@font-face{font-family:'jazeera';src: url('https://www.fontstatic.com/fonts/jazeera/jazeera.eot?#iefix');src: local('الجزيرة'), local('jazeera'),url('https://www.fontstatic.com/fonts/jazeera/jazeera.woff') format('woff');}

المغرب: الحركات الاحتجاجية والطابور الخامس

الطابور الخامس يروم تحريف اتجاهات الاحتجاج ليخدم أجندات أقل ما يقال عنها إنها مشبوهة من حيث اعتماد أسلوب التضليل ومحاولة الابتعاد عن جوهر مشاكل المنطقة الاجتماعية .

العرب حسن السوسي

لكل حقبة تاريخية كما لكل مرحلة سياسية طابورها الخامس. ففي مرحلة ما كان دعاة تقرير المصير لجزء من الشعب المغربي في مواجهة الجميع الذين باعوا شرف الانتماء الوطني مقابل وهم الثورة الشعبية والأممية الشيوعية المزعومة، طابورا خامسا، تأذى منه نضال المغرب أيّما أذى في أوساط حركة التحرر الوطني في مختلف قارات العالم، التي اعتقدت أن حق تقرير مصير الشعوب الذي كان شعار المرحلة يمكن تعميمه بشكل تلقائي جامد، بحيث يخدم مصالح القوى التي تسعى إلى حرمان الشعوب من ممارسة حقها في تقرير مصيرها، باعتبارها شعوبا، من حقها استكمال وحدتها الترابية ومحاربة كل أشكال تفتيت وحدتها الوطنية والحال أن هذا الشعار تحول إلى أداة لدعم الانفصال وتدمير وحدة الشعب المغربي.

واليوم فإن جزءا من أدعياء قضية الريف من خارج أبنائه الذين اعتقدوا أن الفرصة سانحة لتحقيق أي إنجاز لهم في عملية بيع وشراء باسم حراك المنطقة حاولوا لعب دور الطابور الخامس لإبعاد الريف والمغاربة عن الإطار الحقيقي لتحركاتهم الاحتجاجية بشتى الوسائل لذلك فإنهم لم يتورعوا عن الكذب والقيام بتحركات مشبوهة لتحقيق غاياتهم.

مع من؟ وكيف؟ ولأي غايات قريبة أو بعيدة؟ هذا أسئلة تطرح نفسها، غير أن الطابور الخامس هو الذي يعرف الجواب الأقرب إلى الحقيقة من غيره لأن المحلل السياسي لا يملك إلا رصد بعض المؤشرات حول توجهات بعينها ترافقت مع حركة الاحتجاج أو تم اللجوء إليها في فترة من فتراته تسمح بالتعرف على أبعاد مثل هذه التوجهات.

ولعل من بين هذه المؤشرات الأكثر قوة محاولة عقد مقارنات لا تاريخية ومغرضة بين الدولة المغربية والاستعمار الإسباني في أبشع صوره الذي مثلته مرحلة فرانكو للإيحاء التضليلي بأن منطقة الريف المغربي تعيش فترة تاريخية مماثلة في الواقع، وفِي الممارسات. وهكذا حاولوا إقامة نوع من التماهي بشكل غريب ولا معقول بين ما قام به الاستعمار الإسباني من رش قاطني ومجاهدي الريف في عشرينات القرن الماضي بالغازات السامة لكسر شوكة مقاومة الاستعمار وبين ما قامت بِه قوات الأمن لتفريق الذين حاولوا تنظيم مسيرة في مدينة الحسيمة الخميس الماضي تحديا لقرار السلطات المحلية بعدم السماح بتنظيمها.

وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقات لا تخفى مراميها على كل متتبع موضوعي لتطورات حركة الاحتجاج في منطقة الريف وجوارها بالأساس. تحاول أن تصنع من المغرب استثناء غريبا عجيبا. فأنْ يستخدم الأمن الفرنسي القنابل المسيلة للدموع لتفريق بعض التظاهرات أمر طبيعي لأنه يدخل ضمن صلاحيات القوات العمومية، وأن تتخلى قوات الشرطة والأمن في الولايات المتحدة الأميركية لتفريق المتظاهرين باستعمال مختلف أشكال القوة المادية والمعنوية لتقدير القوات العمومية بأن الوضع لا يحتمل التعايش مع هذا الشكل أو ذاك من الاحتجاجات، أمر طبيعي وعادي، وأنْ يتم اعتقال مئات المواطنين في شوارع لندن لأن المتظاهرين قد خربوا الممتلكات الخاصة والعامة وأنّ من مسؤولية الحكومة حمايتها وقمع كل من سولت له نفسه المساس بها، أمر طبيعي وليس فيه ما يدعو إلى طرح المسألة على المجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان.

لكن أن تقوم الجهات الأمنية المغربية باستخدام القنابل المسيلة للدموع في عملية تفريق تجمعات لم تكن عفوية ولم تحظ بالترخيص المسبق فحسب، وإنما تم اتخاذ قرار بمنعها لعدم وجود أي جهة معترف بها تتحمل مسؤوليتها تجاهها، فهذا اعتداء ما بعده اعتداء على الدستور، وخرق لمواثيق حقوق الإنسان وارتكاب لجريمة ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية دفع بمخيلة البعض إلى استحضار الغازات السامة التي واجه بها الاستعمار الإسباني مقاومي الريف والتي تعاني المنطقة من آثارها الخطيرة إلى حد الآن.

أليس هذا من سلوك الطابور الخامس الجديد الذي يروم تحريف اتجاهات الاحتجاج ليخدم أجندات أقل ما يقال عنها إنها مشبوهة، من حيث اعتماد أسلوب التضليل ومحاولة الابتعاد عن جوهر مشاكل المنطقة الاجتماعية التي ينبغي الانكباب على حلها بكل ما يفترض ذلك من جدية ومسؤولية؟

يحاول البعض تبرير مثل هذا السلوك بكونه مقبولا في عملية ضرورية كانت تعرف بتشويه سمعة النظام القائم باعتبارها شرطا لإقناع الجماهير بالانخراط في عملية التغيير؟ أما أن تسأل عن مدى أخلاقية مثل هذا الأسلوب، فالجواب جاهز: إن النظام يحاول تلميع صورته من خلال القيام ببعض الإصلاحات السياسية الشكلية، وما على القوى الثورية الحقيقية في المقابل إلا تنظيم حملة مضادة لا هوادة فيها لتسقط الأقنعة عن وجهه الحقيقي.

فيا لغرابة الواقع فكم من أحد يردد اليوم أن الأقنعة قد سقطت ليس بالنسبة للدولة فحسب، وإنما أيضا بالنسبة لأحزاب الحركة الوطنية الديمقراطية لأنها لم تساير مثل هذا المنطق المتهافت تجاه أحداث الريف.

السياسة ليست هكذا يا أدعياء الوطنية والثورية! فالاستعمار استعمار ولن يكون غير ما هو عليه. والدولة هي دولتنا جميعا دولة المغرب سواء اعترضنا على هذه السياسات أو تلك أو كان لدينا تصور مناقض لتصوراتها حول طبيعة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المنشودة. فلا يجوز سياسيا وأخلاقيا ووطنيا إقامة أي مقارنة أو القيام بأي قياس بين أمرين لا جامع بينهما ولا يمكن تصور أي نقطة تقاطع بينهما. لكن للطابور الخامس ذرائعه الجاهزة لقلب الحقائق والخداع السياسي إلا أنها لا تستطيع خداع غير من لديهم استعداد ما للانخراط في مساعيه.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

Back to top button
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com