قراءة تحليلية.. أزمة شمال مالي.. انفجار الداخل وتداعيات الإقليم

في قراءة تحليلية عن أزمة شمال مالي تحدث الإعلامي والباحث في الشؤون الإفريقية إبراهيم محمد كوني عن الأزمة منذ بدايتها وأسباب التوتر الحاصل الآن في الإقليم، وتاريخ تمرد قبائل الطوارق.

نبذة عن جمهورية مالي

تقع مالي في غرب إفريقيا وتحيط بها مجموعة من الدول كالجزائر والنيجر وساحل العاج وبوركينافاسو وغينيا كوناكري وموريتانيا والسنغال. تزيد مساحتها عن 1,240,000 كم² ويبلغ عدد سكان البلد حوالي 15 مليون نسمة. وتبلغ نسبة عدد لمسلمين 95% وعاصمتها باماكو. وحدودها الشمالية تصل إلى عمق الصحراء الكبرى، أما المنطقة الجنوبية من البلاد حيث يعيش فيها أغلبية السكان فيمر بها نهري النيجر والسنغال.

 

من هم الطوارق؟

هي قبائل تنحدر من أصول بربرية في شمال إفريقيا، ويتحدثون اللغة الطرقية. وتتوزع قبائل الطوارق بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو وليبيا والجزائر وموريتانيا.حيث لا توجد عندهم مكان ثابت ويعيشون في الصحراء.

ما هي كلمة أزواد؟

تعد المنطقة باسم منطقة “أزواد” – هي اسم غير رسمي- الموطن الأصلي لقبائل الطوارق، حيث تشمل 60% من مساحة مالي، وتشمل 4 مناطق رئيسية هي “تمبكتو، وكيدال، وغاو، وجزء من منطقة موبتي”، وذلك بحسب موقع الحدث الأزوداي.

الطوارق: موجات من التمرد

التوتر في مالي يمتد إلى عام 1963، مع تمرد الطوارق في شمال مالي على حكومة موديبو كايتا، والذي يعد أول رئيس لمالي بعد استقلالها عن فرنسا عام 1960 الأزمة مع الطوارق في مالي ظهرت بوادرها عام 1958، إبان الاحتلال الفرنسي لمالي، حينما أرسل 300 من شيوخ الطوارق رسالة إلى الرئيس الفرنسي شارل ديجول، يطالبون فيها بفصلهم عن السودان الفرنسية “مالي.

الموجة الثانية من التمرد بدأت عام 1990، ضد الرئيس المالي الاسبق  موسى تراوري، وانتهت باتفاقية بين المتمردين الطوارق وحكومة موسى تراورى في تمنراست بالجزائر في يناير/ 1991 .

الموجة الثالثة بدأت وانتهت عام 2006، بعد فشل جهود الوساطة بين الرئيس المالي آمادو توماني توري، والحركات المتمردة، وانتهى الأمر بتوقيع اتفاق للسلام في الجزائر، ثم بروتوكول تفاهم عام 2008 برعاية ليبية.

أما الموجة الرابعة وهي الأعنف على الإطلاق انطلقت عام 2012، حينما أعلن الطوارق استقلال المناطق التي يسيطرون عليها في شمال مالي، تحت اسم ما يسمونه”بجمهورية أزواد”، والذي انتهى بتوقيع بعض الحركات المسلحة في مارس من عام 2015، اتفاق السلام والمصالحة في العاصمة المالية باماكو.

الانقلاب ضد آمادو توري

قاد آمادو توماني توري   انقلابا عسكريا عام 1991، ضد موسى تراوري، إلا أنه سلم الحكم لأول رئيس منتخب ديمقراطيا، وهو ألفا عمر كوناري، ويفوز هو كمرشح للرئاسة في انتخابات عام 2002، ويعاد انتخابه عام 2007، ليخلع هو عن الحكم عبر انقلاب عسكري أيضا في مارس /آذار 2012، حينما تمرد مجموعة من الضباط في الجيش المالي ضده، نتيجة اعتراضهم على طريقة تعامل الحكومة المالية مع الأزمة مع الطوارق المتمرد.

إثر هذا الانقلاب وفي خضم هذه الاضطرابات التي تواجهها مالي استغل الطوارق المتمرد الفرصة، وأعلنوا قيام جمهورية أزواد في المناطق التي سيطروا عليها، وهو الإعلان الذي قوبل بالرفض من بعض  دول الجوار والاتحاد الافريقي والامم المتحدة.

الفاعلون الرئيسيون في التمرد الطارقي:

ترتكز المطالب التي يقدمها مسلحو الطوارق  المتمردين في كل هذه الفصول المتقطعة من الحرب والاتفاقيات والسلام على رفع الغبن والتهميش الذي يقولون إن الحكومة المركزية في باماكو تمارسه عليهم. كما ترتكز الحركة  على أربعة مكونات رئيسية تشكل القوة الضاربة عسكريا لها، وهي

أولا : المجندون الماليون والنيجريون من أصول طارقية ممن كانوا يخدمون تحت إمرة الزعيم الليبي، وكانوا يعملون في وحدة خاصة تسمى الوحدة 32 يقودها نجل الزعيم الليبي الراحل خميس القذافي. وكانت آخر مجموعة من هؤلاء المجندين الماليين قد عادت في الثالث من أكتوبر 2011 واضطرت السلطات الإقليمية في كيدال إلى استقبالهم لدمجهم في الجيش النظامي المالي.

ثانيا : المجندون السابقون في تحالف 23 مايو 2006 الذي كان يرأسه إبراهيم أغ باهانغا قبل موته الغامض في أغسطس في حادث سيارة عائدا من ليبيا -حسب الرواية الرسمية المالية والجزائرية- سواء الذين انضموا للجيش النظامي المالي تطبيقا لاتفاقات السلام وملحقاتها والذين هربوا منه عند اندلاع الأزمة الأخيرة أو من لم يدخلوا الجيش النظامي أصلا وتمسكوا بسلاحهم بعد اتفاقية الجزائر 2006. وينحدر غالبية زعماء ومجندي هذه الحركات من قبيلة “أيفوغاس” وهي قبيلة طارقية قليلة العدد ولكن نفوذها السياسي في الشمال المالي واسع جدا.

ثالثا : حركة أنصار الدين الأزوادية التي يعتبر زعيمها الآن: إياد أغ غالي أقدم وأبرز زعيم للمتمردين الطوارق بعد رحيل أغ باهانغا ومقتل القائد بركة شيخ، العضو في التحالف الديمقراطي لـ23 مايو من أجل التغيير الذي يمثل تمرد الطوارق السابق، والذي عثر على جثته في 11 أبريل 2008 قرب مدينة كيدال، وكاد مقتله يعجل بأتون الحرب التي اندلعت الآن زعيم هذه الحركة هو رفيق سلاح للقادة التاريخيين للمتمردين الطوارق، وقد عينته الحكومة المالية قنصلا عاما لمالي في جدة في خطوة   قيل إنها سعي من الرئيس المالي توماني تورى لإبعاد أغ غالي عن مركز قوته في كيدال قبل أن تطرده المملكة العربية السعودية لاتهامه بالقيام بمهام صنفتها المملكة بالتخريبية.

وتسعى حركة أنصار الدين حسب بعض المصادر عند الطوارق  إلى “ضرورة إظهار الحالة الدينية الإسلامية للشعب الأزوادي” وذلك بتطبيق الشريعة وإقامة حكم إسلامي في أزواد. وقد توحدت مع الحركات الطوارقية الأخرى التي ليس لها توجه ديني نتيجة لالتقاء مصالح الطرفين إضافة لكون عدوهما واحد وهو الحكومة المالية

رابعا : الدور الخفي الذي يلعبه تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في توفير الدعم اللوجستي لبعض القيادات التي تنشط الآن في هذا الصراع، رغم حرص كل القيادات والمتحدثين باسم المتمردين الطوارق سواء في الداخل أو في دول الشتات في أوروبا على نفي أي صلة لهم بتنظيم القاعدة. ويحرص كل طرف على اتهام الطرف الأخر بالتعاون السري مع التنظيم الإرهابي لتسجيل نقاط عند الأطراف الإقليمية أو الدولية التي يشكل التحرك الحر للتنظيم في دول الساحل والصحراء تهديدا لمصالحها. إلا أن تقارير انفردت مصادر صحفية مالية بنشرها مؤخرا تؤكد مشاركة بعض قادة التنظيم المسلح في عمليات قتل بشعة استهدفت أفرادا من الجيش المالي.

طرف آخر خامس : وهو طرف أخير، ليس بالمسلح ولم يشارك ميدانيا في النزاع القائم، ويتمثل في بعض الأعيان والموظفين السامين في الإدارة الإقليمية للشمال المالي كالحكام وعمد البلديات أو الدبلوماسيين السابقين، ومن أبرز هؤلاء الرموز الوزير السابق في حكومة موسى اتراوري حمّه آغ محمد، وكذلك أحمد ولد سيد محمد وهو دبلوماسي موريتاني سابق، إضافة لشخصيات عسكرية ومدنية أخرى هربت من مناطق.

رحيل العقيد القذافي وأولى تجلياته الإقليمية

يأتي تجدد الصراع بين الطرفين في هذه المرحلة في سياق تداعيات سقوط نظام القذافي وما نتج عنه من عودة لآلاف المسلحين الطوارق الذين وظفهم الزعيم الليبي الراحل داخليا في قوات الشعب المسلح.

كانت بداية هذا الفصل من الصراع بين الطوارق والنظام المالي في منتصف شهر يناير 2012 ويشبه في بدايته بداية تجدد الصراع عام 2008 حيث هاجمت الطواق المتمرد القوات العسكرية المالية في 17 من يناير 2012 في مدينة “مناكا”، التي تعد ثالث أهم مدينة من حيث الكثافة السكانية والأهمية الإستراتيجية بعد مدينتي تمبكتو وغاو وكيدال.

وتعد هذه الحركة -حسب المتابعين للشأن الطوارقي- أكبر تجمع مسلح أنشأه الطوارق على الإطلاق: إذ يندمج فيه لأول مرة جل العرب والطوارق تحت لواء تنظيم واحد يمثل الأقاليم الثلاثة المسماة بـ”أزواد” والتي تضم كلا من تمبتكو، غاوه، وكيدال. ويضم هذا التكتل الجديد أسماء مغمورة ليست من القيادات التاريخية للمتمردين الطوارق مثل بلال أغ شريف، الأمين العام للحركة، ومحمود أغ عالي رئيس مكتبها السياسي، وعبد الكريم أغ متافا رئيس مجلسها الثوري، وربما يعود ذلك لكونهم من العناصر الجديدة للحركة المتمردة.

تاريخيا كانت مطالب المتمردين الطوارق تقتصر على المالية جهودا معتبرة. إلا أن عودة المقاتلين الطوارق من ليبيا وسط أجواء الربيع العربي جعلهم –وهم الممثلون في الحركة يرفعون سقف مطالبهم عاليا ويطارحون مسألة “تقرير المصير” و”الاستقلال” علنا لأول مرة. حيث جاء في أول بيان تصدره الحركة أن جوم على القوات المالية كرد على الاستفزازات التي تقوم بها الحكومة في باماكو المتمثلة في عسكرة إقليم “أزواد” وبناء الثكنات وإرسال المزيد من القوات العسكرية للإقليم بدل التركيز على مستحقات السلام التي بموجبها التزمت الحكومة المالية ببناء الطرق والمدارس وتحسين ظروف عيش سكان الإقليم. ولهذا “تختلف مطالب الحركة عن سابقاتها في تسعينيات القرن الماضي التي تمكن النظام المالي من إخمادها، وكذا عن تلك التي أطلقها منتصف العام 2006 القائد العسكري الطوارقي إبراهيم أغ باهانغا، لكونها استفادت من كل التجارب ولن تقبل الالتفاف مرة أخرى على مطالبها” كما جاء في تصريحات لرئيس مكتبها السياسي محمود أغ عالي. حيث أكد أغ عالي أن المطلب الرئيسي للحركة هو الانفصال عن دولة مالي لأن سكان الإقليم يختلفون عرقيا وثقافيا عن بقية سكان البلاد

يشكل ارتفاع سقف المطالب لمتمردي الطوارق لحدود “تقرير المصير والاستقلال” خطرا كبيرا يهدد وحدة وانسجام الدول المجاورة. فلو اعتبرنا “الاختلاف العرقي والثقافي” -كما ورد في بيان المتمردين- مبدأ للانفصال لانشطرت كل دولة من دول الساحل الصحراوي والشمال الإفريقي إلى دولتين على أقل تقدير. وذلك نظرا لتداخل الهويات الإثنية والثقافية بل وحتى الدينية كما في حالة الجوار الجنوبي والغربي لمالي. ولعل هذا ما دفع دول الجوار الإقليمي عدا موريتانيا تسعى جاهدة لاحتواء هذه الأزمة بين الطرفين، آملة أن تكون هذه الأزمة سحابة عابرة كما في السابق.

وتعتبر قبيلة الطوارق في مالي نسبة ضئيلة جدا مقارنة بالبقية قبائل وهم الأقلية علي الاطلاق. لكن السياسيون يصفون الطوارق بأنهم “عصابات تقوم بالسلب والنهب وتدمير مؤسسات الدولة وملكيات السكان.تحسين ظروف العيش وتشجيع التنمية في الشمال المالي وهو ما كانت الحكومات المالية تجادل فيه بدعوى محدودية الموارد الاقتصادية للبلد كله. هذا عدا مسألة الهوية والتمثيل في الحكومة والإدارات الحكومية وهو ما بذلت فيه الحكومة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى