تونس : صراع حافظ السبسي والشاهد الى اين”

الشاهد يحظى بدعم مستغرب من حركة النهضة

تسبب النزاع داخل أبرز أحزاب تونس بمواجهة مباشرة بين رئيس الوزراء يوسف الشاهد وحافظ قائد السبسي، وهو المدير التنفيذي لنداء تونس ونجل الرئيس الباجي قائد السبسي، في الصراع على السلطة قبيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية [المزمع عقدها] في العام المقبل.

فاشتعل التوتر عندما دعا حافظ إلى إقالة الشاهد [من منصبه]، والذي [ينتمي] أيضَا إلى نداء تونس، على اعتبار أنه فشل في إنعاش الوضع الاقتصادي الذي كان في حالة من الركود منذ سنوات.

وكان حافظ – والذي تنقسم الآراء حوله داخل أروقة السياسة التونسية ولطالما اتُّهم باستغلال نفوذ والده لتعزيز السلطة – قد دفع بعدد من الأعضاء السابقين في نداء تونس، كالأمين العام السابق محسن مرزوق وحلفائه، إلى ترك الحزب، وذلك منذ تبوّء القيادة في العام 2016.

وبعيدًا عن حافظ، كان الشاهد محطّ انتقادات من قبل الاتحاد العام التونسيّ للشغل الذي يقف ضدّ إجراءات الإصلاح الاقتصادي التي يدفع الشاهد باتجاهها، كالخصخصة وزيادة الضرائب وتجمد أجور القطاع العام.

غير أن الشاهد يحظى بدعم مستغرب من حركة النهضة، الحزب الإسلامي المعتدل والشريك الأول في الائتلاف الحاكم، مما يشير إلى أن نداء تونس والاتحاد العام التونسيّ للشغل لا يملكان العدد الكافي [من الأصوات] للإطاحة به.

إذ أعلنت حركة النهضة عن دعمها إجراء تعديل وزاري محدود، مشيرة إلى الضرر الذي سيلحق بـ “الاستقرار السياسي” في حال تم تبديل رئيس الحكومة.

وقال وزير الخارجية السابق ومسؤول الشؤون الخارجية في حركة النهضة رفيق عبد السلام للمونيتور، “لقد أرهق التغيير تلوى الآخر البلد، [وعلى الأخص] عند الأخذ بالاعتبار التحديات المالية التي يواجهها”. وأضاف، “لا يتعلق الأمر بيوسف الشاهد بل بالاستقرار الحكومي … إننا ندعم الاستقرار السياسي”.

وقد تسبب الخلاف حول مصير الشاهد بتعليق العمل بوثيقة قرطاج 2 في 28 أيار\مايو – وهي عبارة عن وثيقة اجتماعية واقتصادية وقّعت عليها الأحزاب السياسية والنقابات العمالية – مما أثار المخاوف من اتّساع رقعة الخلاف السياسي.

قال مسؤول الشؤون السياسية في حركة نداء تونس برهان بسيس لوكالة الأناضول، “يضع هذا النزاع مستقبل تونس على المحكّ”. “بلغت الأزمة مستوى عميق لدرجة لا يمكن حلّها عبر المناورة السياسية العادية”.

ردّ الشاهد على منتقديه في 29 أيار\مايو، مُتّهماً حافظ “والمحيطين به” بتدمير نداء تونس. وقال الشاهد في تصريحات متلفزة “لقد دمّر [حافظ] قائد السبسي والمحيطون به نداء تونس، مجبرًا العديد من الناشطين وأصحاب الكفاءات على ترك [الحركة]”. “يحتاج [البلد] اليوم إلى حوار اجتماعي حقيقي، حوار يضع قضاياه الحقيقية جميعها على الطاولة… تشكّل المصلحة الوطنية الخط الأحمر الوحيد”.

وفي حديث مع المونيتور، رجّح الصحفي والباحث المستقل في تونس فاضل علي رضا أن تكون عبارة “الخط الأحمر” قد جاءت للرد بطريقة غير مباشر على الاتحاد العام التونسيّ للشغل الذي سبق وقال “إن بيع الشركات العامة سيكون خطًا أحمر”.

ولفت علي رضا إلى أن الغرض من حديث الشاهد هو طمأنة “الأسواق المالية والدائنين الدوليين” واستهداف خصومه في آن.

وفي تغريدة على تويتر، كتب علي رضا في 30 أيار/مايو أن الشاهد “وعد بتلبية المطالب الرئيسية لدائني تونس قبل العام 2019″، بما في ذلك “إصلاح صناديق الرعاية الاجتماعية” “وإصلاح المؤسسات العامة” “والتحكّم في كتلة أجورهم”.

إنّ صندوق النقد الدولي والذي قدّم لتونس قرضاً بقيمة 2.8 مليار دولار في العام 2016 هو أحد أبرز الدائنين. ويرتبط هذا القرض بإصلاحات تهدف إلى إدارة العجز العام.

جاء في تقييم صندوق النقد الدولي في 30 أيار\مايو، “إن الاقتصاد التونسي أبدى بشائر التعافي في الربع الأول من 2018، محققًا أعلى معدلات النمو منذ 2014 تدعمه الزراعة والصادرات”.غير أنه لفت أيضًا الى “أن زيادة المخاطر على الاستقرار الاقتصادي الكلي، ولا سيما التضخم، تقتضي صدور استجابة حاسمة، تكملها إجراءات لحماية الفقراء”.

ترزح في الواقع الطبقة المتوسّطة والفقيرة في تونس تحت وطأة التضخم المتنامي وارتفاع الأسعار وضعف العملة، وبالتالي لم تكن هذه الطبقة شاهدة إلاّ على نمو اقتصادي بسيط أشار إليه صندوق النقد الدولي. ويقول الكثيرون إنهم يصارعون لتدبير احتياجاتهم الأساسيّة.

قال أشرف، وهو بائع جوّال في مدينة تونس، للمونيتور، “لم يعد بمقدوري إنفاق الكثير في هذا البلد. لم يعد بمقدوري أن أعيش”. “بات المرء عاجزًا عن الانفاق على عائلته أو نفسه”.

وأضاف تعليقًا على الأجندة الاقتصادية للحكومة، “إن النخبة السياسية في تونس فاشلة. لا يهتمّون بالشعب بتاتًا. لا قيمة للفقير بنظرهم”.

لقد بدا الاستياء من الطبقة الحاكمة في تونس جليًا في الانتخابات البلدية التي أجريت في الشهر الماضي، والتي شارك فيها 33.7٪ من الناخبين دون سواهم.

وقد جاءت نتائج الانتخابات مخيبة للآمال بالنسبة لنداء تونس على الأخص التي فازت بنسبة 20.8٪ فقط من الأصوات، أي أقل من الـ 28.6٪ التي حصلت عليها النهضة و نسبة الـ 32.2٪ التي فاز بها المستقلّون.

يمكن للاستياء من نداء تونس قبيل الانتخابات البرلمانية والرئاسية في العام 2019 أن يولّد مشاكل لأعضاء الحزب، إذ يرى البعض أنهم يسعون إلى تحميل الشاهد مسؤوليّة إخفاقات الحزب.

صرّح المحلل السياسي مختار الدبابي لأصوات مغاربية في 19 آذار\ مارس، “إن الحزب الذي يقود حكومة الوحدة الوطنية [نداء تونس] … يريد التخلّص من الشاهد وتحميله مسؤولية سوء إدارة معظم الملفات الحارقة”.

وعلى الرغم من الانتقادات الموجّهة من الجهات جميعها والدلالات التي أشارت سابقًا إلى عدم ترشّحه، لا يزال الشاهد يُظهر نفسه على أنه مرشح قوي ومحتمل للرئاسة.

وفي الوقت الذي كانت فيه الاضطرابات الاقتصادية حافلة خلال ولايته التي استمرّت عامين تقريبًا، يشهد البلد استقرار أمنيًا كما يقف إلى جانب “حربه على الفساد”، والتي طالت بعض المهربين الأقوياء وأعضاء المافيا الذين اعتُبروا يومًا خارجين عن العدالة.

يفرح كثيرون بوجود رئيس وزراء شاب يبلغ 42 عامًا داخل المشهد السياسي الذي يهيمن عليه كبار السن من القادة. كما أن “استعداده للوقوف في وجه حافظ يعزّز من شعبيته أيضًا”. وتجدر الاشارة إلى أن حافظ لا يحظى بشعبية واسعة في تونس.

ويضيف علي رضا، “إنه لأمر جيد أن نبقي في البال أن [الشاهد] هو السياسي الأقل شعبية على الساحة وليس الأكثر شعبية”.

يتعيّن على كل من يتولى قيادة تونس، بعد مرور ثماني سنوات على الثورة، سلّة من التحديات، ليس أقلها معالجة المظالم التي يعاني منها الشعب والتي تعود إلى سنوات طويلة خلت، والحفاظ على المكتسبات الديمقراطية للبلد. وفي حال انتمى رئيس الدولة القادم إلى نداء تونس، سيتعين عليه أيضًا ادارة حزب سياسي مكسور ستزداد فيه المنافسة والمشاحنة حدة على الأرجح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

 
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات