عبد الله بادو رئيس “أزطا أمازيغ”في حوار ل”الراصد”

ـ إسناد المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية لوزارة الثقافة..تكريس لهامشية الشأن الثقافي في المغرب

ـ الحكومة تقصي دور الإطارات الأمازيغية حتى تضمن قوانين على مقاسها ومنسجمة ومواقفها الإيديولوجية

أجرى الحوار أحمد المرسي

أثارت سياسة الحكومة في تدبير ملف الأمازيغية، استياءا كبيرا من طرف الفاعلين الأمازيغ وكذا كبريات الإطارات الأمازيغية في المغرب، من ضمنها الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة المعروفة اختصارا ب “أزطا أمازيغ”، التي أجرينا مع رئيسها الأستاذ عبد الله بادو حوارنا هذا، حيث أكد أن “أي تمييز أو إقصاء يمس الأمازيغية أيا كان مصدره سنتصدى له، وظهور دينامية 17 نونبر، هي لأجل إبداء مناهضتنا لسياسة الحكومة في مجال تدبير الشأن الأمازيغي”، كما أوضح رئيس “أزطا أمازيغ” أن منهجية وطريقة اعتماد وزارة الثقافة والحكومة لمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية من شأنه، أن “ينسف ما تبقى من ثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني.”
1ـ بداية أستاذ عبد الله بادو شكرا على قبول دعوتنا، وكسؤال أولي، ما تعليقكم على المعطيات التي تقول بأن وزارة الثقافة، قامت سنتي 2012ـ2013، بإجراء مشاورات سرية حول المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية من دون علم أطراف واسعة من الإطارات والفاعلين الأمازيغ؟

الشكر موصول لكم على المجهوذات التي تبدلونها لمواكبة المستجدات السياسية والجمعوية والأمازيغية بشكل خاص، في علاقة بموضوع سؤالكم بخصوص سرية مشاورات سنتي 2012 و2013، لقد أُصِبْتُ بالذهول حين علمي بذلك، كالعديد من الفعاليات المدنية والأمازيغية المهتمة بهذا الموضوع، كما أتساءل عن المعايير والأسباب التي دفعت إلى نهج سياسة “الكولسة”، في موضوع ذو حساسية كبيرة ولا يتحمل تصرفا كهذا، وسيكون له أثره الكبير على مصداقية مبادرات الوزارة الآن ومستقبلا، كما أن من شأن ذلك، أن ينسف ما تبقى من ثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، وما يقع اليوم من توتر، وعزلة المبادرة الوزارية، وارتباك وارتجالية الوزارة في تدبير لجنة إعداد القانون التنظيمي للمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، هو نتيجة تلك الممارسات البائدة التي تتنافى مع مضامين ومقتضات الدستور، وما يؤلم في الأمر هو أن بعض من يصنف نفسه في صف الديمقراطية والحداثة، لا يشعر بالحرج وهو يتحدث عن ذلك.

كما أن تباهى بعض من تم إشراكهم بكونهم ساهموا في كولسة “المشاورات”، يعبر عن وجود أزمة قيم داخل النخبة المغربية وأنها تفتقد للبوصلة، فمساهمتها في خوصصة نقاش كان يجب أن يكون عموميا حتى يتملكه الجميع، لأن وضع تصور لمؤسسة ستعنى بتدبير سياسة الدولة المغربية في مجال إرساء التعدد اللغوي والتنوع الثقافي، ينم عن عدم وعي القائمين على ذلك بحساسية وخطورة المرحلة، كما أنهم لم يستحضروا مسؤوليتهم في العمل، على تأمين سيرورة الانتقال من سياسة التمييز والإقصاء إلى سياسة متمركزة على التعدد، وأن يرسم خارطة طريق لإرساء التعدد اللغوي والتنوع الثقافي بالمغرب.

وإطلاق “مشاورات” طيلة تلك الفترة الممتدة بين 2012 و2013، يطرح أكثر من تساؤل حول جدية الدولة ووزارة الثقافة، كمؤسسة وصية على الحوار الوطني الخاص بإعداد مشروع القانون التنظيمي للمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، ومدى استعدادها لتطوير سياساتها في هذا المجال، لعدة اعتبارات منها؛ عدم جدية الدولة في تعاملها مع القضية الأمازيغية، مما يدعو للشك في مصداقية تشكيل لجنة جديدة على أنقاض لجنة أخرى دون تقديم الأسباب والدواعي والاعتبارات لمآل مخرجات المشاورات السرية لوزارة الثقافة، الأمر الذي يضع جدية المشاورات الحالية التي أطلقتها لجنة المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية برئاسة إدريس خروز، في مأزق حقيقي بالنظر للمدة المخصصة لعمل اللجنة، وعدم وضوح منهجية اشتغالها، وطبيعة تركيبتها غير المتوازنة وغير ممثلة لكل المكونات اللسنية والثقافية التي يزخر بها المجتمع المغربي.

2ـ ما هي في نظركم تأثيرات تخلي وزارة الثقافة والجهات المعنية، على خلاصات “المشاورات السرية” وتشكيل لجنة المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية؟

وقف الاستشارات السرية ووضع مخرجاتها جانبا وإنشاء لجنة جديدة للمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، يعتبر إهانة وتبخيس لمجهوذات المشاركين(ات)، وهدر للوقت والجهد والطاقة، كما أعتبره أيضا إهانة لمن تم إشراكهم خلال تلك الاستشارات الصورية، ويبين عبث واستهتار الدولة في تعاطيها مع كل الملفات، ومنطق التعيين دون استشارة الجمعيات والهيئات المشكلة للجنة، يبين وبجلاء رغبة الوزرة في بسط هيمنتها على اللجنة، فمنطق الوصاية يمس باستقلالية اللجنة، مما سيؤثر لا محالة على مخرجات النقاش وتوجيهها في اتجاه الإبقاء على مشروع القانون المتشاور بشأنه سلفا، مما سيكون مانعا دون تجاوب مع مطالب الحركة الأمازيغية والهيئات المهتمة، باعتبارها جزءا من مجتمع مدني حظيت أدواره باعتراف دستوري.

فوضع عملية إعداد القانون التنظيمي للمجلس تحت إشراف وزارة الثقافة، يبين أيضا درجة الأهمية والاهتمام الذي يحظى به هذا المجلس، فهو ليس استراتيجيا في السياسة العامة للدولة، فكون الوزارة تعتبر من الوزارات الهامشية، بالنظر إلى ميزانيتها ومجالات تدخلها يعكس تصور القائمين على السياسة اللغوية والثقافية للبلاد كما أنهم يكرسون هامشية الثقافة.

3ـ كما لا يخفى عليكم، وجود “تباين” واضح وجلي في صفوف الإطارات الأمازيغية، بصدد لجنة المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية..ما هي في نظركم الأسباب وراء هذا “التباين”؟

من وجهة نظري، الأمر عادي وطبيعي، ومرتبط أساسا باختلاف التقدير السياسي لكل مكون على حدا، كما أنه يعكس وجهات النظر المختلفة التي توجد داخل الحركة الأمازيغية، ويترجم وجود أجندات متعددة، لن أقول سياسية بل حزبية ضيقة تخترقها، وهو ما جعل البعض يخضع لموقف المشاركة بالرغم أنه عبر في محطات مشابهة عن رفضه للانخراط أو التشاور مع لجن إعداد مشاريع قوانين تنظيمية أخرى، ومنهم من قاطع الحوار المدني بنفس المسوغات والمبررات التي تبرر بها أغلبية مكونات الحركة الأمازيغية الديمقراطية والمستقلة اليوم موقفها من اللجنة المكلفة بإعداد مشروع القانون التنظيمي للمجلس، وعند استحضار هذا المعطى الأساسي، كون الحركة الأمازيغية تخترقها جميع الأحزاب والتيارات السياسية منذ نشأتها، سنعي لما يحاول البعض أن يحجب هذه الحقيقة، لأنها تمس مبدأ استقلالية الفاعل المدني عن الفاعل الحزبي أو السياسي، وتفضح خدمته لأجندة حزبية معينة.

4ـ اعتبرت بعض الأطراف التي كانت قد شاركت في المشاورات التي فتحتها من قبل وزارة الثقافة حول المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، أن الدوافع وراء تنديد بعض الإطارات الأمازيغية يعود بالدرجة الأولى إلى خلافات تنظيمية وشخصية بالدرجة الأولى، ما تعلقكم على الأمر؟

باب المشاورات مفتوح فليشارك من أراد ذلك، على أن يتحمل مسؤولية مخرجات اللجنة وقراراتها إذا كانت دون مستوى تطلعات الفاعلين، ورفضنا المشاركة قرار مؤسساتي لإطاراتنا ولكل الجمعيات والتنسيقيات، التي تضم ما يقارب من 300 منظمة المنخرطة في إطار دينامية 17 نونبر، ولا صلة له بدواتنا كفاعلين، والتي تضم تنظيمات تشتغل بفكر مؤسساتي وتقود دينامية ميدانية قوية، يشهد لها بقوتها الاقتراحية من طرف الجميع.

فنحن كمؤسسات تحترم نفسها ومواقفها وإرثها النضالي، قرارنا يرجع بالأساس إلى انتفاء شروط المشاركة الحقيقية في المبادرة الحالية للوزارة، فكل المعطيات المتوفرة الآن تؤكد أن تلك المشاورات صورية وشكلية، وحتى ما يصرح به بعض أعضاء اللجنة نفسها، يؤكد مخاوفنا ويعزز موقفنا في رفض التعامل مع لجنة لا تمتلك سلطة القرار، ولا تعكس كل مكونات وتركيبة المجتمع المغربي، كما أن اللجنة تضم أشخاص وتنظيمات أقحمت دون استشارة أجهزة هذه التنظيمات، ما يعكس منطق التعالي والهيمنة، في منهجية تعاطي الفاعل المؤسساتي مع الفاعل المدني، والدليل أن هناك تنظيمات جمعوية، أكدت أن الوزارة لم تستشرها بخصوص المشاركة في اللجنة، كما أنها لم ترد على طلب التوضيح، الذي أرسل إليها بخصوص إدراج اسم الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة إلى حدود الساعة، وهذه الممارسة نعتبرها تدليسا.
5ـ ألا تظنون أن هذا التباين في المواقف والرؤى سيؤثر لا محالة على ملف القضية الأمازيغية، خاصة وأنها في مرحلة حاسمة تحتاج إلى مزيد من التكتل؟

بالعكس أظن أن الحدث سيكون له وقع إيجابي على الحركة، فهو على الأقل لحدود الساعة ساهم في تقريب وجهات نظر العديد من الفعاليات الأمازيغية، وسيؤسس لفعل مشترك سيكون له وقع كبير في تعزيز حجم الدينامية الميدانية والإحتجاجية والاجتماعية للحركة الأمازيغية، على مستوى الشارع، وفي الآن ذاته سيساهم في كشف أجندات حزبية متخفية، كانت تستغل الحركة الامازيغية لتحقيق مكاسب حزبية وسياسية في إطار الصراع بين قطبي الحكومة والمعارضة.

كان التشبث سببه تراكم ممارسات وسلوكات دامت زهاء عقدين من الزمن وليس وليد اليوم أو هذه المبادرة، ونتيجة لتجنب طرح مجموعة من الأسئلة العالقة لعقدين من الزمن أو يزيد، نظرا لتعدد الرؤى السياسية واختلاف وجهات النظر داخل الحركة الأمازيغية، فهي تعج بكل التوجهات والمرجعيات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وفي معادلة كهاته يتم غالبا الانتصار للموقف الأيديولوجي أو الحزبي، ولو كان ذلك على حساب وحدة الحركة نفسها، وهذا ما دفعت الأمازيغية ثمنه غاليا، وسيستمر النزيف مستقبلا إن لم يتم الحسم فيها وخلق آليات لتدبير الاختلاف ومأسسة العمل المشترك الحقيقي.

6ـ بخصوص القوانين التنظيمية الخاصة باللغة الأمازيغية، فحسب معطيات توصلنا بها تؤكد وجود مقترح مشروع قانون تنظيمي لدى الأمانة العامة للحكومة..إن صح المعطى وعلما أن الجهات المعنية لم تقم بإشراك الفاعلين الأمازيغ في إعداد مشروع مقترح القانون، كيف ستتعاطون مع مقترح مشروع القانون التنظيمي؟

إذا اعتمدت الأمانة العامة للحكومة نفس المنهجية الإقصائية والتحكمية المعتمدة في إعداد مسودات مشاريع القوانين التنظيمية السابقة، فلا خير يرجى منها، وستكون استمرارا لما مارسته الحكومة من إقصاء وتحجيم لدور الجمعيات الوازنة وذات الخبرة في مشاوراتها، حتى تضمن قوانين على مقاسها ومنسجمة مع مواقفها الإيديولوجية. إذ لا معنى للقانون التنظيمي إذا لم تكن وراءه إرادة سياسية حقيقية، تهدف للنهوض الفعلي باللغة والثقافة الأمازيغيتين، والذي لن يتأتى إلا بتوفير الموارد والمناصب المالية اللازمة، ولهذه الأسباب كنا ننادي بضرورة تشكيل هيأة مستقلة وقوية، ذات اختصاصات وازنة وناجعة.

الحركة الأمازيغية إجمالا والشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة (أزطا أمازيغ)بشكل خاص، تدعو الحكومة والبرلمان إلى التفاعل الايجابي مع بعض المبادرات الجدية والجادة التي تقدمت بها لهم، وعلى وجه الخصوص مشروع القانون التنظيمي، الذي أعدته أزطا أمازيغ بخصوص تفعيل الفصل الخامس من الدستور، كمقترح مشروع القانون التنظيمي الخاص بآليات إعمال الطابع الرسمي للأمازيغية، والمذكرة الخاصة بإحداث المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، والمذكرة الخاصة بإدماج الأمازيغية في الجماعات الترابية…الخ. كلها كانت مبادرات قوية وذات قيمة علمية نظرا للمنهجية التي أعدت بها وحجم ونوعية الفاعلين والخبراء المشاركين(ات) والمساهمين في مختلف الأوراش واللقاءات، والمنتديات التي نظمت لهذه الغاية.

وأثارت سياسة الحكومة في تدبير ملف الأمازيغية استياءا كبيرا، لدى أغلب الفاعلين في هذا المجال، وكان وراء ظهور ديناميات جمعوية مناهضة لسياسة الحكومة في مجال تدبير الشأن الأمازيغي، كدينامية 17 نونبر، والتي تضم بالمناسبة عدد مهم من الجمعيات والديناميات الأمازيغية والحقوقية، والتي أطلقت سلسة من المبادرات المهمة لتعميق النقاش العمومي حول الموضوع في الجهات على أن تتوج بلقاء وطني ببوزنيقة يومي 9 و10 يناير 2016، وهذه الدينامية ستسهر على تتبع كل خطوات وتدابير الحكومة في هذا الشأن وستتفاعل معها في حينها.

وأعيد التذكير في هذا الصدد، بأن الأمازيغية لا يمكن إنصافها بشكل عادل، إلا عبر اعتماد مبدأ التمييز الايجابي، الذي أوصت به اللجنة الأممية مِؤخرا لأن ما لحق اللغة الأمازيغية من طمس وتهميش منذ عقود يحتاج إلى عمل وطني كبير لتدارك ما فات وهو ما سينعكس ايجابيا على بلادنا سياسيا و ثقافيا و تنمويا، كما أن القانون مطالب بوضع آليات فعالة لمناهضة كافة أشكال التمييز ضد الامازيغية، إلى جانب إحداث مؤسسة أو مؤسسات وطنية قوية ومستقلة تُعْنَى بالأمازيغية، ذات اختصاصات واضحة في وضع السياسات العمومية في هذا المجال، خاضعة لمعايير ومبادئ إعلان باريس للمؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان، التي تتلخص في:

• الاستقلالية التي ينبغي أن تُضْمَنَ بواسطة قانون أساسي أو عن طريق الدستور.
• الاستقلالية عن الحكومة.
• التعددية، بما في ذلك التعددية في العضوية.
• صلاحيات واسعة ترتكز على المعايير العالمية لحقوق الإنسان.
• سلطات وموارد كافية.

7ـ ما تعليقكم على قرار رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران الأخير من تحت قبة البرلمان، بتأكيده على إبقاء سياسة التعريب، وهل يترجم الأمر وجود إرادة سياسية لدى الحكومة من أجل القطع مع سنوات الحيف والظلم اتجاه كل ما هو أمازيغي؟

لم أعد أكثرت كثيرا لما يتفوه به هذا الشخص، فالشعبوية والمقاربة الأخلاقية لم تكن يوما كافية لتدبير مؤسسات الدولة والسياسات العمومية، وحديثه عن استمرار التعريب جاء من باب المزايدة السياسية لا غير، كما يتضح أنه لا يمتلك زمام الأمور داخل حكومته، وإلا كيف نفسر موقف وزيره في التعليم بشأن تدريس المواد العلمية بالفرنسية، والزيادة من الحيز الزمني لتدريس اللغة الفرنسية بالتعليم الابتدائي، حيث تم إدراجها بالسنة الأولى في إطار مشروع تحيين المناهج التعليمية، لأنه يتضح وبجلاء فشله في تدبير البلاد، وحديثه عن التعريب أو ما شابه هو محاولة للالتفاف على المكتسبات الدستورية، فالتعريب والتمزيغ، الآن أصبحا ضروريين للحفاظ على الهوية على كل مكونات الثقافة المغربية وتطويرها، وأي تمييز أو إقصاء يمس إحدى اللغتين الرسميتين للبلاد، أيا كان مصدره سنتصدى له.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى