محاربة الإرهاب يعزز دوافع الاحتلال المبتكرة

مثّل الإرهاب ذريعة للإدارات الأمريكية المتعاقبة من أجل الدخول بجيشها أي دولة يرى فيها البيت الأبيض مصالح له، معتمدًا بذلك على سياسة التمهيد بزخم إعلامي كبير يثير حالة من الرعب في العالم ويمنح واشنطن ذريعة التحرك العسكري.

بالأمس، كشف مسؤولون بوزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون”، عن تفاصيل جديدة تتعلق بمقتل أربعة من الجنود الأمريكان فى النيجر قبل ثلاثة أسابيع، الأمر الذي فتح الباب مجددًا على التواجد الأمريكي في النيجر وإفريقيا بوجه عام.

ووفقًا للقصة الأمريكية، لا تبدو الولايات المتحدة المستعمرة الوحيدة في النيجر، فالمستعمر الفرنسي الأساس في إفريقيا له توغلاته في النيجر، فبحسب المؤسسة العسكرية الأمريكية، قال أعلى مسؤول فى وزارة الدفاع الأمريكية، إن فريق القوات الخاصة الذي حُوصر فى كمين قاتل مطلع الشهر الجاري، لم يطلب المساعدة من القوات الفرنسية القريبة منه، لمدة ساعة بعد بدء إطلاق النار قرب القرية التي كان الأمريكان يزورونها، خلال مهمة استطلاع قبل عدة ساعات من الحادث.

ورغم ما حدث لجنود بلاده في النيجر، أعلن رئيس هيئة أركان الجيوش الأمريكية، جوزيف دونفورد، أنهم سيواصلون مساعدة القوات العسكرية في النيجر، وقالت عضو الكونجرس، ليندسي غراهام، للصحفيين الأسبوع الماضي: “الحرب تتغير، وسوف نشهد المزيد من الحركة في إفريقيا، والمزيد من العدوان من قِبل الولايات المتحدة تجاه أعدائنا، وليس أقل؛ وسوف تُتخذ القرارات في الميدان وليس في البيت الأبيض”.

يبدو أن واشنطن تبحث عن بديل يُقتل بالنيابة عنها في النيجر، بحيث لا تضحي بجنودها أو على الأقل تقلل من مخاطر استهدافهم، ويحاولون إيجاد ضالتهم في الجزائر، حيث طلبت الولايات المتحدة الاستعانة بخبرة الجيش الجزائري في تنفيذ عملية عسكرية موسعة في النيجر، والتقى مساعد منسق سياسة محاربة الإرهاب بالخارجية الأمريكية رافي غريغوريان، في العاصمة الجزائرية أمس، وزير الخارجية عبد القادر مساهل، ومنسق المصالح الأمنية (المخابرات) التابعة للرئاسة اللواء عثمان طرطاق، ومسؤولين بجهازي الشرطة والدرك.

وقال مصدر حكومي، إن المسؤول الأمريكي بحث مع المسؤولين الجزائريين، إمكانية مشاركة الجيش الجزائري في عملية عسكرية موسّعة بعد الكمين الذي استهدف القوات الخاصة الأميركية في النيجر، إلا أنه (غريغوريان) لم يحصل على موافقة مبدئية بدخول القوات الجزائرية في حرب خارج حدود البلاد، لكن الجزائر تعهد فقط بوضع تجربة الجيش تحت تصرف الولايات المتحدة، في مجال محاربة الإرهاب.

البحث الأمريكي عن بدائل وأدوات جديدة لاستمرار بقائه في النيجر، يشير إلى أنه باقٍ لفترة طويلة في إفريقيا، خاصة أن تصريحات المسؤولين الأمريكيين بالمواصلة في القارة السمراء تأتي في وقت لم تقم إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، حتى الآن بملء منصب مساعد وزير الخارجية في وزارة الخارجية لإفريقيا.

ونشرت بعض المواقع تسريبات ووثائق سرية بشأن إنشاء قاعدة طائرات أمريكية في مدينة أغاديس بالنيجر بتكلفة 100 مليون دولار، ليضع العديد من علامات الاستفهام حول الهدف الرئيسي من وجود القاعدة في هذا التوقيت بالذات، علمًا بأن المنطقة تمتلك حقولًا من النفط، وبحسب آراء خبراء ومحللين، فإن هناك مخططا أمريكيا لإعادة احتلال القارة من جديد بأسلوب حديث ومبتكر، وبموافقة شبه كاملة من قبل الحكومات والنظم السياسية الحاكمة لدول إفريقيا.

وفيما يتعلق باهتمام أمريكا بإفريقيا وتوجيه دفة الحضور العسكري والسياسي تجاهها، فيعود ذلك بحسب خبراء لموقع إفريقيا الحيوي، فعلى سبيل المثال تمتلك أهم مضيقين لحركة التجارة العالمية، الأول في قناة السويس والتي يمر منها معظم البترول الخليج، والذي يصدر للولايات المتحدة وأوروبا (70% من النفط الخليجي)، والثاني مضيق هرمز 40% من نفط العالم، والذي تسيطر عليه المنطقة الإفريقية من خلال مضيق باب المندب، وبالتالي تسعى واشنطن إلى إحكام السيطرة على مقاليد الأمور في هذه الممرات الدولية، خاصة بعد التوغل الروسي والصيني والهندي في إفريقيا، بالإضافة إلى أن أمريكا تبحث عن تأمين واستقرار التنقيب عن النفط والمعادن في القارة، الأمر الذي يعد أحد أبرز دوافع الولايات المتحدة لإنشاء قواعد عسكرية في إفريقيا.

وتمتلك الولايات المتحدة علاقات عسكرية مع 49 دولة من دول إفريقيا الـ54، وهناك ما لا يقل عن 6 آلاف جندي أمريكي منتشرين عبر عشرات الدول الإفريقية في عدد من البعثات، لكن أكبر عدد من الجنود يُقدر بـ900 في النيجر، حيث تعمل القوات الأمريكية على دعم الحكومة منذ أكثر من نصف عقد بالتعاون مع القوة الفرنسية الأكبر التي تمركزت في المنطقة في أعقاب التدخل بقيادة فرنسا عام 2013 بذريعة التمرد الإسلامي في مالي.

وفقًا لما نشرته مجلة “زون ميليتار – أوبكس 360” الفرنسية، يوجد ما لا يقل عن 12 قاعدة أمريكية “سرّية” في إفريقيا، تم إنشاؤها وسط تعتيم رسمي شبه كامل للولايات المتحدة الأمريكية حيال هذا الانتشار، الذي يشمل العديد من الدول الإفريقية كالنيجر والتشاد وإثيوبيا والكونغو الديمقراطية وأوغندا والصومال وجنوب السودان.

مقالات ذات صلة

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك