إنهاء العنف في مالي يبدأ ببناء المجتمعات

منذ العام 2012، ابتليت مالي بكونها البلد الأكثر إماتة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وبأنها ملاذ للمتطرفين العنيفين الذين يصولون ويجولون في عموم شمال إفريقيا. وكانت مجموعات محلية قد انضمت إلى قوات تابعة لتنظيمات جهادية دولية، بما فيها فرع لتنظيم القاعدة، وكسبت كما يبدو قوة في نزاع معقد يضم العشرات من المجموعات المسلحة العلمانية المعادية والموالية للحكومة على حد سواء. وتتجذر مشاكل مالي الحالية في نزاع كان قد بدأ في العام 2012، عندما استولى انفصاليون قديمون بقيادة مجموعة عرقية من الطوارق على مساحات شاسعة من شمال مالي، فيما كان في جزء منه بفضل شراكة مع مجموعات إسلامية متطرفة، وبفضل تدفق الأسلحة من ليبيا.
في ذلك الحين، نفذ قسم من الجيش انقلاباً في العاصمة باماكو بذريعة الحنق من عجز الحكومة عن السيطرة على أراضيها، مما أغرق مالي أكثر في أتون أزمة. وفي العام 2013، طردت قوات متعددة الجنسيات وقوات فرنسية الانفصاليين والجهاديين، واستعادت المدن الشمالية للحكومة المالية. لكن الاستقرار على المدى الطويل ما يزال مراوغاً.
وعلى الرغم من اتفاقية سلام وقعت في العام 2015 بين الحكومة وبين مجموعات مختلفة معادية للحكومة كانت قد انخرطت في انتفاضة العام 2012، ما يزال العنف سائداً كما يدل على ذلك القرار الأخير لمجلس الأمن الدولي القاضي بفرض عقوبات على أولئك الذين يحولون دون التوصل إلى اتفاق سلام.
لم تفض الأزمة فقط إلى تشريد ومعاناة مئات الالآف من المدنيين الماليين، وإنما أصبحت أيضاً تهدد الأمن الإقليمي –حيث تشن المجموعات المتطرفة العنيفة الهجمات أصلاً- بالإضافة إلى الأمن العالمي. وخلقت الأزمة كارثة إنسانية، وهي تهدد بزعزعة استقرار المنطقة؛ حيث تستغل المجموعات المسلحة المتشددة الفوضى السائدة لتوسيع طموحاتها خارج حدود مالي، كما تجسد في الهجوم الذي شُن في بوركينا فاسو المجاورة في آب (أغسطس) الماضي، وأسفر عن مقتل 19 شخصاً على يد جهاديين على الأغلب.
بينما تشكل الأزمة تحدياً أمنياً، فإن حلولها لا تكمن حصرياً في الاستجابات الأمنية. إنها متجذرة في التنمية. وكانت ميرسي كوربس قد عملت مؤخراً مع مجموعة “فكروا في السلام” المالية لإجراء بحث حول الأسباب التي تدفع الشباب في مالي -والذين يشكلون شريحة ضخمة من أعضاء المجموعات المسلحة- إلى المشاركة في العنف، وما الذي يمكن عمله لتحسين فرص السلام بحيث يستتب الأمن في نهاية المطاف. لكن المحادثات التي دارت بين باحثي ميرسي كوربس والشباب أظهرت أن العنف يسود في الجزء الضخم لأن الكثير من المجتمعات تشعر بعدم الأمان وبأنها تتعرض للإهمال من جانب حكومتها، أو أن السلطات تسيء معاملتها -أو كل العوامل الثلاثة معاً.
تشاركت غالبية المقاتلين الذين تحدثنا معهم -من مجموعات متطرفة عنيفة موالية للحكومة ومعارضة لها على حد سواء- في ذكر الأسباب الكامنة وراء الانضمام إلى المجموعات المسلحة، وهي أسباب متجذرة في اهتمامات مجتمعية وليس في دوافع فردية مثل الأيديولوجية الشخصية أو الاعتقادات الدينية أو الوضع الأُسري.
غالباً ما كانت المجتمعات تشجع مشاركة الشباب في هذه المجموعات المسلحة لأنها تشعر بأن الحكومة تتركها متخلفة، مثل تلك التي تعيش في شمالي مالي، وتتكون من منطقة جرداء مبتلاة منذ عهد بعيد بالمشاكل الأمنية. وقال شاب من مجموعة معارضة في منطقة تمبكتو: “الحكومة لا تتواجد في أقصى الشمال. ببساطة، اذهب إلى الصحراء لتشاهد هذا الغياب”. ويصف آخرون سوء المعاملة على أيدي الجيش أو تعرضهم لممارسات تنبع في أساسها من الفساد.
وتظهر هذه الديناميات بوضوح في المنطقة الوسطى من موبتي، المنطقة المبتلاة سالصراع المتنامي. ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى السخط المتصاعد في أوساط مجموعة البيول العرقية التي لطالما اشتكت من اضطهاد السلطات ومن التمييز الذي تمارسه ضدها مجموعات إثنية أخرى. وثمة مجموعة متطرفة عنيفة، “جبهة تحرير ماسينا” -التي أصبحت بديلاً جذاباً للحكومة لأن بعض البيول المتعبين من قوانين الحكومة انقلبوا عليها- والتي حولت أجزاء من موبتي إلى مناطق يُحظر دخولها، سواء بالنسبة للماليين الآخرين أو المواطنين العالميين. وقد اندمجت المجموعة مؤخراً مع تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي ومع مجموعات إسلاموية أخرى لتشكيل مظلة تنظيم متشدد شن أصلاً هجمات مميتة.
بينما يتركز الكثير من الانتباه الإعلامي العالمي في مالي على المجموعات المتطرفة العنيفة مثل تنظيم القاعدة في المغرب وغيره، فإن هذه التنظيمات هي جزء من عشرات المجموعات المسلحة الأخرى في البلد. ولم يستطع باحثونا الوصول إلى الشباب من كل أطياف المجموعات العنيفة، لكننا وجدنا لدى أولئك الذين استطعنا الوصول إليهم اختلافات جوهرية فيما يتعلق بأسباب انسياق الشباب إلى التنظيمات العنيفة المتطرفة، والوقوف ضد مجموعات معارضة مسلحة علمانية أخرى.
علمنا من الشباب الذين قابلناهم من المجموعات المتطرفة العنيفة أنهم لا ينساقون إلى العنف بسبب المعتقدات الدينية -وهي في الغالب عامل ثانوي من الدرجة الثالثة في دفعهم إلى المشاركة- وإنما لأنهم غاضبون من الإهمال طويل الأمد لمجتمعاتهم، وسعيهم إلى الأمن الذي تستطيع المجموعات المسلحة تأمينه لهذه المجتمعات.
يتسم خفض تهديد التطرف العنيف في مالي بأهمية بالغة -وليس فقط لما يصب في صالح البلد، وإنما أيضاً لخدمة مصالح الأمن العالمي- لكن التظاهر بأن هذا التهديد فريد ومعزول عن النزاعات الأخرى التي تسوق الكثير من العنف في مالي سيمنع المسؤولين عن السلام من الانخراط في العمل الصعب المطلوب لجعل ذلك ممكناً.
لغاية خفض كوادر المجموعات المسلحة ومساعدة مالي في إنجاز سلام دائم، يجب أن تذهب الحلول إلى ما وراء العمل العسكري: يجب عليها مخاطبة تلك الأسباب الجذرية للمشاركة في العنف -كل العنف. وسوف تفوت أي مقاربة تعطي الأولوية لاستئصال الشباب الأكثر خطورة معالجة المعاناة الأوسع التي تواجه المجتمعات. وطالما ظلت المجتمعات تشجع وتدعم هذه المجموعات، سواء باسم الأمن أو العدالة، فسوف يكون هناك مقاتلون جدد مستعدون لملء الصفوف.
أولاً، يجب على الحكومة تغيير الظروف التي تكسب من خلالها هذه المجموعات دعم المجتمع. ويعني ذلك تحسين عمليات صنع القرار المحلي وبناء الثقة في زعماء المجتمع، بمن فيهم الشباب. وقد شعرت المجتمعات في المناطق الشمالية والوسطى على التوالي بإهمال وظلم مقصودين، ولذلك يجب على الحكومة زيادة شفافية وشمولية صنع القرار لديها.
يشكل تنفيذ أحكام اتفاق السلام الفرصة الأولى للحكومة لممارسة هذه الشمولية، لكن عليها الذهاب أبعد من مجرد المجموعات المسلحة والمناطق المتضمنة في اتفاقية العام 2015، نظراً لأن النزاع ضم منذ ذلك الحين -للأسف- المزيد من الناس والأماكن.
وثمة دور مهم تلعبه الاستثمارات الدولية في مساعدة الحكومة والمجتمع المدني والمجتمعات المحلية في الوصول إلى تحقيق هذه الغايات. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد اقترح إجراء خفض في مساعدات التنمية الأميركية المقدمة إلى مالي -من 56 مليون دولار في السنة المالية 2016 إلى 39 مليون دولار في السنة المالية 2018- لكن الوقت حان الآن لمضاعفة العناية باستقرار مالي وليس الانسحاب منها. وتستطيع المساعدات الأميركية الأجنبية دعم المنظمات الملتزمة بمساعدة المجتمعات المحلية على الأرض، والاستثمار في الموارد التي تقوي علاقات الحكومة بالمجتمع والمشاركة مع الحكومة في زيادة التنمية الشمولية والشفافية.
أما إذا تقاعسنا عن العمل لدعم هذه المجتمعات ومخاطبة المسببات الكامنة للنزاع -الحوكمة البائسة وعدم المساواة وانعدام الأمن- فسوف نشهد تداعيات سلبية، أولاً وفي المقام الأول على الماليين في وسط الأزمة، وأيضاً على الاستقرار الإقليمي -وحتى الدولي. وما يزال العمل الصعب من أجل بناء السلام في مالي غير منتهٍ. إنه في بدايته فحسب.

ليزا إينكس* – (نيوزويك) 23/9/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تحقق أيضا
Close
Back to top button

مانع الإعلانات

إذا تمت إعادة توجيهك إلى هذه الصفحة ، فمن المحتمل أنك تستخدم برنامج حظر الإعلانات.