عائلات ضد الارهاب..من المغرب ل”داعش” تذكرة ذهاب وعودة

تونس –
طارق القيزاني

– يقف الأستاذ مصطفى العمراني بجانب عائلات صنع الإرهاب من أبنائهم وقودا للتطرف ليعلن تعاطفه معهم وليكفر عن ذنب اقترفه.

ومن المغرب نحو تونس قدم مصطفى ليقف جنبا إلى جنب مع عائلات جاءوا من أوروبا وآسيا ودول عربية لإعلان مناهضتهم للتطرف في مؤتمر نظمته منظمة “عائلات ضد الارهاب” (فات) الأوروبية.

ومن أحداث باتاكلان ونيس الارهابية في فرنسا الى تفجيرات تونس والدار البيضاء واسطنبول وبيروت وغيرها، تعتقد “فات” أن عائلات المجندين الذين شاركوا في جبهات الارهاب يمكن أن تشكل خط النضال الأول لمكافحة التطرف باعتبارهم اولى ضحايا الإرهاب الذي خطف أبنائهم.

يروي مصطفى العمراني الأستاذ في المعهد التقني الفلاحي بمدينة العريش المغربية شمال المغرب وناشط في جمعية “مدينتي”، لوكالة الأنباء الألمانية (د .ب. أ) “أنا هنا لأكفر عن ذنب ربما اقترفته عن غير قصد”.

ويعتقد العمراني أنه ربما يتحمل جزءا من المسؤولية بعد التحاق أحد تلامذته ويدعى ياسين بتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في سورية. إذ يراود العمراني شعور بأنه لم يذهب إلى الجهة الأنسب لمنع ياسين من القاء نفسه في محرقة الارهاب.

ويوضح العمراني قائلا “التحق ياسين بالمعهد لتلقي تدريب بعد تعثر دراسته في التعليم العالي. كنت أنا من شجعته للالتحاق بالمعهد حتى يكون تحت انظاري لأني على معرفة بعائلته”.

وتابع الأستاذ في روايته لـ(د. ب. أ) “بدأ سلوكه يتغير من خلال شبكة علاقاته الجديدة ولباسه الأفغاني الغريب عن المجتمع المغربي. لا يعني ذلك انه تحول بشكل جذري إلى الاسلام الراديكالي لكن بدا الأمر أنه مغرر به”.

وحتى وقت قريب قبل اندلاع ثورات الربيع العربي في 2011 كان تنظيم القاعدة في المغرب الاسلامي يملك اليد الطولي في استقطاب مقاتلين في دول شمال افريقيا.

لكن مع انشقاق المتشدد أبو بكر البغدادي واستحواذه على أراضي شاسعة في سورية والعراق وإعلانه دولة الخلافة، تحولت دفة الاستقطاب أكثر فأكثر إلى تنظيم الدولة الاسلامية “داعش” عبر شبكات تجنيد عابرة للحدود وتمويلات ضخمة.

ولم يكن ياسين وغيره من آلاف المجندين في دول المغرب العربي بمنأى عن عمليات الاستقطاب. ويضيف مصطفى العمراني “كانت هناك دلائل واضحة على أن ياسين سيغادر إلى سورية أو العراق. لم يعلمني أحد لكن راودني احساس قوي ومنطقي”.

وينحدر ياسين من عائلة فقيرة في مدينة العريش وبحسب الباحث فإن انسياقه وراء إغراءات شبكات التجنيد كان ينطوي على رغبته في تحسين أوضاعه المالية والاقتصادية وليس عن قناعة عقائدية.

وتابع “اتصلت بأفراد عائلته لكنهم لم يعيروا للموضوع أهمية واستبعدوا أن يرحل ابنهم إلى “داعش” بلغت السلطات المحلية لكن نظريا لا يمكنها منع شخص يريد السفر. في الأخير حصل المحظور”. وشق ياسين طريقه الى تركيا بمساعدة شبكات التجنيد ومن هناك عبر الحدود بسهولة إلى سورية لينضم إلى صفوف تنظيم الدولة الإسلامية. وشكل هذا صدمة لعائلته. وقال العمراني “أشعر بالذنب كوني لم أحذر أم ياسين. أظن أن الأم هي الوحيدة التي كان يمكنها ترويض ابنها وإثنائه عما يجول بذهنه”.

وتتحدث منظمة “فات” نيابة عن عائلات المجندين “نحن من يشعر بألم الضربة الأولى. العار والذنب أن ينضم أحباؤنا إلى المنظمات المتطرفة. حان الوقت للرد بطريقة مرنة. يمكن أن نحدث فرقا حقيقيا لمنع هذه المآسي”.

وليست هناك أرقام دقيقة عن أعداد المجندين من شمال افريقيا في صفوف “داعش”. ولكن تقارير مستقلة في المغرب تشير إلى أعداد تقارب الألفين، مقابل ثلاثة آلاف في تونس بحسب السلطات الرسمية. وأعداد أقل من الجزائر.

وتعمل المنظمة اليوم بمعية الأسر التي فقدت ابنائها في جبهات الارهاب على الحد من عمليات الاستقطاب والتجنيد عبر رفع مستوى الوعي لدى الشباب والجمهور بشكل عام والقيام بحملات تثقيف مضادة للتطرف العنيف. ويوضح الأستاذ المغربي “داعش يعتمد سياسات دعائية واتصالية ذكية. بمجرد وصول ياسين ظهرت لاحقا صوره على صفحات شبكات التواصل الاجتماعي بزيه القتالي وسلاحه الرشاش وفي منصبه الجديد”.

ويضيف الباحث “يتعمد التنظيم نشر الصور بتلك الكيفية لأن ذلك سيمنح سهولة أكبر لشبكات التجنيد في عملية الاستقطاب”.

وفي تونس يحاول خبراء في مراكز دراسات أمنية متعددة فهم توسع عمليات التجنيد لتشمل الطلبة والفتيات وفناني الراب وحتى داخل عائلات كان يصعب حتى وقت قريب اختراقها من العامة.

وتبرز قصة نجل ضابط عسكري رفيع في الجيش التحق بتنظيم الدولة الإسلامية في سورية، كأحد أكثر الأمثلة تعبيرا عن تمدد خطر ايديولوجيا تنظيم “داعش” في صفوف الشباب بتونس بغض النظر عن انتمائه العلمي أو الاجتماعي.

ومع أن الضابط وهو طبيب عسكري، نجح في استعادة ابنه الطالب بعد أشهر من البحث والتعقب انطلاقا من تركيا حيث وضع قيد الاعتقال قبل ترحيله الى تونس، إلا أن الحظ العاثر لم يمهل الأب لحظة عناق ابنه لأنه فقد حياته في التفجير الارهابي الذي استهدف مطار اتاتورك في اسطنبول حينما كان ينتظر قدوم زوجته من تونس.

ويعد نجل الضابط محظوظا بعودته الى تونس مع أنه دفع كلفة ذلك باهظا لفقدانه والده ودخوله السجن. لكن يعكس ذلك في نهاية المطاف مدى صعوبة سلوك طريق العودة من جحيم “داعش”.

وتقول رئيسة جمعية البحث عن المفقودين والإحاطة بالمعتقلين التونسيين بالخارج حليمة عيسى لـ(د. ب .أ) “أنا موجودة في قلب هذا الملف ولنا فيه جرح كبير. لدينا ما يقارب 300 ملف مفقود في العراق من بينهم سجناء وملفات عن الهجرة الى سورية”.

وتقول عيسى وهي من بين الأمهات التي تتطلع لاستعادة ابنها السجين في العراق “من 2011 عاد الى تونس 6 من العراق وهم يزاولون حياتهم بشكل طبيعي. لكن عمليات الترحيل عبر شبكات التجنيد هي التي تعقد الأمور اليوم”.

وبحسب أرقام كشفت عنها وزارة الداخلية التونسية في 2015 عاد إلى تونس أكثر من 500 عنصر من بؤر التوتر تم اخضاع اكثر من 100 قيد الإقامة الجبرية فيما وضع آخرون تحت المراقبة وتمت احالة عدد منهم على القضاء.

ويقول مصطفى العمراني “من المؤسف أن يتفطن الشباب ومنهم ياسين أن ما يجيدونه ليس بالأمر الذي كانوا يبحثون عنه. لهذا بدأ ياسين يبحث عن أي طريقة للفرار من “داعش”.

بعد جهود مضنية ومعقدة قام بها العمراني ووالدة ياسين أمكن لهما استعادة الشاب من الجحيم عبر وسطاء من تركيا وبمجرد وصوله الى المغرب اعتقلته السلطات الأمنية وأودع السجن تنفيذا لحكم قضائي بحقه.

قضى ياسين خمس سنوات في السجن وأفرج عنه قبل انتهاء عقوبته الأصلية لتعاونه مع السلطات. لكن تعتقد عائلته أن المعركة الأكثر صعوبة قد بدأت للتو من أجل إعادة إدماجه حتى يبدأ حياته من جديد.

عاد ياسين إلى المغرب لكن مدينة العريش لا تزال تخسر المزيد من أبنائها إذ تتحدث تقارير عن منظمات من المجتمع المدني عما يناهز مئة شاب التحقوا بداعش ما يجعل المدينة في المركز الثاني بين المدن المغربية بعد مدينة تطوان رغم نسبة السكان المنخفضة بها (120 ألف نسمة).

وبعد قصة ياسين يتداول أهل المدينة اليوم قصة سفر أحد أبناء أبرز وجهاء الجهة وأعيانها إلى سورية رغم وضعه المادي الجيد.

ويقول العمراني “ما زال المجندون يملكون مهارات واسعة في عملية الاستقطاب وينجحون في توظيف نقاط ضعف الشباب المتعطش إلى المال وإلى القيادة والسلطة”.

مقالات ذات صلة

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك