سعد الدين العثمانى السياسة والفكر والدولة

لم أهتم كثيرا بقصة البلوكاج (الانسداد بالفرنسية) التى عانى منها رئيس الوزراء المغربى السابق عبد الإله بن كيران والتى أسفرت عن تكليف الملك للدكتور سعد الدين العثمانى بتشكيل الوزارة. فتشكيل الوزارات وحلها غالبا ما يرجع الى المكايدات.لكن اهتمامى حقيقة هو بالدكتور سعد الدين كحالة وليس كشخص وهو كشخص فى محل القلب والعقل سكناه كما يقولون غير ان الشخص والفكرة فى أحيان كثيرة ما يشيراحدهما على الأخر.. الشيخ راشد فى تونس والدكتور سعد فى المغرب من أكثر نماذج الشخص والفكرة ذلك أنهم وضعوا الفكر قبل الفعل وأسسوا لهذا الفكر عميقا . وأخذهم الفكر فى رحابه المديدة فارتقت نفوسهم وسمت بعيدا عن إغراءات وغوايات العمل العام .
إذ لا شىء موجود أصلا إلا إذا أوجده الفكر ..وصدق من قال (الفكر هو ما يجعل الشىء حسنا آو سيئا حيث اللامكان هو المكان واللاوعى هو الوعى والزمن هو الزمن ) وهو ما حدث عكسه فى الحالة الإسلامية فى مصر والجزائر مثلا فليس هناك نموذج الشخص/الفكرة .دائما ما كان الشخص حاضرا بقوة وطغيان مستخدما أدوات الدنيا العادية فى مساراته وكان الفكر حاضرا فقط لبروَزة الحالة وإلباسها ثوبا مزخرفا . وهو ما جعل صراعات الإسلاميين فى الجزائر ومصر بارزة وواضحة ..دفع الوطن والشعب والفكرة التى اختطفوها ثمنا باهظا وفى كل الأحوال مجتمعات البشر هى هى مجتمعات البشر ولكن فارق كبير.سنفهم حين يحين الحين ان قصة التيار السياسى الاسلامى فى بلد كمصر ماكانت إلا قصة صراعات حول النفوذ والقوة والسيطرة والجاه ..لا علاقة للفكر فى هذه الصراعات بأى وجه من الوجوه وان حاولوا تصدير الفكر فى الواجهة الأمر الذى يتأكد كل يوم بأنه لم يكن صحيحا لسبب بسيط خالص وهو انه لم يكن لديهم فكر من اى نوع فقط مقولات متناثرة مبعثرة لا أكثر ولا أقل .
كتبت كثيرا من قبل عن تجربة الإسلاميين فى المغرب ولازالت الحالةالاسلامية فى المغرب قادرة كل يوم على أن تملأ لنا وعاء التجربة بعطاءاتها الخصبة وفيضها الوفير. ولدينا الدكتور سعد الدين العثمانى نموذجها الأوضح والأكثر توصيفا..ليس لكاريزما إعلامية ولا تربيطات تنظيمية ولاسيطرة مالية ولا كل هذه الأهاجيص السفيهة التى عاش عليها غيرهم ردحا من الزمان .
في السبعينيات عرف طريقه وكانت للدراسة في كلية الطب في الدار البيضاء( تخرج1986 )أهمية كبيرة فى فتح أبواب العمل الإسلامي أمامه فبدأ في جماعة التبليغ ثم انتقل إلى جمعية الشبيبة الإسلامية التي كان يتزعمها الاستاذعبد الكريم مطيع الحمداوى..أحد أهم الشخصيات التاريخية المغربية قبل وبعد الاستقلال .
ليس هذا هاما بالدرجة لكن الاهم هو ما سيحدث بعدها إذ سيكون علينا ان نقف كثيرا عند منعطف تاريخي يتعلق بالموقف من العنف قضية القضايا فى تاريخ الحركات الاسلامية بعدما نسب إلى جمعية الشبيبة مسئولية قتل القيادي الاشتراكي عمر بن جلون فى ديسمبر 1975م وقتها شعر العثماني وآخرون معه بتشوش رؤية الأستاذ مطيع ومنهجه فتبرءوا علانية من حركه الشبيبة الإسلامية وأعلنوا تأسيس الجماعة الإسلامية سنة 1981 وأعلنوا ايضا انفصالهم التام عن تجربة الشبيبة ولم يقع العثماني ورفاقه كما وقع نظراؤهم في بلاد أخرى في خطأ المراوغة وعدم الوضوح والحسم في إدانة العنف..
بعد خروجهم من السجن عكفوا جميعا على إعداد ميثاق الجماعة وكرسوا جهدهم لتأصيل التوجه الجديد الرافض للعنف والقطيعة مع المجتمع(المفاصلة الشعورية!!؟؟)ولم يجدوا حرجا من تغيير اسم الجماعة الإسلامية بعد ما لحق به من تهم فى الإقليم كله لتصبح حركة الإصلاح والتجديد ثم حركة التوحيد والإصلاح بعدما توحدت مع رابطة المستقبل الإسلامي سنة 1996 وهي الوحدة التي كان هو شخصيا احد أبرزمهندسيها..ثم كان الانتقال الآمن بالحركة الإسلامية من العمل الدعوي الفكري إلى العمل السياسي المباشرمع التمييز والفصل بينهما فقد كان هو ايضا ممن قادوا الاتفاق مع الدكتورعبد الكريم الخطيب لاحتضان حزبه(الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية/ العدالة والتنمية فيما بعد)لأبناء الحركة الإسلامية وكان للمرحوم صالح ابو رقيق احد المؤسسين الاوائل الكبار لجماعة الإخوان فى مصر كان له دور كبير فى فتح هذا الباب لصداقته العميقة بعبد الكريم الخطيب وقت أن كان مسؤولا عن حركات التحرر فى شمال افريقيا بالجامعة العربية..ويعقد الحزب مؤتمرا استثنائيا سنة 1996 وينتخب العثماني عضوا بالأمانة العامة وفى في المؤتمر الرابع سنة 1999 نائبا للأمين العام ثم أمينا عاما للحزب بأغلبية مطلقة فى مؤتمر الحزب سنة 2004. حيث حاز على 1268 صوتا من أصل 1595 وحصل رفيقه عبد الإله بن كيران على 255 صوتا.. وكانت تلك النتيجة تعبر عن واقع حقيقى على الأرض لازال قائما
كان الانحياز فى فكر العدالة والتنمية لخيار دعم الدولة والدستور والحفاظ على أركانها الراسخة وفي مقدمتها الملكية المؤسسة علي شرعية دينية باعتبارها تضمن وحدة التراب المغربي وتضمن الثبات على هويته وقيمه الدينية كان هذا الانحياز إدراكا مبكرا لأحد علل الحركات الاسلامية ونظُر له سعد الدين كثيرا فى كتاباته تأسيسا وتأصيلا لا تبريرا وتعليلا ..وتنبه سعد الدين مبكرا لخطورة الدخول مع النظام في صراع على المرجعية الدينية أومحاولة سحبها منه لدى الشارع اذ سيكون المستفيد منها هو تيار التغريب والعلمنة واستطاع الرجل ان يميز بوضوح بين الخلاف مع شخصيات وتيارات متنفذة وفاسدة في النظام والدخول في صراع مع ثوابت الدولة المغربية ذاتها فتجاوز حالة الصدام التي غلبت على سلوك بعض الإسلاميين السياسى فى بعض البلدان نتيجة لجهلهم المعرفى وعللهم النفسية سنرى تفاهما مفيدا مع المؤسسة الدينية الرسمية والتأكيد على التوافق معها في الأسس الثلاثة المستقرة : المالكية والأشعرية والتصوف السني على طريقة الجنيد البغدادى رحمه الله وهو ما حال دون الصدام مع المزاج الديني العام لدى المغاربة
سيقول لنا د/ سعدالدين فى مؤلفاته أن بعض المشتغلين بالعمل الإسلامي لا يزالون يعانون في فهمهم للدين من الغلو في التشبث بالأشكال على حساب المقاصد ومن الوقوف عند الظواهر والألفاظ على حساب المعاني والحكم ويرى ذلك جمودا ينطوي على ظلم كبير للشرع وللعمل الإسلامي ذاته.. كما يفوت مصالح ضخمة للدعوة والأمة لهذا فيجب على العاملين فى الحركة الاسلامية التزود أكثر بالعلم بأصول الشرع وكلياته العامة وقواعده التشريعية ليس فقط للعمل في إطار الضوابط الشرعية وعدم الانفراط بعيدا عنها ولكن أيضا حتى لا نقع في الجمود على حساب مقاصد الإسلام وروح مبادئه..
تمنياتنا للدكتور سعد الدين بالتوفيق فى تشكيل الحكومة التى تجاوز الاهتمام بها الشأن الداخلى مغاربيا فالكل حقيقة يتطلع اليها ليس فقط كونها وزارة تتشكل..فليست الأولى ولن تكون بالتأكيد الأخيرة ولكن لمغزاها السياسى العميق وحمولتها الكبيرة فى المعنى والدلالة.. أنت أمام واقع سياسى يشكل التيار السياسى الاسلامى احد أهم مكوناته بل وتوازناته.. أنت أمام دولة عميقة مفتاح مخزنها عند الملك الذى اتاح لهذا التيار فرصة المخالطة الايجابية كما يقول د/سعدالدين.. انت امام تلاميذ اوروبا او فرنسا تحديدا المعبأين حتى الامتلاء كراهية لذاتهم وتاريخهم وحضارتهم وأخيرا أنت أمام حالة إدارة خلاف بالغة الرقى والروعة داخل الحالة الإسلامية ذاتها .. ولو كان حدث مثلها فى احد البلدان لكان هذا الخلاف تحول الى مستنقع قاذورات للخيابات والشهوات والسفالات .

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

Back to top button

مانع الإعلانات

إذا تمت إعادة توجيهك إلى هذه الصفحة ، فمن المحتمل أنك تستخدم برنامج حظر الإعلانات.