محند العنصر : القوة الهادئة

سعيد نافع

سيكون من الصعب على أي متتبع أن يعثر بين السياسيين المغاربة على شخصية حافظت على إجماع كل مكونات حزبها من القواعد إلى صناع القرار لمدة ثلاثين سنة كاملة. الحرص على الالتزامات السياسية – الشخصية و الحزبية – وخدمة مصالح البلاد من كل المواقع التي شغلها، منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، جعلت من موقعه على رأس الحركة الشعبية أمرا محسوما وخارج أي نقاش. محند العنصر، الكتوم المبتعد عن الأضواء طوعا، يملك وصفة سحرية ذاتية وخاصة جدا تميزه عن الكثير من الفاعلين السياسيين في البلاد تقوده دائما إلى النجاح في كل ما يضطلع به : الهدوء. هذا الهدوء في الفعالية والتكتم في الأداء الإيجابي يضع محند العنصر على النقيض من شخصية المحجوبي أحرضان، الزعيم التاريخي للحركة الشعبية، الذي طالما أسمع صوته، أحيانا بذاتية كبيرة، تنبثق عن ماضي تليد حافل بالأحداث التاريخية التي عايشها.

المقربين من عالم محند العنصر الصغير، الأسرة والعائلة، قد يدركون أسباب هذا الهدوء الساكن فيه. التواضع الشديد والتهذب والأدب صفات أخرى محايثة لبروفايل الرجل الأول لحزب السنبلة. فبالرغم من جسامة المسؤوليات التي وضع  فيها ومعايشته للكثير من الأحداث والتواريخ المهمة في تاريخ المملكة الحديث، يحرص العنصر على تماسك حياته العائلية من خلال الانتباه الشديد لأدق تفاصيل العائلة، وسهره على تسييرها بنفسه في علاقة مباشرة بمكوناتها. محند العنصر شخصية لا يفقدها بروتوكول المسؤولية مميزاتها الأساسية : الاقتراب من العائلة والتمسك بأعراف رعايتها كما ورث عن الآباء والأجداد. صحيح أنه تنقل بين كبريات المدن المغربية، لأسباب مهنية أساسا وسياسية فيما بعد، لكنه لم يفقد يوما الاتصال بمسقط رأسه هناك في عمق المغرب، ايموزار مرموشة، حيث لازال مصرا على العودة إلى البيت الأصلي كما سنحت الفرصة، بمعية باقي أفراد الأسرة.

حتى اختياراته الرياضية المفضلة تصب في طبيعة بروفايله الهادئ. المشي والكولف تسمحان للجسم بالحفاظ على رشاقته في حدود الجهد دون أن تخل بالوظائف الحيوية. رياضتان تسمحان أيضا لعضلات الجسم بقدر مستدام من الفتوة أو الشباب ضروريان للحماس والنشاط المهني. فمن يعرف محند العنصر عن قرب، يدرك أن السنوات لم تنل من مقوماته البدنية الشيء الكثير.  القراءة خاصية أخرى في شخصية العنصر. فالرجل دأب على قراءة كل ما يقع بين يديه، حتى وهو يزاول نشاطا آخر كمشاهدة القنوات التلفزية في البيت أو المكتب. تلاوة الصحف والمجلات الوطنية طقس يومي يمارسه الرجل في مكتبه للاطلاع على جديد الناس والسياسة وباقي المواضيع المتعلقة بالمجتمع والاقتصاد. شغف لا يضاهيه سوى تعلقه بالاطلاع على جديد التكنولوجيا عالميا، من خلال نفس النافذة، القراءة. شغف قديم ، جديد، يعود بالرجل إلى بداية مشواره المهني في قطاع الاتصالات نهاية ستينيات القرن الماضي.

البعد الأمازيغي جزء آخر لا يقل حضورا في شخصية محند العنصر لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية. السياسي المزداد بايمزار مرموشة العام 1942 يمتح من أصوله التاريخية موضوعا متجددا للنضال السياسي و الثقافي. الحركة الأمازيغية هي أيضا رافد أساسي في معين حزب الحركة الشعبية الذي يبني قاعدته الشعبية الأولى في معاقله، بالقرى والبوادي ذات الأصول والامتدادات الأمازيغية. غير أنه ورغم الالتزام بهذا البعد، لم يسقط في انزلاقات الكثير من المدافعين عن الحركة، ولم يلعب على وتر المزايدات الحساس خلال النقاشات التي فتحت مجتمعيا حولها. تغليب جانب الحكمة والهدوء في اتخاذ القرارات، يدلو بدلوه أيضا في هذا البعد المتأصل في محند العنصر.

العنصر حاصل على دبلوم السلك العالي من المدرسة الوطنية للإدارة العمومية. وقد تقلد منذ سنة 1969 العديد من المسؤوليات بوزارة البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية كمدير عام للبريد والمصالح المالية ومدير للشؤون العامة وكاتب عام للوزارة، ثم شغل منصب وزير البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية ما بين سنتي 1981 و1992 مع احتفاظه بمنصب مدير المكتب الوطني للبريد والمواصلات السلكية واللاسلكية ما بين سنتي 1984 و 1992 .

في أكتوبر 1986 انتخب امحند العنصر أمينا عاما للحركة الشعبية خلال انعقاد المؤتمر  الاستثنائي  أو ما يعرف في أدبيات السياسة بمؤتمر ‘‘ الانقلاب الأبيض ‘‘ على زعيم الحزب التاريخي المحجوبي أحرضان. وفي يونيو 1993 انتخب نائبا عن دائرة بولمان خلال الانتخابات التشريعية ثم أعيد انتخابه خلال الانتخابات التشريعية لنونبر 1997، وفي أكتوبر 1997 انتخب السيد امحند العنصر رئيسا لمجلس جهة فاس بولمان. أعيد انتخاب العنصر أمينا لحزب الحركة الشعبية في نونبر 1994،  وفي نونبر 2001 أعيد انتخابه أيضا في الانتخابات التشريعية ل 27 شتنبر 2002 . وفي نوفمبر 2002 عينه الملك محمد السادس وزيرا للفلاحة والتنمية القروية، ثم وزيرا للدولة في الحكومة التي ترأسها عباس الفاسي. في ي يوليوز 2009 عين العنصر وزيرا للدولة، وفي نونبر 2012 شغل منصب وزير الداخلية، وظل فيه إلى غاية 10 أكتوبر 2013 حيث عين وزيرا للتعمير وإعداد التراب الوطني.

أكيد أن المناصب تتغير وهذا قدر السياسة، لكن الثابت في العنصر هو قدرته على إدراة الحزب في الأوقات الصعبة منذ أن أصبح رئيسه العام 1994. لعبة التوافقات التي تتطلب من الدهاء السياسي قدر ما تتطلب من الهدوء والحكمة، مكنته من ضمان وحدة الأسرة الحركية و وضعها في إطارها الصحيح على الخارطة السياسية، انطلاقا من القيم التي يدافع عنها حزب السنبلة. التحالف مع العدالة والتنمية في الأغلبية الحالية دليل على هذه القدرة الفائقة في التشرب بالمفاهيم السياسية بالرغم من اختلاف التلاوين. وإذا كانت مرجعيات حزب الحركة الشعبية لا تختلف في العمق عن حزب عبد الاله بنكيران، فإن ترتيب الأولويات يظل مجال تفرد حزب الأمازيغ المغاربة كما يطلق عليه. وهو ما يؤكده العنصر نفسه قائلا ‘‘ هناك الكثير من التقارب في وجهات النظر حول عدد من الأمور التي ترمي إلى حل مشاكل البلاد‘‘.

المتن اللغوي ، في كل لغات العالم تقريبا لما فيها العربية والأمازيغية، يحتفظ للسنبلة بالكثير من مرادفات العطاء مع التواضع، والمنفعة دون كثير ضجيج. أبعاد يتقاطع فيها رمز حزب الحركة الشعبية الطبيعي برمزه الإنساني : محند العنصر.

 

1942 : الولادة بايموزار مرموشة

1996 : الالتحاق بوزارة البريد والمواصلات

1981 – 1992 : وزيرا للبريد والمواصلات السلكية واللاسلكية

1984 – 1992 : مديرا للمكتب الوطني للبريد

1986 : أمينا عاما للحركة الشعبية

1994 : رئيسا للحركة الشعبية

2001 : رئيسا لجهة فاس بولمان

2012 : وزيرا للداخلية

2013 : وزيرا للتعمير وإعداد التراب الوطني

2015 : رئيسا لمجلس جهة فاس مكناس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى