@font-face{font-family:'jazeera';src: url('https://www.fontstatic.com/fonts/jazeera/jazeera.eot?#iefix');src: local('الجزيرة'), local('jazeera'),url('https://www.fontstatic.com/fonts/jazeera/jazeera.woff') format('woff');}

مالي بين خيارين: السلم أو التفتيت

علي الانصاري

تعيش جمهورية مالي ،الدولة الغرب افريقية، وضعا سياسيا وعسكريا وامنيا واقتصاديا، يرخي بظلاله على كافة دول المنطقة، نظرا لارتباطات جغرافية وبشرية ،تترابط فيما بينها،  مما يجعل مطلب الامن والاستقرار مطلبا ليس محليا فقط، بل ايضا اقليميا.

في التقرير التالي نشخص الوضع على كافة المستويات، لنخرج بحقيقة التحديات التي تواجه هذه الدولة ،والتي قظي تؤدي الى  مخاطر كبرى على المنطقة ككل.

مالي سياسيا: صراع المصالح الاقليمية

تقف الجمهورية المالية على  حافة اتجاهات متعددة ومتباينة، بين اتجاه إنجاح اتفاق السلم وصيانة الوحدة الترابية  وعودة الاستقرار ،ونقيضه استمرار الفوضى الحالية وغياب الأمن والاستقرار، والذي سيؤدي لا محالة الى تفتيت الجمهورية.

الاتجاه الأول ، المتمثل في  نجاح  تطبيق اتفاق السلم المصالحة والتفاهمات السلمية، يواجه تحديات جمة من أهمها الخلافات بين جهتين رئيسيتين ، لهما تأثير كبير على القرار في مالي، الا وهي الجزائر وفرنسا، فالسياسة ماكرونية الجديدة في المنطقة والتي يشرف عليها مستشارون امنيون هاجسهن اعادة استعمار افريقيا الغربية، لا ترضى بتاتا الطموح الجزائري، المتمسك بالتأثير الوقي على امتدادات الطوارق في جنوبه ،ليظل بذلك الجهة الأكثر تأثيرا في قرار باماكو  ولم لا نيامي، طرابلس فيما بعد، ويظل الأزواد  ” شمال  مالي” الأهم بالنسبة للمرادية.

تتمثل اختلاف وجهات النظر بين الجزائر وفرنسا، في اعتقاد  مستشارو ماكرون الأمنيون بأن علاقات المتحكمين في المرادية مع جهات نافذة في مالي شمالا وجنوبا ” الاوساط العسكرية” لن تسمح بأية استراتيجية فرنسية  بالنجاح ، وهذا يقلل من الدور الفرنسي في الساحل ويعرض قوات البرخان للخطر، من خلال حماية أهداف معينة بمجرد اقتراب  القوة الفرنسية منها.

ويأتي هذا الصراع ضمن صراعات اخرى  على المنطقة منها ماهو ذا طابع اقليمي ودولي، من قبيل سعي امريكي حثيث لإنشاء قاعدة في شمال مالي ” من خلال ملاحظة نشاط السفارة الأمريكية في باماكو والتي اكتسبت اهمية كبيرة خلال السنوات الأخيرة” ولا يخف السفير الامريكي دعمه لمنح “الأزواد “نوعا من الوضع السياسي ،قد لا يصل للحكم الذاتي، الذي يتيح  لقيادة المنطقة المشاركة في اتخاذ القرار وتدبير  بعضا من شؤونهم المحلية ، وهو امر يحرك الأجهزة الجزائرية .

 

من جهتها تحرك جهات فرنسا ومالية، فعاليات و ” حركات” وقبائل من المنطقة من اجل التقليل من مكاسب اتفاقية السلام والمصالحة لصالح الأزواديين، وهو امر يرضي المعارضة المالية وبعض اجنحة الحكم وهو السبب الرئيسي في ارجاء خطة الرئيس ابوبكر كيتا، بتعديل الدستوري ،ليتلاءم مع اتفاق السلم والمصالحة .

ويمهد عدول الرئيس عن تعديل الدستوري لإعلانه الترشح لولاية ثانية، فهو من جهة يخفف من مخاوف المعارضة ومن جهة اخرى لا يلغي تماما النيه في تعديل الدستور من أجل تطبيق اتفاق السلام.

فيما تستند المعارضة التي يقودها سوميلا سيسي  الرئيس السابق للمجموعة الاقتصادية لغرب افريقيا المالي، على احصائيات وتحاليل ونفور شعبي من عدم قدرة الرئيس ابوبكر كيتا على انجاح خطة السلام في مالي وتقديمه تنازلات لصالح الحركات الأزوادية وجمود العملية السلمية ، وهي مواقف تحرك قادة الجيش الذين يرون ان تخاذل الرئيس وعدم حسمه في العديد من المسائل شجع المعارضة الشمالية ” الطوارق” على الصمود والمطالبة بامتيازات قد تقوض وحدة مالي، كما ان الجيش المالي لم يعد له نفس الدور الذي كان يقوم به في السابق في ظل فتح الرئيس شمال البلاد ووسطها لآلآف الجنود من جنسيات مختلفة.

وتركز المعارضة ايضا على الفساد المالي والإداري ،خاصة فيما يخص المنح والمساعدات الدولية لمالي، حيث تم صرف معظم المبالغ الممنوحة لمالي في اجتماعات ومؤتمرات وشراء طائرة خاصة للرئيس، ولم تكن لها انعكاسات على التنمية داخل مالي ، والتي تعتبر حجر الأساس  للاستقرار والسلم” .

لكن رغم كل انتقادات المعارضة كل المؤشرات ترجح فوز الرئيس الحالي بولاية ثانية، نظرا للدعم الفرنسي والاقليمي، ولضعف  تجمع احزاب المعارضة وعدم  قدرتها على بناء توافقات لتقديم مرشح موحد، وغياب برامج بديلة ووجهة نظرا واضحة وموحدة  حول تطبيق اتفاقية السلم والمصالحة، فالمعارضة  تعارض تعديل الدستور لتطبيق اتفاق السلام، لكنها لا تعارض الاتفاق ولم تقدم بدائل بالنسبة لتعديله.

على المستوى العسكري يبرر الرئيس كيتا، تهميشه للجيش وتسليحه  بكون ذلك يهدد الديمقراطية والاستقرار في مالي ، فالحرب في الشمال كانت دائما مبررا للانقلابات في مالي، وهذا يزعج الاوساط العسكرية التي تريد ان يكون لها دورا رئيسيا في تطبيق اتفاق السلام في الشمال وتخصيص اموال اضافية لتسليح الجيش ” هي صفقات يستفيد  منها قادة الجيش”، معظم الاسلحة التي توصل بها الجيش المالي خلال السنوات الاخيرة كانت في شكل منح وهبات من جهات دولية في اطار الدعم  الدولي من اجل مواجهة الارهاب.

وترى الأوساط الاقليمية ان الرهان الحقيقي لمالي هو مواجهة الحركات الجهادية ،  القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي والمرابطون وحركة ابوالوليد الصحراوي، وحركة انصار الاسلام والمسلمين  والتي يقودها اياد اغ غالي  وحليفتها ماسينا ،اللتان تهددان العمق المالي ،خاصة العاصمة باماكو وغيرها من العواصم في غرب افريقيا.

يرتبط اياد  اغ غالي بعلاقات قوية مع بعض الاوساط السياسية و العسكرية المالية وبالطبع في الشمال الأزواد ، وهناك دعوات الى ضرورة ضمه الى اتفاق السلام المصالحة ، وهي نفس الخلاصة التي خرج بها مؤتمر وفاق مالي في مارس السابق وكان بمثابة غزل من الرئيس لتلك الاوساط العسكرية وللجزائر واوساط من تنسيقية حركات الازواد ” قبيلة افوغاس” خاصة والطوارق عامة، لكن وساطة رئيس المجلس الاسلامي محمود ديكو فشلت في هذا الإطار، على أن فرنسا لا تنظر للمصالحة مع قائد انصار الاسلام والمسلمين بعين الرضا،خاصة بعد ووقوع ضحايا فرنسيين على يد  الحركة التي يترأسها بالإضافة لمقتل رهينة فرنسية،  وتعتقد  ان  ضم اياد اغ غالي الى معادلة الحل في شمال مالي يقوي الدور الجزائري في المنطقة.

مالي : الأمن المتردي

على المستوى الامني، تنقسم مالي الى ثلاثة اقسام، العاصمة باماكو هي الأكثر امانا، وان كانت مستهدفة من قبل حركة نصرة الاسلام والمسلمين ومن خلايا ماسينا، وهي تستغل الفراغ الامني وقلة خبرة الاجهزة الامنية المالية، التي يبدو انها فوضت للقوات الاجنبية مهمة حماية الأمن في العاصمة، وتفضل  الحركة “الجهادية” ان تستهدف الفنادق والمنتجعات التي يرتادها الأجانب الفرنسيين خاصة والجنسيات الاوربية الاخرى “عدوها الأساسي “، وتستغل  هذه تواطئ جهات امنية وعسكرية في مالي محبطة من احوالها الاجتماعية.

الوسط : اقل امنا من باماكو وتنشط فيه حركة ماسينا الفلانية وهي توالي القاعدة وتأتمر بأمر اياد اغ غالي ومرتبطة بشمال بوركينا فاسو،  وتعتمد الطابع العرقي  من قبيل تهميش الفلان في مالي،بالاضافة الى جانب الديني المرتبط تاريخيا بحركة دينية اصلاحية قادها احد شيوخها على عهد الاستعمار، وتتواطئ اوساط محلية مع الحركة، حيث يتوارى اعضاءها داخل الساكنة المحلية مما يصعب التمييز بينها وبين السكان المحليين، ولها جانب اقتصادي تضامني مهم، في ظل تراجع الاسباب المعيشية في المنطقة، معروفة بإستعمالها للدراجات النارية في عملياتها. كما تتميز بعدم تورطها مع حركات التهريب والاختطاف.

القسم الثالث هو الشمال: حيث تنشط اغلب الحركات الجهادية ، القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي ” نصرة الاسلام” حركة المرابطين، حركة ابوالوليد الصحراوي الموالية لداعش، والحركات الاستقلالية الطوارقية والعربية، بالاضافة الى عصابات التهريب السلع  والمهاجرين، والكوكايين  والمالبورو، وتترابط المصالح بين هذه الحركات والعصابات بشكل يصعب معه التمييز بينها.

فالتهريب هو النشاط الاقتصادي الابرز في المنطقة في غياب اي نشاط اخر، وتتبادل هذه الحركات رغم اختلاف توجهاتها المصالح والمنافع والمعلومات، كما تتقاطع مع اجهزة استخباراتية متصارعة فيما بينها على مصالح في المنطقة ، لكافة هذه الحركات امتدادات داخل الجزائر وموريتانيا وليبيا والنيجر، بالاضافة الى امتدادات في الشرق الاوسط ،عبر امتدادات ايديولوجية تأخذ طابع المصالح الاقتصادية والمنافع في شكل منح زكاة صدقات، عمل خيري.

مالي اقتصاديا : بين الفساد  وغياب البدائل التنموية

احتفلت مالي هذه السنة بزيادة انتاجها من الذهب، لتصبح  من اهم مصدره في العالم،  لكن الشركات الروسية  تحتكر هذا المجال في مالي منذ الاستقلال ،تقع مناجم الذهب في الجنوب  وفي حوض تنبكتو، الاعلان كان لحظة مهمة بالنسبة لفريق الرئيس كيتا، إذ اعتبره انجازا اقتصاديا مهما له في ولايته، لكن مقابل ذلك تراجع انتاج القطن وهم و من اهم صادرات مالي الى الخارج، وتراجع انتاج الرز وهو المحصول الرئيس في مالي والاكلة الشعبية فيها وبالتالي اضطر مالي الى استرداه من الصين. ورغم زيادة الاستثمارات الاجنبية لكنها من تتعدى منطقة باماكو نظرا للظروف الأمنية، وتطمح مالي الى استضافة مؤتمر دولي للاستثمار في دجنبر المقبل لزيادة حجم الاستثمارات  الاجنبية ، لكن يبدو الظروف الامنية المتردية  تحول دون  ذلك الطموح ، ولطمأنة المستثمرين اعلنت مالي عن انشاء  جهاز خاص لمكافحة الارهاب قبل شهر بدعم  غربي و فرنسي خاصة، تم اختيار عناصره من نخبة الشرطة و الجيش المالي، لكن هذا الجهاز تعوزه الامكانيات  والتجربة .

ويتمركز في  هذا الجهاز الامني في باماكو لحماية المؤسسات الاجنبية بالذات، ولا تقبل عناصره العمل في مناطق الشمال، حيث تعتمد الأجهزة الاستخبارتية على عناصر مزدوجة التعامل مع جهات متعدد،مقابل امتيازات محلية، وهي مكشوف للقاعدة في بلاد المغرب الاسلامي وغيرها من الحركات، تم مؤخر تنفيذ حكم الاعدام امام الملأ في الشمال في عنصرين يعملان لصالح مالي وموريتانيا، مما شكل صدمة كبيرة للناس ، نصرة الاسلام هي من نفذت الاعدام.

تعتمد مالي في ميزانيتها على المنح الدولية، حيث خصصت الدول المانحة ما يفوق خمسة مليارات لمالي خلال السنتين السابقتين، تصرف اغلب بنوده في تطبيق اتفاق السلام الموقع في الجزائر، وبالتالي فأن الاقتصاد المالي والذي يعتمد على الزراعة وتنمية المواشي يعاني كثيرا، وتزيد من معاناته غموض الأفق المستقبلي وتخلف اغلب الدول المناحة عن تقديم دعمها بسبب تهم بالفساد تلاحق اغلب اعضاء الفريق المحيط بالرئيس ابراهيم ابوبكر كيتا، قدرت منظمة الشفافية الدولية حجم الرشوة في مالي خلال السنة الفارضة بما يقارب  سبعين مليار سيفا.

موعدان امام مالي خلال هذه السنة: اجتماع الدول المناحة في برلين نهاية السنة الحالية، وانجاح المؤتمر الاستثماري في دجنبر المقبل لجذب بعض الفاعلين الاقتصاديين للاستثمار لكن تبقى الحالة الامنية ،المعيق الاول لهذا التوجه.

 

 

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

Back to top button