شكوك حول قدرة الجزائر على «تصحيح المسار» وسط تزايد الضغوط وتراجع النفط

نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا للكاتب الأمريكي روبرت لوني، يبحث فيه إمكانية تصحيح المسار في الجزائر، حيث بدأت أموال النفط تنفد، والضغوطات وتزيد، وتبدو خطة الحكومة للتطوير مشكوكا بها.

إن “الجزائر من كبرى الدول المصدرة للنفظ في شمال أفريقيا، ولكن سنواتها من الإنتاج الثابت لم تجلب لها الرفاهية ولا التطور، وبدلا من ذلك يواجه البلد مشكلات اقتصادية متزايدة، وضغوطا سياسية واجتماعية، ونوعية الخدمات العامة، خاصة المهمة منها في مجال التعليم، والصحة، والإسكان، في تراجع، وطبيعة عمل الحكومة في الجزائر العاصمة غير شفافة، وتعد من بين الدول العشر الأكثر فسادا في العالم، وتصل البطالة، خاصة بين الشباب الجزائريين، إلى أكثر من 20%، والكثير من الشباب المتعلمين في البلد يقولون إنهم يرغبون بمغادرتها إن استطاعوا”.

ويضيف لوني، أن “تحديات مشابهة في البلدان الأخرى في المنطقة أدت إلى سقوط نظام تلو الآخر خلال الربيع العربي عام 2011، والسبب الذي جعل الحكومة الجزائرية تنجو من مصير مشابه هو المخاوف الشائعة من أن أي ثورة اقتصادية أو سياسية كبيرة قد تؤدي إلى حرب أهلية، كالتي دمرت البلاد خلال (العقد الأسود) في تسعينيات القرن الماضي، واستطاعت الحكومة إرضاء الشعب الهائج بدعم المواد، والوظائف الحكومية، وزيادة في رواتب الوظائف العامة، وذلك كله بتمويل من النفط طبعا”.

ويتابع الكاتب قائلا إنه “بعد هبوظ أسعار النفط عام 2014- 2015، تغير كل شيء، ما أدى إلى تراجع عائدات النفط بأكثر من 50%، وارتفع العجز المالي والتجاري بشكل كبير، وتراجع الاحتياطي الدولي، وانخفضت قيمة العملة المحلية بنسبة 30%، وفي الوقت ذاته زادت ميزانية الدفاع أكثر من الضعف منذ 2004، حيث وصلت إلى أكثر من 10 مليارات دولار، وذلك لموازنة عدم الاستقرار في ليبيا شرقا، والهجمات الإرهابية من مالي في الجنوب، والأهم من هذا كله، أن 270 الف من أفضل السكان تأهيلا علميا هاجروا خلال تسعينيات القرن الماضي؛ بحثا عن رزقهم في الخارج”.

ويشير المقال إلى أن “الحكومة الديكتاتورية أعلنت عن استراتيجية تطوير جديدة، لتحل مكان الأنظمة التي تعتمد على النفط، في محاولة يائسة لإيجاد وظائف جديدة، والمحافظة على معدل نمو الناتج المحلي الإجتمالي، الذي يتوقع تراجعه من 3.7% عام 2015 إلى 1.9% هذا العام، وتم إطلاق الخطة التي تدعوها الحكومة نموذج النمو الاقتصادي الجديد في تموز/ يوليو، والهدف من الخطة هو تنويع الاقتصاد في البلد، وإبعاده عن الاعتماد الكامل على الهيدروكربونات، التي تشكل ثلث الناتج المحلي الإجمالي، وثلثي دخل الحكومة، وأكثر من 95% من الصادرات حتى العام الماضي. ولسوء الحظ، وبسبب الصراعات على السلطة في الدوائر المحيطة بالرئيس المسن عبد العزيز بوتفليقة، فإن تفاصيل الخطة لا تزال غير معروفة”

وتلفت المجلة إلى أن “من بين المكونات الرئيسة للاستراتيجية الجديدة قانون يهدف إلى تشجيع الاستثمار في القطاعات غير النفطية، عن طريق تخفيف القوانين، وتقديم الإعفاءات الضريبية لتلك القطاعات، وتأمل الحكومة أن تجتذب القطاعات ذات القيمة العالية، مثل الزراعة، والطاقة المتجددة، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، استثمارات مباشرة، كما تأمل الحكومة أن تولد تلك الاستثمارات ما يكفي من الضرائب؛ لتعويض الخسائر الناجمة عن انخفاض أسعار النفط. ولتخفيف مصدر آخر لاستنزاف الميزانية، فإن الحكومة قامت برفع أسعار الوقود والكهرباء، لأول مرة منذ أكثر من عقد من الزمان”.

ويتساءل لوني قائلا: “هل ستكون الاسترايتجية الجديد قوة الاستقرار التي تحتاجها الحكومة؟ وإن كان التاريخ الجزائري والتجربة الدولية يحتويان على دلالات، فإن الجواب هو لا”.

ويعتقد الكاتب أن “المشكلة الرئيسة هي أن الخطة الجديدة تتخذ نهجا بيروقراطيا مركزيا للتطوير الاقتصادي، وهو نهج لا يترك مجالا لمشاركة المواطنين في محاسبة الحكومة، وقد تم تطبيق خطط تطوير مشابهة في بلدان أخرى، مثل اليابان وكوريا، وفي أثيوبيا ورواندا أيضا، لكن تم وضع هذه الخطط من متخصصين ليست لديهم مصالح خفية في الاستثمارات المتصورة، إلا أن هذا الشرط لا يتوفر في الجزائر، حيث ليس من الواضح من هو المسؤول عن هذه الخطط، بل من هو المسؤول عن الدولة، فمع أن بوتفليقة هو الرئيس رسميا، إلا أن السلطة في يد ما يسمونه الجزائريون دائرة المقربين، والمكونة من الجيش والأمن، ويدعمهم تجار الدائرة المقربة، الذين يتوقع أن يحققوا أرباحا كبيرة من الاستثمارات”.

ويلفت المقال إلى أن “الجزائر وصلت إلى مرحلة تؤدي فيها نوعية الحكم دورا كبيرا في تحديد النجاح الاقتصادي، وبحسب هذا المقياس، فإنه لا يزال هناك مشوار طويل أمام الجزائر لتصل إلى تلك المرحلة، وتتخلف في هذا المجال عن دول من شمال أفريقيا، مثل مصر، والمغرب، وتونس، بحسب مؤشرات الحكم الصادرة عن البنك الدولي، وهي تقع في الربع الأخير من الدول على مستوى العالم، فيما يتعلق بالحكم بشكل عام”.

وتنوه المجلة إلى أن “هناك ضعفا في تطبيق القانون، والسيطرة على الفساد، وتأثير الحكومة، وجودة التنظيم، وكلها مساحات ضرورية لتحقيق تطور اقتصادي ناجح، وتحسنت هذه الجوانب، من أواخر تسعينيات القرن الماضي حتى عام 2004، ثم توقفت أو تراجعت، فمثلا تراجعت جودة التنظيم، التي تتضمن إجراءات، مثل ممارسات المنافسة غير العادلة منذ عام 2004، حتى أصبحت الجزائر تأتي بعد هايتي، وليست هناك أي علامات تشير إلى أن الحكومة تحاول معالجة هذا القصور”.

ويبين لوني أن “خطة التطوير الاقتصادي الجديدة تفترض أنها ستجذب ما يكفي من الاستثمارات الخارجية، لكن الجزائر لا يزال متخلفا عن جيرانه، مثل المغرب وتونس، في سهولة الأعمال التجارية، ويرى المستثمرون الأجانب المناح التجاري في الجزائر غير مشجع، وهذا يتضمن القوانين التي تصر على منع سيطرة الشركات الأجنبية على أي شركة، بل يجب أن تكون معظم الأسهم داخلية، بالإضافة إلى أن الضعف الأمني لا يشجع على الاستثمار، فمثلا كانت هناك هجمات إرهابية على قطاع النفط، ما اضطر شركات أجنبية لإخلاء موظفيها”.

وبحسب المقال، فإن “الحكومة الجزائرية تقوم بمغامرة كبرى بمحاولة تشجيع نمو الاقتصاد، في الوقت الذي تتجنب فيه الإصلاحات التي تسير بالبلاد نحو الديمقراطية، فدون الإصلاحات التي يمكن تؤدي إلى تعزيز الاستثمارات الأجنبية، فإن نجاح الخطة الحالية يعتمد على النفط، وهو الاعتماد الذي حاولت الخطة تجاوزه”.

وتفيد المجلة بأنه “كما هو الحال في الكثير من البلدان النفطية، فإن النفط شجع على وجود نظام استبدادي يقوم على المحسوبية وإبقائه، وعندما تصير البلاد النفطية، مثل الجزائر، إلى هذا الحال، فإنه من الصعب جدا تحويل مسارها نحو الديمقراطية؛ بسبب وجود مصالح كثيرة يهمها منع حصول إصلاحات اقتصادية، أو اجتماعية، أو سياسية”.

وتخلص “فورين بوليسي” إلى القول إنه “إذا بقيت أسعار النفط متدنية، فإن الحكومة الجزائرية لن تتمكن من دعم نظام المحسوبية، ما سيؤدي إلى المزيد من عدم الاستقرار، وقد ينتهي الأمر بثورة شبيهة بثورات الربيع العربي”.

مقالات ذات صلة

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك