شركات تحت رقابة الدولة تستغل الفئات الفقيرة لتحقيق أرباح بالملايير

احمد المرسي

تنتشر محلات القمار الرياضي ك”الفطر” في الأحياء الشعبية، فلا يكاد يخلو كل حي هامشي في الرباط من محلات ومقاهي، تمارس فيها جميع أنواع الرهانات، التي تجذب مختلف الفئات العمرية، وخاصة المراهقين واليافعين، الذين يتهافتون عليها آملين في الحصول على مبالغ مالية، أرقامها تليها على اليمين عدة أصفار، تمكنهم من تحقيق ربح سريع يعفيهم إما من العمل اليومي بالنسبة للراشدين أو “طليب الوالدين” بالنسبة للقاصرين، لكن سرعان ما تتلاشى هذه المتمنيات بين أقدام اللاعبين أومن خلال آلات تعرض رموز ا وأرقاما، يتسمرون أمامها لساعات طوال كل يوم، من دون أن تستقر النتائج على اختياراتهم، فتلقى أحلامهم نفس مصير الفراشات التي تجذبها الأنوار، التي تحرقها من دون أن تدري حتى بعد فوات الأوان.

مقاهي ومحلات القمار..بيع للوهم وإفراغ لجيوب الشباب
في إحدى مقاهي القمارالمعروفة في حي العكاري الشعبي بالرباط، يسترعيك مشهد فئات عمرية مختلفة متسمرة، ترقب كل يوم بخشوع شاشة، تعرض أرقاما ورموزا يتم تعبئتها في أوراق لشركة اليانصيب، تعرف اللعبة في صفوف “المقامرين” باسم “الرياشة”، نسبة لما تسببه من إفلاس سريع، إذ يتجدد المشاركة في اللعبة كل خمس دقائق، ليقوم جهاز مرتبط بشاشة تلفاز بعرض النتائج، التي غالبا ما تكون مخيبة للآمال.
شركة اليانصيب
كما أن ذات المقهى وغيره من المحلات المعتمدة من طرف شركة اليانصيب، التي تتجاوز العشرة في الحي، توفر طرق متعددة لربح غير مضمون، ما يجعلها تحظى بإقبال كبير، حيث تختلف وتتعدد ألوان وأشكال وقواعد الألعاب، لكن القاسم المشترك بينها أنها تفرغ جيوب “المقامرين”، الذين لا يؤمنون سوى بمبدإ الحظ، رغم الخسارات المتوالية، والمرات التي يحالفهم فيها الحظ طيلة فترة إدمانهم، تكون معدودة على رؤس الأصابع، لكن رغم ذلك فالغالبية مصرة على ملاحقة سراب، يتجلى أثناء تعبئة الأوراق ويتلاشى بعد كل إعلان عن النتائج، خاصة مع نهاية الأ سبوع، الذي يعرف إلى جانب ألعاب تعتمد على الأرقام والرموز تجرى طيلة الأسبوع، مباريات كثيرة في كرة القدم لمختلف الدوريات الوطنية والعالمية، فزيارة قصيرة لهذا المقهى المختص في القمار، أظهرلنا الإقبال الكثيف للشباب الذي يتردد يوميا لسحب وصل به كل نتائج المباريات، إلى جانب تعبئة وتأكيد رهانات جديدة،علاوة على من يححز لنفسه مقعدا طيلة اليوم.
إقبال الشباب

 

في ركن بذات المقهى جلسنا رفقة مجموعة من الشباب، معروف ارتيادهم للمكان، عينهم على التلفاز لمتابعة مباريات كرة القدم وفي نفس الوقت يعبئون أوراق اليانصيب، التي تملأ الطاولة بأسماء وألوان مختلفة، ظهر بعضها تحمل علامات منع على من هم أقل من ثمانية عشر سنة، إلا أن الأمر لا يولى أدنى اهتمام-على ما يبدو-، فقاصرون يتركون المدارس ويخلطون أوراق الرهانات بكتب أغلفتها مخصصة لتدوين نتائج كل سحب، في حديثنا مع الشباب، فقد أقروا على أن زوار المقهى بالمئات ويتضاعف عددهم، خلال نهاية الأ سبوع ووسطه، تزامنا مع مباريات الدوريات العالمية لكرة القدم، ومع الاكتظاظ الشديد، يحدث أن تشاهد طوابير يضطر الجميع لاحترامها، قبل تأكيد الرهان ليفاجأ المقامر بملايين بل وحتى مليار سنتيم،يتحول إلى وهم أدمن عليه شباب يمنون النفس في أن يصبح واقعا.
المقاهي الشعبية
واصلنا جولتنا في نفس الحي، وزرنا إحدى المقاهي الشعبية المعروفة بالإقبال الكبير، هي الأخرى من طرف عدد لا يستهان به، ممن أدمنوا على رهانات الخيول، حيث يرتكز هذا النوع من القمار،على أن تكون على دراية ومعرفة كبيرتين، حول مؤهلات الخيول من حيث الجري وراكبيها بل كل المعلومات المرتبطة بها، الاسم، تاريخ ميلادها..إلى جانب مصطلحات يتم تداولها بالعربية والاسبانية لن يفهم مغزاها غير الممارسين، من مثيل “الثنائي”/”كوبلي”أو”الثلاثي”/”التيرسي”،”الرباعي\الكواترو”..
الزائر لهذا المقهى المتاخم لإحدى دور السينما الموؤدة في حي العكاري-سينما الريف-، يلاحظ على أن الغالبية التي تدمن هذا الصنف من القمار يتجاوز عمرها الأربعين، عكس الألعاب المرتبطة بالأرقام والرموز وكرة القدم، التي تجذب المراهقين أكثر، تلج المقهى ترى كل مجموعة تتجادل حول الخيول، التي من الممكن أن تدخل في المراتب الأولى، يجلسون في المقهى لساعات طوال لا يبرحون أماكنهم، طاولاتهم مليئة بفناجين القهوة التي أفرغت إلى جنب أعقاب لفافات تبغ أو حشيش، يغوصون في عالم الخيول ويعلقون أمالهم على خيول تبعد عنهم بمئات الكيلومترات في فرنسا أو بريطانيا، لعلها تحقق أمانيهم بالفوز بمبلغ مالي ينتشلهم من الفقر، ولكن لن يخرجهم بالطبع من دائرة الرهانات.
الرهان على الخيول
وبالأرقام كذلك، فإن نادل هذا المقهى أقر لنا على أن، هذا المقهى الشعبي له رواده الإعتياديين يعدون بالعشرات وبالمئات مع نهاية الأسبوع، يقضي بعضهم من الوقت أكثر مما يقضونه في منازلهم، كما أن المقهى يضرب به المثل لحالات تسبب الرهان على الخيول في تشريد وضياع أسر بأكملها، حيث يقول صاحب المقهى، أن الأمر برمته يبدأ بدافع الفضول وكلمات محفزة ومغرية من طرف من هم مدمنون، ثم يشرع المرء بالتعرف على قواعد اللعبة وما تتضمنه من مصطلحات ورموز، ليتحول الشخص بعد ذلك إلى مهووس بالربح، بعد أن تكبر في دماغه ووجدانه فكرة الربح السهل، فيقتني ورقة خاصة باللعبة ويعبؤها بأرقام دون دراية أو معرفة حتى بالفرس وراكبه.
انعزال تام عن العالم الحقيقي
والقاسم المشترك بين كل المقامرين هو تجرعهم للخسارة مرارا وتكررا، ويظلون في انعزال تام عن العالم الحقيقي، ويعيشون مع الخيول، يعرفون عنها الصغيرة والكبيرة، مما يجعل المدمن على الخيول يعيش أحلام يقظة ويبدل مجهودات كبيرة، لتوفير المال وإن تعذر الأمر، فقد يضطر البعض للاستدانة أو حتى بيع ممتلكات منزله من أثاث وملابس، علاوة على الانهماك الشديد في سبيل إيجاد التركيبة الرابحة وسط مئات إن لم نقل ٱلاف التركيبات، وما يشكله من إرهاق عقلي ونفسي، خاصة مع إعلان نتائج مخيبة.
لوحات دعائية في الشوارع
وللإشارة فإن ألعاب الرهان لا تقف عند الأصناف المذكورة فقط، بل يوجد هناك العشرات منها، يخصص لها لوحات دعائية في مختلف الشوارع والأزقة للمدينة، توجه للعموم، باسم “المغربية للألعاب” و”اليانصيب المغربي”، المشرفتين على جميع أنواع الرهانات، التي يسوق لهما في الأماكن العمومية ويروج لهما في القنوات العمومية، يحققان أرباح كبيرةتقارب السبعة ملايير درهم بالنسبة لشركة “المغربية للألعاب” في السنوات الأربع الأخيرة،المبلغ الذي تصرفه في الغالب الطبقات الشعبية والمتوسطة، التي تمارس هذه الأنواع من الرهانات.
كما أن تزايد الأرباح لألعاب الرهان، يؤكد مدى تزايد اتساع دائرة الممارسين لهذا النشاط، ويؤكد خبراء أن هناك عدة عوامل تقف وراء هذا الأمر، في مقدمتها: اتساع دائرة الفقر، التي تحمل العديد من المغاربة إلى اللجوء لهذه الوسائل، للبحث عن الخروج من دائرة الفقر مهما كان الثمن، والدليل انتشار أغلب محلات القمار في الأحياء الهامشية، مؤكدين، أي علماء الاجتماع ومعالجي حالات هذا الصنف من الإدمان، أن هذا الاتساع يزيد من تفاقم الأزمات الاجتماعية للأسر، نظرًا للضرر الكبير الذي يلحق بميزانياتها وتوازنها المادي، كما أن معطيات نشرت السنة الفارطة، تشير إلى أن هذه الأرباح المتزايدة لا تخضع لرقابة مباشرةمن طرف السلطات العمومية، لصعوبة حصرها.
82 في المائة من المقامرين يعيشون في المجال الحضري
وحسب دراسة قام بها معهد ابن رشد السنة الفارطة، فإن سباق الخيول سباق الكلاب و”اللوطو”و”طوطوفوت”وألعاب الورق وألعاب الحظ، هي ألعاب القمار والرهان التي تستهوي المغاربة، الذين تختلف ميولاتهم واختياراتهم حسب نوع اللعبة والسن والحالة الاجتماعية والمستوى الدراسي والبيئة المحيطة باللاعبين، كما أشارت إلى أن82 في المائة من المقامر يعيشون في المجال الحضري، ويصل معدل سنهم إلى 40سنة،64 في المائة منهم متزوجون و5 في المائة من المتزوجين لهم مابين طفل إلى5أطفال.
46 في المائة من المقامرين لم يصل إلى المستوى الثانوي
وبخصوص المستوى الدراسي، فإن ذات الدراسة قالت على أن النسب تبقى متدنية نسبيا، إذ لم يصل سوى46 في المائة من المقامرين إلى المستوى الثانوي، بينما لم يتعدى30 في المائة المستوى الإعدادي، و 14في المائة لم يلجوا فصلا دراسيا في حياتهم، كما توضح أن 24في المائة من المقامرين هم من العمال، و 23في المائة يقعون في خانة الأطر المتوسطة الدخل، بين ما لا يقامر التجار إلا بنسبة 18في المائة.

91 في المائة من المترددين على سباق الخيل يسقطون في الإدمان

أضافت خلاصات الدراسة على أن درجة إدمان القمار عند المغاربة تختلف حسب نوع اللعبة، إذ أن91 في المائة من المترددين على سباقات الخيل يسقطون في الإدمان، بينما يدمن60 في المائة من المراهنين على سباقات الكلاب، ويأتي “اللوطو “في الدرجة الثالثة بــ 23 في المائة مندرجة الإدمان،ويحتل لعب الورق وألعاب الحظ الدرجة الأخيرة بـ5,1في المائة و1في المائة من المدمنين الذين يواظبون على ممارستها جنيا للربح السريع.
الحكومة تتحول لأكبر المطبعين مع شركات القمار
فالخلاصة التي يمكن استخلاصها من هذه الأرقام وجولتنا في حي شعبي، لا يعدو أن يكون سوى نموذج للإقبال الكبير على محلات الرهانات في باقي الأحياء الشعبية في المغرب برمته،بحيث أن الرهان في المغرب على ما يرام وبصحة جيدة، على حساب جيوب الفئات الفقراء والمتوسطة، في حين تبقى حكومة عبد الإله بنكيران تسمح لشركات تخضع لرقابة كل من وزارة الشباب والرياضة وصندوق الإيداع والتدبير، تشهر وتعلن منتوجاتها على القنوات العمومية وعلى لافتات تنصب في كل الشوارع وأمام المدارس، بعدما كانت قبل أن تكون في الحكومة من أشد المعارضين لتتحول لأكبر المطبعين مع هذه الشركات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى