في كلفة إغلاق القوس الديمقراطي بالمغرب

بلال التليدي
يمر المغرب بحالة ملتبسة في مساره الديمقراطي، جعلت البعض يفسرها بصراع المساحات التي اجترأه الدستور الجديد بين الملكية وبين الحكومة السياسية المفرزة من صناديق الاقتراع (السحيمي)، فيما ذهب البعض إلى أن استراتيجية العدالة والتنمية نجحت في توسيع الممكن والتعديل الجزئي لموازين القوى لصالحها وتحويل المشاركة الحكومية إلى عائد انتخابي مهم (محمد اليازغي)، فيما اعتبر البعض في بلاغ حزبي أن الخطاب الملكي وضع خطة الطريق لإعادة الأمور إلى نصابها بما يعني إغلاق القوس الديمقراطي والعودة لممارسة السلطوية.
وكيفما كان التفسير لاستراتيجية العدالة والتنمية وحلفائها في توسيع الممكن، واستثمار الهوامش الدستورية، وكذا الممارسة الحكومية لتحقيق تقدم في موازبن القوى لصالح الإصلاح، فإن المغرب عاد- على الأقل بجزء كبير من نقاشه العمومي- إلى مرحلة التأسيس للسطوية، سواء بالانخراط في حملة قوية ضد العدالة والتنمية وحلفائها الديمقراطيين، أو بمحاولة الترافع لمصلحة الملكية بحجة تقلص مساحاتها مع حكومة العدالة والتنمية والخوف على الملكية من استمرار هذا المسار، أو تأويل الخطاب الملكي (خطاب العرش)على أساس أنه أعلن نهاية عهد العدالة والتنمية، أو تجييش الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين ضد هذه الحكومة في آخر زمن ولايتها.
والواقع أن عملية إغلاق القوس الديمقراطي في المغرب فضلا عن كونها غير ممكنة إلا بعودة التزوير إلى العملية الانتخابية أو على الأقل بعض أشكاله وأبرزها (عدم حياد الإدارة الترابية)، فإن كلفتها تتعدى الصورة الديمقراطية للمغرب، وتمتد لتضرب رصيدا من العمل الجاد الذي قام به المغرب لبناء تجربة استثنائية في المنطقة العربية، وإشعاعه في محيطه العربي والإفريقي.
1- الكلفة السياسية: الاستقرار في كفة عفريت ووضع الملكية في خط المواجهة
كان للمسار الديمقراطي الذي دشنه اقتراع 25 نونبر 2011 دور هام في تعزيز الاستقرار، وانتظام المرفق العمومي، واستمرار الخدمات الاجتماعية (التعليم والصحة) والإدارية (الجماعات المحلية) والقضائية (المحاكم)، واستطاعت حكومة العدالة والتنمية- في وقت وجيز- بفضل جملة من السياسات التي تندرج ضمن خانة إقرار مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص في الولوج إلى الوظيفة العمومية والمناصب السامية، ومقابلة الأجر بالعمل وانتهاج سياسة الوضوح في التذكير بالإمكانات التي لدى الدولة وما يمكن فعله وما يستحيل، في التقليص من الإضرابات وإخلاء الشوارع، واستعادة هيبة الدولة واحترام سلطة القانون، والتفكيك غير الواعي لمكونات حركة 20 فبراير وعزل جماعة العدل والإحسان والقوى اليسارية الراديكالية عن الحراك الشعبي العام، وتوسيع جبهة الأمل في إمكانية الإصلاح.
وعلى الرغم من أن مهمة هذه الحكومة انصرفت بشكل أساسي إلى استعادة العافية المالية للدولة وإعادة التوازن الماكرو اقتصادي واستكمال خطوات تغيير النموذج التنموي للبلاد، إلا أن التزامها بمقررات الحوار الاجتماعي، وانتهاجها لسياسة اجتماعية تعطي الأولوية للطبقات الفقيرة والهشة، وخوضها لتواصل كثيف مع الطبقة الوسطى بشأن نواياها الإصلاحية بعد تحسن المؤشرات المالية، ضمن قدرا من التوازن الاجتماعي والاستقرار السياسي في البلد.
صحيح أن هذا الرصيد الهام الذي قامت به الحكومة سيبقى اثره – فيما يخص تعزيز الاستقرار – ممتدا لبعض الزمن، لكن إغلاق القوس الديمقراطي، سيتبعه بالضرورة المحو التدريجي لآثار هذه الحكومة خاصة منها الشق القانوني المرتبط بإرساء مبادئ العدالة تكافؤ الفرص سواء في الولوج إلى الوظائف أو المناسب السامية أو إمضاء الصفقات والطلبات العمومية، كما سيتبعه الاستعاضة عن لغة الوضوح إلى لغة ديماغوجية تقفز على إمكانات الدولة لممارسة التضليل بالاستعانة بالإعلام المتحكم فيه، مما سيساهم تدريجيا في عودة الحراك الشعبي، وسيفقد الشارع أي قوة قادرة على تأطيره في اتجاه الالتحام بالإرادة الملكية في الإصلاح، وسيشكل ذلك خطرا كبيرا على الاستقرار السياسي وعلى الملكية نفسها، إذ ستوضع في مواجهة مباشرة مع الشارع.
2- الكلفة الاقتصادية:
ثمة قاعدة مهمة تحكم حركية الاقتصاد: فأينما تتراجع الديمقراطية، يتعكر مناخ الاستثمار، وينتفي التنافس ويسود الاحتكار، ويصير المدخل للاستثمار مصحوبا بالعمولات المؤداة للسلطة أو الإدارة، وينتهي ذلك مع الزمن إلى تراجع وضعية البلد لدى المؤسسات المالية والائتمانية، فتحصل هجرة الاستثمارات الأجنبية أولا، ثم تعم حالة من عدم الثقة في الاستثمار في البلد تجعل المستثمرين في الداخل يمتنعون عن الاستثمار، ويبدأ التفكير في تهريب الأموال للخارج للبحث عن بيئة آمنة للاستثمار أو على الأقل حفظ الأموال.
كانت هذه هي الحالة تقريبا قبل حكومة العدالة والتنمية، قبل أن تباشر الحكومة جملة إصلاحات مهمة في المجال المالي والاقتصادي وأيضا ما يخص إصلاح منظومة العدالة وإقرار قوانين واستراتيجيات لمحاربة الفساد والرشوة، نتج عنها استعادة ثقة المؤسسات المالية والاسئتمانية في وضعية الاستثمار في المغرب والرفع من رتب المغرب في التصنيفات الدولية ذات البعد المالي، بل نتج عنها أيضا استعادة لبعض البرامج الدولية التي تساهم بشكل كبير في الرفع من منسوب التنمية في البلد (برنامج الألفية).
الطبيعي بعد إغلاق القوس الديمقراطي، أن تراجع مختلف القوانين والإجراءات التي اندرجت ضمن خانة تبسيط المساطر وتنقية مناخ الأعمال وايضا القوانين التي نصت على العدالة الاقتصادية وإقرار مبدأ التنافس والتكافؤ في الولوج إلى الفرص الاقتصادية، وأن يتم التحايل على البرامج الدولية، واستغلال دعمها لغير ما تم التعاهد عليه (نموذج البرنامج الاستعجالي وبرنامج الألفية)، وأن تفقد الثقة في المحاور الحكومي، وتتراجع رتب المغرب لدى المؤسسات المالية والائتمانية، بما يهدد الوضعية المتميزة التي يتوفر عليها المغرب اليوم كبيئة جذابة للاستثمار.
3- الكلفة على مستوى القضية الوطنية العادلة والإشعاع الخارجي:
أصبح اليوم في حكم المسلم التلازم الجدلي بين كسب تقدم في القضية الوطنية وبين تعميق النموذج الديمقراطي والحقوقي في المغرب، فخصوم الوحدة الترابية، وأيضا جزء من المنتظم الدولي، يضعف الموقف المغربي ومباردته في الحكم الذاتي بسبب قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان.
لقد اثببت التجربة السابقة أن التردد في المسار الديمقراطي، وإغلاق قوسه، ينتج عنه تضييق مساحة التشاور حول القضية الوطنية وإضفاء قدر كبير من الحساسية على المبادرة اتجاهها، والاستعانة بغير الأكفاء في تدبير بعض محطاتها (أكرديم أزيك) والتي لا تزال الدولة إلى اليوم تعاني من مخلفاتها في التقارير الدولية، كما ينتج عنه إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة خصوم الوحدة الترابية، وتبلور القناعة بأن الملكية وحدها مسؤولة عن تدبير هذا الملف وإدارته دبوماسيا وسياسيا، وتشكل معارضات قوية على هامش أي تدبير سيء لمحطة من محطات الصراع مع خصوم الوحدة الترابية، وتقوية انفصاليي الداخل بسبب الارتهان إلى المقاربة الأمنية، وضعف الحافز لدى المحتجزرين في تندوف للعودة إلى بلادهم.
أما على مستوى وضع المغرب في عمقه العربي والإفريقي، فإن اقل كلفة لإغلاق قوس الديمقراطية هو ضعف أو غياب الأداة الاقتصادية القوية التي يستعين بها المغرب للامتداد في عمقه الإفريقي، فتراجع الثقة في صورة المغرب الديمقراطية، وفي بيئة الاستثمار الداخلية، سيدفع الاستثمارات المغربية إلى التراجع وعدم مسايرة الديبلوماسيا في مهمة الإشعاع المغربي في إفريقيا وبروز ما يسمى بالمقاولات الموالية المحمية ضد المقاولات المتوجسة والخائفة، إلى جانب بروز دول أخرى منافسة، هذا فضلا عن إمكانية تبلور مخاوف إفريقية من تزايد الدور المغربي بسبب تراجع صورته الديمقراطية.
4- كلفة على مستوى الحقوق والحريات:
ليس صعبا تصور الحالة التي ستكون عليها الحقوق والحريات لحظة الإقدام على خطوة إغلاق القوس الديمقراطي، فالتجربة السابقة تعطي صورة عن المآل على المستوى الإعلامي، إذ ستتجه القوى الداعمة للسلطوية إلى تأميم الإعلام والسيطرة على كثير من وسائله وتضييق مساحات الإعلام الحرخاصة في الفضاء الأزرق، وهجرة الصحفيين، وتحويلهم إلى معارضين جذريين للدولة والملكية في اللحظة التي عبروا فيها عن الرغبة في المشاركة في تقوية ودعم تجربة الانتقال الديمقراطي (تجربة لوجورنال).
أما على مستوى الحقوق، فإن أداة السلطوية لاستعادة المساحات التي دشنها المسار الديمقراطي هي استعمال القوة وممارسة الشطط في السلطة السلطة وتوظيف المحاكم، وهو ما سيشكل ضربة قوية لحقوق الإنسان، ويدفع المغرب تدريجيا نحو التراجع عن العديد من المكتسبات التي حققها، سواء على مستوى الممارسة الاتفاقية أو على مستوى الانتهاكات.
إغلاق القوس الديمقراطي خطر على الملكية:
بكلمة، إن الأطاريح اليوم التي تبرر العودة للسلطوية وإغلاق القوس الديمقراطي، تدفع من حيث لا تدري إلى وضع الملكية في منطقة الخطر، وإضعاف رصيد القوى السياسية المعتدلة، وتوسيع جبهة الرفض ضد الدولة ومؤسستها الملكية، وخذل الجهود الأمنية التي تبذل لمكافحة الإرهاب، إذ لا ينمو التطرف والإرهاب إلا في جوالانسداد السياسي وغياب الحريات.
تجربة مصر الماضي والحاضر، كما تجربة تونس الماضي، لا تزال تشكل درسا مهما لمخاطر إغلاق القوس الديمقراطي والاطمئنان إلى الأطاريح التي تمجد العودة للسلطوية باسم حماية وتوسيع مساحات الملكية.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

Back to top button

مانع الإعلانات

إذا تمت إعادة توجيهك إلى هذه الصفحة ، فمن المحتمل أنك تستخدم برنامج حظر الإعلانات.