الانتماء القبلي والفهم الخاطئ

"لقد فاضل الله سبحانه وتعالى بين الأنساب كما فاضل بين الأرزاق والألوان وجمال الأجسام وتفاوت الأحجام..."

لقد لاحظت في مجالسنا وما يجري فيها من أحاديث وحوارات في مختلف القضايا وخاصة التي لها علاقة بالتركيبة الاجتماعية أننا نحسب ألف حساب لكلماتنا لدرجة أننا نحجم عن طرح الكثير من المواضيع أو المشاركة فيها وتجاذب الحديث فيها، إن طرحت عرضاً أو من قبل من نحسبه (على نياته) كما يقال؛ لما نسلّم به -سلفاً في قرارة أنفسنا- من حساسية الحديث فيها وأن الإمساك عنها أسلم وأحكم؛ مستصحبين في أذهاننا أمثلة قريبة وبعيدة لما آلت إليه نقاشات عديدة في هذا الاتجاه من نتائج أقل ما يقال عنها أنها غير مرضية إن لم تكن مخيبة للآمال!؟

فموضوع الانتماء القبلي مثلاً أجدنا ننقسم تجاهه إلى طرفين إليهما أوجه هذه السطور .. فقسم بدعاوى مختلفة منها التحضّر وما إليه، لا يبالي وربما لا يدري من أي قبيلة هو!! ولأكون أكثر واقعية ربما يعرف الاسم فقط!! ولكن لا يهتم بمعرفة ما وراء ذلك ولا ما دونه ولا يحفل به..!! والأدهى أنه ربما اعتقد أن الشرع يدعم هذا النهج ويشجعه!!

وقسم آخر يرى أن القبيلة هي العروة الوثقى التي يوالي من أجلها ويعادي.. وإن تشدّق بما هو أكثر توسطاً واعتدالاً ومثالية.. غير أنه إذا حصحص الحق عاد إليه والتزمه وانهار في مهاويه!!؟؟

ديننا جاء موافقاً للفطرة محافظاً على القدر المجبول على امتداده طبيعياً منها، معالجاً لما جاوز ذلك، موجِّهاً له..

فغريزة الشهوة مثلاً جبلّة وطبيعة، وجّهها إلى الزواج أو التسرّي وكبح جماحها به، وفرض الحد على من تجاوز إلى ما وراء ذلك وعدّه اعتداءً.

وطلب العيش فطرة وجبلّة، فأحلّ الكسب، وحرّم الغصب والنهب والسرقة، وأحلّ البيع وحرّم الربا. والتمتع بالملذات جبلّة، فأحلّ الطيبات وحرّم الخبائث…الخ

وهذا ما يليق بالعليم الخبير ولطفه {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الملك: 14] فكما أنه الفاطر فهو أيضاً المشرِّع وتقتضي حكمته موافقة شرعه لما فطر عليه وخلق من أجله، فاستعداد فِطر الخلق لتقبّل شرعه تقتضي قدراً من موافقة ذلك الشرع لما جُبلوا عليه وعدم منافاته.

ومما جُبل عليه الإنسان وطُبع عليه: فخره بأبيه وأمه وفصيلته التي تؤويه، ولا يستلزم ذلك احتقار طرف في المقابل، فمن لم يكن فخره بأولئك واعتزازه بهم وسيلة -في المقابل- إلى الازدراء لغيرهم أو الترفُّع على سواهم، لم يتجاوز في ذلك حدود الفطرة، فإذا ما تجاوز ذلك الحد، وجد الأوصاف الشرعية الذامّة والناهرة له بالمرصاد ” أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ “صحيح مسلم (2/ 644) «خِلاَلٌ مِنْ خِلاَلِ الجَاهِلِيَّةِ الطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ وَالنِّيَاحَةُ » صحيح البخاري (5/ 44) «دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ» صحيح البخاري (4/ 183)

أمّا ما عدى ذلك فأجد أنه من الطبيعي جداً أن يعتزّ الرجل بقومه ويفخر بهم وبالانتساب إليهم .. وخاصة في المحافل ومواضع الاعتزاز .. فعندما تفرّق الناس في غزوة حنين وفرّوا ثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ» صحيح البخاري (4/ 81)

وأما الذي ليس بطبيعي أبداً أن يطلب منه التنازل عن لقبه وقبيلته من أجل أن يشاركك أو يصادقك.. أو يصافييك المحبة ويناصفك المودّة.. أو يتعامل معك بصدق.. ما الذي ربط هذا بهذا!!؟؟ فهو بعزّه واعتزازه.. وأنفته وقبيلته وأسرته.. يشاركك بعزّك واعتزازك.. وقبيلتك.. وأسرتك.. هل تريد شريكاً خالياً من كل معاني الاعتزاز.. هل تشترط في معاونك أن يتنازل عن كلّ ميزة.. كلّ ما يعتزّ به.. ليشاركك؟؟!!!

**

ولقد فاضل الله سبحانه وتعالى بين الأنساب كما فاضل بين الأرزاق والألوان وجمال الأجسام وتفاوت الأحجام…لخ.

فهي قسمة قسمها الله تعالى فمن حمدها وأثنى بها عليه أُجِر عليها{وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11] ومن فاخر بها وتفاخر واستغلّها في غير ما هي له، كان ممن { بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا} [إبراهيم: 28] ومن حسد عليها من أُعطِيَها كانت خصومته مع المعطِي{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 54].

***

إن اسم القبيلة أو الانتماء إليها والاعتزاز بها حاجز وهمي لم يجعله الشرع ولا العقل يوماً حاجزاً دون التعامل والتصافي ولا دون حسن الجيرة والأخوة الإسلامية.. ولا دون العمل للدين ومصالح الوطن.. وإنما جعلناه نحن كذلك!!

فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار.. ولم يقل يا مهاجري انس اسم قبيلتك وتسمّ باسم الأنصاري.. كما لم يقل للأنصاري امح بالإسلام اسم القبيلة واشترك مع المهاجري في قبيلته.. كما أنه لم يقل من باب أولى لهما.. اتركوا أسماء قبائلكم.. وانتسبوا للإسلام لتكونوا إخوة متحابّين.. ثم هو لم يقترح عليهم اسماً وسطاً يتنازل كلّ منهما من أجله على مسمّى قبيلته وأسرته لينتمي إليه..

وقد عقد صلى الله عليه وسلم الألوية للقبائل بأسمائها وسماهم بها.. وكذلك الصحابة من بعده.. فلِمَ هذا التخوف.. والتحسّس!!؟؟

بل إن رسولنا صلى الله عليه وسلم حين تشرّفت المدينة بهجرته إليها لم يتعرّض للتركيبة الاجتماعية فيها بتقسيماتها وإنما تركها على ما هي عليه، بمكوّناتها وتحالفاتها، بل لم يلغ حتى التجمّعات داخل القبيلة الواحدة، فقد كان هناك أوس وخزرج ولكلٍّ منهما سيّد وأمير وكلاهما من الأنصار بل أبناء رجل واحد في النهاية، ولم يكن في الأمر ما يحول بين المحبة والإخاء ولا ما يحول دون أداء الرسالة وبناء المجتمع المسلم بشتى مناحيه..

ثم انظروا إلى قول الله تبارك وتعالى فوق كلّ ذلك { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] لم يلغ القبيلة، وبالتالي لم يلغ التسمّي والانتساب إليها (لأنه لا معنى لوجودها إلا ذلك) مع أنه رتّب عليها التعارف الذي هدفه بالتأكيد ليس تبادل الصور التذكارية ولا المجاملات وإنما التآلف والتعاون على عمارة الأرض والإخاء في طاعة الله..

ولو كانت دائرة القبيلة ملغاة في سبيل التعارف لاكتفى بذكر الشعوب أو ذكر الذّكَرِ والأنثى، إذ ما من مانع يمنع من الاقتصار عليهما في التعارف.. ولكنه سبحانه أثبت الدوائر الثلاثة تدرّجاً في السعة فبدأ بالذكر والأنثى، ثم بالشعوب، ثم بالقبائل.

ولو رجعنا للآية لوجدنا فيها إشارات لطيفة أخرى{وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ} فالتقسيم إلى الشعوب والقبائل تقسيم ربّاني، ليس بدعاً من قِبَلنا، ولما كان سبحانه حكيم منزّه عن قضاء أمر على جهة لا حكمة من ورائها، جاء تعليل ذلك التقسيم بــ{لِتَعَارَفُوا} وخبرته بخلقه وعلمه بمكنونات أنفسهم اقتضت أن التعارف والاحتكاك والاختلاط فيما بينهم مع اختلافهم من نواحٍ كثيرة وتفاوتهم فيها وتسخير بعضهم لبعض مدعاة للترفع من بعضهم على بعض، وتقديم بعضهم لبعض بحسب المظاهر والبهرج انطلاقاً من المقاييس الدنيوية – كما في قصة سبب نزول الآية – فبيّن سبحانه وتعالى الميزان الحقيقي للأكرم والأفضل فقال: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} وكأن فيه ردّ على من جعل هذا التعدد والتفاوت سبب للتفاخر والمعادات بخلاف مراد الله الذي جعله للتعارف والتآلف!!؟؟

***

إن العنصرية المقيتة عارض مَرَضِيّ، ومن كان في قلبه مرض فلن يُجدِي معه التقسيم والتحجيم مهما كان.. وسيظلُّ يتضايق، ضاقت دائرة الانتساب أو اتّسعت..

فالمشكلة ليست في المسمّيات ولا في الانتماء والاعتزاز بالقبيلة والعشيرة.. ولكنها في القلوب التي في الصدور.. ولا جدوى من محاولات الالتفاف عليها ما لم نعالجها بشريعتنا وعقولنا وثقافتنا وإذا خطونا هذه الخطوة بصدق فلن يخطئنا التوفيق من ربنا.

***

وقل مثل ذلك في أمجاد الأجداد والاحتفاء بما ورّثوه للأبناء والأحفاد من مفاخر ومكارم لا يتعارض الحفاظ عليها ومعاهدتها بأي مبدئ شرعي. ومما يمكن ذكره في ذلك ويستدل به عليه قوله صلى الله عليه وسلم (( لقد حضرت في دار ابن جدعان حلفاً…)) أخرجه البخاري في ” الأدب المفرد ” (567) والحاكم (2 /220) وغيرهما بألفاظ مختلفة..سلسلة الأحاديث الصحيحة(4/ 524)

وكذا إقراره سدنة الكعبة على ما في أيديهم ومن يخدم الحجيج على ما ورّثوه من ذلك لأنه مفخرة لهم بعد أجدادهم، ومجداً لهم، حتى نزلت في ذلك آية {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] تفسير الطبري(8/ 491)

ومن ذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم ((النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا))صحيح مسلم (4/ 2031) وقوله ((تُخَيِّرُوا لِنُطَفِكُمْ..)) المستدرك للحاكم(2/ 193) وقوله ((تزوجوا الولود الودود..)) وامتداداً لذلك وانطلاقاً منه جاءت مسألة اشتراط التكافؤ في النكاح عند الفقهاء.. وشبيهاتها من المسائل.. وذلك لما كان من سابقة لا تتجلّى حقيقتها إلا بالنظر في الأسلاف والأقارب، وكونها ميزة مطلوبة شرعاً يجعل الاحتفاء بها كذلك من الشرع، ولا معنى للأمر بالحرص عليها إلا الدعوة للحفاظ عليها في اللاحقة، فالدين جاء تتميماً لمحاسن الأمور وترسيخاً لها، والإتمام من شأنه أن يكون مسبوقاً بما يُتَمَّم. ولم تفرّق الشريعة بين هذه المكارم في الحفاظ عليها وطلبها بتقادم تاريخ نشأتها وإيغاله في القِدم من عدمه؛ فحيثما وجدت فهي حريّة بالإتمام والتطلّب.

وإذا ساغ سحب هذه الخصال الحميدة منذ الجاهلية وقبل الإسلام إليه، فلأن تنسحب وتبسط على أجيال الإسلام على امتدادها أحرى وأولى.. والله أعلم..

***

ثم أقول لمن يظن أن تمييع هذا الانتماء وإلغائه لهدف أسمى – (على أنه لا طائل من محاولة ذلك.. وما هو ببالغ مبتغاه الموهوم من هذه الناحية أصلاً) – ويتحجّج بحسم مادة الخلاف وبالرغبة في توطيد أواصر الأخوة وهمًا… الخ

إن الأخوة والمحبة وصدق العلاقة وحسن الجوار لا يعني عدم وجود خلافات خاصة أو عامة بين الأفراد أو حتى الجماعات، وانظر إلى بيتك وأسرتك هل حال كونهم قرابة وأسرة دون أن تحلّ بينهم بعض المشكلات وسوء الفهم والخلاف؟؟؟ ولولا وجود ذلك كوناً لما حصل في بيت النبوة والرسالة.. ولما نزل قرآن يقضي فيه ببعث حكم من أهله وحكماً من أهلها.. ولا جاء الحكم بين الطائفتين من المسلمين.. فيما أهو أعظم من مجرد الاختلاف.. وهو الاقتتال..الخ

ثم لتنظر إلى ذلك الرعيل الأمثل ألم تكن بينهم المشكلات رغم قوة الدين وشدة التمسك بالطاعة لله وللرسول صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر منهم، بل حصل بينهم في هذا الأمر ما كان سبباً لورود تلك النصوص السالفة الذكر، ثم لم يكن العتب عليهم في ذلك إلا بقدر تجاوز الحدّ إلى التطرف في هذا الاتجاه أو ذاك. ولم يستوجب ذلك أيّ تغيير في التقسيمات الاجتماعية ولا في الانتماءات القبلية ولا ترغيب في إلغائها أو ترهيب من الانتساب إليها حسماً للمادة وسداً للذريعة كما يدّعيه البعض مطلباً!!؟ بل كان التوجيه للحدّ من التجاوز في ذلك كافياً في العلاج وحسبك به.

على أنّا نجد أمثلة ونماذج وُظِّف فيها العامل القبلي والانتماء إليه توظيفاً عملياً ناجحاً، له دور كبير في المنافسة الشريفة؛ لمخافة كل طرف من أن يأتي الخلل من ناحيته، ففي فتح مكة مثلاً كانت الألوية معقودة على حسب القبائل كما في قصة إمرارهم على أبي سفيان وسؤاله العباس عن كل كتيبة تمرّ.. كما ذكر ابن هشام ((..وَمَرَّتْ الْقَبَائِلُ عَلَى رَايَاتِهَا، كُلَّمَا مَرَّتْ قَبِيلَةٌ قَالَ: يَا عَبَّاسُ، مَنْ هَذِهِ؟ فَأَقُولُ: سليم، فَيَقُول: مَا لي وَلِسُلَيْمٍ، ثُمَّ تَمُرُّ الْقَبِيلَةُ فَيَقُولُ: يَا عَبَّاسُ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَأَقُولُ: مُزَيْنَةُ، فَيَقُول: مَا لي وَلِمُزَيْنَةَ، حَتَّى نَفِدَتْ الْقَبَائِلُ، مَا تَمُرُّ بِهِ قَبِيلَةٌ إلَّا يَسْأَلُنِي عَنْهَا، فَإِذَا أَخْبَرْتُهُ بهم، قَالَ: مَا لي وَلِبَنِي فُلَانٍ، حَتَّى مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ…)) سيرة ابن هشام(2/ 404) وكذا في اتخاذ النقباء، وعقد التحالفات، والتولية على الوفود.. إلى غير ذلك.

***

فلو أننا فهمنا هذا الانتماء على هذا النحو لكظم الكثير من تشنّجاتنا ولهدّأ من روع بعض تحفّظاتنا، ولا اقتصرت معالجاتنا على القدر المتجاوز، بدلاً من مناهضة فطرة الله التي فطر الناس عليها!!

إن النظر إلى عمل كل قبيلة أو أسرة بما يصلح حالها ومآلها ضمن صلاح المجتمع الذي يتكوّن أصلاً من مجموعها، هو النظر الصائب والمنتج، بدلاً من النظر إليه كسلبية تحول دون النهوض بالمجتمع!! لتوهّم أننا لا بد أن نقوم بالكيان كله دفعة بشكل جمعي وإلا فلا جدوى من عمل كل قبيل بمفرده؟؟ هذه النظرة التي ترسّخت حتى تسببت بانفصامها عن الواقع في تقوقع كل أسرة على نفسها يائسة جرّاء معالجة خيار صُوِّر لها على أنه الوحيد!!؟؟ ثم تطوّرت الأمور وتسلسلت ردود الأفعال عكسياً حتى هجرت القواسم المشتركة وأهملت العلاقات الودّيّة والطبيعية – التي كانت تربط مختلف الكيانات برابطة الاحترام المتبادل – إلى أن انمحت معالمها وتباعدت المسافات إلى أن ظنّ كل مكوّن أن مصلحته لا يمكن تحقيقها إلا بإقصاء الآخر الأمر الذي أصبح واقعاً مريراً مع بعده عن الواقعية؛ فالحال والمآل المشترك والكثير الكثير من الشؤون الاجتماعية والسياسية والجغرافية تحتّم وتؤكد على أن التعايش السلمي في ظل الترابط الطبيعي ضرورة تزيد إلحاحاً مع تقدّم الحوادث وتجدّدها.

وحتى لا يظل الكلام مسترسل هكذا بلا اختتام أشير إلى بعض الأمور لأنهي بها حديثي:

أن العمل للأسرة أو القبيلة لا منافاة بينه وبين العمل للمجتمع والأمة والوطن، إلا عند من فهمه على غير وجهه، كما تقدّم.

لا يخلوا أي أمر من كونه مصلحة أو مفسدة، فالأقربون أولى به في الحالتين جلباً ودفعاً.

الانطلاق نحو العمل الجماعي بشكل تدريجي يأخذ بعين الاعتبار مكونات المجتمع بدءاً من الفرد ثم الأسرة والقبيلة هو الأسلم في النتائج إذ إن مجموع النتائج مرهون بسلامة آحاد أفرادها، فضمّ الفاسد أو القريب منه إلى مثله أو دونه، لا يزيد الأمر إلا سوءً، وليس كل اتّحاد قوة، بل اتحاد الضعفاء مزيد ضعف، لأن فيه اكتمال لدائرة الضعف المتفرقة في أفرادهم بضمها إلى بعضها لتكتمل من كلّ النواحي فتنتج ضعفاً محضاً، والعكس صحيح.

ومن هنا كان استصلاح الفرد من الأسرة أسهل وأقرب من استصلاح الأسرة نفسها واستصلاح الأسرة أقرب من استصلاح القبيلة… وهكذا.. فالتدرج هو الطريق الأمثل، وعمل كل أسرة في إصلاح نفسها ضمن القبيلة ينتج إصلاح تلك القبيلة، وبالتالي اصلاح المجتمع بأكمله بإذن الله وتوفيقه.

فيما يخص أمتنا الأزوادية وقضيتنا الحيّة أظن أنها عانت كثيراً من تهميش العاملين عليها والمناضلين من أجلها للدور الذي يمكن أن تعلبه العلاقات الشعبية بين مكوّناتها وبالطريقة التقليدية التي كانوا يعالجون بها ما بينهم من أمور، واستعاضوا عن ذلك بأساليب لعبت فيها السياسة أدواراً غريبة عن مجتمعاتنا البدائية البسيطة حتى جعلت القضية برمتها يلفّها الغموض في كلّ خطوة من خطوات العاملين عليها، دون اهتداء ولا حيلة لما يجب، سواء أكان على مستوى الفرد أو الجماعة أسرة كانوا أو قبيلة أو أهل منطقة، لذا غابوا تماماً أو غُيّبوا عن القيام بأي دور، إلا ما كان عن طريق أيد خفية تحرّكهم -من حيث يشعرون أو لا يشعرون!!؟؟- حتى أصبح كلّ تحرّك محلّ شكّ وريبة لدى الفرد العادي، مما أنتج الكثير من التهوّر في تعميم الأحكام والأقوال والأفعال قياساً على حالات شابها الغموض فترة من الماضي ثم أسفرت عن لا شيء في الحاضر، وأورثت توجساً وترقباً وحذراً في المستقبل.. نسأل الله الحفظ والسلامة.

الأستاذ /طاهر أبوبكر الشريف – باحث شرعي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

 
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات