حكومة “ضد” الوثيقة الدستورية برصيد “غير مشرف”

استحضارا للسياق الحالي الذي تمر به الأمازيغية، نظم حزب جبهة القوى الديمقراطية، الذكرى الثالثة لوفاة الفقيد التهامي الخياري ندوة فكرية، يوم الإثنين من الأسبوع الماضي بالمكتبة الوطنية بالرباط، بموضوع “تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية”، بحضور كل من الباحثين أحمد عصيد والصافي مومن علي، اللذان كشفا الأسباب والحيثيات وراء التأخير الكبير لتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية، رغم أنه كان ضمن أولى الأولويات في الخطب الملكية العديدة وفي كل من التصريح الحكومي والبرنامج التشريعي، فإذا بالحكومة تؤخره إلى غاية اللحظات الأخيرة من ولايتها، إلى جانب مداخلة للباحث عبد السلام خلفي، حول “سياسة تدبير التعدد اللساني” حيث رصد تطور السياسات اللغوية في العالم، وفق أرقام ومعطيات تاريخية وإحصائية..، مع استحضار عدد من النماذج المتبعة في العالم من أجل الخروج بالأمازيغي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تقديم:

بداية نستحضر روح الراحل التهامي الخياري ونشكر منظمي اللقاء، الذين أبانوا دوما عن اهتمام متواصل بموضوع الأمازيغية، ليس من قبيل المناسباتية ولكن باعتباره يدخل عندهم في صميم توجههم الحزبي، ولهذا نجدد لهم الشكر على اختيارهم هذا الموضوع خصوصا في السياق الحالي، الذي تمر به القضية الامازيغية، ونحن على أبواب انتظار تفعيل الطابع الرسمي لها قبل نهاية الولاية الحكومية، ونتأسف لأنه آخر القوانين التنظيمية التي سيتم تفعيلها، رغم أنه كان ضمن أولى الأولويات في الخطب الملكية العديدة وفي كل من التصريح الحكومي والبرنامج التشريعي، وإذا به يصبح الأخير على مستوى التفعيل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

حكومة “ضد” الوثيقة الدستورية برصيد “غير مشرف”

 

مما لا يخفى على الجميع، فالحكومة تتذرع بذرائع كثيرة ومنها دور الفاعل الملكي في هذا الملف، وهذا ما عبر عنه رئيس الحكومة أكثر من مرة، وأعتقد أن هناك التباس في هذا الجانب، بحيث أن دور الفاعل الملكي في ملف الأمازيغية وملفات سياسية حساسة، كالصحراء والمرأة والدين الإسلامي وغيرها، لا يعفي الحكومة من المبادرة والعمل طبقا لمسؤوليتها وللوعود التي قطعتها للشعب المغربي.

وانطلقت عملية إدماج الأمازيغية في المؤسسات منذ خطاب أجدير سنة 2001، وليست وليدة الحكومة الحالية، بل بدأت عمليا مع إدماج الأمازيغية في التعليم، عام 2003 وفي الإعلام سنة 2006، وفي العديد من القطاعات قبل ترسيم الأمازيغية في الدستور الحالي، وهذا معناه أن سياسة الدولة اتجاه الأمازيغية تدخل في إطار ما سمي رسميا بالمصالحة الوطنية، التي تعتبر فلسفة وروح المرحلة، بحيث لم تشمل فقط الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، من خلال هيأة الإنصاف والمصالحة وتعديل مدونة الأسرة..بل أيضا من خلال تجاوز الانتهاكات المتعلقة بالحقوق الثقافية واللغوية، ولهذا الغرض تم إنشاء المعهد الملكي للثقافة الامازيغية، بهدف وضع الأسس الحقيقية لمصالحة المغرب مع ذاته وإنجاح الانتقال نحو دولة الحق والقانون.

لكن وللآسف، ينبغي أن نؤكد على أن الحكومة لم تكن في مستوى رهانات المرحلة، فليست الأمازيغية وحدها التي لم تعطى لها الأهمية اللازمة، فمثلا نجد أن الفصل 19 من الدستور الخاص بالمساواة بين الجنسين في المجالات السياسية والاقتصادية.. لم يتحقق منه أي شيء للمرأة المغربية، نفس الأمر بالنسبة لمشروع قانون هيئة الإنصاف والمصالحة، الذي لا يزال قيد التماطل، بل يمكن القول على أن كل القضايا الكبرى التي جاءت بها الوثيقة الدستورية، ظلت حبرا على ورق، وينبغي أن نقول ذلك بكل مسؤولية، من دون زيادة على الحكومة أبدا، بل نحاسبها انطلاقا مما قامت به وما لم تقم به.

فبالنسبة لنا، نوجد حاليا خارج نطاق دستور 2011 وكل المكتسبات المهمة تظل حبرا على ورق، بل أكثر من ذلك نجد بعض المواقف والتصريحات الحكومية ضد ما جاءت به الوثيقة الدستورية الجديدة، وأذكر هنا أننا في الوقت الذي كنا ننتظر، أن يتم تفعيل الحقوق الثقافية واللغوية، التي ناضلنا لأجلها طيلة عقود طويلة، نفاجأ بمواقف لا يمكن وصفها إلا باللامسؤولة، ليس فقط في القضايا المرتبطة بالأمازيغية، بل في كل القضايا التي ذكرناها أنفا، بالتالي فنحن في وضعية صعبة في ظل الحكومة الحالية، وعلينا التأكيد على أن رصيدها لم يكن مشرفا، مقارنه بالمسؤوليات التي ألقيت على عاتقها، فالشعب المغربي رفع سقف المطالب خلال الحراك الشعبي، والحكومة لم ترقى إلى مستوى تلك الطموحات، بل كانت لها سلوكات “ردية”/تراجعية في العديد من المجالات، على غير التي ذكرنا.

 

الحكومة تعيش على الأنقاض و”تعرقل” الانتقال نحو التعددية

 

وبخصوص ورش الأمازيغية فنحن نريد، قانون تنظيمي منصف ومطابق لما جاء به منطوق الدستور، الذي ينص على أن الأمازيغية لغة رسمية بجانب اللغة العربية، حيث يقول “تعد اللغة الأمازيغية أيضا لغة رسمية للبلاد”، ومعنى لفظة “أيضا” في اللغة العربية هي “مثل” في إشارة إلى المساواة بين اللغتين، لأنهما الركيزتان للوطنية المغربية، أو بتعبير أكثر جلاء، فوطنيتنا قائمة على قدمان لا سواء على مستوى الهوية أو الثقافة، ولا يحق لأي كان أن يعود بنا إلى النظرة الاختزالية القديمة، فالحراك الاجتماعي الأخير مكن بلادنا من الانتقال إلى التعددية في اللغة والثقافة وفي النظرة إلى الذات، حيث أصبح من الممكن الآن للمغاربة أن يعوا انتماءهم إلى المغرب، من خلال كل المكونات ولا يعتبر أي مكون أجنبي أو غريب، بل هو “نحن”، و”نحن” هي كل هذه المكونات.

لكن هذا النهج القائم على التعددية، لم تلتزم به الحكومة وهذا ما يتجلى مثلا في النظام التربوي، الذي يعرف تراجعات خطيرة، بحيث أن وزير التربية الوطنية وبمعية المجلس الأعلى للتربية والتكوين، وضعا برنامجا إلى حدود سنة 2030 فيه اللغة العربية واللغات الأجنبية في حين تبقى اللغة الأمازيغية مجرد أداة للتواصل، تدرس فقط في السنتين الأوليتين، ما يتنافى ووضعيتها الدستورية، باعتبارها لغة رسمية ورصيد مشترك لكل المغاربة.

والأدهى من ذلك أن الحكومة الحالية، لم ترقى إلى مستوى دستور فاتح يوليوز ولا إلى مستوى الوعي، الذي تبلور في الشارع، انطلاقا من كون الحكومة ما تزال  تعيش على أنقاض الماضي ولم تستطع، أن تتغلب على الصعوبات التي يطرحها تجديد الفكر وتجديد السياسة، فكل دولة لا تقوم بتجديد فكرها ومفاهيمها وسياساتها هي دولة محكوم عليها بالفشل والاضمحلال والفتن عوض الاستقرار، ودرب الاستقرار السياسي، هو أن يعطى لكل ذي حق حقه، وأن يشعر الجميع بالانتماء إلى الدولة.

 

المسار الديمقراطي..”يهدده” أصحاب العقلية الأحادية

 

وإذا كان حزب جبهة القوى الديموقراطية، قد خصص سابقا لقاء للوحدة الترابية ويخصصه اليوم للأمازيغية، فلأنه يعي العلاقة الموجودة بين الوحدة الترابية بالمعنى الجغرافي والامتداد المادي وبين الوحدة الهوياتية والثقافية للشخصية الوطنية، التي تقوي الممتلكات الرمزية للمواطنين، فنحن لنا ممتلكات رمزية عديدة منذ ألاف السنين، علينا أن نحافظ عليها في دواتنا وتعليمنا وفي كل المجالات، لأنها تعبر عن العبقرية المغربية، وأما أصحاب النظرة الاختزالية والأحادية فهم ينتمون إلى الماضي، وعليهم أن يتخلصوا من العقلية الأحادية، إن أرادوا بالفعل أن يقدموا إلى بلدهم الترسيخ الديمقراطي..

ولكي يتحقق الانتقال نحو ترسيخ الديمقراطية الحقة، من الضروري أن يكون هناك، قانون تنظيمي بنظرة شمولية، تراعي كل المضامين والمستويات والمجالات بنظرة واحدة في نفس السياق الوطني، فلا يعقل مثلا أن نجد في القانون التنظيمي، أن اللغة الأمازيغية تدمج في المؤسسات ثم نجد في الآن ذاته قوانين أخرى تتنافى مع ترسيم اللغة الأمازيغية، على هذا الأساس فلابد من إعادة النظر في كل القوانين التي تم تفعيلها ولم تَعتَبر الوضع الرسمي للغة الأمازيغية، وقد نبهنا الحكومة في سنة 2012 إلى هذا الأمر لكن لم تكترث للموضوع، فقلنا لها بالحرف “إذا وضعتهم القوانين التنظيمية الأخرى في غياب القانون التنظيمي للغة الأمازيغية، فستغفلون الطابع الرسمي للغة الأمازيغية وستضطرون لإعادة النظر فيها”، وهذا ما حدث بالفعل، فكل الأوراش التي فتحتها الحكومة لم تعتبر وضعية اللغة الأمازيغية، وإذا خرج القانون التنظيمي للغة الأمازيغية، ستضطر الحكومة المقبلة للنظر في ما فعّلَتهُ الحكومة الحالية من خلط..

المسألة الثانية التي يجب أن يكرسها القانون التنظيمي للغة الامازيغية، هي تعميم الأمازيغية في المنظومة التربوية وفقا للمبادئ الأربعة: لغة لجميع المغاربة من دون استثناء، لغة تعمم أفقيا وعموديا، تكتب بحرفها الأصلي “تيفناغ” وتوحد كلغة معيارية مثل باقي اللغات الأخرى، لكن رغم أن هذه المبادئ الأربعة حظيت بالإجماع وشكلت المرتكزات السياسة الرسمية للدولة، إلا أن بعض الفاعلين في الحكومة لا يحترمونها، فوزراء بتصريحاتهم ومواقفهم يضربون عرض الحائط هذه الاختيارات الوطنية، رغم مرور ما يناهز من العقد على تفعيلها في المنظومة التربوية..

 

الحكومة تريد حرمان المغاربة من “ثورة” معرفية

 

وفي حال ما إذا تم وضع قانون تنظيمي عادل ومنصف للأمازيغية، فإن الأمازيغية، ستكون صمام الأمان من أجل ترسيخ الاستقرار السياسي لبلدنا عكس ما كان يدعيه كثيرون، وقد تبين خطأ هذه الفكرة التي كانت سائدة إبان سنوات السبعينات والثمانينات، حيث تدعي بأن التعدد والتنوع الثقافي اللغوي يعني الفتنة وسيؤدي بالمغاربة للاقتتال فيما بينهم، إذا ما تم الاعتراف بكل المكونات، فكانوا يحتقرون ويغيبون الأمازيغية من المؤسسات، والآن وقد ثبت خطأ هذا الرأي والمغرب اختار طريق تدبير التنوع بعقلانية ولم يختر الاستمرار في طريق إقصاء مكوناته، أؤكد لكم وهذه من الأمور التي لا يعرفها الكثير من الناس، بأن المغرب أصبح إطارا مرجعيا في شمال إفريقيا، يحج إليه أخصائيين في التربية واللغات.. وسياسيين من أجل أن يستفيدوا من التجربة المغربية، فيما يتعلق بتدبير التنوع والاختلاف اللغوي والثقافي، في حين أن الحكومة لا تزال تستهين بدور وفائدة ترسيخ التنوع والاختلاف..

إلى جانب هذا، نرى أن الأمازيغية بقانون تنظيمي منصف وعادل، وتكون مدمجة في التعليم وفي مختلف مجالات الحياة العامة، ستساهم أيضا في ثورة معرفية، لأن المغاربة للأسف بسبب نظامهم التربوي، الذي يقصي جزءا مهما من هويتهم، لا يعرفون الكثير عن تاريخهم وشخصيتهم الثقافية وشكل بنائها في التاريخ، يعرفون الجزء العربي الإسلامي ويجهلون ألاف السنين من تاريخهم، فإذا أعيد الاعتبار للأمازيغية في المستقبل بالشكل المطلوب، فسيعاد الاعتبار لِكَمّ غزير من المعطيات التاريخية والانثربولوجية والعلمية واللغوية.. التي يزخر بها بلدنا قبل المرحلة الإسلامية، وبهذا سيصبح لدينا مواطن مغربي متوازن في شخصيته ويعرف كل المعطيات المتعلقة ببلده، وليست له “طابوهات” ومحرمات سياسية، بل سيعتبر كل الأمور التي يزخر بها وطنه ملكا له، وهذا هو المواطن الذي نسعى إلى بنائه، من داخل المنظومة التربوية ومن داخل وسائل الإعلام ومن داخل المؤسسات الوطنية..

إن مغرب المستقبل هو الذي يقوم على أبنائه الذين يعرفونه حق المعرفة، لأن الأجيال الماضية والحالية، تعرف جزء من المغرب فقط ولم تكن تعرف المغرب بتجدره وتنوعه الثقافي والتاريخي، فالدولة التي تعتبر المعرفة أسرارا لا تستحق هذا الاسم، لكي تكون دولة حقيقية في مستوى بلدنا، علينا أن نعتبر المعرفة حقا مشاعا، سواء تعلق الأمر بالعربية وآدابها أو الأمازيغية، وكل ما يتعلق بها من آداب وعلوم.. فكل المكونات ينبغي للمغاربة أن يتفقهوا فيها، هذا التكامل بين كل المكونات هو الذي سيصنع مغرب المستقبل بوابة التنمية الحقيقية، هي الشعور بالانتماء إلى الذات..فتعطل التنمية في بلادنا راجع جزء منها، إلى أننا نولي الاهتمام للمشاريع المادية ولا نعير الاهتمام اللازم للحياة الثقافية..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى