رواية ” ليلة النار”: الخطى نحو الذات

تنتمي رواية ” ليلة النار” للكاتب الفرنسي إريك ايمانويل شميت، إلى أدب الرحلات، لكنها ليست رحلة عادية جغرافية فقط، لم يكن الانتقال بهدف الاكتشاف والتعرُّف، إنه سيرٌ على خطى ميشيل دو فوكو، الراوي فيها هو الكاتب نفسه، حيث يعيد اكتشاف طاقته الروحية من خلال رحلة لإنجاز فيلم سيرة ذاتية ليكتشف أنه يغوص في طبقات الصوفية لكن من وجهة نظر أوروبية.

العتبة الأساسية الأولى في هذا النص الروائي الذي حمل اسم “ليلة النار”، هي طائرة تتجه من الجزائر العاصمة نحو مدينة اسمها “تمنراست”، عاصمة الطوارق التاريخية التي ترتفع 1400 متر عن سطح البحر، وتقع في أقصى جنوب البلاد، تلك التي حملت اسم ضابط من ضباط الجيش الفرنسي أثناء احتلال الجزائر، الرحلة التي تم التخطيط لها في فرنسا يلتزم السارد فيها بضمير الأنا الذاتية وبلغة تقريرية في الفصول الأولى قبل أن يحدث التحول على مستوى البناء والسرد واللغة في الفصول اللاحقة.

جغرافية الروح

الكاتب في هذا النص ليس مستشرقاً بالمعنى الحرفي للكلمة، إنه مستكشف للمكان والثقافة بالدرجة الأولى، لا يعنيه أبداً إقامة جسور وصال بين الشرق والغرب بقدر ما أغرتهُ فكرة أن يكتب سيناريو فيلم يروي الغواية التي عاشها ميشيل دو فوكو في صحراء الطوارق، لا يترك الراوي فراغاً في سرد الحكاية، فتبدو كأنها لعبة مؤلفة من مجموعة من القطَع غير المتجانسة لكن يمكن تشكيل لوحة غريبة منها، تقود الحكاية فريقاً متكاملاً يصل تباعاً من فرنسا إلى الصحراء الجزائرية، فيطالعنا اكتشاف الأماكن، نقطة الانطلاق في السرد كانت جوهر الرؤية الأوروبية المسبَقة، فالخيال والسحر الغائب هما الواقع الثابت في الجغرافية المُنتَظر

والسؤال اللاهث الذي طارد الجميع ليسَ متى ننجز وننهي هذا الفيلم، ونعود إلى الديار كي نستعيد التوازن، وإنما لماذا أتى دو فوكو إلى هنا وهو الغني الأرستقراطي الذي ذهب للكنيسة كي يعرف الإيمان فطلب منه الكاهن أن يركع ويعترف، كانت ردة فعل الرجل صرخة بأنه لا يريد أن يتعلم كيف تكون الطقوس، إنه يبحث عن الإيمان، وهذا بالضبط ما قاده إلى الصحراء.

هذا الطرح يقودُ الجميع إلى عَرض أفكارهم الدفينة حول ثنائيات عديدة؛ “الوطن، اللاوطن”، “الإيمان، الإلحاد”، “الخالق، المخلوق”، “الضيق، الاتساع”، “الوجود، الفناء”.

أقتبس من النص مثلاً: “عندما أقول أنا موجود، فهذا يعني أني لن أكون موجوداً بعد ذلك، وكلمة حي ليست سوى المرادف الحقيقي لكلمة فانٍ، يصبح كبريائي هو عوزي، وقوتي تمسي نقصاني، ويمتزج الفخر بالخوف”.

تطوف بنا حكاية الرحلة بعيداً عن تقنيات إنجاز الفيلم الذي يغيب كلياً بينما تحضر الجغرافيا وشخصية ميشيل دو فوكو، المحارب الفرنسي الذي ذهب إلى عاصمة الطوارق ليس بقصد المشاركة في العمليات العسكرية، أو ليكون مبشراً دينياً بإحدى الجمعيات أو المدارس المسيحية، بل كي يعيش بالقرب من الطوارق وينقل عاداتهم وثقافتهم وقاموس مفرداتهم إلى الفرنسية في طريقه نحو اكتشاف الوجود، حيث بنى بيتاً عام 1905 بعيداً عن أي فرقاطة عسكرية في مكان لا يقطنه إلا قلة من الناس، تضاريس المكان وهويته حاضرتان بقوة لنجد سيلاً من المعلومات حول الطوارق.

جميع أعضاء الفريق على اختلاف مدنهم يخافون من الصحراء، رغم أنها تجربة تستحق القيام بها حسب الكل، بعضُهُم وضع احتمالين فإما أن يعود منها المرء منشرح الصدر وإما أن يرجع مكتئب المزاج لوقت طويل، تصيب بالخوف من العزلة عن كل شيء. يقدّم المؤلف في هذا الإطار رؤيةً أوروبية وشرقية للصحراء، الأوروبية تتمثل في المشاركين في بعثة التصوير بينما الشرقية كانت بشخصية “أبايغور” الرفيق المصاحب الذي لا يتقن أي لغة سوى كلمات الطوارق، إنه ابن الصحراء وعلاقته معها مثل علاقة الجنين بأمه، حبلٌ سري موصول لا ينقطع بين الرمل والجسد.

الضياع يلد الطمأنينة

الوجود في الصحراء أيضاً هو المكان المناسب للحديث عن الانفجار الكوني، الأجرام السماوية، امتداد الكون واتساعه، الثقوب السوداء التي تبتلع كل شيء إلا اللامكان، هذه الظواهر التي يلجأ الإنسان إلى نسبها للقوة الخارقة التي تحكم الكون من منطق الايمان، بينما يتجه القطب الثاني نحو تفسيرها على مبدأ العلم وأسبابه، تساؤلات يديرها الكاتب من منطق “كيف بوسعي أن آلف المجهول؟ كيف بوسعي أن أرده إلى المألوف؟”.

اعتمدت هذه الرحلة في بعض مفاصلها على السرد الارتدادي أو التقاطع بين حدثين، مثلاً عندما يضيع الكاتب في الصحراء لليلتين وينفصل عن فريق العمل، في ضياعه ذلك يقوم بمراجعات عميقة لكل الأفكار التي طرحها مع الرفاق حول الإلحاد، عدم اليقين، السراب الذي سيطر على العدم في عقله، سعيه الدائم لإثبات كل شيء عبر العلم، مواجهته لشهبٍ من الجوزاء في عمق السماء الصافية البعيدة، إنها مشاهد صوفية

ممتعة تسرح بها الروح عند كتف الجبل في ليلة مقمرة، التوحد والحلول بنظرة أوروبية خالصة، من خلال لقطات سينمائية مبنية على التشويق والمناجاة، هو الضائع في كبد الصحراء، وجدَ نفسه قبل أن يجد رفاق الرحلة.

“ليلة النار” رواية صوفية بشحنة إيمانية كبيرة، كتبها إريك ايمانويل شميت، بعد أن وجد ذاته المُستقرة، خلال رحلة قام بها المؤلف إلى صحراء الطوارق في الجزائر، رحلة شملت الكثير من الاكتشافات على صعيد الجغرافيا والأفكار والإنسان، لكن الثابت في قلبه وفكره يصفه قائلا “كان القلق يشعرني بأني عظيم، لكن الفرح أعادني إلى حجمي الحقيقي، لست عظيماً بذاتي بل بالقوة التي حلت في ذاتي، كان اللامتناهي يشكِّل عمق فكري المتناهي، مثل بوتقة استوعبت روحي”.

عبدالله مكسور 

 

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك