ليبيا ساحة خلاف فرنسي- إيطالي.. والمصالح أولا

القمة التي التأمت في إحدى ضواحي باريس يوم 25 يوليو الماضي أعادت تركيز الضوء الدولي على الأزمة الليبية والطريق الوعر الذي تواجهه البلاد نحو سلام دائم. في لا سيل-سانت كلاود التقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع شخصيتين من الشخصيات السياسية الأكثر أهمية في ليبيا اليوم، فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي ورئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من هيئة الأمم المتحدة، وقائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر.
ومنذ سقوط معمر القذافي 2011 أصبحت البلاد في حرب مع نفسها وصارت أرضا خصبة لعدم الاستقرار، وأيضا نقطة انطلاق رئيسية للمهاجرين نحو أوروبا. الحل الدائم مازال غائما المحاولات الجارية لإيجاد حل حقيقي تسببت في خلاف سياسي بين إيطاليا وفرنسا.

رغب ماكرون، دون شك، في استخدام لقاء لا سيل-سانت كلاود ليؤكد على أهميته كفاعل مقرِّر وصانع سلام في ليبيا والمنطقة المحيطة بها. تمخض اللقاء عن بيان غير موقع من قبل القائدين الليبيين تضمن تعهدا بوقف لإطلاق النار – باستثناء النشاطات المضادة للإرهاب – وإجراء انتخابات السنة المقبلة. إلا أن كثيرين يشككون في الالتزام بهذا. وفي الواقع، فإنه في الأيام التي تلت لقاء لا سيل-سانت كلاود استأنف السراج وحفتر الخصام حول أدوارهما التي ينبغي أن تحترم وترتيبات السلطة المستقبلية في البلاد. أكثر من ذلك دفعت حركة ماكرون روما إلى نفش بعض ريشاتها، حيث نظر كثيرون إلى المبادرة الفرنسية على أنها محاولة لتجاوز إيطاليا – وأوروبا – في العملية.

اتبعت إيطاليا، التي تتطلع إلى تقلد مسؤولية خاصة إزاء ليبيا، سياسة ارتكزت على دعم حكومة فايز السراج في طرابلس التي نُصبت من قبل مجلس الأمن على إثر اتفاق الصخيرات في ديسمبر 2015. الحكومة الإيطالية عبرت أيضا عن الحاجة إلى تجنب تعدد الوسطاء وتركيز الجهود حول الوسيط الأممي غسان سلامة. إلا أن الحكومة الإيطالية كانت أيضا خلال الأشهر الماضية على اتصال مع المشير خليفة حفترمثلها في ذلك مثل دول كبرى أخرى في أوروبا وما وراءها.
برز حفتر كمنافس رئيسي للسراج جراء نجاحه في محاربة الجماعات الإرهابية في بنغازي والاحتفاظ بسيطرته على موانيء نفطية مهمة. حاليا يقتصر الوجود الإيطالي في ليبيا على مستشفى عسكري أقيم في مصراتة مع وجود 300 عنصر خدمي لتشغيل المرافق والحماية، وأيضا لتقديم الدعم لحكومة طرابلس. إضافة إلى نشاطات أجهزة الاستخبارات الإيطالية في البلاد.

علاوة على التهديدات الأمنية، تنقسم المصالح الإيطالية في ليبيا إلى قسمين: الطاقة والمهاجرين. وعلى حين أنها ترغب في أن تخدم هاتان المصلحتان المصلحة الأمنية، خصوصا بسبب الحضور القوي لمجمع إيني ENI للغاز والنفط في البلاد وخارجها، فإن المصلحتين الأخيرتين تطرحان عدة قضايا – أمام إيطاليا وفرنسا، وأرووبا عموما.

على ضوء ذلك، قررت الحكومة الإيطالية في 28 يوليو الماضي إرسال سفن قرب الشاطيء الليبي لمساعدة خفر السواحل المحليين على إغلاق منافذ تدفق المهاجرين. وتمت الموافقة على هذا القرار من قبل الأغلبية البرلمانية الواسعة بعد ذلك ببضعة أيام، ووصلت أول سفينتين إلى المياه الليبية في 2 أغسطس.

وعلى الرغم من أن الوحدة قُدمت على أنها لا تشكل تدخلا في الشؤون الداخلية الليبية، إلا أن المشير حفتر هدد بمهاجمة أية سفينة تدخل المياه الإقليمية الليبية دون إذن من الجيش الليبي الذي يقوده. كما سبق لحفتر الإعلان عن معارضته للتدخل الأجنبي في ليبيا.

يقود المشير حفتر الآن أقوى جيش في ليبيا، ولا يعتقد سوى القلة بنجاح أية حركة دبلوماسية في البلاد مستقبلا تستبعد حفتر. وباقتصارها على التشاور مع السلطات في طرابلس (وبهذا فهي تتجاوز حفتر، بغض النظر عن بضعة اتصالات عرضية) تكون إيطاليا قد اختارت التمسك باتفاق الصخيرات والحكومة المدعومة من قبل الأمم المتحدة. وهذا المدخل يتجاهل الواقع العسكري والسياسي في ليبيا، وكذلك عددا من الفاعلين الإقليميين والدوليين – بما في ذلك مصر والإمارات العربية المتحدة وروسيا – الداعمين لحفتر.

حتى تاريخه، موقف فرنسا من الجناحين المتصارعين في ليبيا في غاية الإبهام. فبينما تؤيد الحكومة الفرنسية رسميا الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة، تم الاحتفاظ خلال السنوات الماضية بخط اتصالات نشط مع حفتر والسلطات العسكرية في طبرق. لقد كان أحد الشخصيات بارزة الحضور في مفاوضات لا سيل-سانت كلاود جين-ييف لو دريان. وباعتباره وزيرا للدفاع خلال سنوات هولاند فقد عمل عن قرب مع المشير حفتر رغم الدعم الرسمي لرئيس الوزراء السراج. ونظرا إلى أنه وزير للخارجية في عهد الرئيس الجديد، يبدو من المرجح أن هذه العلاقة ستستمر، رغم أنه من الصعب تقييم حدود تأثيرها على عملية السلام.

وفي جميع الأحوال، يبدو من الواضح أن ماكرون لا يرغب في أن يضع بيضه كله في سلة واحدة، ومن خلال المفاوضات مع الفصيلين معا، يستهدف تأكيد أفضل مردود وفرص بلاده إذا ما حُلت المسألة الليبية.

وأيا كان الأمر، فلا ينبغي النظر إلى هذا الموقف على أنه انتهازي صرف، وإنما هو يعكس أيضا تقييما واقعيا للوضع. ذلك أن حكومة السراج، التي علق عليها كثير من الفاعلين الدوليين آمالهم، فشلت في الإيفاء بالنتائج المتوقعة منها. إذ الواقع أن الحكومة الهشة في طرابلس تسيطر فقط على قسم ضئيل من البلاد، على حين يمتلك حفتر سيطرة أقوى بكثير على معظم ليبيا.

بعد يومين فقط من لقاء لا سيل-سانت كلاود أدلى الرئيس ماكرون بتصريح مربك كما كان متوقعا، أعلن فيه عن إقامة “نقاط ساخنة” فوق الأرض الليبية، وربما على أراضي بلدان أفريقية أخرى، وتكون تحت السيطرة الفرنسية، مع نهاية الصيف، بغرض إيقاف خطر عبور المتوسط ومنع المهاجرين الاقتصاديين من الوصول إلى الشواطيء الأوربية. لم ترد أية إشارة إلى التعاون مع المنظمات الدولية أو بلدان أخرى، وقال أن فرنسا ستتحرك مع أوروبا، أو بدونها، في ما يتعلق بهذا الأمر.

التوجه نحو التصرف الأحادي ونقص التشاور مع الأمم المتحدة أو أطراف أخرى معنية (مثل الفصائل المتعددة في ليبيا) أمر مقلق، وليس من السهل فهمه كونه يصدر عن شخص تضمنت حملته الانتخابية الوعد بإعداد خطة قوية لصالح أوروبا. كانت إيطاليا سباقة إلى انتقاد إعلان ماكرون، الذي اُستقبل بامتعاض في بروكسل أيضا. وفي نفس اليوم سارع الإليزيه للقيام بانعطافة كاملة من خلال التأكيد على أنه لن تفتح “نقطة ساخنة” حاليا في ليبيا بسبب انعدام متطلبات الأمن الأساسية.

بعد العدول عن خط النقطة الساخنة اتصل ماكرون برئيس الوزراء جنتليوني طالبا منه التوصل إلى موقف موحد للتعاطي مع الأزمة الليبية. إيطاليا، مع دول أخرى، ارتأت أن بعض مواقف الإليزيه متهورة وغير متوقعة. وعلى أية حال أظهرت مكالمة ماكرون رغبة في تعاون أكبر مما دلت عليه أعماله السابقة. كما تم الإعداد للقاء بين قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا مع نهاية أغسطس في باريس للنقاش حول ليبيا. ستفعل الحكومة الفرنسية الجديدة حسنا إذا ما نظرت إلى إيطاليا والدول الأخرى كحلفاء استراتيجيين، وألا تتجاهل إمكانية التعاون في مثل هذه القضية المعقدة.

قبل لقاء لا سيل- سانت كلاود أوضح ناطق باسم الإليزيه أن الصراع في ليبيا ينبسط “على عتبات أوروبا – ومن ضمنها فرنسا”. تتمثل استراتيجية ماكرون الحالية، كما يبدو، في حماية المصالح الوطنية حتى ولو أتت على حساب وحدة العمل الأوروبي. أحادية ماكرون المستحدثة والولع بالارتجال (مثلما بدا ذلك في “إعلان النقطة الساخنة”)، ونقص التشاور مع الحلفاء الاستراتيجيين مثل إيطاليا، قد يجر مخاطر على أوروبا وأمنها. من ناحية أخرى، على إيطاليا والبلدان الأخرى ذات العلاقة الاستراتيجية أن تأخذ في حسبانها الواقع الجديد للأزمة الليبية، وتعيد النظر في موقفها من المشير حفتر كي تشمله في العملية السياسية، واتخاذ تدابير قوية لإيقاف تدفق الهجرة. بخصوص الأمر الأخير يكون إرسال إيطاليا سفنا إلى المياه الإقليمية الليبية خطوة واعدة.

 

لورينزو فالكي – معهد الأعمال الدولية الإيطالي

ترجمة خاصة لقناة (218)

 * كان باحثا متدربا في معهد الشؤون الدولية خلال يونيو- يوليو 2017.

مقالات ذات صلة

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك