خارطة طريق بمالي تبعد شبح انفصال «أزواد» وتمنح الحكم الذاتي

اتفرح أحمد دوله – نواكشوط

أجمع المشاركون في ورشة “أزواد بعد ثلاث سنوات من التدخل الدولي..الواقع والمآلات” على خطورة الوضع في مالي وتهديده للمنطقة بكاملها، وقالوا إن ما يحدث في مالي هو نتيجة لغبن وظلم تاريخي مورس على “الأزواديين”، قامت باستغلاله أطراف دخيلة تاجرت بالمحظور، كما حاول جهاديون حل المشاكل السياسية بالوسائل العسكرية، وقرع المشاركون ناقوس الخطر، داعين أن تتفهم الدولة أن الخطرالذي يتهدد أزواد ليس اقتصاديا أو اجتماعيا، وليس بسبب التهميش، بل هو خطر الإرهاب الذي يهدد من خلال الإقليم العالم بأسره، وشددوا على أن يأتي الحل من الداخل، ودعوا إلى أن تتصالح مالي مع تاريخها، قاطعين بأن الحلول العسكرية انما هي حلول مؤقتة تهيئ البيئة السياسية لوضع الحلول الدائمة.

ظروف داخلية وعالمية

وأجمع المشاركون في الحلقة النقاشية التي شهدت مشاركة إعلاميين مهتمين بالمشهد المالي، وممثلين عن المؤسسة العسكرية الموريتانية، ونظمها مركز الساحل للخبرة والاستشارات، بضرورة أن يأتي الحل لمشكلة أزواد من داخل مالي نفسها، وعدوا الحلول العسكرية حلولا وقتية تهيئ البيئة السياسية لوضع الحلول الدائمة.

وقال ممثل قيادة الجيوش الموريتانية العقيد السخاوي في حلقة النقاش: إن الظروف الداخلية والدولية أخرجت المشكلة المالية عن نطاقها لتصبح مشكلا أمنيا يهدد مالي وجيرانها والعالم، مؤكدا على أن الجيش الموريتاني ملتزم بالدفاع عن الحوزة الترابية الموريتانية وحفظ النظام فيها، وبالمشاركة في الجهود الدولية الرامية لحفظ الأمن والاستقرار، وأكد على أن الحل في مالي ينبع من مالي نفسها، باعتبار أن الحلول العسكرية إنما هي حلول وقتية تهيئ البيئة السياسية لوضع الحلول الدائمة.

ظلم تاريخي

من جهته قال رئيس قسم الإعلام بالمدرسة الوطنية للإدارة الدكتور “الحسين ولد مدو”: إن كل ما يحدث في مالي هو نتيجة لغبن وظلم تاريخي مورس على الأزواديين، قامت أطراف دخيلة باستغلاله، وتاجرت بـ”المحظور”، بينما قام جهاديون بمحاولة حل المشاكل السياسية باتخاذ الوسائل العسكرية، وشدد ولد مدو على أن من واجب مالي أن تفهم أن الخطر الذي يتهدد أزواد ليس اقتصاديا ولا اجتماعيا، وليس بسبب التهميش، بل هو خطر “الإرهاب” الذي يهدد من خلال الإقليم جميع دول العالم، وأضاف: إن القضية الأزوادية تطرح ضرورة وحدة المخاطب الأزوادي، وضرورة أن تتصالح مالي مع تاريخها، باعتبار أن الحل إنما يأتي من الداخل المالي، فهو حل داخلي محض. وصبت المشاركات المتتالية في نفس الاتجاه.

وتأتي أهمية الحلقة التي شهدتها العاصمة نواكشوط عقب تزايد أهمية الدور الموريتاني الآني والمستقبلي في الوساطة بين الأطراف المتنازعة على الساحة في شمال مالي، في ظل تأكد حدوث اتصالات رسمية بين الحكومة المالية وممثلين عن الحركة الوطنية لتحرير أزواد بالعاصمة نواكشوط.

وتواجه حكومة مالي منعطفا خطيرا فيما يخص تعاطيها مع قضية المنطقة الأزوادية منذ أن أعلنت “الحركة الوطنية لتحرير أزواد” دولتها المستقلة على التراب الازوادي، عبر تقاسم للسلطة بينها وبين جماعتي حركة أنصار الدين والتوحيد والجهاد المحسوبتين على تنظيم “القاعدة”.

وفي السياق يرى مراقبون أنه لا فائدة ترجى من جلسات الحوار والمفاوضات،في الوقت الذي تسيطر فيه حركات مسلحة على نحو ثلثي مساحة البلاد، مع تدفق وزيادة في حجم سلاح المحاربين، وقالوا إن كل تلك العوامل تجعل من الحل العسكري أمرا شبه مستحيل.

خيار التفاوض

وصرح رئيس الوزراء الانتقالي المالي الشيخ موديبوديارى قبل أيام لوسائل الإعلام بأن خيار التفاوض يبقى الخيار المفضل، وعبر عن استعداد بلاده للتفاوض مع كل الجماعات المسلحة التي تسيطر على الإقليم مشترطا أن لا يجري الحوار “تحت الضغط”، كما شدد على أن الحكومة لن تتخلى عن مواطنيها في الشمال، أو عن شبر واحد من أراضي البلاد، وحمل في الوقت عينه النظام السابق مسؤولية التقصير والعجز في مواجهة الواقع وما ترتب عليه الآن.

وكان الرئيس المالي المؤقت ديو كوندا تراوري وفي اليوم الأول لتسلمه الرئاسة، عقد العزم على إعلان الحرب لاستعادة الإقليم، إلا أن المتابعين للشأن المالي رجحوا استبعاد هذا الخيار بسبب انهيار الجيش في وجه هجمات المقاتلين الأزواديين الذين قاموا بتنظيم محاربيهم واستيعاب المسلحين في صفوفهم التي انتظمت من جديد، وأدى ذلك لتقوية شوكتهم، فباتوا الآن أكثر استعدادا للقتال، بينما تفضل دول الجوار من جهتها في الوقت الراهن خيار التفاوض عوضا عن الحرب.

فصول الصراع

وتعود بداية الصراع المالي إلى حقبة الاستعمار الفرنسي الذي عمد إلى تقسيم شعب الطوارق في المنطقة جغرافيا إلى عدة دول هي (مالى – الجزائر – النيجر – بوركينافاسو)، وشهد العام 1962 في عيد استقلال مالي أول ثورة للطوارق هي (ثورة كيدال) الأزوادية بقيادة الأمير محمد علي الأنصاري، وطالبت هذه الثورة بدولة مستقلة للأزواديين في إقليمهم الذي يشكل نسبة 66% من مساحة مالي بشعبها المتعدد الأعراق تضم الطوارق والعرب والسونغاي والفولان، سوى أن تلك الثورة جوبهت بقسوة، حيث تصدى لها الرئيس موديبوكيتا وهو أول رئيس للبلاد، ثم واصل خلفه الرئيس موسى تراوري التصدي لهذه المطالب، لتتوالى بعد ذلك محاولات تمرد عديدة.

وفي عام 2009 نجحت القوات المالية في تفكيك قواعد للمتمردين الطوارق شمال مالي، وجرى في ذات العام في كيدال توقيع اتفاق سلام بوساطة ليبية قادها الرئيس الليبي معمر القذافي أفضت لإنهاء التمرد، وقد نص الاتفاق بين الأطراف المتحاربة على تسليم المتمردين أسلحتهم للحكومة، وتضمن تفاهمات لدمجهم في القوات المسلحة، بيد أن قسما من هؤلاء المتمردين رفض الانخراط في مسار التسوية السياسية السلمية.

وبعد سقوط نظام العقيد القذافي في ليبيا عام 2011، عاد الآلاف من الطوارق الذين كانوا يقاتلون ضمن جيش القذافي إلى شمال مالي مدججين بأسلحتهم الثقيلة، ليبدأ التحضير لتمرد جديد تمثل هدفه في إقامة دولة الطوارق. وفي نهاية العام نفسه أسست الحركة الوطنية لتحرير أزواد التي أعلنت دولة مستقلة في شمال مالي في السادس من إبريل عام 2012 في ظل فوضى عارمة تسبب فيها وقوع الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس أمادو توماني توري، والذي نفذه جنود ماليون اتهموه بالفشل في إنهاء التمرد في شمال مالي، ونتيجة لذلك سيطرت القوات المتمردة على كبريات المدن بشمال البلاد في كيدال وتمبكتو وغاو دعمتها في ذلك جماعات جهادية مسلحة منها جماعتا أنصار الدين – التوحيد والجهاد المحسوبتان على تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي، وأكدت الحركة الوطنية لتحرير ازواد من ناحيتها اعترافها بحدود دول الجوار، وعبرت عن رغبتها بالانخراط في ميثاق الأمم المتحدة، الا أن الدول المجاورة من بينها الجزائر وموريتانيا والنيجر رفضت إعلان الانفصال، وردت عليه المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا بتشكيل نواة لقوة عسكرية تقوم بالتدخل لمواجهة التمرد في شمال مالي.

خارطة طريق للمصالحة

وخلف هذا الصراع آلاف المهجرين، فقد أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في عام 2013، بعد التدخل العسكري-الفرنسي في مالي، أن عدد اللاجئين الذين اضطروا لمغادرة البلاد يقارب 150 ألف شخص فروا إلى البلدان المجاورة، كما ناهز عدد النازحين إلى داخل البلاد 230 ألف شخص، وسجلت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين 144.500 لاجئ من مالي، منهم 54.100 في موريتانيا، وبلغ عددهم في النيجر50 ألفا، وفي بوركينافاسو38.800، بينما بلغ عددهم 1500 شخص في الجزائر.

ويؤكد الخبير بشؤون الجماعات المسلحة في الشمال المالي محمد عبد القادر لـ”اليوم” أن شهر يونيو من العام 2013 شكل بداية جديدة لبوادر انفراج الأزمة في مالي، حيث وقعت الحكومة اتفاقا مع قادة الأزواديين المسيطرين على مدينة كيدال في أقصى شمال البلاد، وينص هذا الاتفاق على وقف فوري لإطلاق النار، وتأمين انسحاب المسلحين من المدينة، وهو الأمر الذي يمهد الطريق أمام عودة الجيش المالي لمواقعه الأصلية التي كانت واقعة تحت سيطرة المتمردين.

ويشير ولد عبد القادر إلى أن بعد مرحلة الاتفاق الذي وقعته الحكومة مع الازواديين، وتأمين انسحاب المسلحين من المدينة، بدأت الجزائر منذ عام 2014 وبدعم من الأمم المتحدة سلسلة من المفاوضات والمحادثات الهادفة لإحلال السلام بين الحركات السياسية والعسكرية الأزوادية والمالية، وتوجت هذه الجهود بتوقيع الطرفين على اتفاق سلام عام 2015 ينص على تخلي الازواديين عن مطلب الانفصال عن مالي مقابل منحهم حكما ذاتيا يتسم بصلاحيات واسعة، مع دمج مقاتلي هذه الحركات في الجيش الوطني، بالإضافة لتنظيم مؤتمر عام للمصالحة يعقد خلال عامين من توقيع الاتفاق.

ومنذ ذلك التاريخ -والحديث ما زال لولد عبد القادر- ظهرت على السطح مفاوضات داخلية عشائرية وقبلية بين أبناء المنطقة هدفت إلى إصلاح ذات البين ووأد الخلافات الداخلية بين أبناء الشعب الأزوادي المتعدد الأعراق، وكان من أبرز هذه المفاوضات اجتماعات تفاوضية جرت برعاية الأمم المتحدة وبوساطة من قيادة مالي بين الحركات الأزوادية المناوئة للحكومة والأخرى المتصالحة معها، وضمت عشرات من وجهاء القبائل والعشائر، حيث اتفقت هذه الأطراف جميعها على خارطة طريق لتصفية الحسابات، وبحثت أفضل السبل للخروج بالدولة والمنطقة بكاملها من براثن الاقتتال والحروب

موقف حركة «تحرير أزواد»

وسبق أن أعلن في مؤتمر بمدينة تمبكتو في الأول من نوفمبر 2010م عن تأسيس الحركة الوطنية لتحرير أزواد، واشتمل نص البيان التأسيسي للحركة على استعراض لمجمل التحديات التي يواجهها إقليم أزواد منذ أكثر من 50 عاما، وما وصفها بالمأساة التي تعرض ويتعرض لها الشعب الازوادي والمرحلة الحرجة التي يمر بها اليوم على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما يعانيه من تهميش وإقصاء وحصار وتهجير واستباحة للتراب الازوادي من قبل كل من تسول له نفسه العبث به، وقال البيان: إن كل ذلك يحدث بمباركة ودعم من الدولة المالية، وفي نهج مستمر ضد الأزواديين منذ 50 عاما.

وتابع البيان: إن العالم يشهد بسماح مالي وتعاونها مع مجموعات مرفوضة أزوادياً وعالميا، وسهلت لها ممارسة أنشطتها في إقليم أزواد بهدف التعتيم على ما وصفها بالجرائم التي ترتكب في حق الطوارق والازواديين عموما تحت مسمى مكافحة الإرهاب، حتى أصبحت أزواد منطقة صراع النفوذ بين الدول والجماعات المتطرفة، وبات الازواديون كما قال بين مطرقة الجيش المالي وسندان هذه الجماعات الإرهابية. وزاد: أضحى أزواد عرضة لتدخلات إقليمية ودولية كل حسب مصالحه وأجندته الخاصة، ولم يعد للأزواديين دور يلعبونه سوى دور المتفرج المغلوب على أمره وهم ينظرون إلى أرضهم تشوه وثرواتهم تنهب من قبل الحكومة المالية والشركات العالمية المتعاقدة معها دون أن يعرفوا شيئا عن طبيعة هذه العقود في ظل غياب كلي لأي تمثيل حقيقي للازواديين يعكس موقفهم مما يجري على أرضهم.

وأوضح بيان الحركة دواعي قيامها بقوله: “ووعيا منا بمعاناة شعبنا المستمرة منذ عقود من الزمن واستجابة للضمير الحي لأبناء الأمة الغيورين ودفاعا عن الهوية الوطنية الازوادية المهددة بالضياع واستمرارا لنضال الآباء والأجداد والتزاما بالقيم الإنسانية العالمية واعتبارا كذلك للمستجدات الخطرة التي ظهرت على الساحة الازوادية في السنوات الأخيرة. فإننا نعلن اليوم عن تأسيس وميلاد الحركة الوطنية الازوادية وهي تنظيم سياسي ازوادي يمثل النهج السلمي للوصول إلى الأهداف المشروعة واسترجاع كافة الحقوق التاريخية المغتصبة. ووجهت الحركة النداء إلى جميع أبناء أزواد بمختلف انتماءاتهم الاجتماعية ومناطقهم الجغرافية للالتحاق بها، مشددة على أهمية وحدة الصف والكلمة والموقف السياسي وبذل كل الجهود في سبيل تحقيق ما اعتبرته الأهداف الوطنية المنشودة كل حسب موقعه ومجاله. وأعلنت الحركة تبنىها لنهج العمل السياســــــــــي والقانوني لاستعادة كل الحقوق، ونبذ العنف، وأدانت الإرهاب بكل أشكاله “سواء كان إرهاب الدولة أو إرهاب الجماعات والأفراد” مع حرصها على ضرورة التمييز بين الإرهاب والمقاومة المشروعة.

وطالبت الدولة في مالي بالاعتراف الكامل بحقوق الشعب الازوادي التاريخية والاستجابة الجادة لحل قضية أزواد سلميا، وقالت: إنها تمد يد الأخوة والصداقة والتعاون لكل الدول الشقيقة والصديقة، كما رحبت وتطلعت لعلاقات التعاون الفعال مع كل دول وشعوب العالم وجميع الهيئات الدولية الحكومية وغير الحكومية، ودعت الحركة الأزوادية الهيئات والشركات المتعاقدة مع دولة مالي في مواضيع تخص إقليم أزواد إلى ضرورة مراجعة هذه العقود وإعادة النظر فيها باعتبارها وقعت بدون الموافقة المسبقة لأصحاب الأرض كما تنص القوانين الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى