مسيرة الديمقراطية في المغرب أمام محك قضية القبايل في الجزائر

سمير كرم / الجزائر تايمز

لا يسعنا إلا أن نصفق بحرارة للمغرب نظاما وحكومة وشعبا وهو يخطو خطوات بطيئة ولكنها ثابتة ورصينة نحو تحقيق المشروع الديمقراطي الحداثي ، الذي فيه كثير من الإبداع والرقي الحضاري واحترام حقوق الإنسان . فمن المؤكد أن النظام المغربي قد اختار مرة أخرى اختيارا سليما وموفقا  وفي الوقت المناسب حينما أبدى استعداده لتغيير استراتيجيته العامة في الحكم ، بدءاً من تنازل الملك في دستور 2011 على كثير من سلطاته لرئيس الحكومة إلى إعادة تقسيم جهات المملكة من 16 جهة إلى 12 جهة في أفق الانتقال من اللامركزية إلى الجهوية الموسعة ومنها إلى الحكم الذاتي في جميع جهات المغرب ، وقد كانت الانتخابات المحلية ليوم 04 شتنبر 2015 بمثابة القطيعة النهائية مع أساليب الحكم المركزي حيث تم انتخاب رؤساء الجهات ورؤساء مجالس الجماعات استعدادا لتطبيق نظام الجهوية الموسعة .. أولا :  الأقاليم الجنوبية  في صلب أهداف المشروع الديمقراطي المغربي كان اقتراح المغرب للحكم الذاتي عام 2007  لحل قضية الصحراء – في ذلك الوقت – بمثابة لغز محير ذهب كثير من السياسيين في المغرب إلى اعتباره هدية للجزائر والبوليساريو على طبق من ذهب ، وما أكثر الذين اعتبروا المغرب قد تَسَرَّع في تقديم ذلك الاقتراح وفضلوا  تشبت المغرب بإدماج الصحراء في المغرب بل ويتشدد في ذلك حتى يصل النزاع إلى الباب المسدود إذاك قد يقترح البوليساريو هو بنفسه الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كما كان قد اقترحه عليهم الجنرال فرانكو تحت السيادة الإسبانية ، لكن وبعد 8 سنوات عن اقتراح المغرب للحكم الذاتي أصبحت ملامح استراتيجية الاختيار الديمقراطي للنظام المغربي كفلسفة للحكم في عموم المملكة المغربية ، أصبحت ملامحها المبدعة بادية للعيان طبعا إلا لعديمي البصر والبصيرة من حكام الجزائر الذين لا يعرفون حكما غير الحكم الشمولي الديكتاتوري العسكري  والقمع الممنهج للشعب لنهب ثروات البلاد السائرة نحو الانقراض ودفع الجزائر نحو الانهيار التام . لقد اختار المغرب طريق الديمقراطية لتطبيق الجهوية الموسعة مبتدئا بالأقاليم الجنوبية واضعا هذه المنطقة في صلب تنفيذ هذا المشروع الشجاع  وهو المنهج السياسي البيداغوجي الذي ستظهر آثاره على الأرض للعيان مباشرة على البلاد والعباد  ، بحيث سيتدبر رجال ونساء الأقاليم الجنوبية في الساقية الحمراء ووادي الذهب شؤونهم الداخلية بأنفسهم ، وبما أن عصب التنمية هو المال فإن الدولة المغربية وكطاقة حرارية دافعة للإقلاع التنموي في الأقاليم الجنوبية  قد رصدت الدولة المغربية  غلافا ماليا استثماريا يقدر بحوالي 9 ملايير دولار ( 77 مليار درهم )  لخلق أقطاب تنافسية ولتقوية محركات تنموية مصاحبة للقطاع الإنتاجي  وإدماج المقاولات الصغرى والمتوسطة وتطوير التنمية الاجتماعية وتثمين الثقافة المحلية ( الحسانية ) والتدبير المستدام للموارد الطبيعية وحماية البيئة وتقوية شبكات الربط والتواصل وتوسيع صلاحيات الجهات وتمكينها من آليات الاشتغال وخلق وإحداث آليات مبتكرة للتمويل ….. ( بالمناسبة أنا لا أعتقد أن أهل الكهف الحاكمين في قصر المرادية قد فهموا حرفا واحدا من هذا العلم التنموي الجديد فهم لا يزالون يعيشون في زمن اقتصاد الدكاكين والحوانيت التي تتصارع ما بين مداخيل النفط والغاز وشراء حبات بطاطا وشكارة حليب في علاقتها بالنفط طلع النفط اهبط – الغاز طاح الغاز تبخبر …الخ الخ  )  .. ثانيا : المغرب ينافق حكام الجزائر وينفذ مشروعه الديمقراطي الحداثي بثبات : المثير للضحك والاستغراب والتقزز في نفس الوقت أن السياسة عند البعض هي المكر والخداع والخسة والدناءة ونكران الجميل وتدبير المؤامرات ، يتجلى ذلك مثلا عند جنوب إفريقيا ونيجيريا المتحمستين والداعمتين للجزائر في ( كفاحهما ) المستميت من أجل فصل الأقاليم الجنوبية عن المغرب ، مع العلم أنهما دولتان تعتمدان تقسيم الأقاليم وتمكينها من تسيير شؤونها بنفسها ، فجنوب إفريقيا بها 9 أقاليم تسير بنظام الحكم الذاتي وكذلك نيجيريا والفرق هو أن جنوب إفريقيا تطبق الحكم الذاتي فقط ، أما نيجيريا فبحكم ذاتي كأساس لنظام فيديرالي . ومع ذلك فهما دولتان تساندان الجزائر بالعكس المعكس والضد من أجل الضد حتى ولو كان على حساب إطالة تعذيب 40  ألف من سكان مخيمات تندوف الذين يعيشون بين الأفاعي والعقارب والعطش والطوفان الذي يجرف كل شئ ، حلال على جنوب إفريقيا ونيحيريا حرام على المغرب من أجل سواد عيون الفاشستية والدكتاتورية العسكرية الحاكمة في الجزائر ، وهو ما يفسر أن العلاقة بين كثير من الدول الإفريقية لا تزال مبنية على أساس تدبير المؤامرات بين شعوب إفريقيا ورؤساء دولها وعلى رأسها محور الجزائر جنوب إفريقيا ونيجيريا ، دول متخلفة حتى ولو كانت لها أموال مثل الجزائر .. ظل المغرب – من جهة – يخطط لسياسة الحكم الذاتي مدة 8 سنوات ومن جهة أخرى ينافق حكام الجزائر ويعزلها سياسيا أمام دول العالم حتى أصبحت الجزائر اليوم 2015  عبارة عن جثة هامدة يتقافز عليها الحبناء والجهلة من أبناء فرنسا وحفدتهم الذين يخبطون خبطا بعد نفاذ الشحنة الطاقية من أموال الشعب الجزائري ، ولو كان في الجزائر طبقة سياسية ناضجة لقارنت بين حالها وحال جنوب إفريقيا من جهة وحال المغرب من جهة أخرى ، وكأن المغرب أراد أن تبقى الجزائر هكذا مكسورة البوصلة مكسورة الأجنحة ، مكسورة الصندوق الفارغ الذي كان ذات يوم مفخرة للصوص الحاكمين ، كل هذا ولم يبلغ الشعب بعد درجة الغليان المحفز على ثورة شعبية هادرة مدمرة للنظام الفاشستي المجرم ! كان المغرب ( يُنَوِّمُ ) حكام الجزائر وينافقهم برسائل التهاني وهو يخدم بلده في صمت بتغييرعميق في استراتيجية الحكم في المملكة المغربية بما يتماشى مع أساليب الحكم العصرية الديمقراطية في الألفية الثانية ، وما على حكام الجزائر المتخلفين فكريا وسياسيا وعقليا إلا أن يتمسكوا بشمولية الحكم وديكتاتوريته والمزيد من طحن الشعب وتنخيله وإعادة طحنه وهكذا في دائرة مغلقة قوامها الأكاذيب وتزوير التاريخ المعاصر واستغلال وسائل إعلامية مغرقة في الإجرام البشري .. ثالثا : مسيرة الديمقراطية في المغرب أمام محك قضية القبايل في الجزائر: تسير تونس بعد الثورة نحو تأسيس دولة جديدة والقطع مع جميع الأنظمة التي عانت منها رغم العواصف التي تتقاذفها اليوم ، ويبحث التونسيون برصانة عن نظام جديد قوامه الديقراطية والتوافق بين فرقاء المجتمع التونسي سواء كانوا من أنصار النموذج الإسلامي أو النموذج الحداثي العلماني ، وقد كافأتهم المؤسسات الدولية بمساندة ترشيح الفرقاء التونسيين لجائزة نوبل للسلام وقد نالوها باستحقاق برسم سنة 2015 . أما المغرب فإنه يسير نحو تحقيق المشروع الديمقراطي الحداثي لكنه أثار مؤخرا ضجة حينما عبر عن إمكانية تطبيق النموذج المغربي في الجزائر كحل من الحلول التي قد تُخْرِجُ الجزائر من القحط السياسي وانسداد الآفاق أمام الشعب الجزائري الذي يعاني من الفقر وانعدام النخب السياسية المنقذة من الانهيار …. أخيرا تقدم المندوب المغربي في الأمم المتحدة بالدفاع عن 8 ملايين من ساكنة القبايل في الجزائر والذين يعانون من التمييز الممنهج والعنف الشامل والحرمان من أبسط حقوقهم  الأساسية ، يعانون من الحصار والعقاب الجماعي والتهميش والفقر واللاتنمية رغم الملايير التي تُصرف على الأجانب وعلى رأسهم البوليساريو ، والأولى بها قبايل تيزي أوزو وغيرهم في صحراء الجزائر وفيافيها .. إن المغرب منسجم مع ذاته ، فحينما عزم النظام الحاكم في المغرب على تغيير جذري في فلسفة الحكم في البلاد تعتمد على التخلص من تمركز السلطة في يد واحدة وتوزيعها حسب الجهات في ” أفق بناء نظرة متكاملة ناضجة متينة عن الحكم الذاتي تنبثق من إرادة الشعب عبر صناديق الاقتراع ليحكم الشعب نفسه بنفسه ” ، في هذا الوقت لم يجد حرجا في نشر فكرته البناءة المدافعة فعلا عن تقرير مصائر الشعوب في الإطار الديمقراطي الذي يحفظ للدولة وحدتها الترابية وسيادتها الكاملة ، لم يجد حرجا أن يعلن عتابه لمنظمة الأمم المتحدة التي تتخبط في قراراتها العشوائية المتناقضة والتي تكيل بمكاييل عديدة لا معيار لها وذكَّرها بمجموعة بشرية تقدر بـ 8 ملايين أمازيغي قبايلي يحتاجون لتقرير مصيرهم . لو أدرك بعض الجزائريين  ما يسعى إليه المغرب كدولة عصرية حداثية لها مشروع ديمقراطي واضح المعالم ، لو أدركوا ذلك لتخلصوا من هيمنة التعصب للقطرية التي تطحن عشرات الملايين من الشعب تحت ذريعة الوحدة الوطنية ، فالوطن عندهم خاص بالبعض دون غيرهم ، والأموال تصرف على جهات دون أخرى في تمييز حقير دنيء لبعض الجهات  الغارقة في التهميش والتخلف مثل غرداية والقبايل . لقد أثار اقتراح المغرب على الأمم المتحدة بأن تنظر لسكان القبايل في الجزائر بعين الرحمة وتنظر في مطالبهم العادلة ، أثار هذا المطب المغربي زوبعة لدى كثير من المحسوبين على المعارضة الجزائرية بل وحتى لدى بعض المغاربة الذين يسمون أنفسهم ” بالاختصاصيين  في الشؤون المغاربية ” وادعوا جميعهم أن المغرب أخطأ في ذلك  واعتبروا ذلك مجرد ردة فعل انفعالية على موقف الجزائر من البواليساريو !!! كيف أخطأ المغرب وهو المنسجم الوحيد مع ذاته ؟ المغرب هو الوحيد الذي ينص دستوره على حقوق جميع مكونات المجتمع المغربي ( العرب – الأمازيغ – الصحراويون – الأفارقة – الأندلسيون – المغاربة الذين يدينون باليهودية ) ، فكيف أخطأ وهو يدافع على أقلية أمازيغية قوامها 8 ملايين أمازيغي قبايلي يعيشون التهميش والقهر والقمع والبؤس والتقتيل الجماعي والاغتيالات الفردية طيلة 53 سنة ؟ في الحقيقة لقد تأخر المغرب في الدفاع عن حقوق أمازيغ القبائل في الجزائر لأنه رصين التفكير ثابت الخطوات ، لم يعلن ذلك حتى وضع أول لبنة في بناء مشروعه الدمقراطي الحداثي أثناء زيارة ملك المغرب لمدينة العيون عاصمة جهة الساقية الحمراء ، وقد وقع أمامه رئيس الجهة عدة مشاريع تعتبر الخطوة الأولى والحاسمة في القطع مع نظام مركزي مقبور إلى غير رجعة ، أصبحت الجهوية الموسعة في المغرب واقعا لا رجعة فيه بل وقفزة نوعية نحو الحكم الذاتي الذي سيعم 12 جهة مغربية … لقد انتابتني نوبة هستيرية من الضحك حينما سمعت معارضا جزائريا  يقول بنبرة تهديدية مفادها ” أن المغرب قد جنى على نفسه حينما طالب بالحكم الذاتي للقبايل لأن سكان منطقة الريف في المغرب ستطالب كذلك بالحكم الذاتي ” … بالله عليكم هل يفهم هذا المعارض الجزائري النظرة الاستراتيجية للنظام المغربي ؟ والله أن المعارض لا يفهم شيئا ، فالنظام المغربي هو الذي سيمنح لجهة الريف الحكم الذاتي لأنه قد اختار ذلك دستوريا و لاينتظر معارضا جزائريا من أهل الكهف لا يزال يستعمل قاموسا عتيقا ويستهلك فكرا سياسيا ماضويا لم ينفع به حتى الشعب الجزائري نفسه ، إن المغرب أيها المعارض الجزائري هو الذي خطط ومنذ زمان لهذا المصير أي مصير 12 جهة مغربية منها طبعا جهة الريف لتحكم نفسها بنفسها أولا في إطار الجهوية الموسعة التي ستفضي حتما للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية فما عليك إلا أن تراجع دروسك في الديمقراطية والجهوية الموسعة والحكم الذاتي .. عود على بدء ستبقى الجزائر وحدها تعيش في أفكار ما بعد الحرب العالمية الثانية متشبثة بنظرة الخمسينات والستينات من القرن الماضي ولن تتجاوز ذلك أبدا ، أما المغرب فقد قفز قفزة نوعية نحو المستقبل بسنوات ضوئية وتبنى ما  تسير عليه كل الدول الديمقراطية في العالم ، ديمقراطية الجهات التي تحكم نفسها بنفسها ، إن الذين لم يستوعبوا مطالبة المغرب لحقوق القبايل الأمازيغية في الجزائر بالأمم المتحدة فهم لم يستوعبوا – بمن فيهم بعض الإخصائيين في المغرب –  لم يستوعبوا الاستراتيجية المستقبلية للنظام المغربي ألا وهي تثبيت دعائم الجهوية الموسعة في أفق تطبيق الحكم الذاتي في عموم المملكة المغربية وهو ما أسفرت عنه انتخابات 4 شتنبر 2015  كبداية في الطريق الطويل والمحفوف بالمخاطر مثل ما يدعو له حتى بعض المحسوبين على السياسيين المغاربة من ذوي الفكر السياسوي المظلم ، إن قضية الأقاليم الجنوبية للملكة المغربية قد وُضِعَتْ على سكة الحل النهائي الذي لا رجعة فيه أبدا ، وسيكون دفاع المغرب عن قضية تقرير مصير القبايل في الجزائر بمثابة المحك الحقيقي للمشروع الديمقراطي الحداثي في المغرب الذي يعتبرحلا حقيقيا لكل مشاكل المغرب بل والمنطقة المغاربية عموما ، فإن سكت المغرب عن قضية أمازيغ القبايل في الجزائر  فقد يسكت حتى عن مصير الديمقراطية الحداثية في المغرب ، ذلك هو المحك الحقيقي للاختيار المغربي الشجاع  !!!!! إن الفرق بين النظامين المغربي والجزائري هو أن المغرب له رؤية واضحة ومشروع ديمقراطي ناضج اختاره منذ  سنة 2011  ، وتجلى هذا النظام في ثورة هادئة على أساليب الحكم الفردي الشمولي البالي المهترئ ، واختار بشجاعة ووضوح النظام الديموقراطي الحداثي الذي يعتمد على الجهوية الموسعة في أفق تطبيق الحكم الذاتي في جميع الجهات المغربية ، أما النظام الجزائري فقد علمنا منذ القدم أنه لا يختار سوى الاختيارات الرديئة والفاشلة سياسيا واقتصاديا ، وهو اليوم لا يزال يسبح في نتانة وأوساخ النظام الشمولي وقاذوراته العفنة التي اختارها ، هذا النظام المتسلط على الشعب الجزائري لم ولن يدع خيوط التسلط والهيمنة تتسرب من بين أصابعه إلى أي مخلوق جزائري سواء في القبايل أو الشاوية أو مزاب أو الطوارق أو غيرهم لأنه نظام مجرم جبان قادر على أن يفتك بملايين الجزائريين الآخرين في سبيل الخلود على رقاب الشعب الجزائري .وها هو النظام الجزائري يدفع ثمن التربية على القحط السياسي ونشر افقطاع الفكري وبيداغوجية الأكاذيب .. النتيجة التي يحصدها الجزائريون اليوم هي عدم وجود نخبة سياسية أو نخبة مثقفة في الجزائر و لا معارضة  فعالة ولا أساتذة جامعيين ولا هم يحزنون ، القحط ثم القحط يا لطيف ، تلك هي الكارثة يا فلان وليست الكارثة هي الدفاع عن تقرير مصير قبائل تيزي أوزو أو حقوقهم في حدودها الدنيا ، أم أن التنطع والملاججة وإظهار النزق البطولي  لا تكون إلا في السباحة الحرة في بركة البوليساريو الآسنة  !!!!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى