دلالات الهجمات الإرهابية في بوركينافاسو

يمكن القول في النهاية إن مرحلة جديدة من الحرب ضد الإرهاب سوف تبدأ في منطقة الساحل والصحراء، على خلفية تصاعد حدة التهديدات التي بات يفرضها نشاط التنظيمات الإرهابية، التي تسعى إلى توسيع نطاق نفوذها وتمددها وتحويل المنطقة إلى نقطة انطلاق لاستهداف مصالح القوى الدولية التي تبدي اهتمامًا خاصًا بتحقيق الأمن والاستقرار فيها.

صعّدت التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء من هجماتها داخل بوركينافاسو خلال الفترة الأخيرة، حيث استهدفت بعض المقرات الرسمية والدبلوماسية من بينها المقر العام للقوات المسلحة والسفارة الفرنسية والمعهد الفرنسي في العاصمة واجادوجو، من خلال سلسلة هجمات متزامنة وقعت في 2 مارس الجاري، وأسفرت عن مقتل 16 شخصًا من بينهم 8 من منفذيها، وإصابة نحو 80 آخرين.
وقد أعلنت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” التابعة لتنظيم “القاعدة” مسئوليتها عن هذه الهجمات، وهو ما يرتبط، على ما يبدو، بمجموعة متغيرات داخلية وإقليمية طرأت على الساحة مؤخرًا، على غرار اتساع نطاق اهتمام المجتمع الدولي بمساعدة دول منطقة الساحل والصحراء في حربها ضد تلك التنظيمات، واستمرار العمليات العسكرية التي تشنها بعض القوى الدولية المعنية بالحرب ضد الإرهاب، مثل فرنسا، فضلاً عن تزايد التحذيرات من احتمال تحول بوركينافاسو إلى نقطة انطلاق جديدة للتنظيمات الإرهابية في تلك المنطقة.
عمليات متواصلة:
لم تكن الهجمات الأخيرة المتزامنة التي وقعت في بوركينافاسو الأولى من نوعها، حيث تعرضت العاصمة واجادوجو، خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، لعمليات إرهابية متعددة قامت بها بعض التنظيمات الخارجية، فضلاً عن عدد من المجموعات الداخلية. إذ تنشط داخلها جماعة “أنصار الإسلام” التي تعتبر إحدى أبرز الجماعات التي تستند إلى ظهير عرقي، وتمثله قومية الفولاني، ويتزعمها مالام إبراهيم ديكو، الذي تصفه اتجاهات عديدة بأنه “الخصم الأول” للسلطات في بوركينافاسو.
وعندما سعت الجماعة إلى الإعلان عن نفسها في 22 سبتمبر 2016، تمثلت أولى خطواتها في تنفيذ عملية إرهابية في منطقة ناسومبو شمال البلاد، أسفرت عن مقتل 12 جنديًا، ثم تكررت العمليات التي تبنتها بعد ذلك، على غرار الهجوم على مقرين للشرطة في منطقتى بارابولي وتونغوماييل في 27 يناير 2017.
وإلى جانب تلك الجماعات، قامت مجموعات خارجية أخرى موالية لتنظيم “القاعدة” بشن هجوم على مطعم وفندق بالعاصمة، في يناير 2016، على نحو أدى إلى مقتل 30 شخصًا. كما استهدفت بعد ذلك أحد المطاعم التركية بمنطقة كوامي نكروما في العاصمة في 14 أغسطس 2017، وهو ما نتج عنه مقتل 18 شخصًا من جنسيات مختلفة.
واللافت في هذا السياق، هو أنه لم تضح بعد هوية التنظيمات الإرهابية التي قامت بتنفيذ العديد من الهجمات الإرهابية الأخرى، مثل الهجوم على نقطتين للشرطة في مارس 2017، مما أسفر عن مقتل 3 أشخاص، والذي تزامن مع ارتكاب عمليات خطف وإحراق لبعض المؤسسات التعليمية.
دلالات رئيسية:
تطرح الهجمات المتزامنة التي شهدتها العاصمة واجادوجو دلالات عديدة يتمثل أبرزها في:
1- هدف رخو: يشير تعدد الهجمات الإرهابية في بوركينافاسو، خلال الأعوام الثلاثة الماضية، إلى أن التنظيمات الإرهابية باتت ترى أن الأخيرة تمثل هدفًا رخوًا يمكن عبره الرد على العمليات العسكرية التي تتعرض لها من جانب دول المنطقة والقوى الدولية المعنية بأمنها واستقرارها. ووفقًا لتقديرات عديدة، فإن بوركينافاسو شهدت ما يقرب من 80 هجومًا منذ عام 2015، أدت إلى مقتل 133 شخصًا.
2- توقيت لافت: وقعت الهجمات الأخيرة بعد أشهر قليلة من الإعلان عن تشكيل قوة عسكرية من دول منطقة الساحل (موريتانيا ومالي وبوركينافاسو وتشاد والنيجر) في ديسمبر 2017، لمواجهة التنظيمات الإرهابية المنتشرة في تلك المنطقة، وهو ما يعني، طبقًا لاتجاهات مختلفة، أن تلك التنظيمات سعت عبر هذه الهجمات إلى توجيه رسالة للقوى المنخرطة في الحرب ضدها بأنها سوف تركز على استهداف مصالحها. وقد كان لافتًا في هذا السياق، أن تلك الهجمات تتزامن مع تصاعد استهداف قوات حفظ السلام الدولية في مالي (مينوسما)، والتي كان آخرها الهجوم الذي أسفر عن مقتل 4 جنود في 28 فبراير 2018.
وتمثل المصالح الفرنسية أحد الأهداف الرئيسية للعمليات الإرهابية التي تقوم بها تلك التنظيمات، وهو ما يبدو جليًا في استهداف السفارة الفرنسية والمعهد الفرنسي في واجادوجو، على نحو يمكن تفسيره في ضوء الدور البارز الذي تقوم به فرنسا في محاربة الإرهاب داخل دول تلك المنطقة، حيث كانت فرنسا إحدى القوى التي دعت إلى تأسيس قوة مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، فضلاً عن أنها تقوم بنشر قوة عسكرية لدعم الجيوش الوطنية في كل من موريتانيا ومالي وبوركينافاسو والنيجر وتشاد في مواجهة تلك التنظيمات.
ولذا لا يمكن فصل تصاعد حدة الهجمات الإرهابية في الفترة الأخيرة عن التصريحات التي أدلت بها وزيرة الجيوش الفرنسية فلورانس بارلي، في 23 فبراير 2018، وقالت فيها أن القوات الفرنسية تمكنت من تصفية 450 عنصر من التنظيمات الإرهابية منذ إطلاق عملية “برخان” في أغسطس 2014، وذلك بعد يومين من مقتل جنديين فرنسيين في مالي، مشيرة إلى قتل 120 منهم خلال الأشهر الإثنى عشر الأخيرة وتسليم 150 آخرين إلى السلطات المالية.
كما لا يمكن استبعاد وجود علاقة مباشرة بين الهجمات الأخيرة وبعض العمليات الإرهابية التي قامت بها بعض تلك التنظيمات قبل ذلك. ففي هذا السياق، نشرت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، قبل يوم واحد من وقوع الهجمات الأخيرة، مقطع فيديو للرهينة الفرنسية صوفي باترونا، التي كانت تدير جمعية خيرية لمساعدة الأطفال الأيتام في مالي، وتم اختطافها في أواخر عام 2016، بما يوحي بأن تلك الخطوة كانت مقدمة لتنفيذ العمليات الأخيرة التي تبدو موجهة لباريس تحديدًا.
3- هجوم غير تقليدي: تتسم المنطقة التي تعرضت لتلك الهجمات، وفقًا لما أشارت إليه تقارير عديدة، بتواجد أمني كثيف، لا سيما أنها تضم العديد من المنشآت والمباني الحكومية الهامة، وهو ما يوحي بأن الهجوم كان أقرب إلى نمط العمليات الانتحارية منها إلى العمليات التقليدية، التي تقتضي وجود خطط للهروب بعد التنفيذ.
ويبدو أن التنظيمات الإرهابية التي تعتمد على تلك النوعية من العمليات تمتلك قدرات بشرية تمكنها من القيام بذلك، على نحو يزيد من خطورتها ويفرض ضرورة رفع مستوى التنسيق بين دول المنطقة والقوى الدولية المعنية بأزماتها، على المستويين السياسي والأمني.

مركز المستقبل للدراسات “بتصرف”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

 
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات