“حقائق تاريخية عن النخاولة بالمدينة النبوية “

هذا البحث رد على كتاب ( النخاولة والنخليون) وسميت البحث    “حقائق تاريخية عن النخاولة بالمدينة النبوية ” .

النخاولة والنخليون

لكاتبه /د. ياسر حميد الأنصاري , صاحب كتاب ( تاريخ قبائل الأنصار في سائر البلدان والأقطار )  .

 

بعد صدور كتاب «النخاولة والنخليون» من تأليف حسن مرزوق الشريمي النخلي جاءتني أسئلة كثيرة من عدد من الناس يسألون فيها عن صحة ما قاله المؤلف من نسبة النخاولة إلى الأنصار أوسا وخزرجا، وقد أثار كلامه هذا حفيظة كثير من الناس.

 

وأشكر الدكتور محمد الهوشان على رده في بحث دقيق عنوانه ( الأفتراء على التاريخ ) 12/11/1435هـ .

 

وكان لابد أن أطلع على كلام الكاتب قبل نقده؛ لأن النقد قبل الاطلاع خطأ كبير؛ ولكي نعرف ما هي الأدلة التي استند عليها الكاتب، هل هي من مُثبِتات النسب الشرعية (وهي الشهادة ، والإقرار ، والاستفاضة) أم لا ؟

 

وقبل الدخول في البحث لا بد من توضيح بعض المسائل والأفكار المتعلقة بالحقائق.

 

فعندما نسلط الضوء العلمي ونستخدم طرق البحث، ونقوم بالتحقيق والفحص والتدقيق والمراجعة نجد أن المسائل المذكورة مجرد ادعاءات وهالات، لا تلبث طويلًا   إلا وتتلاشى أمام مطرقة البحث والنظر.

 

في هذا البحث لن أتكلم إلا  عن نقطة انتساب النخليون للأوس والخزرج الأنصار وأقوم بالرد عليه ،  وسوف أسلط الضوء على أدلة المؤلف ثم أضعها تحت المجهر الشرعي لمثبتات النسب، لنرى هل ما قيل  صحيح أم لا ؟

 

 

قال الكاتب في كتابه ما يلي:

 

«حسب اطلاعي على المصادر المؤرخة للمدينة لم أقف على تاريخ أو عهد يمكن الاطمئنان إليه لفترة نشوء هذه التسمية؛ ولكن المؤكد أنه لقب طارئ سموا به في بداية العهد التركي، تمييزًا لهُم عن غيرهم، كما هي عادة الأتراك في وضع الألقاب تجاه أصحاب المهن والعرقيات المختلفة.

 

ثم قال الكاتب في صـ12 من الكتاب:

«ولعل أقدم المصادر التاريخية التي تشير إلى هذا اللقب لهذه الفئة بالخصوص كان من نصيب الفقيه الرحّالة العياشي عام 1090هـ في معرض حديثه عنه، عندما قال إن أهل المدينة يسمونهم «النخاولة» …» اهـ.

 

ذكر الكاتب أن الأتراك هم الذين سموهم «نخاولة»، واعتبر الكاتب هذا الاسم طارئا، سموا به في بداية العهد التركي تمييزا لهم عن غيرهم , كما هي عادة الأتراك لهم  في تسمية أصحاب المهن والعرقيات (أي: القادمين من دول أخرى ممن استوطَنوا المدينة وكانوا يتميزون عن غيرهم)، بمعنى أن الدولة التركية كانت تميز صاحب المهنة عن العرب؛ لأن العرب غالبهم ينبذون المهن الصناعية إلا بعض المهن مثل الزراعة والرعي .

 

وأما العرقِيَّات، فهذا المصطلح لا يقال للعَرَب، ويتميز العرب عن غيرهم،  بالقبائل والأفخاذ والأسر ، حتى المجموعة قليلة العدد منهم تسمى «العائلة» والجمع «عائلات».

 

ثم ذكر الكاتب أن الرحالة العياشي ذكر (أن أهل المدينة يسمونهم بذلك، يعني أن أهل المدينة يطلقون عليهم هذا الاسم ” النخاولة ” )، وهذا المذكور دليل قوي على أن أهل المدينة يعتبرونهم ليسوا أهل المدينة الحقيقيِّين، إذ هم ليسوا أصلًا من المدينة.

 

فإن قال قائل: إن الأتراك وصفوهم بذلك لاعتناقهم المذهب الشيعي.

 

فإننا نرد عليه بالقول: هذا غير صحيح؛ لأنه يوجد بعضٌ فروع القبائل ذات النسب المعروف والمحفوظ وهي على المذهب الشيعي، ولم تتعرض الدولة التركية أو المملوكية لهؤلاء بشيء في نسبهم بسبب مذهبهم، ولم تدخلهم ضمن اسم «النخاولة» وترغمهم على التخلي عن اسم القبيلة , كما أسلفت سابقاً . (هذا الاسم طارئا، سموا به في بداية العهد التركي تميزا لهم عن غيرهم )  ؟

 

فإن قال قائل: يوجد في «النخاولة» فرع ينحدر في النسب من بعض القبائل كما يقول مستدل ببعض المكاتبات وهي المقصود بالقبائل ، والدليل على ذلك أن غالب البساتين إلى اليوم ملاكها القبائل وهم والبعض  يعملون عندهم والدليل أيضا أنهم فقراء ومنازلهم متواضعة إلى عهد قريب قبل الطفرة الاقتصادية كيف هم ملاك البساتين وهم أفقر من القبائل تحتاج إلى نظر .

 

نقول له: اما القاعدة  «لكل قاعدة شواذ» كل قبيلة تدخل فيهم من ليس منهم ويعرفونه احلاف ، فهذا الشخص الذي ينحدر من قبيلة معينة يكون في الغالب ممن تركَ قبيلتَه بسبب فعلٍ ما (كالقتل) اضطرَّه إلى ترك قبيلته، أو تخَلَّت عنه قبيلتُه فلحق بـ«النخاولة» الامر طبيعي بسبب الظروف السياسيةوالامنية ، أما ملكية بعض قبائل المدينة لتك البساتين فهي تملك أزلي وذلك راجع لامتدادهم النسبي لقبائل للأنصار.

 

وذكر الكاتب في صـ23 ما يلي:

 

«حيث إن النخاولة ليست في الأصل قبيلة بالمعنى والمفهوم الذي يفترضه التكوين القَبَلِي، وإنَّما هُم مجموعة من العشائر والأسر المنتمية إلى مجموعة من القبائل المختلفة والمعروفة في الحجاز ونجد قديما وحديثا؛ لأسباب مهنية وسياسية ومذهبية اتبطت مع بعضها البعض» اهـ.

 

ذكر الكاتب أن «النخاولة» ليسوا في الأصل قبيلةً واحدة، يعني أنهم حلف من عدة أسر وقبائل، وهنا يجب على الكاتب طالما اعترف أن النخاولة ليسوا قبيلة واحدة أن يثبت ذلك؛ لأن الآن نفى كون النخاولة أبناء رجل واحد، بمعنى أنه أثبت كونهم أبناء عدة أشخاص.

 

ثم ذكر أن هذه القبيلة ارتبطت مع بعضها لأسباب مهنية وسياسية ومذهبية، ونقول: إن النسب ليس له علاقة بالمذهب، فالأشراف الحسينييون حكام المدينة هم على مذهب الشيعة، لكن يرفضون أن يطلق عليهم «نخليون» أو «نخاولة»، لا يمارسون المهنة الحدادة وغيرها بل على العكس كانوا النخاولة هم الذين يعملون لدي الأشراف الحسينيون بالمزارع ، والدليل على ذلك عشائر العراق الشيعة لا يمارسون المهن، وشيعة المكارمة في نجران لا يمارسون المهن، بل هم –على العكس- يخالطون القبائل، ولديهم أعراف العرب في الكرم والشهامة والنخوة، أما شيعة المدينة النخاولة، ينطوون على أنفسهم لا يخالطون القبائل إلا القليل منهم .

 

وأيضًا الأشراف الحسينيين حكام المدينة سابقاً ، معروفٌ نسبهم، ويحافظُون عليه، ويفتخِرُون به.

 

وقال الكاتب في صـ24 ما يلي:

 

«ما يؤكده كثير من أبناء هذه العشائر والأسر النخلية في التعريف عن أنفسهم وما يتداولونه وينقلونه أبا عن جد بانتماءاتهم الأصلية والحقيقية، فأصبح مع مرور الزمن من المسلمات داخل المجتمع، وطبقا للقاعدة -” أن الناس مؤتمنون على أنسابهم” وخصوصا أن بعض هذه العشائر والأسر تمتلك مشجرات لأنسابهم تمتد لمئات السنين، بل إن البعض منها يمتد إلى فترة العهود الأولى من الإسلام ، ولكن للأسف لم يتمكن أغلب هؤلاء من توثيق ما لديهم في الجهات الرسمية ».

 

قول الكاتب عما يتداوله أبناء النخاولة عن أسرتهم حتى صار ذلك مع مرور الزمن من المسلمات، فإذا كان من المسلمات عندهم فلماذا لم نسمع من القدم أن النخاولة أنصار مثل الأشراف ، رغم أن نسب الأنصار مفخرة أمام القبائل، لماذا  ؟

 

وأما قاعدة «الناس مؤتمنون على أنسابهم»، فلماذا لم تُورد وثيقة واحدة تشير إلى الأنصار، مثل الوثائق التي أوردتها  في المكاتبات، وغيرها.

 

وأما ما ذكره الكاتب من أن الأسرة النخلية تمتلك مشجرات لأنسابها تمتمد مئات السنين، فلماذا لم تذكر وثيقة واحدة عن الأنصار ؟

 

ولو أننا طبقنا قاعدة مثبتات النسب الشرعية الثلاثة (الشهادة ، الإقرار، الاستفاضة)، فإننا لا نجد قاعدة واحدة من المثْبِتَات الشرعية تنطبق على النخاولة في إثبات نسبهم للأنصار، فلا توجد عندهم وثائق يثبُت فيها اسم الأنصار، ولا تُعرف قبيلة ولا أُسرة في الحجاز من الأنصار  تُقر أن جزءا من النخاولة يرجعون إلى الأنصار، ولم يستفِض النسب عند أحد من قبائل المدينة ولا أهل المدينة , ولا المصادر , ولا الكتب , ولا المراجع , ولا الوثائق تثبت أنهم أنصار.

 

قال بعضهم: القاعدة _ المثبِت مقدَّم عل النافي.

 

ونقول: أين الإثبات حتى نقدمه على النفي باعتبار كونه مأمونا موثوقا؟

 

إننا لا ننفي هنا كون النخاولة عربًا أو غير ذلك أوانتسابهم لبعض القبائل الأخرى أو الشعوب، بل إنما ردنا على نقطة محددة، وهي ادعاء انتسابهم للأنصار.

 

ثم ذكر الكاتب قوله:

 

«ولكن للأسف لم يتمكن أغلب هؤلاء من توثيق ما لديهم في الجهات الرسمية».

 

ونقول له: إن الوثائق التي في حوزة القبائل أو الأسر لإثبات نسبهم وتاريخهم ليس لها علاقة بالجهات الرسمي؛ لأن الجهة الرسمية تطالب الفرد بالإثبات للعقارات أو ملكيات الأراضي  .

 

وذكر الكاتب صـ27 ما يلي:

 

«من هنا يمكن القول أن الأصول التي ترجع إليها أغلب العشائر والأسر من النخاولة:

 

أولًا: قبيلتي الأوس والخزرج الأنصاريتان، واللتان كان لهما الدور الكبير في مؤازرة النبي  والمهاجرين، حيث كانوا يقطنُون المدِينة ويعملُون في فلاحة النخيل».

 

ومن هنا يأتي الرد على الكاتب الذي أرجع بعض «النخاولة» إلى الأنصار، بدون الأدلة التي أمر الشرع بالاعتماد عليها.

 

وأنا هنا بردي على قوله إنهم من الأنصار ليس لي علاقة بمناقشة انتسابهم إلى قبائل أخرى، لست مسؤولا عن هذا، لكن باعتباري متخصصا في أنساب الأنصار فلا بد من الرد إذا لم يثبت الدليل.

 

وعند بسط الكاتب للأدلة لم أجد شيئا من الأدلة المعتمدة في الأنساب اعتمد عليها الكاتب.

 

بل اعتمد الكاتب على الكلام الإنشائي  مثل أن الأرض التي كان الأنصار يملكون نخيلها بالمدينة وهي المنطقة الممتدة من قباء والعوالي وحتى الحرة الشرقية هي اليوم بأيدي «النخاولة».

 

وهذا من الواضح أنه ليس دليلا ؛ لأن ملكيات الأرض تنتقل من شخص إلى شخص بمجرد البيع، وهذا البيع لا يدخل في النسب ومتعلقاته، إنما أدلة النسب ما ذكرناه سابقا في مثبتات النسب الشرعي الثلاثة.

 

والكاتب ذكر أنه غير متخصص في الأنساب ، فكيف يحكم بلا تخصص ومن غير تقديم أدلة ؟

 

*                   *                   *

 

وفي ملخص قولي أرد على الكاتب في عدة نقاط، أبين بها عدم وجود علاقة بين النخاولة والأنصار.

 

1- إن أبناء قبيلة الأنصار «الأوس والخزرج» يفتخرون بالنسب الصريح عند كل قبائل العرب، ولهم شأن سواء في الجاهلية أو في الإسلام، بل قد ازداد بالإسلام وارتفع؛ لنصرتهم لرسول الله ♥ وليس للمذهب علاقة بالنسب .

 

2- إن اسم الأنصار «الأوس والخزرج» متواجدين بالمدينة ومنهم ذهب إلى الأودية  إلى عام (656 هـ)، وهو المتداول في كتب المؤرخين أمثال «عرّام السلمي» و«أبي علي الهجري» و«البكري»، ولم  يروي أحد من هؤلاء ولا المتأخرين ولا المعاصرين أن النخاولة أنصار.

وإن المكون الأنصاري في الحجاز محتفظ بنفس مسميات تفرعاته القبلية والأسرية فهم في المدينة وماحولها، والشواهد لاحصر لها.

3- المتداول عند أهل المدينة والقبائل التي حولها أن النخاولة قبيلة قليلة العلم، ونادرا ما تجد فيهم عالِـمًا، رغم أن المدينة حكمَها الأشراف «الحسينيون»، وهم شيعة، ومع ذلك ليسوا طلاب علم حتى في مذهب الشيعة أنما يستمدون معلوماتهم وعلمهم من الحجاج الإيرانيين والعراقيين ، وهذا منافٍ لصفة الأنصار الذين عرفوا بالعلم في جميع البلدان، كيف بالمدينة، موطن العلم الذي يهوي الناس إليه.

 

4- أن القبائل بشكل عام حتى المتشيع منهم يرفضون التصاهر مع النخاولة، حتى إن الأشراف الحسينيين رغم تشيعهم لا يتزاوجون مع النخاولة.

 

5- حسب اطلاعي على تاريخ الأنصار في جميع البلدان، فإن الأشراف لهم علاقة وطيدة مع الأنصار، سواء كانت العلاقة دينية أو مصاهرة، ولو علم الأشراف الحسينيون أن النخاولة من الأنصار لتداخلوا معهم في التزاوج، والدليل على ذلك على أن الأشراف حكام مكة لهم علاقة دينية ومصاهرة ؛ لأن الأنصار يحظَون بالاحترام والتقدير من الأشراف والقبائل، وهذا الأمر لم يكن مع قبيلة النخاولة من قبل الأشراف.

 

6- توجد أسر وعوائل لها مكانة عند حكام المدينة الأشراف رغم اختلافهم في المذهب، أمثال الإمام أبي سراج الدين الدمنهوري الانصاري، إمام الحرم المدني عام (672 هـ)، وأنت تعلم أن الأشراف الحسينيين حكموا المدينة من عام (366 هـ إلى عام 1100 هـ)، يعني في خلافة الدولة المملوكية , والدولة العثمانية ومع ذلك لم يمسوهم بسوء، على اختلاف المذهب , وبالمدينة علماء من الأنصار سنة يحظون بالاحترام والتقدير من حكام المدينة ,  ولهم مؤلفات في الأنساب لم يذكروا أن النخاولة لهم علاقة بهم لا من بعيد ولا من قريب  .

والله أعلم

مؤرخ الانصار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

 
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات