكالها؛ ووجود ارتباك وقصور لدى هذه القنوات في الكشف عن معاناتهن؛ علاوة على وجود قوانين تعمّق أزمة العنف المرتكب ضد المرأة.
إن المدخل القانوني، على أهميته، يظل غير كاف في الحد من هذه الظاهرة؛ ما لم يكن معززاً بمقاربة شمولية ومنفتحة على مختلف الفاعلين؛ باتجاه ترسيخ ثقافة تدعم تمكين المرأة وحفظ كرامتها.
drisslagrini@yahoo.fr

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى