محمد الأشعري وهواية الرقص على الحبال

صحيح أن الأخ محمد الأشعري كان واحدا من الفاعلين داخل الإتحاد الاشتراكي، وأنه قدم للحزب في مرحلة سابقة الكثير.

فلسنا ممن يجحد للسابقين فضلهم.

وصحيح كذلك أنه الحزب هو الذي صنع اسم محمد الأشعري، وهو يجعله واحدا من كتاب الصفحة الأولى لجريدة “الاتحاد الاشتراكي” يوم كانت هي جريدة المغاربة الأولى، فقاده “عين العقل) زاويته في الجريدة إلى رئاسة اتحاد كتاب المغرب في عز توهجه، فكان قنطرة عبور ثانية لكي يوسع سي محمد علاقاته.
ثم جاءت حكومة التناوب التوافقي، ولأن الأشعري لا يضع بيضه في سلة واحدة، فهو مع الأموي وليس معه، وكذلك الشأن مع باقي المجموعات التي تشكلت موضوعيا قبل المؤتمر السادس: عبد الرحمن اليوسفي/ نوبير الأموي/ محمد اليازغي / الفقيه البصري/ محمد الساسي…

وهذه البراغماتية جعلت حصوله على منصب وزاري يمر دون ضجيج…

في المحصلة، أخذ الاستاذ الأشعري من الحزب أكثر مما أعطى له.

وطبعا حتى بمنطق “الاستثمار” في الحزب، فهذا مما لا يعيب أي مواطن له طموح. ولذلك لم يكن مستغربا أن يستمر وزيرا في حكومة ادريس جطو بعد غضبة الراحل عبد الرحمن اليوسفي بسبب الخروج عن المنهجية الديموقراطية.

قد نتفق أو نختلف مع من كانوا في 2002 يختلفون مع تقديرات الكاتب الأول للحزب، لكن الأشعري الذي كان يقدم نفسه الرجل الوفي لسي عبد للرحمن اليوسفي، سرعان ما استمر في الوزارة، ولكن هذه المرة بتوصية من خارج الحزب، وليس باختيار منه.

لقد أصبح للرجل عرابون جدد.

وحين انتهى زمن الوزارة في 2007، والذي تصادف مع وضع أزمة تنظيمية داخل الاتحاد الاشتراكي، بسبب الإنهاك الناتج عن عشر سنوات من المشاركة في التدبير الحكومي، لم يوظف الأشعري خبراته وعلاقاته من أجل النهوض بالحزب ومنظماته الموازية باستثناء ندوات وخرجات صحفية لم تقدم أي إضافة، في الوقت الذي كانت القواعد الحزبية تحتاج لمن يتواصل معها في الفروع البعيدة والقريبة من المركز.

آنذاك فهم كثير من الاتحاديات والاتحاديين أن طبقة جديدة تكونت داخل الحزب استمرأت البرج العاجي، ولم تعد تستطيع التحرك خارج المقرات الكبرى، والفنادق المصنفة، والمشاركات التي تضمن اسفارا في الدرجة الأولى من الطائرة، مع إقامة باذخة.

وفي 2012 سيصرح الأستاذ الأشعري ان علاقته قد انتهت بالاتحاد، وكان يمكن أن يكون انسحابه مقبولا، وأن نعد الأمر “استراحة محارب”، لولا أنه بصق في الإناء الذي أكل منه، وقال في الحزب الذي صنع إسمه ما لا يمكن عده إلا في باب الجحود ونكران الفضل.

في تلك الفترة كانت المنطقة تفور، وكان ما يسمى الربيع العربي يحمل الإسلام السياسي إلى مراكز السلطة، وكان على الاتحاد الاشتراكي أن يقوم بدوره في مواجهة مشروع كان يتمدد محمولا بدعم خارجي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كلها.

في هذه المرحلة قرر محمد الأشعري أن يسب الاتحاد الاشتراكي، وأن يقترب من التعبيرات الإخوانية، فتم الاحتفاء به، وأصبحت صوره وتصريحاته لا تكاد تغادر الجرائد والمنابر والقنوات المقربة من هذا التيار، سواء في المغرب أو الخليج.

لقد اختار الرجل معسكره الجديد، واصطفافه حين أصبح النفوذ والهيمنة والخيرات المادية والرمزية تصنع بعيدا عن الأحزاب و”صداع رأسها”.

اليوم وبعد أن قال الأشعري بعظمة لسانه منذ عشر سنوات خلت أن الاتحاد الاشتراكي لم يعد يعنيه، لدرجة أنه لم يكن يدعو حتى للتصويت على مرشحي الحزب ولو رمزيا، بل لم يشارك حتى في فعاليات تأبين كثير من رفيقاته ورفاقه السابقين، ومنهم من له أفضال كثيرة عليه.

بعد كل هذا، يعلن الأشعري عبر جمعية أنه سينظم ندوة لنقاش مستقبل الحزب !!!!!!!

هل يعرف الأستاذ الأشعري اليوم ما هو وضع الاتحاد التنظيمي؟ هل يعرف الأشعري الأجيال الجديدة التي التحقت بالحزب، والتي أغلبها بدورها لا تعرفه، لأنها لم تكن قد ولدت او كانت صغيرة السن زمن “عين العقل” وابو فارس واللحية غير المشذبة.؟

في المثل المغربي: إذا طلقتيها، بلا ما توريها دار باها،

وختاما نذكر ابو فارس الأشعري بأبي موسى الأشعري.

ففي واقعة التحكيم أن عليا بن أبي طالب قدم ممثله أبا موسى الأشعري، فيما قدم معاوية عمرو بن العاص، فخلع أبو موسى الأشعري بيعة الخليفة علي، حتى يتم الاحتكام للقرآن، لكن عمرو بن العاص ناور، وقال جملته : أما أنا فلا اخلع صاحبي.

الفرق أن ابا موسى الأشعري خلع صاحبه سذاجة لاعتقاده أن ذلك احفظ لدماء اصحابه، أما ابو فارس الأشعري في زمننا فقد خلع أصحابه ظنا منه انهم يغرقون.

ولأنك شاعر يا أستاذ اشعري، فلعلك تعرف قصيدة مظفر النواب الذي لم يكن شاعر فنادق وأسفار باذخة : إما انا فلا أخلع صاحبي..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى