@font-face{font-family:'jazeera';src: url('https://www.fontstatic.com/fonts/jazeera/jazeera.eot?#iefix');src: local('الجزيرة'), local('jazeera'),url('https://www.fontstatic.com/fonts/jazeera/jazeera.woff') format('woff');}

القوّة المشتركة لمجموعة دول السّاحل الإفريقي, مفارقات ونقاط استفهام

أظنّ، وأرجو ألاّ يصدق ظنّي، أنّ مركز ثقل «الحراك الإرهابي» بعد اندحاره في العراق وسوريا بدأ ينتقل أو يُنْقَلُ من الشرق الأوسط إلى منطقة المغرب العربي وما جاورها، أي منطقة الساحل والصحراء الإفريقيين.

وهذا ما يمكن استخلاصه من تسارع التحركات الفرنسية خاصّة بعد مجيء الرئيس الفرنسي الجديد ايمانويل ماكرون إلى الحكم في ماي 2017، من أجل التعجيل بإنشاء القوة المشتركة لمكافحة الإرهاب لمجموعة دول الساحل الإفريقي الخمس.

فبعد أسابيع قليلة من إمساكه بزمام الحكم، وبالتّحديد يوم الأحد 02 جويلية 2017 شارك الرئيس الفرنسي في القمّة التي عقدتها المجموعة المتألّفة من مالي وموريتانيا والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد في العاصمة المالية باماكو، والتي أقرّت إنشاء قوّة إقليمية مشتركة تتألّف من خمسة آلاف عنصر، (ستتم مضاعفة عددهم لاحقا)، وترمي إلى مكافحة المجموعات المتطرّفة والإرهابية المنتشرة في المنطقة، وملاحقة عناصرها عبر الحدود.

في البداية، ستنتشر هذه القوّة التي سيكون مركز قيادتها في «سيفاري» بوسط مالي على الحدود بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر لتنضمّ في وقت لاحق إلى قوّة «برخان» الفرنسية، وبعثة الأمم المتحدة في مالي (مينوسما). ولأنّ تكلفة إنشاء هذه القوّة التي أطلق عليها اسم «التحالف من أجل الساحل»، والتي تريد فرنسا أن تشرع في ممارسة مهامها في أقرب وقت ممكن تقدّر بـ 423 مليون يورو، فقد بادرت فرنسا في 13 ديسمبر 2017 إلى احتضان قمّة في منطقة «سيل سان كلو» La Celle Saint Cloud الواقعة غرب العاصمة باريس، حضرها إلى جانب الرئيس الفرنسي ورؤساء دول المجموعة الخمس كلّ من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيسي وزراء إيطاليا وبلجيكا وممثّلون عن الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الإفريقي والولايات المتحدة الأمريكية ووزراء من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. وتنطوي هذه القمّة والقرارات التي خرجت بها على جملة من المفارقات التي تثير نقاط استفهام عديدة فيما يلي أبرزها:
المفارقة الأولى

يتّضح من خلال قرارات القمّة أنّ المملكة العربية السعودية هي الداعم الرئيسي للمجموعة حيث خصّصت لها 100 مليون يورو، بينما خصّصت لها دولة الإمارات العربية المتحدة 30 مليون يورو، أمّا الاتحاد الأوروبي فخصّص لها 50 مليونا وفرنسا 8 ملايين وهولاندا 5 ملايين. وقرّرت الولايات المتحدة الأمريكية منحها 50 مليون يورو لكن في شكل اعتمادات ثنائية، بينما ستشارك كلّ من دول المجموعة بـ10 ملايين يورو في تمويل القوة. ولأنّ هذه المبالغ لا تفي بالحاجة، قرّرت فرنسا تنظيم جولة ثانية موسّعة للدعم المالي يوم 23 فيفري 2018 في بروكسل.

ورغم أنّ فرنسا الدولة المُسْتَعْمِرَة السابقة للدول الخمس ستكون المستفيدة الأولى من إنشاء القوّة المشتركة التي يُنْتَظَر أن تخفّف عنها عبء التدخل العسكري المباشر في المنطقة على غرار ما قامت به في مالي، فإنّ مساهمتها في الموارد اللازمة لإنشائها تعتبر ضئيلة.

وبالفعل فإنّ الرئيس إيمانويل ماكرون وعد في كلمته أمام القمّة المنعقدة بباماكو، بتقديم مساعدة مالية وعسكرية للقوّة تفوق قيمتها ثمانية ملايين يورو حتّى نهاية سنة 2017 وتتمثّل في تزويد القوّة بـ 70 عربة ودعمها عملاتيا. وكانت فرنسا أعلنت قبل ذلك في 08 أكتوبر 2016 أنّها تعتزم إنفاق 42 مليون يورو (منها 24 مليون للمعدّات) بين عامي 2017 و2022 لتدريب قوّات دول الساحل الإفريقي الخمس والسينغال على مكافحة الإرهاب وصدّ هجماته المحتملة عليها. ويرى الملاحظون أنّ هذه التعهدات الفرنسية لا تتماشى مع ما أعلنه إيمانويل ماكرون، منذ الوهلة الأولى، من عزم على مواصلة الحرب التي كان سلفه فرنسوا هولاند بدأها سنة 2013 على تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بعد سيطرته على شمال مالي سنة 2012. ومعلوم أنّ هذه الحرب مكّنت، بالاعتماد على عملية أطلق عليها اسم «سرفال»، من طرد مقاتلي التنظيم، وبعض الجماعات المرتبطة به، من شمال مالي، غير أنّهم تجمّعوا في بعض المناطق النائية وأصبحوا يشنّون هجمات سريعة وخاطفة على القوّات المالية والفرنسية والأممية، وهو ما دفع فرنسا، بالتعاون مع الجيوش المحلية، إلى شنّ عمليّة «برخان» التي عبّأت لها ثلاثة آلاف جندي فرنسي انطلاقا من أوت 2014.

وتنطبق نفس الملاحظة على بقيّة دول الاتحاد الأوروبي، فهي لم تساهم في تمويل القوّة إلا بمبالغ محدودة، رغم أنّها تدرك أنّها ستكون بمثابة سدّ يسهم في وقاية القارّة الأوروبية ودولها من تهديدات المجموعات الإرهابية، ومن موجات الهجرة السرية…

والأسئلة التي تتبادر إلى الذّهن هنا هي: هل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة أغنى من الدول الأوروبية والولايات المتحدة حتّى تكون مساهمتهما في تمويل القوّة أكبر المساهمات المعلن عنها؟ ثّم ما هي المصالح العليا والأهداف الاستراتيجية التي تسعى الرياض وأبو ظبي إلى تحقيقها من هذا السّخاء الحاتمي؟ وأخيرا، ومن منطلق الدّور الذي لعبه السعوديون والإماراتيون خلال السنوات الماضية في أكثر من دولة عربية، ألا يخشى أن يكون وراء الأكمّة ما وراءها؟
المفارقة الثّانية

لعلّه ممّا يدعو إلى الاستغراب أنّ فرنسا تبدو على عجلة من أمرها، فهي تريد أن تشرع القوّة المشتركة في ممارسة مهامها في الأشهر القليلة القادمة وأن يتم استكمال تجهيز الجنود في مارس 2018… وهذا ما جعل الرئيس إيمانويل ماكرون يعمل خلال زيارته الأخيرة إلى عدد من بلدان الخليج على «شحذ هممها» من أجل دعم مجموعة دول الساحل الخمس والقوّة المشتركة التي قررت انشاءها… وربّما ترجع هذه العجلة إلى رغبة فرنسا في التّخفيف من أعباء وجودها المُكْلِف في المنطقة المرشّحة لأن تكون ملاذا للإرهابيين في ظلّ ما تتّسم به الدولة وأجهزتها في بعض بلدانها من هشاشة وضعف، غير أنّ السؤال الخطير الذي ينبغي طرحه هو هل تتوقّع باريس أن تتوتّر الأوضاع في منطقة الساحل والصحراء قريبا نتيجة التطورات الناجمة عن القضاء على تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ونتيجة استمرار الأزمة في ليبيا؟
المفارقة الثّالثة

عندما تمّ، بمبادرة من موريتانيا وانطلاقا من عاصمتها نواكشوط، الإعلان عن ميلاد مجموعة دول الساحل الخمس في 16 فيفري 2014، حرصت الدول الأعضاء على التّأكيد على أنّ هذه المجموعة الإقليمية ستُعْنَى بأمرين أساسيّين أوّلهما العمل على إخراج المنطقة من كابوس الفقر والجهل والجوع، من خلال تنفيذ برنامج استثماري طموح تقدّر قيمته بـ15 مليار دولار، ويمتدّ من عام 2015 إلى عام 2017، ويهدف إلى ترقية التنمية وتعزيز الاستقرار، وإرساء فضاء ساحلي صحراوي آمن يضمن لشعوبه تحقيق الازدهار والعيش الكريم، وثانيهما التنسيق الأمني ومواجهة مخاطر الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، وتهريب السلاح والمخدّرات في هذه المنطقة مترامية الأطراف التي تتجاوز مساحتها خمسة ملايين كلم مربع… غير أنّ أهداف هذا البرنامج الذي أطلق عليه اسم «مسار نواكشوط» ظلت حبيسة أدراج اللجنة الدائمة للمجموعة التي لم تنجح في إقناع شركائها وبالذّات الأوروبيين منهم بتبنّيه وبالمساهمة في تمويله وتجسيمه على أرض الواقع.

والحقيقة أنّ أوروبا، على عادتها، ركّزت اهتمامها بشكل يكاد يكون حصريا على الشقّ الأمني من البرنامج، أي على مسألة تمويل القوّة المشتركة، منطلقة في ذلك من مقولة ما فتئ الأوروبيون يردّدونها وهي مقولة «لا تنمية بدون أمن» ناسين أنّه أيضا «لا أمن بدون تنمية»، وهذا ما يشكّل مفارقة في مقاربة الدول الأوروبية لتعاونها مع شركائها الأفارقة تستوجب طرح السؤال التالي: متى ستفهم الدول الأوروبية أنّ الاهتمام بالأمن وإهمال التنمية لا يمكن أبدا أن يحلاّ ما تعانيه الدول الإفريقية من مشاكل «عابرة للحدود»، إذ أنّ امتداداتها تصل إلى جوار أوروبا، وإلى أوروبا وما وراء ها.
المفارقة الرّابعة

رفضت الجزائر التي تعدّ أكبر قوّة عسكرية في المنطقة، حضور قمّة باماكو، وذلك بالرّغم من محاولة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس المالي إبراهيم بوبكر كيتا إقناع الرئيس عبد العزيز بو تفليقة بحضورها كضيف شرف أو عضو ملاحظ، بل إن الرئيس الجزائري رفض حتّى مشاركة سفير الجزائر في باماكو في جانب من أشغالها.

وقد أصّرت الجزائر على نفس الموقف عند انعقاد قمّة «سيل سان كلو» في 13 ديسمبر 2017 أي أسبوعا واحدا بعد الزيارة التي قام بها إليها الرئيس إيمانويل ماكرون في السّادس من نفس الشهر. ويرجع الرّفض الجزائري إلى عدّة أسباب، أوّلها أنّ دستور الجزائر لا يسمح بمشاركة قوّات الجيش الجزائري في عمليات عسكرية ميدانية خارج الحدود، وقد أكّد الوزير الأوّل أحمد اويحيى، خلال زيارته الأخيرة إلى باريس، أنّ الجزائر تبذل جهودا «معتبرة» لتأمين منطقة الساحل، لكنّه استبعد إمكانية انضمامها للقوة المشتركة لمجموعة دول الساحل الخمس.

وأوضح أحمد أويحيى أنّ مساهمة الجزائر في تأمين الساحل «تتمّ في إطار العلاقات الثنائية مع البلدان المعنية»، وأنّ «التّنسيق العسكري والأمني بين الجزائر وبلدان الجوار» قائم منذ عقد من الزمن. أمّا السّبب الثّاني فهو يتعلّق بما تعتبره الجزائر تنكّرا لجهودها في مكافحة الإرهاب والتهريب، حيث تؤكّد أنّها أنفقت خلال السنوات الثماني الماضية، 100 مليون دولار، لتدريب 12 قوّة خاصّة من موريتانيا حتّى تشاد، كما قامت بمنح هذه الدول عتادا عسكريا».

غير أنّ مجموعة دول الساحل الخمس لم تتشاور معها ولم توجّه لها الدعوة للانضمام اليها عندما عقدت قمّتها التأسيسية في نواكشوط. وتجدر الملاحظة أن الجزائر احتضنت في مارس 2010 قمّة قرّرت إنشاء لجنة سمّيت «لجنة قيادة الأركان العملياتية لمكافحة الإرهاب ومواجهة الجريمة العابرة للحدود»، وضمّتها إلى جانب كل من مالي وموريتانيا والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو، وقد اتّخذت اللجنة من تمنراست في جنوب الجزائر مقـــرّا لها، كمـــا ركـّزت مركزا استخباراتيا في الجزائر العــاصمة، وذلك بغـــرض التعـــاون الأمني بين الدول الأعضاء ومحاربة تنظيـــم «القاعدة» دون أيّ تـدخّل غربي.

وإلى جانب ذلك عملت الجزائر على إبرام ما سمّي باتفاق الجزائر من أجل السلم والمصالحة الوطنية في شمال مالي وقد كلّفت بمتابعة تطبيقه بالتعاون مع شركاء دوليين آخرين لمالي من بينهم فرنسا.

وهكذا يكون الخلاف بين الجزائر وبين دول المجموعة وفرنسا راجعا إلى اختلاف عميق وجذري في النظرة الى أسلوب معالجة الأوضاع في المنطقة، ففي حين كانت الجزائر تريد أن توحّد جهود دوّل المنطقة في إطار «حلف أفريقي» يحلّ مشاكله الأمنية بمفرده مع استبعاد أيّ تدخّل أجنبي في شؤونه، وفي حين كانت تعتزم، لإنجاح هذه المبادرة التي سمّيت بمبادرة دول الميدان، تعبئة 50 ألف جندي مع إمكانية تزويدهم بالأسلحة اللازمة، وتدريبهم وتوفير ما يحتاجونه من معلومات استخباراتية، قامت دول المجموعة الخمس في فيفري 2016 بالإعلان، في غيابها، عن تشكيل القوّة المشتركة لمكافحة الإرهاب في الساحل الأفريقي، برعاية ودعم من الاتحاد الأوروبي، وبالتّحديد من فرنسا.

وفي هذا الإطار قال الرئيس التشادي، إدريس ديبي، إنّ الدول الأعضاء في المجموعة تقع على «خطّ المواجهة ضدّ الخطر الإرهابي»، وأنّها ستسعى للحصول على تمويل لقوّتها المشتركة من الاتحاد الأوروبي، لأنّها ستوفر على أوروبا الزج بجنودها في عمليات داخل إفريقيا في وقت «يتنامى فيه خطر الإرهاب».

وفي انتظار القمّة التي ستعقد في بروكسيل في مطلع شهر فيفري 2018، ستحاول فرنسا وألمانيا، ومعهما الولايات المتحدة ودول أخرى معنية، إقناع الجزائر بالمشاركة في هذا الجهد الإقليمي الدولي لمكافحة الإرهاب، خصوصاً أنّها عانت وتعاني من هذا الخطر وتملك خبرة يفترض أن تساعد دول الساحل على تجنّب الوقوع فيما وقع فيه العراق وسوريا.

بيد أنّ السؤال الذي يبقى قائما هو هل ستفلح هذه الدول في إقناع الجزائر بالتخلي عن قناعتها الراسخة بأنّ مشاركتها تظل مستحيلة في ظل «مشاركة فرنسا العسكرية المباشرة ووجود مستشارين عسكريين أمريكيين ضمن المبادرة»، خاصّة وأنّها تعتقد أنّ «مشاركة الجيش الجزائري في عمليات يشارك فيها عسكريون من خارج المنطقة يعطي مبرّرا للإرهابيين لمواصلة القتال بدعوى طرد القوّات الأجنبية الكافرة»؟
المفارقة الخامسة

في مقابل ما تقدّم تنظر الرباط بعين الرّضا الى قيام هذه المجموعة وإلى القوّة المشتركة التي ستنشئها وقد ظهر ذلك فيما أبداه وزير خارجيتها على هامش اجتماعات الجمعية العامّة للأمم المتحدة خلال سبتمبر 2017 من استعداد بلاده لدعم المجموعة في مجال تدريب القوّات وأمن الحدود، فضلا عن الخبرة المغربية في تدريب الأئمّة ومكافحة التطرف.

ومن الطّبيعي أن يهتمّ المغرب بهذه المنطقة حيث يردّد مسؤولوه باستمرار أنّ الجنوب والجنوب الشرقي هما مصدران أساسيّان للمخاوف، حيث تنتشر في الساحل الحدودي الهجرة غير الشرعية، والاتّجار غير المشروع بالسلاح والبشر، كما أنّه يشكّل ملاذاً لـ»تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» ومجموعة متكاثِرة من الجماعات المسلّحة التي تستخدمه مسرحاً لعمليّاتها، ومجمل هذه التحدّيات تلقي بثقلها على المغرب، خاصّة وأنّ مزيدا من المهاجرين غير الشرعيين يستقرّون في البلاد، ويتفشّى الاتّجار غير المشروع أكثر فأكثر في أوساط الشباب الصحراوي، وتواجه المدن الكبرى والمعالم السياحية خطر التعرّض إلى مزيد من الهجمات الإرهابية الإسلامية.

والسّؤال الذي يتبادر الى الذّهن هنا هو ماذا سيكون لذلك من تأثير في تعميق الخلاف بين الجزائر والمغرب وفي مضاعفة التباينات التي تفصل بين بلدان المغرب العربي والتي تطبع أهداف كلّ منها وتحرّكاته إزاء منطقة هي في الواقع امتـداد جيو-سياسي له وفي نفس الوقت مصدر مخاطر استراتيجية مشتركة بسبب ما يعتمل فيها من إرهاب متنقّل وجريمة منظّمة وتهريب سلاح عبر حدود سمّتها الهشاشة؟
المفارقة السّادسة

في ختام القمّة التأسيسية في نواكشوط، دعا رؤساء تشاد ومالي والنيجر وموريتانيا وبوركينا فاسو الأمم المتحدة إلى تشكيل قوّة دولية للتدخل عسكرياً والقضاء على المسلّحين في ليبيا.

وفي هذا السياق أعلن الرئيس الموريتاني، محمد ولد عبد العزيز أنّ دول المجموعة طلبت رسمياً من مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي تشكيل قوّة دولية للتدخل العسكري السريع في ليبيا. وأضاف قائلاً «الأمر يعود الى الشعب الليبي فهو من يحدّد طريقة الخروج من الأزمة وأعتقد أنّهم باتوا مقتنعين الآن بأهمية التدخل الدولي لحماية المؤسسات وإيجاد قوّة على الأرض لحماية خيار الشعب الليبي».

والسّؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ماذا يمكن أن ننتظر من مجموعة إقليمية كانت هذه الدّعوة الى التدخل في ليبيا باكورة أعمالها؟
المفارقة السّابعة

سعت فرنسا إلى إدراج أعمال «القوّة المشتركة» تحت الغطاء الأممي باستخدام المادّة السّابعة من ميثاق الأمم المتحدة. لكنّ الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن ترغب في ذلك حيث أنّها تريد تقليص نفقات الأمم المتحدة وتعتزم الحدّ من مساهمتها في ميزانيتها.

غير أنّ الدولتين تشتركان في نغس الرّغبة فيما يتعلّق بالبحث عن كيفيّة جعل هذه القوّة قادرة على تعويض مهمّة القوات الدولية التابعة للأمم المتحدة والقوات الفرنسية التي تتمركز في المنطقة للتصدي للإرهاب.

وقد أصدر مجلس الأمن الدولي، يوم الجمعة 09 ديسمبر 2017 بالإجماع قرارا يجيز لقوات الأمم المتحدة المنتشرة في مالي، تقديم دعم لوجستي وعملياتي لقوّة دول مجموعة الساحل لمكافحة المتطرّفين.

وكان هذا القرار الذي قامت فرنسا بصياغة مشروعه موضع مفاوضات صعبة مع الولايات المتحدة.

ويشمل هذا الدّعم الإجلاء الطبي والإمداد بالوقود والمياه والحصص الغذائية، إضافة إلى الاستعانة بوحدات الهندسة في القوّة الأممية من اجل بناء معسكرات وقواعد عسكرية لمكافحة الإرهابيين.

ويطلب القرار من الأمين العام للأمم المتحدة أن يتوصّل «في أسرع وقت» إلى «اتّفاق تقني» بين منظّمته وبين مجموعة دول الساحل الخمس حتّى يتمّ تقديم الدّعم اللوجستي والعملياتي المقرّر عبر قوّات الأمم المتحدة في مالي.

وحتّى يتسنّى تخطّي موقف الولايات المتحدة المعترض، دعا القرار إلى إنشاء «آلية ينسّقها الاتحاد الأوروبي» ويسدّد عبرها للأمم المتحدة النفقات المخصّصة للقوّة الجديدة.

ويطرح الحرص على إضفاء طابع أممي على القوّة المشتركة سؤالا حول دوافع فرنسا ونواياها فيما يتعلّق بالأدوار التي قد تدعى إلى الاضطلاع بها في المستقبل القريب والبعيد؟

إنّ جميع المفارقات التي تطرقنا إليها وجميع الأسئلة التي طرحناها في هذا المقال تشكّل في نفس الوقت تنبيها لما يحدث، ودعوة إلى اتّخاذ ما يجب من الاحتياطات لما يمكن أن يكـون له من ارتدادات وامتدادات مستقبليّة.

محمّد ابراهيم الحصايري

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

Back to top button
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com