«فرنس أفريك».. وتداعياتها السلبية على المستعمرات الفرنسية القديمة في إفريقيا

بالتواطؤ مع الزعماء السياسيين الفاسدين من الأفارقة، تنهب فرنسا ثروات القارة.

رغم ظهور الوجوه والشبكات والروابط الجديدة على المشهد على مستوى القارة، تظل الأسس التي وضعتها «فرنس أفريك»، المستمَدة من الإرث الاستعماري، حاضرة وبتبعات ثقيلة على الدول الإفريقية.

فمنذ ظهور مصطلح ” «فرنس أفريك»” في المُؤَلَّف الشهير لفرانسوا زافيي فيرشحاف بعنوان (فرنس أفريك)، والذي سلّط فيه الضوء على الفضائح التي تمثلت في الوسائل التي كان يلجأ إليها الفرنسيون  بالتواطؤ مع الزعماء السياسيين الفاسدين من الأفارقة، في إيجاد السبل الكفيلة لنهب ثروات القارة.

فإن المثقفين الأفارقة الذي درسوا هذه القضية بمزيد من الاهتمام، كما أشار إلي ذلك ليزابوياكاما “المؤرخ من مدرسة شيخ أنتا جوب”، كانوا يُركِّزون على بُعد العلاقة التي تربط بين المؤسسات الفرنسية الإفريقية؛ حيث إن الحقيقتين متقاطعتان؛ فظاهرة «فرنس أفريك» إنتاج مؤسساتي بمباركة شبكات وراء الكواليس تدافع عن مصالح فرنسا في إفريقيا.

 فمن المنظور المؤسساتي يظل دور فرنسا حاضرًا في المشهد الإفريقي، وخاصة فيما يتعلق بالهيمنة الاقتصادية عبر  “استخدام (الفرنك سيفا) في دول  مستعمرات فرنسا القديمة في إفريقيا”؛ بالاضافة إلى التبعية الاقتصادية من خلال اتفاقيات التعاون التي وصلت إلى اتفاقيات نقدية شهرية، أو بعبارة أخرى، الديون المُقيَّدة بتعقيدات كبيرة للحكومات التي تمر بصعوبات في نهاية الشهر؛ وذلك قبل إحداث التغييرات في الاتفاقيات مع مطلع الألفية الثالثة.

ظاهرة «فرنس أفريك» كان لها تأثيرها في عرقلة طريق نمو وازدهار الدول الإفريقية، وذلك لاصطدامها بالمبادرات المحلية من جهة، ونشر العادات الفرنسية السيئة من جهة أخرى، مما شكَّل حجر عثرة أمام تعبير العبقرية الإفريقية عن نفسها.

 ومن تلك العقبات؛ التعاون العسكري الذي طالما أدَّى إلى إنشاء قواعد عسكرية فرنسية تحت ذريعة حماية سلامة أراضي الدول الإفريقية (كحلفاء)، بَيْدَ أنهم لم يخدموا ذاك الهدف بقدر الحماية التي وفَّروها لتلك الأنظمة الموالية ضد معارضيها، واستبدال الأنظمة التي فقدت ثقة باريس بأخرى موالية لها.

 وتجدر الإشارة إلى أنَّ العلاقات الثقافية تنبني -في أغلب الأحيان- على إدراج اللغة الفرنسية لغة رسمية للدول الفرنكوفونية؛ فكلما كثرت المراكز الثقافية في كل البلدان الإفريقية ازدهر التعاون في مجال التعليم، وتكوين الطلبة الأفارقة في المؤسسات التعليمية العليا في فرنسا، وغيرها من القائمة الطويلة من الروابط الثقافية بين فرنسا ومستعمراتها الإفريقية القديمة، إلى أن اتسعت رقعة الفرنكوفونية عام 2000م لتشمل كندا وفيتنام، عطفًا على الدول الإفريقية؛ من حيث عدد الناطقين باللغة الفرنسية.

                                    خريطة توضح استقلال البلدان الإفريقية

 

 الروابط المعقَّدة:

يُذكر أن جنرال شارل ديجول هو مَن وضع الآلية القائمة على الركائز الثلاث المذكورة منذ استقلال البلدان الإفريقية، والتي لم تتطور لا في الجوهر ولا في الشكل إلا بصورة يسيرة؛ حيث يظل «فرنس أفريك» سيفًا قائمًا إلى جانب التعاون العسكري والفرنكوفونية، بل ازداد ثقل التبعية في فترة نيكولا ساركوزي عبر تدخل فرنسا السافر في شؤون البلدان الإفريقية الداخلية تحت ذريعة حماية حقوق الإنسان.

 فما الذي بقي من إرث فيرس شاف، والمخابرات والشبكات فيما يخص «فرنس أفريك»؟ لدينا مؤشر حديث عن الوضع؛ حيث منح المحامي روبرت بورجي (حامل الحقائب الإفريقية في عهد شيراك) معطفين فاخرين للمرشح فراسوا فيون، غير أن الأخير أرجعهما إليه.

إن الشبكات العاملة في إطار «فرنس أفريك» تتكون من المخابرات الفرنسية، والأمناء من كبار مسؤولي كبريات الشركات الفرنسية على غرار مسؤولي الإعلام، ومديري الخطوط الجوية الفرنسية، إلى جانب الأفراد المستفيدين من النظام المذكور، وما قضية فالكون وتزويد أنجولا بالأسلحة بِبعيد.

 ونجد من ضمن أعضاء الشبكة من الجانب الفرنسي نجل الرئيس الفرنسي الأسبق ميتران من اللجنة المكلفة بإفريقيا، وباسكوا الأب والابن من شبكة كورش في إفريقيا، وأركادي غايدماك، اليهودي الروسي، وقد قامت فرنسا بتزويد بعض الجهات بالأسلحة في عهد دي جول وجاك فوكار، لكنَّ الظاهرة ظلت مستمرة  رغم تولّي ثلاثة رؤساء لمقاليد الحكم من بعده.

ولا يكاد الأفارقة يجدون فرقًا كبيرًا بين «فرنس أفريك» القديم حين كانت فرنسا تساند المتمردين بالأسلحة في نيجيريا، وتُنشِّط سوق تهريب الألماس والعاج عبر بنجي وبوكاسا (إفريقيا الوسطى)، والألماس الدموي إبَّان الحرب الأهلية في ليبيريا بواسطة كومباوري، وبين الجديد بعدما شاهدوا هبوط الطائرات الفرنسية في معسكرات بوكو حرام لتفريغ الأسلحة.

السياسة الخارجية الطبيعية:

 تظل الشبكات نشطة، وإن تضاءلت فيها الوطنية مقارنة بعهد ديجول وفوكارت؛ حيث أضحى العامل المادي هو سيد الموقف والحافز الأساسي، وإن كانت النتيجة هي ذاتها: استمرار هيمنة فرنسا في إفريقيا الفرنكوفونية.

لكنَّ المعطيات اتخذت منحى مغايرًا في شمال إفريقيا؛ حيث لم تَعُدْ العلاقات مشابهة لتلك التي كانت في عهد ديجول وبن بركة، والتي تلاشت مع الزمن في باريس بلا رجعة؛ فبينما بقيت الجزائر متمسكة باستقلالها نرى تونس لا تكاد تنفكُّ من ربيعها العربي، فلم يبقَ لفرنسا خيار آخر غير ممارسة العلاقة الطبيعية مع البلدين المذكورين.

هل ظلت ازدواجية سياسية فرنسا مُضِرَّة لإفريقيا جنوب الصحراء ولا تزال؟ هذا ما يراه الملياردير النيجيري دانغوت رجل الأعمال الكبير في مجال الإسمنت الإفريقي، وهو الاعتقاد السائد لدى كثير من الأفارقة، ويلاحظ من خلال مؤشرات النمو في أهم دول جنوب الصحراء خلال فترة ما بين 1971إلى 1975م، والتي تعتبر فترة الصدامات الأولى للبترول، أنها أدت إلى ارتفاع أسعار المواد الخام الأخرى في البلدان الإفريقية الفرنكوفونية غير المنتجة للنفط (ما خلا جابون وكونغو برازفيل)، غير أنها صمدت طويلاً أمام هبوط الأسعار، لكننا نلاحظ أفضلية وضع الدول غير الفرنكوفونية، مقارنة بنظيراتها الفرنكوفونية في  السنوات التي شهدت تدهورًا في أسعار المواد الخام.

 وهل من الممكن أن يُعْزَى ذاك التضاؤل في النمو إلى تداعيات «فرنس أفريك»؟ يمكن أخذ العامل الديموغرافي بعين الاعتبار؛ حيث إن الدول غير الفرنكوفونية أكثر كثافة سكانية. ومن جانبها شهدت جنوب إفريقيا أزمات سياسية من عام 1980م، وخاصة نضالها ضد التمييز العنصري، والذي انطلق من نقابات العمال في المناجم عبر الإضرابات، مما ترك آثارًا سلبية على إنتاج الثروة المعدنية لجنوب إفريقيا.

وفي السياق ذاته شهدت أوغندا تمردًا في 1980م شأنها في ذلك شأن غانا التي عرفت الانقلاب العسكري الذي قاده جيري روالنغس بين 1979و1981م، وقضى على الفساد الإداري، في وقتٍ نشبت فيه حرب بين تنزانيا وأوغندا في 1978م.

 ونخلص إلى القول بأن الدول غير الناطقة بالفرنسية عاشت أزمات سياسية عقب الاستقلال، بينما كانت الدول الفرنكوفونية في معزل –نسبيًّا- ما عدا كاميرون، وإن كانت تلك الدول الفرنكوفونية شهدت استبدال زعمائها بآخرين أكثر ولاءً وخضوعًا للمستعمر.

التخلف المتراكم:

إن عملة “فرنك سيفا” ليست حدثًا عارضًا في إعاقة النمو، وخاصة في السنوات الأخيرة، ومنذ ارتباطها بعملة اليورو، فربما ساهمت هيمنة فرنسا على مستعمراتها القديمة في لعبها دورًا كبيرًا في إقناع مسئولين نافذين في الحياة الاقتصادية، وخاصة في المصارف الإفريقية، للتدخل على غرار ما حدث في بنوك “باميليكي” في الكاميرون.

على أن الفروع المحلية للبنوك الفرنسية كانت تعمل لفترة على ورثة التأمين التكافلي، والتي لم يُعترَف بها إلا بعد 1990م، بينما كان بإمكان الدول الإفريقية الناطقة بالإنجليزية الاشتراك في أسهم مشغِّلي شبكات الهاتف النقال الكبيرة في جنوب إفريقيا، وفي نيجيريا؛ غير أن الدول الفرنكوفونية لم تتجه إلى الزراعة الغذائية إلا بعد ذلك بعقود من الزمن.

تلك من الأمثلة المليئة بالتأخيرات التي أصابت إفريقيا الفرنكوفونية الناجمة عن ضغوط فلسفة “«فرنس أفريك»”، بما فيها من الخصخصة، وخطورتها القائمة التي تعتبر ظاهرة فرنسية بالامتياز.

تجدر الإشارة إلى أنَّ الإصلاحات التي أُدرجت في قطاع زراعة القطن لم تحدث إلا بعد عشر سنوات في الدول الفرنكوفونية، في حين أن نيجيريا قامت بانعاش قطاع القطن في أقل من خمس سنوات.

إن «فرنس أفريك» ظاهرة تسعى إلى تعزيز تأثير فرنسا في إفريقيا، في حين أن الأفارقة يتمتعون بميزة التكيف بشكل مذهل.

ونخلص إلى القول بأننا بعيدون عن الاعتقاد بأن إفريقيا الفرنكوفونية انطلقت من منطلق جيد عقب الاستقلال في ظل الوجود الفرنسي، مقارنة بنظيرتها الناطقة بالإنجليزية التي تخلَّى عنها البريطانيون، وابتعدوا عن التدخل في إدارة شئونها المحلية. فمن المنظور الاقتصادي، أفرزت “«فرنس أفريك»” تداعيات وعقبات عرقلت ازدهار الدول الإفريقية؛ وذلك لاصطدامها بالمبادرات المحلية من جهة، ونشر العادات الفرنسية السيئة من جهة أخرى، شكَّلت حجر عثرة أمام تعبير العبقرية الإفريقية عن نفسها.

بقلم: كرستيان دالايي (*)

ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

 
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات