في رِثاء شهيد القِيَم

رثاء إبراهيم الكوني لفقيد ليبيا والطوارق حسين الكوني رحمه الله:

في رِثاء شهيد القِيَم

سُئل يوليوس قيصر: “أيُّ الميتات أفضل؟” فأجاب: “ميتة الفجاءة”، فكان له ما أراد عملاً بالوصيّة القائلة بأن نحترس في شأن أمانينا، لئلّا تقع في أسماع جواسيس الأقدار فتلبّي النداء!
وفي ظنّي أن الميتة البطولية حقاً هي مِيْتة الأقساط، التي يتبوّأ فيها المُريد منبر شاهد العيان الذي يُشرف على واقعٍ تتسابق في رحابه أفواج من أحببنا في حمّى الرحيل، ليستقطع منّا، كل فردٍ فيهم، نصيباً سخيّاً من وجودٍ، هو في الأصل، محدود الصلاحيّة، فلا يملك هذا النموذج إلاّ أن يجود بنفسه في كل مرّة وَدّع فيها أحد أقطاب الذخيرة الروحيّة ليرثي، في الواقع، نفسه، كلّما ارتفع النداء معلناً ترجّل فارسٍ جديد من محفل الأخلّة، فلا نملك إلاّ أن نتغنّى بحكمة الأجيال المترجِمة في بيت الشاعر الذي حذّرنا بأن الأجراس عندما تُقرَع (إيذاناً برحيل إنسان عن عالمنا)، فإنّما تُقرَع لكلٍّ منّا، لأننا نحن المعنيّون بفحوى الرسالة التي تتغنّى بها الأجراس، لأننا وحدنا مازلنا نستوطن واقع الباطل، أمّا فئة الذين ارتحلوا، فقد اغتربت عن واقعنا، واجتازت البرزخ العصيّ إلى وطن الرؤى السماوية، حيث يهيمن البُعد المفقود، المسكون بالفردوس المفقود، ليغدو هذا الواقع، في منطق الغيوب، وحده البُعد المُستعاد، المسكون بالفردوس الذي لا يبقى مفقوداً، ولكنه يغدو مستعاداً.
أمّا نحن، الفئة التي استبْقتها الأقدار في واقع باطل الأباطيل، لتكون شاهد العيان على هذه الدياسبورا الغيبيّة الفجيعة، فقدرنا أن ندفع المكوس مقابل الهوية: هويّة شهود العيان على حرف الوداع. هوية شهود العيان على استقالة رموز وجودنا الشقيّ الواحد تلو الآخر، كأنّهم يلبّون نداءً موعوداً في انسحابهم الجماعي، ليأخذوا معهم النصيب الأنبل منّا، ليختلسوا ذكرياتنا معهم من ذاكرةٍ هي كلُّ ما نملك، فإن اغتربتْ اغترابنا غصباً عنّا، لأن الذخيرة التي تسكنها إنّما هي الأُسّ في لغز الروح التي تسكننا، ليغدو البقاء بعدهم إغتراباً في الواقع، يغدو البقاء بعدهم قصاصاً، في صفقةٍ حقّقوا هُمْ بموجبها خلاصاً في الواقع، فتبطل بذلك مؤهّلات البقاء، ليمسي الحضور، أو ما نتوهّمه حضوراً، ضرباً من غياب؛ غيابٌ لا يختلف في الواقع عن غياب أحبّتنا الذين سبقوا!
والسبق، كما تعلّمنا، دوماً فضلٌ، بل هو دوماً فضيلة، مادام مسعانا في هذه الدنيا منذ البدء سباق. سباقٌ العتبة الأولى فيه هي يوم الميلاد، ومقام الفوز فيه هو برزخ النهاية. ولذا فقصب السبق في هذه المبارزة هو الأسرع في بلوغ حرم النهاية كما في كل مباراة، فلا نملك إلاّ أن نعبّر عن دهشتنا من منطق إنسانٍ يهفو لأن يحقّق السبق في كل شأن، باستثناء السبق الوحيد الذي نصّبته الطبيعة حَكماً على الوجود، برغم يقيننا المسبق بأنه الغاية في كل وجود. وأحسب أن هذا وحده سببٌ كافٍ لتعزيتنا في فقد أولئك الذين نشهد رحيلهم، ونحسّ بألم النزيف الناجم عن استقطاعهم منّا نصيبنا الأنبل ليأخذوه معهم، فلا نستطيع أن نستردّه أبداً ما لم يحلّ الميعاد الذي سنلتحق فيه بركابهم في دياسبورا وجودنا المحموم.
وها هي الأقدار تختطف من رحابي فارساً آخر، لتختلس من خزانة الروح نصيباً آخر، لأن ليس الإنسان النبيل، المجبول بالفطرة، المسكون بالقيم الأخلاقية، الملقّب باسم حسين الكوني، هو الذي ارتحل، ولكن ما سكنه من تلك القيم المغتربة في عالمنا، هو الذي ارتحل، برحيل الفارس الجديد الذي أبَى إلاّ أن يترجّل فجأة، ليستقيل من دنيا لم يكن له أن يندم على استقالته منها، لا لأنها لم تنصفه وحسب، ولكن لأنها لم تفهمه أيضاً. لم تفهمه لسببٍ بسيط هو توقه إلى دينٍ صار في عُرف عالمنا تجديفاً في حقّ حقيقة دنيانا وهو: الفطرة! الفطرة حيث تزهر كل القيم الإنسانية التي اغتربت في واقعنا، لتغدو النزاهة، في منطق هذا العالم، سذاجةً، وحسن النيّة دروشةً، والبراءة قناعاً مشبوهاً، والحبّ حيلةً مفضوحةً للإحتيال على العملة السائدة، والحرص على أداء الواجب استفزازاً مثيراً للسخرية، فلا يبقى لمريد هذه المُثُل المغتربة إلاّ الإستنجاد بالمفى فراراً من الزِّيف، إذا شاء أن يحتفظ بعفوية الواقع الضائع الذي حقنته به عرّابة الطبيعة الأولى: الصحراء! الصحراء التي أقبل منها يوماً، حاملاً عبء قيمٍ هي كلّ مؤهّلات وجوده، ظانّاً أنها حُجّة كافية لتشكيل كيان بصمته، في واقع دنيوي احترف الدنس منذ نصّب النفع في ساحته معبوداً. وكان من الطبيعي أن يخيّب ظنّه في حُجَجِ دنياه، دون أن يفقد حسن ظنّه بقيمه، برغم كل الخيبات، مفضّلاً، مثل كل غرباء هذا العالم، أن يخسر الرهان، على أن يخسر نفسه مقابل أن يكسب الرهان.
وعلّ اغتراب أمثال هؤلاء، طوال حضورهم في واقعنا لهو الشهادة لهم على هويّتهم كشهداء.
فطوبى لنموذجٍ هو حسين الكوني الذي رحل عنّا بالأمس حاملاً في القلب صليب قيمه الخالدة، مسكوناً بروح الطفولة التي هدهدها دوماً غير آسفٍ على خسائره، لأنه لم يخسر بالخروج من عالمنا (الذي لم يكن يوماً عالمه) سوى قيدٍ بليدٍ هو جسده، متنكّباً غنيمته الروحية التي لم يخذلها أبداً طوال حضوره الشقيّ في دنيانا الشقيّة، ليقينه بأن الإنسان لم يكن ليخسر في سفر الدنيا شيئاً، ما لم يراهن على نفع، لأن بالرهان على النفع فقط يخسر الإنسان نفسه.
إستقال حسين الكوني من حضيض الباطل، ولكنه لم يكن ليهاجر بدون زاد. وزهده في حطام الدنيا هو ما زوّده بالوقود المستعار من أرواحنا، لأنه أخذ معه نصيباً جديداً من رصيدنا الروحي الذي لا نملك سواه، ولكنه الرصيد المستوجب الذي لا نملك الحقّ في أن نبخل به على أمثاله من غرباء هذا العالم الجاحد.
وربّما كان إصرارهم على الفوز بقصب السبق هو ما أهّلهم لأن يهيمنوا على حرم أنفس ما تبقّى لنا لتخليد بصمتهم، وهو: الذاكرة.
فبحضورهم في ذاكرتنا، هُم معنا باقون، بل وفي خارطة الوجود خالدون، وبغيابهم من هذه الخزانة الغيبيّة فقط هم فانون.

إبراهيم الكوني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى