الانتخابات المغربية: استقطاب حاد

تتجّه الأنظار إلى المغرب الذي يعيش ثاني محطّة انتخابية برلمانية في أعقاب التعديل الدستوري الذي طرأ سنة 2011 بعد حِراك شعبي واسع مثلّته حركة 20 شباط/ فبراير.
تتمّيز هذه المحطّة الانتخابية الهامّة على غير العادة بتقاطُب شديد كما اتّضح من خلال الحملة الانتخابية أو من خلال تتبّع مُجريات الصِراع السياسي في الأشهر التي سبقته، حيث يعتبر حزبا العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية و حزب الأصالة والمعاصرة المُقرّب من القصر والذي أسّسه أحد أبرز مُستشاري الملك المغربي حالياً أبرز مرشّحين للظفر بصدارة الانتخابات البرلمانية المغربية.
ويشبه الاستقطاب الحاد الذي يعيشه المغرب اليوم ما عاشته تونس قبل حوالى السنتين بين حزبي النهضة الإسلامي ونداء تونس العلماني، كما تدخل الانتخابات أيضاً قوى أخرى كحزب الاستقلال المُحافظ و أحزاب التجمّع الوطني للأحرار والحركة الشعبية الليبراليين المُقرّبين من الإدارة وأحزاب التقدّم والاشتراكية والاتّحاد الاشتراكي و تحالف فيدرالية اليسار الديمقراطي.
فإذا كان الإسلاميون الذين وصلوا إلى سُدّة التسيير الحكومي لأول مرّة في سنة 2011 يطمحون إلى ولاية ثانية، يظهر حزب الأصالة والمُعاصرة وهو حزب عصيّ على التصنيف الأيديولوجي (مكوّن من بقايا اليسار الجذري السابق- رجال الأعمال- الأعيان- وسياسيي الإدارة)  كمُنافس جدّي للحزب الإسلامي. وتبادل الحزبان على امتداد الأشهر القليلة الماضية سيلاً من الاتّهامات عبر وسائل الإعلام، فبينما يتّهم حزب العدالة والتنمية حزب الأصالة والمُعاصرة بأنه صنيعة الدولة وبأنه حزب من دون هويّة ويستفيد من قُرب مؤسّسيه وأعضائه من القصر ومن دعم الإدارة ومؤسّسات الدولة، وبأنه يسعى إلى الهيمنة على الحياة السياسية. بينما يتّهم حزب الأصالة والمُعاصرة الإسلاميين بأنهم ينفّذون مُخططاً خارجياً ويسعون إلى أخونَة الدولة تنفيذاً لاستراتيجية التنظيم العالمي للإخوان المسلمين.وأطلق زعيم حزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة المغربية خلال السنوات مُفردَة جديدة في الحقل السياسي المغربي وهي “التحكّم”، وحمّل بنكيران مسؤولية فشله في تنزيل الإصلاحات ومحاربة الفساد والاستبداد إلى تدخّل “قوى التحكّم” في إشارة إلى نفوذ الدولة العميقة و بُنى الحكم داخل النظام السياسي المغربي وتحديداً مستشاري الملك في محاولة منه لتجنّب الاصطدام المُباشر بالمؤسسة الملكية واعتبارها السبب المُباشر وراء عدم ممارسة الحكومة لصلاحياتها كاملة كما ينصّ عليها الدستور.ورأى كثير من المُراقبين أن القصر قد عاد ليمارس مُجدّداً دوره كفاعل سياسي بارز في الأشهر القليلة الأخيرة من خلال إرسال إشارات متوالية عن عدم رغبته في استمرار حزب العدالة والتنمية وزعيمه في رئاسة الحكومة مرّة أخرى، إذ صرّح مصدر مأذون في القصر المَلكي لمجلّة فرنسية بأن الملك مُنزعج من رئيس حكومته لأنه يتصرَّف كرئيس حكومة من الإثنين إلى الجمعة وكمُعارِض في نهاية الأسبوع، وجاء هذا الرّد الذي قالت مصادر عديدة إنه صادر عن أحد مُستشاري الملك في أعقاب تصريح أدلى به الزعيم الإسلامي يتحدّث فيه عن وجود دولتين في المغرب.ولم يسلم حزب التقدّم والاشتراكية اليساري حليف الإسلاميين في الحكومة التوافقية من إشارات القصر الغاضِبة، إذ أصدر الديوان المَلكي بلاغاً شديد اللهجة ضدّ زعيم الحزب اليساري نبيل بن عبد الله الوزير في نفس الحكومة بعد تصريحات الأخير التي لمّح فيها إلى أن الذي يُدير” قوى التحكّم” هو حزب الأصالة والمُعاصرة ومؤسّسوه، في إشارة واضحة إلى فؤاد علي الهمة الذراع اليمنى للملك محمّد السادس الذي كان قد أسّس حزب الأصالة والمُعاصرة سنة 2008 قبل أن يتركه بعد تعالي الدعوات الاحتجاجية ضدّ الحزب ومؤسّسه الذي رُفِعت صوره مطالبة برحيله في تظاهرات سنة 2011.ورغم الدعم الذي استفاد منه حزب الأصالة والمُعاصرة لقربه من مراكز القرار والضغوطات التي مورِست على حزب العدالة والتنمية ومُرشّحيه المُحتَملين قبيل وأثناء الحملة الانتخابية فإن الحزب الإسلامي لا يزال واثقاً من قدرته على تصدر نتائج الانتخابات التشريعية. ” سنفوز في السابع من تشرين/ أكتوبر، ما نراه كل يوم من حشود كبيرة تستقبلنا في تجمّعاتنا يؤكّد أننا نسير في الطريق الصحيح، لدينا ثقة في الشعب لأنه يعرفنا، وعلى عكس الآخرين نحن لسنا هنا لسرقة أو شراء أصواتكم، إن كان الشعب يريد ولاية ثانية فليصوّت علينا، الديمقراطية في هذا البلد باب صغير يُفتح كل خمس سنوات وعليكم أن تستغلّوه “، قال بنكيران في تجمّع جماهيري يوم الأربعاء في مدينة فاس حضره آلاف من أنصار الحزب والمُتعاطفين معه .ووسط هذه الثنائية، يبرز تحالف فيدرالية اليسار الديمقراطي كقوّة ناعمة صاعِدة في المشهد السياسي المغربي، إذ يطمح هذا التحالف المُكوّن من أحزاب : الاشتراكي المُوحَّد، المؤتمر الوطني الاتّحادي، الطليعة الاشتراكي الديمقراطي إلى الصعود إلى البرلمان، ” هذه الثنائية التي تبرز اليوم في المشهد السياسي المغربي هي ثنائية مُصطنَعة وغير موجودة، المغاربة يستحقون أكثر من الاختيار بين المِطرقة والسندان، بين حزب الدولة الذي يتدثّر بالحدَاثة وحزب يستغل الدين، لذلك جئنا لنقول للمغاربة إن الديمقراطية لا يمكن أن يبنيها طرفان لا يؤمنان بالديمقراطية”، أوضحت نبيلة منيب أبرز وجوه هذا التحالف اليساري الذي يطمح إلى أن يكون مُمثلاً في البرلمان بفريق نيابي.ويتكوّن مجلس النوّاب المغربي من 395 عضواً يجري اختيارهم كل خمس سنوات، ويُشارِك في اقتراع يوم غد 15 مليوناً و700 ألف و592 ناخباً، 45% منهم نساء مُسجّلات في اللوائح الانتخابية. 
أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تحقق أيضا
Close
Back to top button

مانع الإعلانات

إذا تمت إعادة توجيهك إلى هذه الصفحة ، فمن المحتمل أنك تستخدم برنامج حظر الإعلانات.