الأناشيد الوطنية بإفريقيا: حناجر سوداء، وألحان بيضاء

الأناشيد الوطنية بإفريقيا: حناجر سوداء، وألحان بيضاء
د. آدم بمبا
أكاديمي وباحث من ساحل العاج
من تعريفات النَّشيد الوطنيِّ أنَّه مقطوعة موسيقيَّة في حبِّ الوطن وتمجيد تاريخه، ورسم تطلُّعاته في المستقبل، معترف بها من قبل الحكومة أو بين أفراد المجتمع كنشيد وطنيٍّ يُغنَّى في المواقف الرَّسميَّة، وهي من رموز الوطن الأساسيَّة في المحافل الدُّوليَّة.
لعلَّنا نفهم من هذا التَّعريف أنَّ النَّشيد الوطنيَّ بمثابة “مانيفسْتو” مضغوط، يلخِّص باختصارٍ شديد ماضي الوطن، وحاضره، ومستقبله..
في هذا الإطار، نريد أن ننظر في الأناشيد الوطنيَّة بإفريقيا، ونسأل: إلى أيِّ مدًى يتحقَّق هذا التَّعريف في النَّشيد الوطنيِّ بإفريقيا؟ هل هو حقًّا “رمز” للدَّولة يعبِّر بصدقٍ عن رؤية الوطن، ورسالته، ومهامه؟ وإذا کان تأليف النَّشيد الوطني بإفريقيا ملازمًا للاستقلال، فما مدى تعبيره عن استقلاليَّة الدَّولة الإفريقيَّة؟
هنا، لا ندَّعي الإجابة الشَّافية عن الأسئلة المطروحة، وإنَّما يکفينا استعراضٌ سريع لبعض ملامح تلک الأناشيد.
أوَّلا: كتابة النُّصوص وتأليف الموسيقى
١- کتابة النصوص
لا تختلف ظروف تأليف الأناشيد الوطنية بإفريقيا وإجراءات اختيار نصوصها عنها في سائر دُوَل العالَم “الثَّالث”؛ حيث يتمُّ ذلک عادة بعد استقلال الدَّولة، ويقوم بوضعها وتأليفها زعماء سياسيُّون، أو شعراء، أو تکلَّف لجنة بتأليفها، أو تجرى مسابقة عامَّة، أو تختار أغنية شعبيَّة ويُعدَّل فيها قليلا. کما الحال في النَّشيد الوطني لجمهوريَّة جنوب إفريقيا، وکاميرون.
على سبيل المثال:
النَّشيد السنغالي من تأليف الرَّئيس الشاعر “سنغور”، ونشيد جمهوريَّة مالي من تأليف الأديب سعيدو باديانْ رجع فيه إلى الشَّاعر الشَّعبي بازومانا سيسوکو، والنِّشيد الغابوني من تأليف Aleka Damas رئيس المجلس الوطني.. وغير ذلک.
من الظَّواهر العامَّة في السِّياق الإفريقيِّ في تأليف الأناشيد الوطنيَّة أن الکثير منها من تأليف المستعمر، أو من لهم علاقةٌ مباشرة بالمستعمر من القساوسة رجال الکنيسة. مثلا:
– النَّشيد التشادي وضعه طلبة المدرسة اليسوعيَّة، وراجعه الأب Louis Gidrol، وقام بتلحينه الموسيقار الکندي Paul Villard. وفي مدغشقر کان تأليف النَّشيد على يد الأب المبشِّر Rahajason، ونشيد کونغو “Debout Congolais!, 1960” (انهض يا کونغولي) قيل وضعه الأب المبشر Simon-Pierre Boka، ونشيد کوت ديفوار من تلحين المبشِّرَين Pierre Mary Coty et Michel Pango.
2- الموسيقى
يجمع الباحثون بأنَّ إفريقيا تحوي ثقافة موسيقيَّة تجعلها في طليعة شعوب العالم في هذا المجال. وهناك الكثير من الأنواع الموسيقيَّة وآلات الطَّرب أصولها إفريقيَّة، مثل موسيقى الجاز، وبلوزْ، وطبلة جيمْبي…
طبقًا لهذا الواقع، فمن المأمول أن تكون الأناشيد الوطنيَّة الإفريقيَّة من أروَع السِّيمفونيَّات في العالم.. فهل هي كذلك؟ وهنا بعض الملحوظات:
– الأناشيد الوطنيَّة الإفريقيَّة –بلا استثناء- تتبنَّى الأنغام الموسيقيَّة الغربيَّة في العزف، ولا تكاد تلحظ طابعًا محليًّا فيها، إلاَّ في القليل النَّادر.
– بعض الأناشيد الوطنيَّة من تلحين الموسيقيِّين الأوربيِّين، مثل: نشيد النيجر، وضع كلماته Maurice Albert Thiriet, وألحانه: Robert Jacquet & Nicolas Frionnet، ومنها: نشيد ليسوتو، وهو من تأليف وتلحين Francois Coillard, 1966، وهو فرنسي من القساوسة المبشرين ت1904.
– ممَّا يُذكر من أمثلة المفارقة هنا، النَّشيد السنغالي الرَّائع الذي ألَّفه الأديب الشَّاعر الرئيس سنغور، فهو يبدأ بقوله:
“Pincez tous vos coras, frappez vos balafons. Le lion rouge a rugi”
انقروا جميعًا على (ما بأيديكم من) الكورا
دقُّوا على البلافونْ
فقد زأر الأسد الأحمر!
فهذا استهلالٌ قويٌّ رائع، ولكن لا وجود في الموسيقى لأنغام آلة الكورا أو البلافون.
ومثل ذلك خاتمة نشيد جمهوريَّة النيجر:
Au son des tam-tams
Dans leur rythme grandissant,
Restons unis toujours
على أنغام طبول تامْ تامْ
بوقعها المتنامي
لنَبْق (يا أبناء الوطن) متَّحدين للأبد
هذا، ولا خلاف أنَّ بعض الأناشيد الوطنيَّة بإفريقيا من أفضل النَّماذج الموسيقيَّة في العالَم، ولكنَّها لا تمثِّل الموسيقى الإفريقيَّة الأصيلة.
والمعروف أنَّ المستعمر الإمبريالي الفرنسي خاصَّة، رکَّز في سياسته التَّعليميَّة على الجوانب الأدبيَّة والفنيَّة والفلسفيَّة فحسب.. والسُّؤال: کيف عجز الأفارقة عن تأليف أناشيدهم الوطنيَّة وتلحينها بعد قرنٍ من التَّعليم الأدبيِّ؟
ثانيًا: التَّسمية والعنوان واللغة
يمكن تصنيف الأناشيد الوطنية بإفريقيا من حيث لغتها في فئتَين اثنتَين:
أ_الأناشيد التي تحمل عنوانا محليًّا بلغة من لغات الدَّولة.
ب_ الأناشيد التي تحمل عنوانًا أجنبيًّا، أي لغة القوة الإمبرياليَّة التي استَوْلَت على الدَّولة.
من نماذج الصِّنف الأول:
• تنزانيا: ونشيدها الوطني “mungu ibariki Afrika, 1961″، (يا إله باركْ في إفريقيا). وهذا العنوان –في رأينا- أروع عنوانٍ بإفريقيا. ومثله عنوان النَّشيد الوطني لجمهوريَّة جنوب إفريقيا ‘Nkosi Sikelel’ iAfrika, 1994′ (باركْ يا إله في إفريقيا).
• رواندا: “Rwanda Nziza, 2002″، أي: رواندا الجميلة.
• سوازيلاند: “Nkulunkulu Mnikati Wetibusiso temaSwazi, 1968” (يا إلهنا، يا ربَّ شعب سوازي)
• زيمبابوي: “simudzai mureza weZimbabwe, 1994” أي: ارفع عَلَم زيمبابوي عاليًا.
• ملاوي: “mulungu dalista Malawi, 1964” (ليُبارك الإله في ملاوي).
وهذا الصِّنف من العناوين يوجد – بطبيعة الحال- في الدَّولة التي تبنَّت لغةً محليَّة بوصفها لغةً رسميَّة إلى جانب اللُّغة الإمبرياليَّة، أو الدُّول ذات الصِّبغة الثَّوريَّة كفولتا العليا التي قام فيها الثَّائر توماسْ سانكارا بتغيير اسم الدَّولة إلى بوركينا فاسو، وبتأليف نشيد وطنيٍّ جديد هو “Ditanye/Dytanié, 1984” (نشيد النصر).
ومن نماذج الصِّنف الآخر، أي الدُّول التي تتبنَّى لغة المستعمر في عناوين أناشيدها، معظم الدُّول الإفريقيَّة، وهنا يمكن تصنيف هذه الفئة أيضًا إلى فئتَين:
أ- عناوين مختارة من الفقرة الأولى من نصِّ الأنشودة.
ب – عناوين موضوعةٌ وضعًا.
من نماذج الفئة الأولى: جمهوريَّة مالي “Pour L’Afrique et pour toi, Mali, 1962” (لك يا إفريقيا، ولك يا مالي!)، وهذا أيضًا مثل النَّشيد التّنزاني، من أفضل العناوين من حيث المعنى والدِّلالة، وليس من حيث اللُّغة. منها: السنغال، “Pincez Tous vos Koras, Frappez les Balafons, 1960” (انقروا على الكورا، دقُّوا على البَلافون). ومنها: نشيد نيجيريا “Arise Oh Compatriots, Nigeria’s Call Obey, 1978” (انهضوا أيها المواطنون، نيجيريا تدعوكم). ونشيد الغابون “La Concorde, 1960” (التَّوافق)، وهذه الكلمة فيها رائحة فرنسيَّة قويَّة، بوصف “الكونكورد” رمزًا فرنسيًّا محجوزًا.
ومن نماذج الفئة الأخرى، أي العناوين الموضوعة وضعا:
-نشيد بنين “L’aube nouvelle, 1960” (الصَّباح الجديد)، ونشيد غامبيا: “For The Gambia, Our Homeland, 1965” (من أجل غامبيا، أرضنا)، وتوغو “Terre de nos aïeux.” (أرض أجدادنا).
بالتَّأمُّل في هذا الصِّنف من العناوين، فإنَّنا نجد عادةً شبهًا معنويًّا بين تلك الأسماء وبين النَّشيد الوطني للمستعمر الأوربيِّ، فالدُّول الإنجليزيَّة مثلاً، تشير عناوينها إلى النَّشيد الملكيِّ البريطاني “God Save the Queen, 1748” (يا ربِّ احفظ الملكة). غير أنَّ “الملكة” تُستَبدَل بالدُّعاء للوطن أو غير ذلك.
والمفارقة عميقة في حال الدُّول الفرنكوفونيَّة بإفريقيا؛ إذْ إنَّ بها مجموعةً من الدُّول التي تبنَّت عنوان النَّشيد الفرنسي “La Marseillaise, 1879” من حيث الصِّيغة. منها: L’Abidjanaise, la Tchadienne, La nigerienne, La Congolaise, La Zairoise.
والسُّؤال هنا: هل الظَّرف الذي تمَّ فيه إطلاق اسم النَّشيد الفرنسيِّ مماثلٌ للظُّروف التي تمَّ إطلاق الأسماء السَّابقة بإفريقيا؟ بمعنى: ما علاقة مدينة أبيدجان في ساحل العاج مثلاً بظرف الاستقلال وبتأليف النَّشيد الوطني؟
وهذه المفارقة موجودة حتى في مستعمرات فرنسا البعيدة مثل هايتي، ونشيدها “La Dessalinienne” نسبة إلى قائد الثَّورة الهايتيَّة. بل إنَّ النَّشيد الرَّسميَّ للقارَّة الذي اعتمد بعد حوالي نصف قرن من استقلال معظم الدُّول الإفريقيَّة يُطلق عليه في الدُّول الفرنكوفونيَّة “L’Africaine, 1999”.
ثالثًا: المحتوى والمضمون
لعلَّ النَّظر في محتوى النَّشيد الوطني بإفريقيا وتحليله غير ممكن هنا في هذا الاستعراض السَّريع، وإنَّما يكفينا التَّلميح إلى بعض الظَّواهر العامَّة فحسب.
فمن أهمِّ ملامح الأناشيد الوطنيَّة الإفريقيَّة من حيث الشَّكل:
– كونها بلغة المستعمر الإمبرياليِّ إلاَّ ما ندر من الدُّول التي تبنَّت لغة رسميَّة محليَّة، وحتى في تلك الدُّول، فإنَّ التَّرجمة الاستعماريَّة تتبع النصَّ المحلي. من الأمثلة:
النَّشيد الوطني اللِّيبيري ويعدُّ الأقدَم “All Hail, Liberia, hail, 1847″ (حيُّوا ليبيريا)، وهو بالإنجليزيَّة من تأليف السير Daniel B. Warner, الرئيس الثالث للبلاد (1864-1868م)، وهذا قد يكون مقبولاً. أمَّا أحدث نشيد بالقارة وهو نشيد جنوب السودان ” South Sudan Oyee!, 2011″، فهو مكتوب بالإنجليزية.
– النشيد الوطني بكاميرون بالفرنسيَّة والإنجليزيَّة، وهذا يعود إلى عدم تنازل أيٍّ من المستعمرَيْن للآخر في کتابة الدُّستور الکاميروني وتأليف نشيدها الوطني. ولعلَّنا نسأل هنا: أليس في الموقف الفرنسيِّ والبريطانيِّ هنا درس للُّغات الأخرى بعدم التَّنازل؟
– تُمثِّل جمهوريَّة جنوب إفريقيا حالة فريدةً؛ إذْ تُغنَّى أنشودتها الوطنية بخمس من اللُّغات الإحدى عشرة الرَّسميَّة بالدَّولة، منها: الإنجليزية والأفريكانس.
أمَّا عن بعض الملامح المضمونيَّة، فمنها:
– أنَّ الأناشيد تستجيب للكثير من الخصائص التي تمَّت الإشارة إليها في تعريف النَّشيد الوطني، مثل تمجيد تراب الوطن، والدَّعوة إلى التَّضامن…
ومنها:
– الإشارة إلى ظروف الاستقلال، وتمجيد أبطال المقاومة، ويكثر ذلك في الدُّول الثَّوريَّة، مثل:
النَّشيد الموزامبيقي الأول، ونشيد جمهوريَّة کابْ فيرد “sok, sour e o verde e mar” (الشمس.. العرَق.. الخضرة والبحر) الذي كتبه القائد الثَّوري Amilcar Cabral، واعتُمد أيضًا في غينيا بيساوْ حتى 1973. ومنها النَّشيد الوطني لبوركينا فاسو، وقد سبقت الإشارة إليه.
– اللَّهجة العسكريَّة العالية في بعض الأناشيد، وليس هذا في الدُّول التي نالت الاستقلال بثورةٍ شعبيَّة عنيفة فحسب.. ومن الآثار السِّلبيَّة في ذلک، تربية المواطنين على الاستماتة والدِّفاع الأعمى عن “الوطن” بشكلٍ عسكريٍّ، ولكنَّهم لا يبالون بالعمل من أجل الارتقاء بالوطن.. قد ترى أحدهم يقاتل أخاه في “البلد الآخر” في قضيَّة عابرة مثل مباراة كرة قدم، ولكنَّ هذا الشَّخص لا يتورَّع في اليوم التالي عن التَّعاون مع أجنبيٍّ في تهريب مخدِّرات، أو اختلاس أموال…
– ظاهرة فريدة في أناشيد الدُّول الفرنكفونيَّة، وهي تحاشي الإشارة إلى ملامح دينيَّة، وقد وجد الباحث إيغورْ Igor Cusackأن ذلك من التَّأثير المباشر بالمستعمر الفرنسيِّ في تأكيده على علمنة الدَّولة، وذكر أنَّ أربع دُول فرنكوفونيَّة فحسب تشير إلى “الأسلاف” إشارةً عقيمة، هي: كاميرون، وبنين، وتوغو، وكونغو الدِّيمقراطيَّة. كما وجد أنَّ دعوة المواطنين للنُّهوض من أجل الوطن هي “ثيمة” مطَّردة في نشيد الدَّولة الفرنكوفونيَّة، وأنَّ ذلك من تأثُّر تلك الدُّول بنشيد المارسيليَّة؛ بخلاف الدُّول الإنجليزيَّة التي تؤكِّد عادة على ذكر الإله، والإشارة إلى رموزٍ دينيَّة مختلفة.
من الظَّواهر الخطيرة هنا في عناوين الأناشيد وفي مضمونها: تكريس معظمها لسياسة التَّقسيم العشوائيِّ للقاَّرة؛ حيث تدَّعي تلك الأناشيد أنَّ هذه القطعة الأرضيَّة التي رسمها المستعمر الإمبرياليُّ بالأمس وأعطاها اسمًا خاصًّا، تدَّعي الأناشيد أنَّها هي “أرض الأجداد”، وهذا كلامٌ مضلِّل. فالنِّشيد الوطني –بهذا الشَّکل- تکريسٌ لفکرة الدَّولة القطريَّة الضَّيِّقة.
ولعلَّ الأخطر ممَّا سبق، تعريض بعض الدُّول بجاراتها الإفريقيَّة في أناشيدها.. على سبيل المثال:
“O mon pays, que Dieu te prenne en garde, que tes voisins admirent tes enfants”
(أيا وطني، ليحفظك الإله! ليغبط جيرانك أبناءك).
في النَّشيد التشادي. ولعلَّ فهمنا هنا خاطئ، ولکنْ.. ألم يكن من الأفضل قوله “ليغبط العالم أبناءک”؟ نرى أنَّ العلاقة بين الدَّولة الإفريقيَّة وجاراتها علاقة تعاونٍ؛ ليرتقي الجميع إلى درجة واحدة.
مثال آخر:
نشيد كوت ديفوار، وفيه
“si nous avons, dans la paix, ramene la liberte, …..”، أي: فإنْ كنَّا بالسَّلام قد اسْتَعدنا الحريَّة….
وهنا تعريضٌ –نحسب ذلك- بالجارة غينيا، وبالرَّئيس سيكو توري الذي كان له رأيٌ مخالفٌ لرأي استعادة الحريَّة (الجزئيَّة) بالسَّلام.
ومن الطَّريف ترديد بعض تلك الأناشيد لمزاعم المستعمر الإمبريالي، فالنَّشيد الكاميروني في صيغته الأولى قبل تعديله (1970)، يقول:
O Cameroun, berceau de nos ancetres,
Autrefois, tu vecus dans la barbarie
Comme un soleil, tu commences a paraitre
Peu a peu tu sors de ta sauvagerie
أيا كاميرون، مهد أجدادنا
لقد عشت في الماضي، في البربريَّة
وها أنت الآن، مثل شمس، تشرقين.
رويدًا رويدًا، تخرجين من وحشيَّتك
فههنا تأكيد واضحٌ لما تزعمه أوربا بأنَّ إفريقيا كانت همجيَّة، وحشيَّة…. وأنَّ أوربا جاءت بالحضارة.. وأنَّها تقوم بمهمَّة تمدُّنية نبيلة بإفريقيا mission civilisatrice
بالإجمال، فإنَّ النَّشيد الوطني بإفريقيا، بلغته ومعانيه، وبمضمونه وموسيقاه.. يصعب ان يقال إنَّه يمثِّل الواقع الإفريقيَّ. وهذا حکمٌ عامٌّ، وإلاَّ فإنَّ نماذج منها تعدُّ من أفضل النَّماذج، وعلى الرُّغم من أننا لسنا في معرَض الموازنة بين الأناشيد الإفريقيَّة، فإنَّنا نسجِّل هنا إعجابنا الکبير بمضمون النَّشيد الغيني؛ إذ لم نقرأ مثله في عموم إفريقيا. يبدأ بمناداة شعوب إفريقيا “أيا شعوب إفريقيا”. ويختتم بقوله: “لنبني الوحدة الإفريقيَّة في الحرية المستعادة”.
هذا، ولعلَّ واجبنا نحن المربِّين والمعلِّمين بالمدارس، حين نطلب من تلاميذنا وأبنائنا القيام لإنشاد هذه الأناشيد کلَّ صباحٍ في الطَّابور المدرسيّ، أن ندمج نماذج من هذه الأناشيد في مقرَّراتنا المدرسيَّة، وأن نساعد تلاميذنا في فهمها ونقدها نقدًا بنَّاءً، ونخرج بهم من “عبادة الأوطان” القطريَّة الضَّيقة، إلى “عبادة” المبادئ والقيم الإنسانيَّة النَّبيلة.
وحتى نستطرد قليلاً.. نقول إنَّ ما تمَّ تسجيله من ملحوظاتٍ حول النَّشيد الوطني بإفريقيا، يصدُق أيضًا في العلم الوطني.
من ملحوظاتنا المتواضعة حول العلَم الوطني بإفريقيا:
-أنها –في الدُّول الفرنکفونيَّة- تمثِّل کثيرًا العلَم الفرنسي (ثلاثة ألوان عموديَّة) بدون أيِّ تفنُّن في رسم العلَم، لا يوجد رمزٌ معبِّرٌ مرسوم على العلم.. نجمة فقط في العلَم المالي والکاميروني.
– التَّشابه بل التَّماثل بين بعض الأعلام: العلَم الغاني لا يختلف عن الکاميروني إلا في ترتيب الألوان، ولون النَّجمة الوسطيَّة.
-التَّشابه الکبير بين بعض الأعلام الإفريقيَّة وأعلام دول غير إفريقيَّة: العلم الليبري نسخةٌ من العلَم الأمريکي، والعلم الغاني يشبه کثيرًا علَم بوليفيا، والنيجر يشبه الهند، وکوت ديفوار مثل إيرلندان… ألم يکن من الأحسن وضع رمزٍ معبِّرٍ لتمييز تلک الأعلام عن غيرها؟

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

Back to top button

مانع الإعلانات

إذا تمت إعادة توجيهك إلى هذه الصفحة ، فمن المحتمل أنك تستخدم برنامج حظر الإعلانات.