“ليبيا” بين” سبتمبر” الأمن و”فبراير” الفوضى

عبدالباسط غبارة– بوابة افريقيا الإخبارية

تتكرّر مشاهد العنف في ليبيا منذ الإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي، ما تسبّب في نمو غريزة الكراهية بين أبناء المجتمع الليبي.حيث إنتشر العنف بكافة أشكاله في ليبيا خلال الأعوام الأخيرة، فمن التناحر بين المليشيات والقبائل، إلى جرائم تنظيم داعش،وغيره من التنظيمات الارهابية التي استوطنت البلاد، ما أسفر عن سقوط العديد من الضحايا.

وبحلول الذكرى 48 لــ”ثورة الفاتح من سبتمبر” التي قادها العقيد الراحل معمّر القذّافي،شهدت بعض المدن والمناطق الليبية ،إحتفالات شعبية،رفعت فيها الأعلام الخضراء وصور العقيد الليبي الراحل،في صورة تعكس الحنين لفترة حكم القذافي وما كان بها من رغد فى العيش وأمان واستقرار،قابلهما استشراء الجريمة  وتغول المليشيات والعصابات المسلحة في الكثير من المناطق حول ليبيا إلى دولة غير آمنة.

من الامن الى الفوضى

“هاتوا أيديكم، وافتحوا قلوبكم، وانسوا أحقادكم وقفوا صفا واحدا ضد عدو الآمة العربية عدو الإسلام عدو الإنسانية، الذي أحرق مقدساتنا وحطم شرفنا، وهكذا سنبني مجدا ونحيي تراثا ونثأر لكرامة جرحت وحق اغتصب”.بهذه الكلمات خاطب الزعيم الراحل شعبه  في البيان الأول لثورة الفاتح،معلنا بذلك عزمه بناء دولة مستقرة وآمنة.

 9 أشهر فقط بعد تولي مجلس قيادة الثورة مقاليد السلطة كانت كفيلة بتطهير ليبيا من القواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية وتأميم الشركات الإيطالية.ودفع القذافي شخصيا ثمن مواقفه الثورية عبر 48 محاولة اغتيال موثقة كلها في إرشيف المخابرات الغربية والعربية.

عملت ثورة الفاتح على مدى 42 عاما على بناء مؤسسات الدولة وأمنت لليبيين حقهم في السكن والتعليم والعلاج بالمجان، عبر بناء وتجهيز عشرات المشافي والجامعات وآلاف الشقق السكنية التي تمنحها الدولة بلا عوض للمواطنين.وارتبط العقيد الراحل بعلاقات ممتازة مع قادة القارة الإفريقية التى كانت يسعى لبناء كيان وحدوى فى كافة المجالات لمواجهة التغول الاستعمارى الغربى عبر طرح مشروعات مشتركة بين دول القارة.

وفي 17 فبراير من العام 2011،دخلت ليبيا في مرحلة جديدة أخرجتها من طور الأمن والإستقرار لتلقى بها في غياهب الفوضى.وتدخلت قوات الناتو مدعومة من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا لإسقاط نظام العقيد الراحل معمر القذافي واغتيال الاستقرار والأمن في هذا البلد العربي الغني بموارد الطاقة النفط والغاز.وعقب رحيل الزعيم الليبي،تخلى الغرب عن ليبيا تاركاً فراغاً أمنياً، سمح بانتشار الجماعات المتطرفة التي تمكنت من السطو على مخازن السلاح التابعة للجيش الليبي، كما سيطرت على مدن بأكملها وفرضت على السكان قوانينها ورؤيتها المتطرفة.

ومنذ تدخل الناتو،تحولت ليبيا وجارتها مالي إلى ملاذ آمن للإرهاب. وظهرت الجماعات الإسلامية المتشددة،تحت الغطاء الجوي للناتو كأحد العناصر الأفضل كفاءة قتالية في الصراع.واتضح تهديدهم المستمر في سبتمبر 2012 عندما هاجم جهاديون، بعضهم ينتمي لتنظيم أنصار الشريعة، المجمع الدبلوماسي الأمريكي في بنغازي، وقتلوا كريستفور ستيفينز، السفير الأمريكي في ليبيا، وثلاثة من زملاءه. كما أعلنت الأمم المتحدة بشكل رسمي تنظيم “أنصار الشريعة” منظمة إرهابية بسبب صلتها بتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي.

ويجمع مراقبون على أن التدخل الغربي في ليبيا كان خاطأ وحول البلاد الى ساحة خلفية للتنظيمات الارهابية.و هو ما أشار اليه تقرير حول ليبيا نشره موقع “جلوبال ريسيرش”،في فبراير 2015،قائلا  أن تدخل حلف الناتو في عام 2011، جعل ليبيا  دولة فاشلة وقادها واقتصادها إلى حالة من الفوضى.فيما نشرت صحيفة الاندنبدنت مطلع يونيو 2017، مقالا أشار فيه باتريك كوكبيرن ان سياسات الولايات المتحدة التي لاقت دعماً مباشراً من بريطانيا اسهمت بتدمير سلطة الدولة في العراق وسوريا وليبيا وقدمت تلك الدول ضحية للتنظيمات المتطرفة.

وأصبحت ليبيا منذ العام 2011،تعاني من الإنتشار المستمر للأسلحة وتوسع نفوذ المليشيات الإسلامية التي حولت المدن الليبية الى ساحة  حرب كبيرة راح ضحيتها المدنيون، وصولاً إلى تمدد تنظيم “داعش” الإرهابي في الأراضي الليبية مستفيداً من انعدام الاستقرار في دول الجوار، فيما انقسمت البلاد سياسياً وعسكرياً على وقع حكومتين في طبرق وطرابلس.

الهجرة السرية

ظلَّت الهجرة غير الشرعية عبر المتوسط متحكَّمًا فيها من قِبل النظام الليبي حتى مطلع العام 2011،حيث كان العقيد الراحل معمر القذافي يتبنى وجهة نظر وجيهة حيال هذه الظاهرة تتلخص في اعتبار القضية مشكلة إنسانية واقتصادية بالمقام الأول تجب معالجتها وفق منظور إنساني أشمل وأعمَّ يتعلق ببُعد تنموي من أبرز ملامحه خلق فرص عمل عبر ضخِّ استثمارات في الدول الفقيرة المصدِّرة للمهاجرين لتوطينهم في بلدانهم وأن يتم ذلك من خلال تعاون دولي واسع.

وتعود سيطرة الزعيم الليبي وتحكمه بملف الهجرة غير الشرعية إلى النفوذ القوي الذي يحضى به في القارة السمراء ولا سيما لدى قادة وشعوب دول الساحل والقرن الإفريقيين (أهم منطقتين لتصدير المهاجرين غير الشرعيين في القارة).علاوة على أن جهاز الأمن الليبي كان من القوة بمكان بحيث يمكنه اعتقال أو إلقاء القبض على أي مطلوب في غضون ساعات قليلة في أي بقعة من ليبيا المترامية الأطراف التي تزيد مساحتها على مليون وسبعمائة ألف كيلومتر مربع.

ومع سقوط نظام العقيد الراحل القذافي انهارت مؤسسات الدولة الليبية، واستشرت الفوضى والانفلات الأمني مما جعل ليبيا وجهة مفضلة لطالبي الهجرة السرية صوب أوروبا، فالسواحل الأوروبية قريبة والأمن منعدم في المنافذ البحرية والبرية. أصبحت الهجرة السرية نحو أوروبا سلعة رائجة، بل إن الأمر أصبح من القوة والحضور بحيث صارت مواقع التواصل الاجتماعي تُستغل للترويج لهذه الظاهرة.

 وفي مقال للكاتبة يوليانا بوغوسوفا،نشره موقع “برافدا.رو”،أشارت فيه إلى أن اعتداء الولايات المتحدة والناتو على ليبيا عام 2011، حوَّلها إلى مركز دولي لتجارة البشر.وجاء في المقال،يقول مدير مكتب صحيفة “واشنطن بوست” في القاهرة سودارسان راغافان، في أحد تقاريره، إن ليبيا لم تتعاف بعد من الأعراض، التي تركها اعتداء الناتو في مارس/آذار 2011، وما انبثق عنه من تبعات تمثلت في قتل الزعيم الليبي معمر القذافي

ووفقا لكلمات سودارسان، فإن ليبيا أصبحت “مركزا مزدهرا لتجارة البشر”، حيث يأتي إليها من كل حدب وصوب في أفريقيا، المهاجرون غير القادرين على دفع تكاليف السفر للشركات غير القانونية، ليتحولوا إلى عمال عبيد مقابل صحن حساء، هذا إضافة إلى تعرضهم للتعذيب. أما النساء فيجبرن على ممارسة الدعارة..

ويلاحظ سودارسان أيضا أن عدد المهاجرين، الذين يغادرون ليبيا قد ازداد، وارتفع عددهم بنسبة 28% خلال عام واحد؛ مشيرا إلى فشل الجهود الدبلوماسية والعسكرية، التي بذلتها الولايات المتحدة وحلفاؤها لتحقيق الاستقرار في البلاد، بحيث أن الليبيين فقدوا أي أمل في الانفراج. كما يعتقد معظمهم أن “الأسوأ لم يأت بعد”.

ويعترف سودارسان بأن ليبيا في عهد القذافي كانت إحدى أغنى البلدان في العالم، وكانت تؤمن لليبيين الرعاية الطبية المجانية والتعليم وغير ذلك من المزايا الاجتماعية. وبالتالي يصعب جدا بعد ذلك، وكما كتب سودارسان، “تجاهل حالة عدم الاستقرار التي أعقبت مقتل القذافي، والتي “قطعت ليبيا إربا إربا بالمعنى الحرفي للكلمة”.

لكن الخطر الجدي الذي تراقبه دول الاتحاد الأوروبي بتوجس هو ما تشير اليه التقارير الاستخباراتية من أن التنظيمات الارهابية انبرت الى دسِّ عناصرها بين صفوف المهاجرين المتجهين إلى أوروبا.وهو ما يمثل كارثة بالنسبة لأوروبا التي تشعر بالحنين إلى عهد القذافي،الذي كان قادرا على إبعاد هؤلاء المهاجرين عن الشواطئ الأوروبية.وهو ما أشار اليه رئيس الوزراء الاسبق والسياسي الإيطالي، رومانو برودي خلال لقاء لتقديم كتابه “السطح المائل” في أغسطس الماضي، بقوله أن”عدم التحكم في قضية الهجرة هو ثمرة الصراع الدائر في ليبيا” بعد الاطاحة بنظام الزعيم الراحل معمر القذافي.

عجز حكومي

وهيأت النزاعات السياسية والتردي الأمني في ظل هشاشة الدولة على مدار سنوات مضت الطريق أمام مجموعات إرهابية وميليشيات مسلحة واتي أدى توغلها وانتشارها في أنحاء ليبيا الى نزيف دم لا يعرف التوقف في ظل عمليات الاغتيال التي مثلت سمة من سمات المشهد الليبي شانها في ذلك شأن الهجمات الارهابية والاشتباكات المسلحة والحروب، والتي حصدت جميعها طيلة السنوات الماضية أرواح الآلاف في ليبيا.

ورغم وصول حكومة الوفاق الوطني،برئاسة فايز السراج،الى العاصمة الليبية في 30 مارس 2016،وفي جعبتها تأييد دولي واسع، لم تستطع حل أزمات البلاد الأمنية حيث فشلت في احتواء المليشيات المسلحة المنتشرة خاصة في العاصمة وفي بسط سلطتها على كل البلاد.لتبقى العاصمة الليبية بحسب المراقبين،أسيرة للصراعات الميليشياوية ما جعل سكانها يعانون من ظروف معيشية وأمنية متردية.

هذا ولا تزال ليبيا تعيش تحت وطأة الاقتتال والصراع الداخلي وهو ما ينذر باحتمال انزلاق البلاد إلى حرب أهلية تعمق الانقسامات وتزيد من صعوبة الوضع الأمني، في ظل غياب سلطة مركزية قادرة على فرض الأمن وإعادة الاستقرار وتوحيد الصفوف.ورغم أن  “اتفاق الصخيرات” المبرم يوم 17 ديسمبر 2015 كان يبدو نافذة كافية لحصول توافق سياسي عام في ليبيا بعد فترة من الصراعات،غير أن الوضع المتردي في البلاد جعل كافة الوساطات الدبلوماسية لا تقدم الحلول الكاملة للخروج من الأزمة.

ويعتبر المتابعون للشأن الليبي العاصمة الليبية مكانا غير آمن،وهو ما ذهب إليه تقرير مجلة الإيكونوميست البريطانية،الذى نشرته مؤخرا،حول قائمة أفضل وأسوأ المدن معيشة في العالم،والذى أكد أن  طرابلس من ضمن أسوأ المدن الغير الملائمة للمعيشة.وبحسب تقرير المجلة السنوي فقد احتلت دمشق المركز الأخير في المؤشر، باعتبارها أسوأ مدينة للعيش وسبقتها العاصمة النيجيرية لاغوس ثم العاصمة الليبية طرابلس فالعاصمة البنغالية داكا.

وتدفع هذه الأوضاع الأمنية المتردية الى التحسر على زمن الأمن والاستقرار في عهد الزعيم الليبي الراحل.ولا يزال العقيد معمر القذافي إلى اليوم يحظى بولاء عدد كبير من القبائل الليبية خاصة في بعض مدن الشرق والجنوب إضافة إلى مدينة سرت مسقط رأسه، ويعيش العديد من أنصاره في تونس ومصر ويعتبرون أن الفوضى التي تعيش فيها البلاد في الوقت الراهن دليل على مدى قدرة العقيد معمر القذافي على قيادة البلاد وقوته في المسك بزمام الأمور.

تحرك وأمل

وفى أول تحرك حقيقى لسد الفراغ الأمنى وإنهاء حالة عدم الاستقرار فى ليبيا أطلق المشير خليفة حفتر عملية الكرامة لمحاربة الإرهابيين والمتطرفين فى ليبيا عقب الاغتيالات والتصفيات التى طالت عدد كبير من أبناء المؤسسة العسكرية.وهو ما كانت ترفضه الدول الغربية ودول إقليمية على رأسها تركيا وقطر، مفضلين تواجد الميليشيات المسلحة فى البلاد على بناء جيش وطنى قوى.

وبعد مشاهد انتصارات الجيش في بنغازي وسيطرته على مناطق واسعةٍ في الجنوب والغرب إضافة إلى سيطرته على منطقة الهلال النفطي الإستراتيجية وسط البلاد،يبدو الجيش الليبي سائرا بخطى ثابتة نحو مزيد من الإنتصارات التي قد تكون لها انعكاسات كبيرة على المشهد الليبي على جمع الأصعدة.ويأمل الليبيون فى استعادة وطنهم من المتطرفين والميليشيات المسلحة والبدء فى نهضة حقيقية فى البلاد وإرساء دولة القانون وتفعيل عمل مؤسسات الدولة الليبية وعلى رأسها الجيش الوطنى الليبى.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

Back to top button

مانع الإعلانات

إذا تمت إعادة توجيهك إلى هذه الصفحة ، فمن المحتمل أنك تستخدم برنامج حظر الإعلانات.