إحداث حضانة أطفال للأم العاملة بمجلس النواب يدحض موقف بنكيران من المرأة

ما من شك في أن المرأة المغربية تشكل لبنة أساسية في بناء الأسرة، وتضطلع بأدوار مركزية في التنمية الاجتماعية، وأنها في ظل ما عرفه المجتمع من تحولات سريعة، لم تعد وظيفتها تنحصر في الإنجاب والعناية بالأطفال وأشغال البيت، حيث اضطرتها الظروف الاقتصادية الصعبة، إلى أن تصبح شريكا أساسيا للرجل في اقتسام عبء المسؤولية، فضلا عن تربية الأبناء على القيم السامية، وبناء الحضارة الإنسانية….
ورغم ما تحقق للمرأة عامة والعاملة بوجه خاص، من مكاسب سياسية واجتماعية واقتصادية وحقوقية وثقافية وبيئية، بفضل كفاحها الطويل والمرير، من خلال جمعيات المجتمع المدني والهيئات السياسية والمنظمات النقابية والحقوقية… مازالت تئن تحت وطأة الاستغلال البشع بالبيت ومقرات العمل، وفي حاجة قصوى إلى مواصلة النضال، لتحقيق أهدافها والتخلص من جحيم المعاناة، الذي يتعاظم لهيبه بشكل رهيب، ويحول دون أداء واجباتها الإنسانية وفق ما ترتضيه لنفسها وبيتها ومجتمعها.
وخلافا لموقف رئيس الحكومة السيد عبد الإله بنكيران، الذي ظل منذ بداية ولايته التشريعية ينظر إليها نظرة ازدراء، ويعتبرها مجرد “ثريا”، تقتصر وظيفتها المركزية على إنارة البيت، وتكريس حياتها لخدمة الأطفال وتلبية رغبات الزوج، فإن رئيس مجلس النواب، السيد رشيد الطالبي العالمي، وحسب ما تداولته بعض وسائل الإعلام المختلفة، أبدى تعاطفا كبيرا مع المرأة العاملة ورق قلبه لما تكابده من متاعب بالبيت وخارجه، لاسيما بعد الوضع، وما يلزم طفلها الرضيع”ة” من عناية استثنائية. لهذا يعتزم القيام بمبادرة طيبة، ترفع عنها جزء من معاناتها وتكريمها في شخص البرلمانية الأم، عبر بناء حضانة أطفال خاصة، ومرآب تحت أرضي لسيارات نواب الأمة بجوار البرلمان…
ونعم الالتفاتة الكريمة، حتى وإن كانت تخص فئة من المحظوظات في المجتمع، فاللهم لا حسد، مادامت الأم البرلمانية ليست أي أم من الأمهات الأخريات، كما قد يعتقد –أمثالي- من قصيري البصر والبصيرة. إنها بصرف النظر عن مؤهلاتها العلمية، مدعوة إلى المساهمة رفقة زملائها حتى من غير حاملي الشهادة الإعدادية، في صياغة التشريع وصناعة السياسات العمومية، والسهر على اقتراح القوانين العادية والتنظيمية، والمصادقة عليها وتعديلها وإلغائها، وهي الأكثر انضباطا في حضور جميع الجلسات العامة واجتماعات اللجن النيابية بالبرلمان، ولا تتغيب إلا تحت ظروف قاهرة. أرأيتم جسامة مسؤولياتها؟ وهل امرأة بهذه القيمة، لا تستحق الاستفادة من هكذا “امتيازات” ؟
فمثل هذا السخاء الحاتمي، ليس جديدا على شخص سبق له تدشين ولايته، بتكليف ميزانية الدولة مبلغ 17 مليار سنتيم من أموال الشعب، لشراء حضور ممثلي الأمة إلى أشغال مختلف جلسات البرلمان، عبر إبرام ثلاثة عقود مع كل من الخطوط الملكية الجوية المغربية، المكتب الوطني للسكك الحديدية والمكتب الوطني للطرق السيارة، ثم الاستفادة من بطاقات استهلاك الغازوال والإقامة بفنادق ممتازة لغير القاطنين بالرباط. فماذا تحقق من وراء كل هذه الإغراءات؟ مازال البرلمانيون “المحترمون” متمادين في تغيباتهم، دون أن يسارع سيادته بنفس الهمة والإصرار، على وضع نص قانون تنظيمي تحدد بموجبه الاقتطاعات الممكن اعتمادها، في حالات الغياب غير المبرر، للحد من التسيب القائم والحيلولة دون التذرع بمبررات واهية من قبيل: المرض، حضور أعمال المجالس المنتخبة، أو السفر خارج الوطن في مهام “رسمية”…
ألم يكن حريا بهؤلاء “الممثلين”، الذين مافتئوا يستنزفون ميزانيات ضخمة من أموال الشعب، سواء أثناء ولايتهم التشريعية أو بعد نهايتها في شكل معاش/ريع أبدي، أن ينكبوا على سن قوانين تعنى بظروف جميع الأمهات العاملات والموظفات، في المعامل والضيعات الفلاحية كما في مؤسسات التعليمية والمراكز الصحية…؟ فالموظفات، يشكلن أكثر من ثلث الموظفين، وتعرفن كما العاملات في القطاع الخاص، اختلالات عدة على مستوى القوانين المنظمة لعملهن بقليل من التباين، وأيضا على مستوى ممارسات أخرى تمييزية وأخلاقية تحط من كرامتهن.
والأم العاملة، سواء في القطاع العام أو الخاص، مطالبة بالتوفيق بين مهامها المهنية والمنزلية، حرصا على عدم تأثر مردوديتها وحفاظا على مصدر رزقها، كما أنها قد تضطر إلى تفادي التغيبات الاضطرارية أو المشاركة في الإضرابات، حتى لا يتعرض راتبها الشهري لمقص الاقتطاعات الموجعة، ناهيكم عن فقدانها لنعمة الراحة بالبيت إذا كان أطفالها صغارا، ينتظرون باستمرار دعمها التربوي والدراسي، فما بالكم إن كان لها رضيع”ة” آخر؟ وهو ما قد يعرضها إلى الإنهاك البدني والتوتر النفسي وارتفاع ضغط الدم… وينعكس سلبا على وظيفتها الأساسية (الأمومة) وواجباتها المهنية.
وبالإضافة إلى ما سلف، هناك نماذج من الأمهات في مجالي التعليم والصحة: مدرسات وطبيبات، تجبرهن ظروف العمل على حرمان صغارهن من الرضاعة الطبيعية وتركهم لدى أمهاتهن، أحيانا خارج مدن إقامتهن، أو في “حضانات” أطفال تحت رحمة “مربيات” تجهلن أبسط مبادئ التربية… فكيف لمثل هؤلاء الأطر في قطاعين اجتماعيين هامين، الارتقاء بجودة خدماتهن وفق ما يقتضيه الواجب المهني؟ ثم هناك الكثير من الأمهات تغادرن بيوتهن في الساعات الأولى من الصباح، تودع أطفالهن لدى أمهاتهن في أحياء بعيدة أو عند جاراتهن، ولا تعدن إلا ليلا منهكات القوى. فأي مستقبل ينتظر هؤلاء الضحايا الصغار؟ مآسي كثيرة تعيشها الأم العاملة، وحده الله يعلم حجمها وآثارها النفسية…
فالقانون ببلادنا، مازال قاصرا ولا يراعي ظروف الأم العاملة، حتى وهو يمنح الموظفة عطلة الأمومة مدتها ثلاثة أشهر، والسماح بوضعها رهن إشارة تربية أطفالها، خاصة في حالة وجود إعاقة، مع توقيف المسار المهني وتعليق الأجرة، إذ هناك تجارب أخرى تجيز العمل بنصف الدوام مقابل ثلثي الراتب، والرفع من رخصة “الولادة” إلى ستة شهور بأجر كامل وستة أخرى بنصفه، أو العمل عن بعد عبر الحاسوب… ألم يستطع “رواد” البرلمان على مدى أزيد من خمسة عقود، ابتكار نصوص قانونية جديدة، تحمي حقوق المرأة في بناء مستقبلها المهني إلى جانب ممارسة أمومتها بشكل مريح، وتضمن لأطفالها حق الاستفادة من حنانها وتربية سليمة؟ فلماذا تصرف للبرلمانيين كل تلك التعويضات والامتيازات الخيالية، مادام خطابهم السياسي دون مستوى تطلعات الجماهير الشعبية، لا يفكرون عدا في مصالحهم الذاتية على حساب القضايا الوطنية الكبرى وانشغالات المواطنين، ولم يفلحوا عدا في تحويل مقاعدهم إلى إرث ثمين، والبرلمان إلى مجرد ساحة للمبارزات السياسوية وإنتاج المهازل؟
***************************************

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

Back to top button