انتفاضات أزواد بين طموح الاستقلاليين و انتهازية الاندماجيين

إذا أردنا  معرفة ما يحدث  لشعب  ما يتعين علينا  متابعة التطورات في محيطه الإقليمي والدولي لأن ثورات الشعوب وانتصارها وإخفاقها ليست  شأن داخلي بل هي في جانب كبير  خارجي تحكمها قواعد لعبة تفرضها قوى إقليمية   وأن تغييرها وفرض حق تقرير المصير يتطلب من ضمير الثورة الدخول في تحالفات  منافسة  وذلك بالقيام بحراك شعبي فاعل   يسمى بلغة العصر الحديث  ” الربيع السياسي ” الذي يفرز واقع جديد يرغم القوى الكبرى والمحيط الإقليمي على التعامل معه كحقيقة على الأرض .   

 وفي الحالة الأزوادية خرج الطوارق  نهاية الخمسينات منهكين من حرب المستعمر الفرنسي الذي قسم أرضهم  بين عدة دول و في عام 1963 قامت ثورة كيدال بقيادة سياسية ممثلة بالأمير محمد علي الأنصاري أمير طوارق ولاية تمبكتو  و عسكرية بقيادة الأمير  زيد أغ  الطاهر  أمير قبائل كيدال  انتهت بتسليم  قادتها  لمالي   بهدف  إنجاح وساطة منظمة الوحدة الإفريقية التي قادها رئيس مالي موديبو كيتا آنذاك لوقف إطلاق النار في حرب الرمال بين المغرب والجزائر.   

وفي عام 1990  فرضت شركة توتال الفرنسية  عبر الحزب الاشتراكي الفرنسي بقيادة فرانسوا ميتران و الزعيم الليبي معمر القذافي  وجناح هواري بومدين  بقيادة  الجنرال توفيق الحاكم الفعلي للجزائر آنذاك  قواعد لعبة وهي الانقلاب على  قادة ثورة 63  وتنصيب  ” اياد اغ غالي ” وجعله وجماعته  مرتزقة يقاتلون مع القذافي في حروبه في تشاد وجنوب لبنان وتستخدمهم الآلة الدبلوماسية للجنرال توفيق لتسويق نفسها كصانعة  للسلام و الاستقرار الإقليمي  كما  فرضوا زعماء قبليين مواليين له على أقاليم أزواد  لتفكيك النسيج الاجتماعي ووضع قبائلهم   تحت وصايته  وجعل كيدال من تقطف الثمار المادية والدعائية  للانتفاضات  وتجويع وإفقار بقية المناطق  لتكون ذمم قادتها قابلة للبيع والشراء  ونشر ثقافة الانتهازية  والتسلق على أكتاف الأرامل والثكالى والأيتام والتكسب من وراء معاناة الشعب  ونتيجة لذلك  شهد المجتمع الأزوادي انقسام عامودي وافقي إلى معسكرين .

الأول : معسكر الاندماجيين بقيادة إياد اغ غالي ويعمل ضمن قواعد لعبة  شركة توتال الفرنسية والحزب الاشتراكي الفرنسي  والقذافي وشركة سونتراك جناح الجنرال توفيق بالجزائر ففي عام 1990 عندما حاول موسى تراوري التفاهم مع الروس  على استخراج النفط أشعلوا له ثورة مسلحة  في شمال مالي  وبعد انقلاب امادو توماني توري وتفاهمه مع الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران ابرموا اتفاقية الميثاق الوطني برعاية جزائرية  وفي عام 2011 عندما حاول امادو توماني توري التنقيب عن النفط لصالح الأمريكيين استثمرت  توتال الفرنسية  الربيع العربي والإطاحة بالقذافي وشجعوا  الحركة الوطنية وحركة أنصار الدين  على الثورة والمطالبة بحق تقرير المصير وإقامة الخلافة الراشدة  ثم التدخل الفرنسي الذي كان  ظاهره محاربة الحركات الإرهابية وباطنه السيطرة على ثروات شمال مالي وحرمان شعب أزواد من الاستقلال .

 وقد توزع  معسكر الاندماجيين  الذي يقوم  بثورة مضادة  للرجوع  لمالي إلى جناحين  يديرهما إياد غالي زعيم حركة أنصار الدين  المثير للجدل  واحد يسمى بلات فورم يتزعمه  الهجي غامو قائد حركة غاتيا  وهو يناضل من أجل وحدة أراضي مالي ومنع قيام دولة الطوارق في الشمال خوفا من اضطهاد القبائل المسيطرة على الحركة الوطنية  بينما يسمى الأخر  منسقية الحركات الأزوادية  سيما ويتزعمه  العباس اغ انتالا  ويضم الحركة العربية بقيادة  سيداتي وحركة بلال اغ الشريف وبعض شيوخ القبائل المرتبطين بمشروع القذافي ” تجمع قبائل الصحراء الكبرى  ” وهو يناضل لتطبيق الاتفاق الذي يمنع تقسيم مالي  الموقع في  واغادغو   ليحتكروا تمثيل أزواد ويتقاسموا  مع نظام مالي نهب المساعدات المقدمة للشمال  .

المعسكر الثاني : معسكر الاستقلاليين الذي أسسه الزعيمان  الخالدان في قلوب الشعب  الأمير محمد علي الأنصاري أمير طوارق ولاية تمبكتو والشهيد مانو دياك زعيم المقاومة في النيجر كما يضم بعض  أتباع الأمير  زيد اغ الطاهر  أمير قبائل كيدال القائد العسكري لثورة 63  و بعض أتباع عيسى سيدي محمد زعيم الجبهة الشعبية لتحرير أزواد  وأتباع الشهيد مولاي سليمان القائد العسكري للجبهة العربية الإسلامية  لتحرير أزواد  وهو تيار يضم منظومة القوى المطالبة باستقلال الطوارق ويسعى لقيام دولة أزواد وحق تقرير المصير في شمال النيجر  ويضم قادة سياسيين مخضرمين وعسكريين من مختلف الرتب  وزعماء تقليديين  وشخصيات نسائية نضالية وإعلاميين وكتاب ومفكرين ووجهاء وشخصيات اعتبارية ومشاهير وشباب ناشطين في شبكات التواصل الاجتماعي  و يمثل المعارضة التقليدية التي رفضت ضم أزواد لمالي منذ نهاية الخمسينات ويرفض كل الاتفاقيات المبرمة بين مالي والحركات  الاندماجية  ونشاطه مستمر  و يقوم  بالمقاومة السلمية السياسية والاجتماعية  والإعلامية وصولا لتحقيق أهدافه وهي الاستقلال وبناء الدولة الأزوادية  المستقلة الفاعلة في محيطها الإقليمي والدولي ويعتبر  ” المؤتمر الوطني الأزوادي ”   أحد أبرز أقطاب  معسكر الاستقلاليين   .

وخلال  السنوات الماضية عمل  معسكر الاستقلاليين الأزواد  خلف الكواليس من أجل  تغيير قواعد اللعبة تدريجيا وفق إستراتيجية  داخلية تقضي بصنع  معارضة شعبية لكل الاتفاقيات التي تبرمها مالي مع  الاندماجيين  ومهاجمة جناح الجنرال توفيق في الجزائر إعلاميا وخارجيا البحث عن حليف غربي  يزيح  القذافي  و يصنع  حليف  لمعسكر الاستقلاليين داخل  مؤسسة الحكم الجزائري وفي منطقة المغرب الكبير  وقد استخدم مانو دياك  وتلاميذه علاقاتهم بدوائر صنع القرار الغربي للتمهيد  للتغيير المطلوب ومنها دعم جاك شيراك عمدة بلدية باريس وإيصاله لقصر الأليزي عام 1995 .

وقد  تعاون الجناح العسكري للرئيس عبد العزيز بوتفليقة  بقيادة الفريق ركن  أحمد  قايد صالح مع  ” معسكر الاستقلاليين الأزواد  ”  على أساس تسويق بوتفليقة من طرفهم  لدى دوائر صنع القرار الغربي  المؤيدين لقضية أزواد لإنجاح مشروع الوئام المدني وإعادة الاعتبار  للدبلوماسية الجزائرية  على ضفتي المتوسط  عبر بوابة  مشروع  ” الاتحاد من اجل المتوسط الذي أطلقه ساركوزي الحليف القوى لمعسكر الاستقلاليين الازواد في الساحة الأوربية  ”   مقابل تحسين أوضاع الطوارق ومنح أمرائهم  في الجنوب الجزائري وقادة الطرق الصوفية  المؤيدين لاستقلال أزواد معاملة تفضيلية وجعل ولاياتهم  في الجنوب  تحظى بمشاريع تنموية وسياحية  والتسامح مع الناشطين  الذين يروجون لقيام دولة أزواد وترقية بعض الضباط الامازيغ المؤيدين لاستقلال أزواد  وتعيينهم  في مواقع قيادية بالمؤسسة العسكرية والأمنية الجزائرية  وزيادة الاهتمام بالأمازيغية تدريسا وإعلاما بإنشاء فضائيات أمازيغية بكل اللهجات بما فيها برامج بلغة الطوارق ويقود معسكر الاستقلاليون النهضة الأزوادية نحو الحرية والاستقلال كما أن الحراك  الأزوادي جزء من  المشهد الإقليمي في  منطقة الشرق الأوسط والمغرب الكبير التي يتنافس  فيها مشروعين   .

الأول  : ”  مشروع الحرب على الإرهاب الذي انطلق منذ أحداث 11 سبتمبر عام 2001  ” الذي يرعاه اللوبي الزنجي الأمريكي المعادي للسامية بقيادة كوندليزا رايس وكولن باول  وتموله توتال  الفرنسية  و تستقوي به الأنظمة المستبدة  وينخرط فيه جناح  الجنرال توفيق في الجزائر ويدعم  وحدة أراضي مالي  ويستخدم معسكر الاندماجيين بقيادة اياد غالي في الساحة الأزوادية لتحقيق أهدافه  وهو مشروع زنجي عنصري يدار بإستراتيجية  فارسية صفوية وواجهه مشروع مكافحة الإرهاب  الإقليمية نظام  ولاية الفقيه  الإيراني ويعمل على شيطنة و محاربة المسلمين السنة الساميين  البيض عبر العالم ومن أهدافه تقسيم بلاد العرب بين الفرس والزنوج عبر  فوضى خلاقة يقتل فيها البيض بعضهم بعضا ويمنع الناجون منهم من  دخول أميركا  بحجة الخوف من ارتباطهم بالإرهاب  وتحويل أميركا من بلد العم سام إلى أرض العم حام يحكمها السود مثل جنوب إفريقيا   .

وتقوم  إدارة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند  بالمتاجرة بمكافحة الإرهاب داخليا للانتقام من المسلمين الفرنسيين الذين يرفضون التصويت لها  كما تقوم باستثماره  خارجيا لتبرير تدخلاتها في مالي وكذلك في الملف السوري  ضد المعارضة التي تدعمها  باريس دعائيا  لكسب أموال الخليجيين  وتقصف أجنحتها  العسكرية  داخل  سوريا بالتنسيق مع الروس والإيرانيون لحماية الرئيس بشار الأسد وبخروج الجنرال توفيق من السلطة تكون الجزائر قد قفزت من سفينة الحرب على الإرهاب التي  تقودها طهران   كما تفعل الفئران قبل غرق السفينة وقد أدى دعم الرئيس الفرنسي  فرانسوا هولاند   لحكومة مالي ضد المقاومة الأزوادية إلى إقصاء فرنسا  من أغلب الملفات الشرق أوسطية بطريقة مدروسة وقد أصبح 1.7 مليار سني عبر العالم يكرهون أميركا وفرنسا وإيران بسبب جرائم  مشروع الحرب على الإرهاب  في العالم الإسلامي   .

ويلاحظ المراقبون أن الرئيس الأمريكي الأسود باراك اوباما القيادي في اللوبي الزنجي المعادي للسامية   لم يترك قرية أو بلدة فيها مسلم سني أبيض في اليمن أو باكستان إلا وضربها بالطائرات بدون طيار بحجة مكافحة الإرهاب  لينتقم من الإنسان الأبيض  بينما بوكو  حرام الزنجية لم يطلق عليها رصاصة واحدة  كما يحرص اللوبي الزنجي وشركة  توتال الفرنسية  على افتعال أحداث إرهابية دموية  في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا لرفع شعبية قادتهم ومرشحيهم في استطلاعات الرأي والتضييق على الجاليات المسلمة وتخويف اليهود من العيش في الدول الغربية  حتى يرحلوا ويزول نفوذ لوبياتهم  لتبقى مكافحة الإرهاب  والاسلامو فوبيا سلعة  رائجة في الغرب ويكون  محاربة الإرهاب مشروع  كل مرشح فاشل ليس لديه برنامج مقنع  والتسويق من خلال الاتفاق النووي مع إيران  لنظام ولاية الفقيه  الفارسي  العقل المدبر لمشروع مكافحة الإرهاب وأدواته على أنه شريك مخلص للقوى الكبرى  في محاربة التطرف و الإرهاب .

الثاني : مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي ترعاه اللوبيات السامية البيضاء  يسعى لبناء دولة أزواد في  منطقة المغرب الكبير   ودولة كردية في منطقة الشرق الأوسط ودعم العشائر السنية في العراق وسوريا  ومنح القوميات التي حرمت من الاستقلال   خصوصيتها ضمن دول متعددة الأعراق وتدريس لغاتها  بضمانات دستورية ومنحها فضائيات للتعريف بنفسها وعاداتها وتقاليدها  ويؤيد معسكر الاستقلاليون في الساحة الأزوادية  وواجهته الإقليمية تركيا  المسلمة البيضاء السنية الأطلسية وقد انضمت إليه دول الخليج بعد عاصفة الحزم بسبب التقارب الخليجي الأمازيغي الناجم عن  دعم جاليات الطوارق في الخليج لعاصفة الحزم  وعبر هذا المشروع تعمل لندن وواشنطن على إعادة تأهيل معسكر الاستقلاليين وصناعة حلفاء له في منطقة الشرق الأوسط ليقود المشهد الأزوادي .

وتجري تحت عباءة  هذا المشروع  عملية السلام في الشرق الأوسط  على كافة المسارات برعاية أميركا بلد العم سام على أساس  حل الدولتين وقد أنشأ معسكر الاستقلاليين الأزواد  شبكة حلفاء مؤيدة  لقيام دولة أزواد ولمشروع الشرق الأوسط الكبير   في الساحة الأوروبية  تشمل حزب  نيكولاي ساركوزي والحزب الديغولي الذي أسسه جاك شيراك والجبهة الوطنية بقيادة ماري لوبين والحزب الديمقراطي المسيحي الألماني  وقادة كاتالونيا   وزعماء  الجاليات المسلمة الأمازيغية  والتركية والكردية  وأبناء الشام ومسلمو شبه القارة الهندية والجاليات  السامية المقيمة في أوروبا  بمختلف أديانها السماوية وينسق معهم  للتصويت لمن يؤيد قضية أزواد  في الانتخابات بالدول الأوروبية  وقد حققوا نتائج طيبة في الانتخابات البلدية و البرلمانية الأوروبية الأخيرة .

ومن أجل  تحقيق أهداف  شعب أزواد القريبة والبعيدة المدى يتعين الإسراع في  إعادة ترتيب البيت الأزوادي  من أجل بناء تكتل وطني يضم جميع القوى مثل التحالف الكردستاني أو منظمة التحرير الفلسطينية أو قوى 14 آذار اللبنانية يحتفظ فيه كل فصيل وحزب ومنظمات المجتمع المدني  باستقلاله التنظيمي وخصوصيته لكنه جزء من منظومة وطنية أكبر  لمواجهة مخططات اللوبي الزنجي وشركة توتال  ولإيصال قضية أزواد إلى بر الأمان  من أجل استتباب الأمن ببناء دولة أزواد وعاصمتها تمبكتو  آمنة مستقرة فاعلة  في محيطها الإقليمي والدولي فيدرالية بين ثلاثة إقليم هي تمبكتو وغاو وكيدال بنظام برلماني يكون الرئيس من إقليم جاو ورئيس الحكومة من طوارق  تبمكتو بينما رئيس البرلمان من كيدال ورئيس مجلس الشيوخ من البرابيش ورئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي من السنغاي ورئيس مجلس القضاء من الفولان  .

إن النضال السلمي أجدى وأنفع للقضايا العادلة  وأن المقاومة الذكية عبر القلم أفضل من العنتريات الكاذبة كما أن الدعوة إلى الإسلام تبدأ من تلميع صورته  ثم تشجيع الجاليات المسلمة في الدول الغربية على المشاركة السياسية في بلدانهم والدخول في تحالفات لخدمة قضاياهم وتلميع صورة الإسلام وجعله رقم صعب في سياسة بلدانهم التي يحملون جنسيتها والمساهمة في تعديل دساتير وأنظمة وقوانين بلدانهم لإعطاء الدين الإسلامي مكانة تساوي بقية الأديان السماوية الأخرى في الغرب واستصدار قوانين وتشريعات تجرم الإساءة للإسلام ونبيه ورموزه وتجريم الإساءة للشعوب المسلمة مثل قوانين تجريم معاداة السامية وقوانين تجريم إنكار مذبحة الأرمن وصولا لبناء لوبي سني قوي يحمي مصالح المسلمين السنة عبر العالم ويكبح جماح المؤامرات التي تحاك ضدهم لتحقيق طموحاتهم ونصرة قضاياهم وفتح صفحة جديدة في علاقات العالم الإسلامي مع الغرب  مبنية على الاحترام المتبادل و التعامل بندية.

بقلم : أبو بكر الأنصاري

 رئيس المؤتمر الوطني الأزوادي

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

Back to top button

مانع الإعلانات

إذا تمت إعادة توجيهك إلى هذه الصفحة ، فمن المحتمل أنك تستخدم برنامج حظر الإعلانات.