في الذاكرة منقوشة

نوقشت بمداد من ذهب في الذاكرة الحية للمغاربة، وأصبح يوم 6 نونبرمن كل سنة لحظة قوية للإحتفاء بذكرى مسيرة تاريخية كبرى، حققت انبهار العالم العربي والغربي، وبينت مدى تلاحم الشعب وملكه، حيث تناغمت جميع الأطياف والتيارات من سائر ربوع الوطن، بنظام وانتظام، حاملين القرآن الكريم والأعلام الوطنية، مسلحين بقوة الإيمان والعزيمة الراسخة  تحت القيادة الرشيدة للمغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، الذي حرص، أيما حرص، على قيادة المسيرة بأسلوب حضاري سلمي فريد يصدر عن قوة الإيمان بالحق في استرجاع الأقاليم الجنوبية إلى حظيرة الوطن الأب، ليكون النصر حليف المغاربة، وترتفع بذلك راية الوطن خفاقة في سماء العيون يوم 28 فبراير 1976، مؤذنة بنهاية الوجود الاستعماري في الصحراء المغربية، حيث تلاها استرجاع المغرب في 14 غشت 1979 لإقليم وادي الذهب.

فالذكرى الأربعين للإحتفاء بهذا الحدث البارز الذي يجسد عبقرية الملك الموحد وباني المغرب الحديث يعتبر استمرارية ومواصلة مباركة نحو التقدم والرخاء والتنمية والإصلاح تحت القيادة المستنيرة لصاحب الملك محمد السادس.

فالمسيرة الخضراء حققت أهدافها وحطمت الحدود المصطنعة بين أبناء الوطن، ومنحت للعالم درسا قيما في العزيمة والإرادة والتضامن والتلاحم والوطنية والإخلاص للوطن والملك، فالمغاربة لبوا نداء المغفور له الحسن الثاني بدون تردد أو خوف ، فكان ذلك جليا من خلال  المشاركين في المسيرة، انطلاقا من الشباب إلى الكهول إلى الشيوخ، من رجل الشارع، إلى المثقف، إلى علية الموظفين، الى الزعماء، وعلى رأس الجميع ملك البلاد وحامي الوطن.

وتبقى قضية الصحراء تندرج بالنسبة للشعب المغربي، في إطار استكمال وحدته الترابية والحفاظ على وحدته الوطنية، كما أن الاقتراح الشجاع والمسؤول المتعلق بالحكم الذاتي في ظل احترام السيادة الوطنية يندرج تماما ضمن مفهوم تقرير المصير، باعتباره طريقة مفضلة لممارسة ساكنة معينة لحقوقها الفردية والجماعية.

هذه المسيرة الفريدة أظهرت من نوعها على مستوى العالم مدى التلاحم الذي جسدته عبقرية ملك مجاهد وشهامة شعب أبي أبان لكل العالم، أسمى تجليات الإخلاص للوطن وتصميم كافة المغاربة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب على استكمال الوحدة الترابية لبلادهم إلى أن عاد الحق إلى أصحابه وتحقق لقاء أبناء الوطن الواحد.

عرفت الأقاليم  الجنوبية بفضل المسيرة الخضراء مسرحا لأوراش التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرياضية التي لم تعرفها تلك المناطق خلال الفترة الاستعمارية، ودخلت  عهدا من الانجازات الهامة والنوعية ومن الدينامية في شتى المجالات والتي تعنى بالاهتمامات اليومية والتطلعات المستقبلية لساكنة هذه الأقاليم، حيث تحولت مدن الأقاليم الجنوبية إلى مراكز حضارية واقتصادية واعدة.

وتتواصل ملحمة صيانة الوحدة الترابية تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس بنفس الحماس، من خلال الالتزام الراسخ لكل شرائح الشعب المغربي، وانخراط أبناء الأقاليم الجنوبية في دينامية التقدم والتجدد الذي تعرفه المملكة.

ويستنتج من هذه الملحمة الرائعة دلائل كثيرة ودروس مفيدة لمدى وفاء الشعب لوطنه وملكه، ونتبين أيضا أنه من خلال ذلك أن المغرب يحيي مسيرة شاملة منذ أربعين سنة، وأن روح المسيرة الخضراء القائمة على الوحدة والأصالة والسيادة والتنمية هي روح سارية تطبع العهد الحسني بطوابعها الدامغة، وأبرز ما في هذه المسيرة الشاملة أنها مسيرة بناء مغرب ديمقراطي، وقد عبر جلالة الملك المغفور له الحسن الثاني  عن هذه المسيرة الشاملة في خطاب (31 أكتوبر 1977) عندما استقبل جلالته مكتب مجلس النواب فقال: “إن الانطلاقة الديمقراطية المغربية غير مستعارة ولا مجلوبة من الخارج، إنها تجربة مغربية أصيلة. وهي التي تشكل مسيرتنا الثانية، إلا أنها مسيرة طويلة بدون انقطاع وبدون رجوع“.

وتفاعلا مع ذلك،واستكمالا لما حققته المسيرة الخضراء في عهد المغفور له الحسن الثاني ، فإن مسيرة التنمية المحلية والجهوية سواء على مستوى الأقاليم الجنوبية أو بمختلف باقي أقاليم جهة المملكة عرفت تقدما ملموسا وأوراشا تنموية كبيرة تتوفر على جميع الشروط المطلوبة للمضي قدما لإنجاح نظام الجهوية كما يريده صاحب الجلالة محمد السادس.

 

فاطمة البوخاري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى