معا.. لمحو آثار الاسترقاق 2

أشرنا في تدوينة سابقة إلى تعرض منطقة الصحراء الكبرى وجنوبها لظاهرة “الاسترقاق غير الشرعي” بشكل بارز منذ قرون، ومن بحث في أسباب تلك الظاهرة سيجد عدة أسباب لا تمتّ إلى الشرع بصلة، ومنها على سبيل المثال:
1- فشو الجهل وقلة الديانة التي تجعل بعض المسلمين يغير بعضهم على بعض ويستبيحون أموال بعضهم ويسبون نساءهم، وقد نص على ذلك العلامة محمد فال العلوي حين قال:”وتجار العبيد كانوا في الزمن القديم يرحلون إلى بلاد السودان، ويسرقون أبناءهم ويبيعونهم، والسودان أيضا كان القوي منهم يبيع الضعيف، وفيهم المسلمون”، وقبله ينص الفقيه محمد أعمر التنبكتي على هذا فيقول ” .. وجميع سنغان كلهوي فلا يجوز تملكهم، وكذلك فلّان كلهم لأنهم يتنازعون ويغير بعضهم على بعض ويبيع بعضهم بعضا كالعرب الذين يعْدون على الأحرار المسلمين يبيعونهم ظلما..”.
2- انتشار الفقر والحاجة، ما يحمل ضعفاء النفوس على استرقاق الأحرار وبيعهم بدراهم معدودة، أو يجعل الفقير يقرّ بالرق لنيل حظوة لدى الوجهاء لتأمين لقمة عيشه.
3- الحملات الأوروبية المتتالية على المنطقة بحثا عن العبيد، وقد اتخذوا في كل قطر سماسرة من ذوي النفوذ يؤمّنون لهم حاجتهم من الرقيق الأسود خاصة، لتشغيلهم في مختلف المهن الشاقة، واتخذوا من شواطئ الأطلسي موانئ لتصدير مجلوبيهم إلى بلادهم، وقد قاد الإمام ناصر الدين (من علماء ولاتة تـ 1084هـ) حركة التائبين التي جعل من أهدافها وقف استرقاق الأحرار، ومنع بيعهم للنصارى وقاتل في ذلك، وعندما سئل عن المستند الذي استند إليه في استحلال قتال أعدائه، قال: “لاسترقاقهم الأحرار”.
هذه هي أهم الأسباب، وإن كان ثمة شبهات يرددها مشرعنة الرق هناك، فالشبهة الأولى هي أن يكون الأرقاء جاءوا من فتوحات القرن الهجري الأول والثاني عندما فتحت الأندلس وشمال إفريقيا وأن أسيادهم أسروهم من ذلك الزمن أو آلوا إليهم ممن أسروهم من جهاد شرعي ثم نزحوا إلى بلاد الصحراء وجنوبها والمناطق المجاورة، وهذه الشبهة منقوضة بأن الأرقاء كانوا حينئذ من الأجناس البيضاء.
الشبهة الثانية أن يكون أرقاء اليوم جاؤوا من فتوحات بلاد السودان والتكرور وبرنو… وهذا مشكوك فيه غاية الشك حيث “إن بلاد السودان أسلموا بلا استيلاء أحد عليهم فهم مسلمون أحرار لا يجوز تملكهم” كما يقول العلامة أحمد بابا التنبكتي، بل أجمع المؤرخون على أن أفريقيا بأسرها انتشر فيها الإسلام بالوسائل السلمية.
الشبهة الثالثة: أن يكونوا مجلوبين إثر حروب حديثة وقعت بين المسلمين الفلان أو السنغاي أو الطوارق وبين بعض قبائل الموشي الوثنيين، وهذا منقوض بما قبله حيث علمنا أن السودان أسلموا بلا استيلاء أحد عليهم ومن لم يسلم ابتعلته الدول الإسلامية المتعاقبة هناك فصاروا في حكم أهل الذمة والمعاهدين، وما يحصل من حروب بين القبائل المسلمة وجيرانهم من أهل الذمة والمعاهدين لا يخرج عن كونه قضايا أفراد وافتياتا على ولاة أمر المسلمين هناك، مثلها مثل ما يقع بين القبائل المسلمة هناك فيأسر بعضهم بعضا ويستولون على أموال بعضهم كما هو معلوم لمن له أدنى معرفة بتاريخ تلك المنطقة، وهذا ما تنبَّه له بعض أعلام المنطقة في كل قرن ونبهوا إلى خطورته بل أوذي بعضهم بسبب إنكاره لذلك المنكر الذي استمرأه الوجهاء وأصحاب الرئاسات والهيئات هناك، ما يجعل التصريح بإنكاره محفوفا بالمخاطر.
الشبهة الرابعة: قولهم إنا وجدنا هؤلاء الأرقاء عند آبائنا ولا نتهم آباءنا بالاستيلاء عليهم قهرا وظلما، وهذا صحيح لكن تبين من خلال البحث المتواضع ما يستدعي القول بعدم صحة الأصل، والشك في الرق يلغيه على قاعدة التشوف الشرعي فضلا عن عدم ثبوته أصلا… والله أعلم.

وكتب: م.ع

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

Back to top button

مانع الإعلانات

إذا تمت إعادة توجيهك إلى هذه الصفحة ، فمن المحتمل أنك تستخدم برنامج حظر الإعلانات.